المساعد الشخصي الرقمي



Loading

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" لجزء عم


EL Mister
11-06-09, 17:37
:besmellah1:

تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" لجزء عمّ

http://www.islamweb.net/newlibrary/BooksCover/big/Doc061.jpg

توازيا مع موضوع "هنا نحفظ جزء عمّ إن شاء الله" (http://www.tunisia-sat.com/vb/showthread.php?t=675117) نضع بين أيديكم إن شاء الله تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" للسور التي سيتم إن شاء الله حفظها.

التعريف بالتفسير :
وتفسيره المسمى بالتحرير والتنوير اسمه الأصلي : "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد وتفسير الكتاب المجيد" .
والكتاب له طبعتان : طبعة على هيئة أجزاء متفرقة نشرتها الدار التونسية للنشر ، وطبعة في خمس مجلدات.
قدم له المؤلف بتمهيد واف ذكر فيه مراده من هذا التفسير وقال :
"فجعلت حقًا علي أن أبدي في تفسير القرآن نكتا لم أر من سبقني إليها ، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة عليها ، فإن الاقتصار على الحديث المعاد ، تعطيل لفيض القرآن الذي ماله من نفاد ، ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين : رجل معتكف فيما شاده الأقدمون ، وآخر آخذ بمعولة في هدم ما مضت عليه القرون وفي تلك الحالتين ضر كثير ، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير ، وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده وحاشا أن ننقضه أو نبيده ، علما بأن غمص فضلهم كفران للنعمة ، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة .( )"
وقد ذكر فيها أهم التفاسير في نظره فبدأها بتفسير الكشاف ثم المحرر الوجيز ثم مفاتيح الغيب وتفسير البيضاوي والآلوسي وذكر بعض الحواشي على الكشاف والبيضاوي وتفسير أبي السعود والقرطبي وتقييد الأبي على ابن عرفة وتفسير ابن جرير ودرة التنزيل . ثم قال : ولقصد الاختصار أعرض عن العزو إليها .
فكأنها مراجعه الأساسية .

وقد أتبع كلامه عن تفسيره بعشر مقدمات :
الأولى : في التفسير والتأويل وتعرض فيه لبيان أن التفسير ليس علمًا إلا على وجه التسامح وناقش ذلك بمقدمات منطقية ترسم أبعادًا لمنهجه العقلاني الذي يتضح من خلال مطالعة تفسيره شيئًا فشيئًا .( )
وقد أثنى في تلك المقدمة على تفسيري الكشاف وابن عطية وقال : وكلاهما عضادتا الباب ومرجع من بعدهما من أولي الألباب . ( )

المنهج العام للتفسير :( )
وتفسير التحرير والتنوير بعتير في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا لايغفل المأثور ويهتم بالقراءات . وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم بشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها .
وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها . ( )

الكتاب موجود بموقع إسلام واب لمن أراد الإطلاع عليه بأكمله

ولمزيد الفائدة يسرني أن أقدم لكم هذا الكتاب القيم في ترجمة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً:
الكتاب: محمد الطاهر ابن عاشور حياته و آثاره
تأليف: د. بلقاسم الغالي
مطبعة: دار ابن حزم
سنة: 1996
260 صفحة
رابط مباشر (http://www.cheikhelif.net/site/livres_scientifiques/mtbachur.pdf)
رابط آخر (http://www.4shared.com/file/65571816/61974b5f/mtbachur.html)

EL Mister
11-06-09, 19:16
بسم الله الرحمن الرحيم

( قل أعوذ برب الفلق ( 1 ) من شر ما خلق ( 2 ) ومن شر غاسق إذا وقب ( 3 ) ومن شر النفاثات في العقد ( 4 ) ومن شر حاسد إذا حسد ( 5 ) )



مقدمة

سمى النبيء - صلى الله عليه وسلم - هذه السورة ( قل أعوذ برب الفلق ) . روى النسائي عن عقبة بن عامر قال : اتبعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو راكب ، فوضعت يدي على قدمه فقلت : أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف ، فقال : لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من ( قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ) .

وهذا ظاهر في أنه أراد سورة ( قل أعوذ برب الفلق ) ; لأنه كان جوابا على قول عقبة : أقرئني سورة هود إلخ ، ولأنه عطف على قوله : ( قل أعوذ برب الفلق ) قوله : ( قل أعوذ برب الناس ) ولم يتم سورة ( قل أعوذ برب الفلق ) .

عنونها البخاري في صحيحه ( سورة قل أعوذ برب الفلق ) بإضافة سورة إلى أول جملة منها .

وجاء في بعض كلام الصحابة تسميتها مع سورة الناس ( المعوذتين ) . روى أبو داود والترمذي وأحمد عن عقبة بن عامر قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقرأ بالمعوذات ( بكسر الواو المشددة وبصيغة الجمع بتأويل الآيات المعوذات ) أي : آيات السورتين . وفي رواية ( بالمعوذتين في دبر كل صلاة ) . ولم يذكر أحد من المفسرين أن الواحدة منهما تسمى المعوذة بالإفراد ، وقد سماها ابن عطية سورة المعوذة الأولى ، فإضافة ( سورة ) إلى ( المعوذة ) من إضافة المسمى إلى الاسم ، ووصف السورة بذلك مجاز يجعلها كالذي يدل الخائف على المكان الذي يعصمه من مخيفه أو كالذي يدخله المعاذ .

وسميت في أكثر المصاحف ومعظم كتب التفسير ( سورة الفلق ) .

وفي الإتقان : أنها وسورة الناس تسميان المشقشقتين ( بتقديم الشينين [ ص: 624 ] على القافين ) من قولهم خطيب مشقشق اهـ . ( أي : مسترسل القول تشبيها له بالفحل الكريم من الإبل يهدر بشقشقة ، وهي كاللحم يبرز من فيه إذا غضب ) ولم أحقق وجه وصف المعوذتين بذلك .

وفي تفسير القرطبي والكشاف أنها وسورة الناس تسميان ( المقشقشتين ) ( بتقديم القاف على الشينين ) زاد القرطبي : أي : تبرئان من النفاق . وكذلك قال الطيبي ، فيكون اسم المقشقشة مشتركا بين أربع سور : هذه ، وسورة الناس ، وسورة براءة ، وسورة الكافرون .

واختلف فيها أمكية هي أم مدنية ؟ فقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وعكرمة : مكية ، ورواه كريب عن ابن عباس . وقال قتادة : هي مدنية ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس .

والأصح أنها مكية ; لأن رواية كريب عن ابن عباس مقبولة بخلاف رواية أبي صالح عن ابن عباس ففيها متكلم .

وقال الواحدي : قال المفسرون إنها نزلت بسبب أن لبيد بن الأعصم سحر النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وليس في الصحاح أنها نزلت بهذا السبب ، وبنى صاحب الإتقان عليه ترجيح أن السورة مدنية ، وسنتكلم على قصة لبيد بن الأعصم عند قوله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد .

وقد قيل : إن سبب نزولها والسورة بعدها أن قريشا ندبوا ، أي ندبوا من اشتهر بينهم أنه يصيب النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعينه ، فأنزل الله المعوذتين ليتعوذ منهم بهما ، ذكره الفخر عن سعيد بن المسيب ولم يسنده .

وعدت العشرين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الفيل وقبل سورة الناس .

وعدد آياتها خمس بالاتفاق .

واشتهر عن عبد الله بن مسعود في الصحيح أنه كان ينكر أن تكون المعوذتان من القرآن ، ويقول : إنما أمر رسول الله أن يتعوذ بهما ، أي : ولم يؤمر [ ص: 625 ] بأنهما من القرآن . وقد أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القراءة بهما في الصلاة وكتبتا في مصاحفهم ، وصح أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قرأ بهما في صلاته .

والغرض منها تعليم النبيء - صلى الله عليه وسلم - كلمات للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة ، والأوقات التي يكثر فيها حدوث الشر ، والأحوال التي يستر أحوال الشر من ورائها لئلا يرمى فاعلوها بتبعاتها ، فعلم الله نبيئه هذه المعوذة ليتعوذ بها ، وقد ثبت أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ بهذه السورة وأختها ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما ، فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين .


قل أعوذ برب الفلق ( 1 ) من شر ما خلق ( 2 )

الأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ لأنها التي عينها الله للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ليتعوذ بها فإجاباتها مرجوة ، إذ ليس هذا المقول مشتملا على شيء يكلف به أو يعمل حتى يكون المراد : قل لهم كذا كما في قوله : ( قل هو الله أحد ) ، وإنما هو إنشاء معنى في النفس تدل عليه هذه الأقوال الخاصة .

وقد روي عن ابن مسعود في أنه سأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن المعوذتين فقال : ( قيل لي قل ، فقلت لكم فقولوا ) . يريد بذلك المحافظة على هذه الألفاظ للتعوذ ، وإذ قد كانت من القرآن فالمحافظة على ألفاظها متعينة والتعوذ يحصل بمعناها وبألفاظها حتى كلمة ( قل ) .

والخطاب في ( قل ) للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وإذ قد كان قرآنا كان خطاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - به يشمل الأمة حيث لا دليل على تخصيصه به ; فلذلك أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه بالتعوذ بهذه السورة ، ولذلك أيضا كان يعوذ بهما الحسن والحسين كما ثبت في الصحيح ، فتكون صيغة الأمر الموجهة إلى المخاطب مستعملة في معنيي الخطاب من توجهه إلى معين وهو الأصل ، ومن إرادة كل من يصح خطابه وهو [ ص: 626 ] طريق من طرق الخطاب تدل على قصده القرائن ، فيكون من استعمال المشترك في معنييه .

واستعمال صيغة التكلم في فعل ( أعوذ ) يتبع ما يراد بصيغة الخطاب في فعل ( قل ) فهو مأمور به لكل من يريد التعوذ بها .

وأما تعويذ قارئها غيره بها كما ورد أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يعوذ بالمعوذتين الحسن والحسين . وما روي عن عائشة قالت : ( إن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات ، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها ) ; فلذلك على نية النيابة عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ .

والعوذ : اللجأ إلى شيء يقي من يلجأ إليه ما يخافه ، يقال : عاذ بفلان ، وعاذ بحصن ، ويقال : استعاذ ، إذا سأل غيره أن يعيذه قال تعالى : فاستعذ بالله إنه سميع عليم . وعاذ من كذا ، إذا صار إلى ما يعيذه منه . قال تعالى : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم .

والفلق : الصبح ، وهو فعل بمعنى مفعول مثل الصمد ; لأن الليل شبه بشيء مغلق ينفلق عن الصبح ، وحقيقة الفلق : الانشقاق عن باطن شيء ، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل . وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد الظلام في قوله تعالى : وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ، واستعارة السلخ له في قوله تعالى : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار .

ورب الفلق : هو الله ; لأنه الذي خلق أسباب ظهور الصبح ، وتخصيص وصف الله بأنه رب الفلق دون وصف آخر ; لأن شرا كثيرا يحدث في الليل من لصوص ، وسباع ، وذوات سموم ، وتعذر السير ، وعسر النجدة ، وبعد الاستغاثة واشتداد آلام المرضى ، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إله الشر .

والمعنى : أعوذ بفالق الصبح منجاة من شرور الليل ، فإنه قادر على أن ينجيني في الليل من الشر كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح ، فوصف الله بالصفة التي فيها تمهيد للإجابة ..


ومن شر غاسق إذا وقب ( 3 )

عطف أشياء خاصة هي مما شمله عموم من شر ما خلق ، وهي ثلاثة أنواع من أنواع الشرور :
أحدهما : وقت يغلب وقوع الشر فيه وهو الليل .
والثاني : صنف من الناس أقيمت صناعتهم على إرادة الشر بالغير .
والثالث : صنف من الناس ذو خلق من شأنه أن يبعث على إلحاق الأذى بمن تعلق به .

وأعيدت كلمة من شر بعد حرف العطف في هذه الجملة ، وفي الجملتين المعطوفتين عليها مع أن حرف العطف مغن عن إعادة العامل قصدا لتأكيد الدعاء تعرضا للإجابة ، وهذا من الابتهال فيناسبه الإطناب .

والغاسق : وصف الليل إذا اشتدت ظلمته ، يقال : غسق الليل يغسق ، إذا أظلم ، قال تعالى : إلى غسق الليل . فالغاسق صفة لموصوف محذوف لظهوره من معنى وصفه مثل الجواري في قوله تعالى : ومن آياته الجواري في البحر وتنكير غاسق للجنس ; لأن المراد *** الليل .

وتنكير ( غاسق ) في مقام الدعاء يراد به العموم ; لأن مقام الدعاء يناسب التعميم . ومنه قول الحريري في المقامة الخامسة : " يا أهل ذا المعنى وقيتم ضرا " أي : وقيتم كل ضر .

وإضافة الشر إلى غاسق من إضافة الاسم إلى زمانه على معنى ( في ) كقوله تعالى : بل مكر الليل والنهار .

والليل : تكثر فيه حوادث السوء من اللصوص والسباع والهوام كما تقدم آنفا .

وتقييد ذلك بظرف إذا وقب أي : إذا اشتدت ظلمته ; لأن ذلك وقت يتحينه الشطار وأصحاب الدعارة والعيث ، لتحقق غلبة الغفلة والنوم على الناس فيه ، يقال : أغدر الليل ; لأنه إذا اشتد ظلامه كثر الغدر فيه ، فعبر عن ذلك بأنه أغدر ، أي : صار ذا غدر على طريق المجاز العقلي .

ومعنى ( وقب ) دخل وتغلغل في الشيء ، ومنه الوقبة : اسم النقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء ، ووقبت الشمس غابت ، خص بالتعوذ أشد أوقات الليل توقعا لحصول المكروه .


ومن شر النفاثات في العقد ( 4 )

هذا النوع الثاني من الأنواع الخاصة المعطوفة على العام من قوله : من شر ما خلق . وعطف شر النفاثات في العقد على شر الليل ; لأن الليل وقت يتحين فيه السحرة إجراء شعوذتهم لئلا يطلع عليهم أحد .

والنفث : نفخ مع تحريك اللسان بدون إخراج ريق ، فهو أقل من التفل ، يفعله السحرة إذا وضعوا علاج سحرهم في شيء وعقدوا عليه عقدا ثم نفثوا عليها .

فالمراد بـ النفاثات في العقد النساء الساحرات ، وإنما جيء بصفة المؤنث ; لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحر النساء ; لأن نساءهم لا شغل لهن بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة ; فلذلك يكثر انكبابهن على مثل هاته السفاسف من السحر والتكهن ونحو ذلك ، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن ، وكان العرب يزعمون أن الغول ساحرة من الجن . وورد في خبر هجرة الحبشة أن عمارة بن الوليد بن المغيرة اتهم بزوجة النجاشي ، وأن النجاشي دعا له السواحر فنفخن في إحليله فصار مسلوب العقل هائما على وجهه ولحق بالوحوش . والعقد : جمع عقدة وهي ربط في خيط أو وتر يزعم السحرة أنه سحر المسحور يستمر ما دامت تلك العقدة معقودة ، ولذلك يخافون من حلها فيدفنونها أو يخبئونها في محل لا يهتدى إليه . أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة من شر السحرة ; لأنه ضمن له أن لا يلحقه شر السحرة ، وذلك إبطال لقول المشركين في أكاذيبهم إنه مسحور ، قال تعالى : وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا .

وجملة القول هنا : أنه لما كان الأصح أن السورة مكية فإن النبيء - صلى الله عليه وسلم - مأمون من أن يصيبه شر النفاثات ; لأن الله أعاذه منها .

[ ص: 629 ] وأما السحر فقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى : يعلمون الناس السحر في سورة البقرة .

وإنما جعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفث ، فلم يقل : إذا نفثن في العقد ، للإشارة إلى أن نفثهن في العقد ليس بشيء يجلب ضرا بذاته ، وإنما يجلب الضر النافثات وهن متعاطيات السحر ; لأن الساحر يحرص على أن لا يترك شيئا مما يحقق له ما يعمله لأجله إلا احتال على إيصاله إليه ، فربما وضع له في طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة بقصد أو غير قصد ، أو قاذورات يفسد اختلاطها بالجسد بعض عناصر انتظام الجسم يختل بها نشاطه أو إرادته ، وربما أغرى به من يغتاله أو من يتجسس على أحواله ليري لمن يسألونه السحر أن سحره لا يختلف ولا يخطئ .

وتعريف ( النفاثات ) تعريف الجنس وهو في معنى النكرة لا تفاوت في المعنى بينه وبين قوله : ومن شر غاسق وقوله : ومن شر حاسد ، وإنما أوثر لفظ النفاثات بالتعريف ; لأن التعريف في مثله للإشارة إلى أنه حقيقة معلومة للسامع مثل التعريف في قولهم ( أرسلها العراك ) كما تقدم في قوله تعالى : الحمد لله في سورة الفاتحة .

وتعريف ( النفاثات ) باللام إشارة إلى أنهن معهودات بين العرب .


ومن شر حاسد إذا حسد ( 5 )

عطف شر الحاسد على شر الساحر المعطوف على شر الليل ، لمناسبة بينه وبين المعطوف عليه مباشرة ، وبينه وبين المعطوف عليه بواسطته ، فإن مما يدعو الحاسد إلى أذى المحسود أن يتطلب حصول أذاه لتوهم أن السحر يزيل النعمة التي حسده عليها ، ولأن ثوران وجدان الجسد يكثر في وقت الليل ; لأن الليل وقت الخلوة وخطور الخواطر النفسية والتفكر في الأحوال الحافة بالحاسد والمحسود .

والحسد : إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير مع تمني زوالها عنه لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة أو على مشاركته الحاسد فيها . وقد يطلق اسم الحسد على الغبطة مجازا .

والغبطة : تمني المرء أن يكون له من الخير مثل ما لمن يروق حاله في نظره ، وهو محمل الحديث الصحيح : لا حسد إلا في اثنتين أي : لا غبطة ، أي : لا تحقق الغبطة إلا في تينك الخصلتين ، وقد بين شهاب الدين القرافي الفرق بين الحسد والغبطة في الفرق الثامن والخمسين والمائتين .

فقد يغلب الحسد صبر الحاسد وأناته فيحمله على إيصال الأذى للمحسود بإتلاف أسباب نعمته أو إهلاكها رأسا . وقد كان الحسد أول أسباب الجنايات في الدنيا ، إذ حسد أحد ابني آدم أخاه على أن قبل قربانه ولم يقبل قربان الآخر ، كما قصه الله تعالى في سورة العقود .

وتقييد الاستعاذة من شره بوقت إذا حسد لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسود حين يجيش الحسد في نفسه فتتحرك له الحيل والنوايا لإلحاق الضر به . والمراد من الحسد في قوله : إذا حسد حسد خاص وهو البالغ أشد حقيقته فلا إشكال في تقييد الحسد بـ ( حسد ) وذلك قول عمرو بن معديكرب :


وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدى


أي : تجلى واضحا منيرا .

ولما كان الحسد يستلزم كون المحسود في حالة حسنة ، كثر في كلام العرب الكناية عن السيد بالمحسود ، وبعكسه الكناية عن سيئ الحال بالحاسد ، وعليه قول أبي الأسود :


حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغضا إنه لمشوم


وقول بشار بن برد :


إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد


قل أعوذ برب الناس ( 1 ) ملك الناس ( 2 ) إله الناس ( 3 ) من شر الوسواس الخناس ( 4 ) الذي يوسوس في صدور الناس ( 5 ) من الجنة والناس ( 6 )


مقدمة

تقدم عند تفسير أول سورة الفلق أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - سمى سورة الناس ( قل أعوذ برب الناس ) .

وتقدم في سورة الفلق أنها وسورة الناس تسميان ( المعوذتين ) ، و ( المشقشقتين ) بتقديم الشين على القافين ، وتقدم أيضا أن الزمخشري والقرطبي ذكرا أنهما تسميان ( المقشقشتين ) بتقديم القافين على الشينين ، وعنونها ابن عطية في المحرر الوجيز ( سورة المعوذة الثانية ) بإضافة ( سورة ) إلى ( المعوذة ) من إضافة الموصوف إلى الصفة . وعنونهما الترمذي ( المعوذتين ) ، وعنونها البخاري في صحيحه ( سورة قل أعوذ برب الناس ) .

وفي مصاحفنا القديمة والحديثة المغربية والمشرقية تسمية هذه السورة ( سورة الناس ) وكذلك أكثر كتب التفسير .

وهي مكية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مكية ، ومدنية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مدنية . والصحيح أنهما نزلتا متعاقبتين ، فالخلاف في إحداهما كالخلاف في الأخرى .

وقال في الإتقان : إن سبب نزولها قصة سحر لبيد بن الأعصم ، وأنها نزلت مع ( سورة الفلق ) وقد سبقه على ذلك القرطبي والواحدي ، وقد علمت تزييفه في سورة الفلق .

وعلى الصحيح من أنها مكية فقد عدت الحادية والعشرين من السور ، نزلت عقب سورة الفلق وقبل سورة الإخلاص .

وعدد آيها ست آيات ، وذكر في الإتقان قولا : إنها سبع آيات وليس معزوا لأهل العدد .

إرشاد النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن يتعوذ بالله ربه من شر الوسواس الذي يحاول إفساد عمل النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وإفساد إرشاده ويلقي في نفوس الناس الإعراض عن دعوته . وفي هذا الأمر إيماء إلى أن الله تعالى معيذه من ذلك فعاصمه في نفسه من تسلط وسوسة الوسواس عليه ، ومتمم دعوته حتى تعم في الناس . ويتبع ذلك تعليم المسلمين التعوذ بذلك ، فيكون لهم من هذا التعوذ ما هو حظهم ، ومن قابلية التعرض إلى الوسواس ، ومن السلامة منه بمقدار مراتبهم في الزلفى .


قل أعوذ برب الناس ( 1 ) ملك الناس ( 2 ) إله الناس ( 3 )

شابهت فاتحتها فاتحة سورة الفلق إلا أن سورة الفلق تعوذ من شرور المخلوقات من حيوان وناس ، وسورة الناس تعوذ من شرور مخلوقات خفية وهي الشياطين .

والقول في الأمر بالقول ، وفي المقول ، وفي أن الخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم ، والمقصود شموله أمته ، كالقول في نظيره في سورة الفلق سواء .

وعرف ( رب ) بإضافته إلى الناس دون غيرهم من المربوبين ; لأن الاستعاذة من شر يلقيه الشيطان في قلوب الناس فيضلون ويضلون ، فالشر المستعاذ منه مصبه إلى الناس ، فناسب أن يستحضر المستعاذ إليه بعنوان أنه رب من يلقون الشر ومن يلقى إليهم ليصرف هؤلاء ، ويدفع عن الآخرين كما يقال لمولى العبد : يا مولى فلان كف عني عبدك .

وقد رتبت أوصاف الله بالنسبة إلى الناس ترتيبا مدرجا ، فإن الله خالقهم ، ثم هم غير خارجين عن حكمه إذا شاء أن يتصرف في شئونهم ، ثم زيد بيانا بوصف [ ص: 633 ] إلهيته لهم ليتبين أن ربوبيته لهم وحاكميته فيهم ليست كربوبية بعضهم بعضا وحاكمية بعضهم في بعض .

وفي هذا الترتيب إشعار أيضا بمراتب النظر في معرفة الله تعالى ، فإن الناظر يعلن بادئ ذي بدء بأن له ربا بسبب ما يشعر به من وجود نفسه ونعمة تركيبه ، ثم يتغلغل في النظر فيشعر بأن ربه هو الملك الحق الغني عن الخلق ، ثم يعلم أنه المستحق للعبادة فهو إله الناس كلهم .

و ملك الناس عطف بيان من رب الناس وكذلك إله الناس فتكرير لفظ الناس دون اكتفاء بضميره ; لأن عطف البيان يقتضي الإظهار ليكون الاسم المبين ( بكسر الياء ) مستقلا بنفسه ; لأن عطف البيان بمنزلة علم للاسم المبين ( بالفتح ) .

والناس : اسم جمع للبشر جميعهم أو طائفة منهم ولا يطلق على غيرهم على التحقيق .


من شر الوسواس الخناس ( 4 )

والوسواس : المتكلم بالوسوسة ، وهي الكلام الخفي . قال رؤبة يصف صائدا في قترته :

وسوس يدعو مخلصا رب الفلق

فالوسواس اسم فاعل ، ويطلق الوسواس بفتح الواو مجازا على ما يخطر بنفس المرء من الخواطر التي يتوهمها مثل كلام يكلم به نفسه . قال عروة بن أذينة :


وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها

والتعريف في ( الوسواس ) تعريف الجنس ، وإطلاق ( الوسواس ) على معنييه المجازي والحقيقي يشمل الشياطين التي تلقي في أنفس الناس الخواطر الشريرة قال تعالى : فوسوس إليه الشيطان ، ويشمل الوسواس كل من يتكلم كلاما خفيا من الناس ، وهم أصحاب المكائد والمؤامرات المقصود منها إلحاق الأذى من اغتيال نفوس أو سرقة أموال أو إغراء بالضلال والإعراض عن الهدى ; لأن شأن مذاكرة هؤلاء بعضهم مع بعض أن تكون سرا لئلا يطلع عليها من يريدون الإيقاع به ، وهم الذين يتربصون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدوائر ويغرون الناس بأذيته .

والخناس : الشديد الخنس والكثيره . والمراد أنه صار عادة له . والخنس والخنوس : الاختفاء . والشيطان يلقب بـ ( الخناس ) لأنه يتصل بعقل الإنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنه خنس فيه ، وأهل المكر والكيد والتختل خناسون ; لأنهم يتحينون غفلات الناس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس بهم .

فالتعريف في ( الخناس ) على وزن تعريف موصوفه ، ولأن خواطر الشر يهم بها صاحبها فيطرق ويتردد ويخاف تبعاتها وتزجره النفس اللوامة ، أو يزعه وازع الدين أو الحياء أو خوف العقاب عند الله أو عند الناس ثم تعاوده حتى يطمئن لها ويرتاض بها فيصمم على فعلها فيقترفها ، فكأن الشيطان يبدو له ثم يختفي ، ثم يبدو ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور .


الذي يوسوس في صدور الناس ( 5 )

ووصف الوسواس الخناس بـ الذي يوسوس في صدور الناس لتقريب تصوير الوسوسة كي يتقيها المرء إذا اعترته لخفائها ، وذلك بأن بين أن مكان إلقاء الوسوسة هو صدور الناس وبواطنهم ، فعبر بها عن الإحساس النفسي كما قال تعالى : ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى : إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه . وقال النبيء - صلى الله عليه وسلم : الإثم ما حاك في الصدر وتردد في القلب فغاية الوسواس من وسوسته بثها في نفس المغرور والمشبوك في فخه ، فوسوسة الشياطين اتصالات جاذبية النفوس نحو داعية الشياطين وقد قربها النبيء - صلى الله عليه وسلم - في آثار كثيرة بأنواع من التقريب منها ( أنها كالخراطيم يمدها الشيطان إلى قلب الإنسان ) وشبهها مرة بالنفث ، ومرة بالإبساس . وفي الحديث ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما ) .

وإطلاق فعل ( يوسوس ) على هذا العمل الشيطاني مجاز ، إذ ليس للشيطان كلام في باطن الإنسان . وأما إطلاقه على تسويل الإنسان لغيره عمل السوء فهو حقيقة . وتعلق المجرور من قوله : في صدور الناس بفعل يوسوس بالنسبة لوسوسة الشيطان تعلق حقيقي ، وأما بالنسبة لوسوسة الناس فهو مجاز عقلي ; لأن وسوسة الناس سبب لوقوع أثرها في الصدور فكان في كل من فعل ( يوسوس ) ومتعلقه استعمال اللفظين في الحقيقة والمجاز .


من الجنة والناس ( 6 )

و ( من ) في قوله : من الجنة والناس بيانية بينت الذي يوسوس في صدور الناس بأنه *** ينحل باعتبار إرادة حقيقته ومجازه إلى صنفين : صنف من الجنة وهو أصله ، وصنف من الناس وما هو إلا تبع وولي للصنف الأول ، وجمع الله هذين الصنفين في قوله : ( وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) .

ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاء ما ينجر من وسوسة نوع الإنسان ; لأن الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان ، وربما لا يخطر بالبال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين ، وهو وسوسة أهل نوعهم وهو أشد خطرا ، وهم بالتعوذ منهم أجدر ، لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر ، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر .

ولا يستقيم أن يكون ( من ) بيانا للناس ، إذ لا يطلق اسم الناس على ما يشمل الجن ، ومن زعم ذلك فقد أبعد .

وقدم ( الجنة ) على ( الناس ) هنا لأنهم أصل الوسواس كما علمت بخلاف تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس والجن ) لأن خبثاء الناس أشد مخالطة للأنبياء من الشياطين ; لأن الله عصم أنبياءه من تسلط الشياطين على نفوسهم . قال تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن الله أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه ، فزكى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين ، ولم يعصمهم من لحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره ، قال تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ولكنه ضمن لرسله النجاة من كل ما يقطع إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد الله .

والجنة : اسم جمع جني بياء النسب إلى نوع الجن ، فالجني الواحد من نوع الجن ، كما يقال : إنسي للواحد من الإنس .

وتكرير كلمة ( الناس ) في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى وملكه وإلهيته للناس كلهم [ ص: 636 ] كقوله تعالى : يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب .

وأما تكريره المرة الثالثة بقوله : في صدور الناس فهو إظهار لأجل بعد المعاد .

وأما تكريره المرة الرابعة بقوله : من الجنة والناس فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس ، وذلك غير ماصدق كلمة ( الناس ) في المرات السابقة .

EL Mister
12-06-09, 11:28
بسم الله الرحمن الرحيم

( قل هو الله أحد ( 1 ) الله الصمد ( 2 ) لم يلد ولم يولد ( 3 ) ولم يكن له كفوا أحد ( 4 ) )


مقدمة

المشهور في تسميتها في عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم - وفيما جرى من لفظه وفي أكثر ما روي عن الصحابة تسميتها ( سورة قل هو الله أحد ) .

روى الترمذي عن أبي هريرة ، وروى أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وعن أم كلثوم بنت عقبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) وهو ظاهر في أنه أراد تسميتها بتلك الجملة لأجل تأنيث الضمير من قوله ( تعدل ) فإنه على تأويلها بمعنى السورة .

وقد روي عن جمع من الصحابة ما فيه تسميتها بذلك ، فذلك هو الاسم الوارد في السنة .

ويؤخذ من حديث البخاري عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري ما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الله الواحد الصمد ) ثلث القرآن فذكر ألفاظا تخالف ما تقرأ به ، ومحمله على إرادة التسمية . وذكر القرطبي أن رجلا لم يسمه قرأ كذلك والناس يستمعون وادعى أن ما قرأ به هو الصواب وقد ذمه القرطبي وسبه .

وسميت في أكثر المصاحف وفي معظم التفاسير وفي جامع الترمذي ( سورة الإخلاص ) واشتهر هذا الاسم لاختصاره وجمعه معاني هذه السورة ; لأن فيها تعليم الناس إخلاص العبادة لله تعالى ، أي : سلامة الاعتقاد من الإشراك بالله غيره في الإلهية .

وسميت في بعض المصاحف التونسية سورة التوحيد لأنها تشتمل على إثبات أنه تعالى واحد .

وفي الإتقان أنها تسمى سورة الأساس لاشتمالها على توحيد الله وهو [ ص: 610 ] أساس الإسلام . وفي الكشاف ( روي عن أبي وأنس عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أست السماوات السبع والأرضون السبع على ( قل هو الله أحد ) . يعني : ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته .

وذكر في الكشاف : أنها وسورة الكافرون تسميان المقشقشتين ، أي : المبرئتين من الشرك ومن النفاق .

وسماها البقاعي في نظم الدرر سورة الصمد ، وهو من الأسماء التي جمعها الفخر . وقد عقد الفخر في التفسير الكبير فصلا لأسماء هذه السورة فذكر لها عشرين اسما بإضافة عنوان سورة إلى كل اسم منها ولم يذكر أسانيدها ، فعليك بتتبعها على تفاوت فيها وهي : التفريد ، والتجريد ; ( لأنه لم يذكر فيها سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ) ، والتوحيد ( كذلك ) ، والإخلاص ( لما ذكرناه آنفا ) ، والنجاة ( لأنها تنجي من الكفر في الدنيا ومن النار في الآخرة ) ، والولاية ; ( لأن من عرف الله بوحدانيته فهو من أوليائه المؤمنين الذين لا يتولون غير الله ) ، والنسبة ( لما روي أنها نزلت لما قال المشركون : انسب لنا ربك ، كما سيأتي ) ، والمعرفة ( لأنها أحاطت بالصفات التي لا تتم معرفة الله إلا بمعرفتها ) ، والجمال ( لأنها جمعت أصول صفات الله وهي أجمل الصفات وأكملها ، ولما روي أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله جميل يحب الجمال فسألوه عن ذلك فقال : أحد صمد لم يلد ولم يولد ) . والمقشقشة ( يقال : قشقش الدواء الجرب إذا أبرأه لأنها تقشقش من الشرك ، وقد تقدم آنفا أنه اسم لسورة الكافرون أيضا ) ، والمعوذة ( لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بن مظعون وهو مريض فعوذه بها وبالسورتين اللتين بعدها وقال له : تعوذ بها ) . والصمد ( لأن هذا اللفظ خص بها ) ، والأساس ( لأنها أساس العقيدة الإسلامية ) ، والمانعة ( لما روي أنها تمنع عذاب القبر ولفحات النار ) والمحضر ; ( لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت ) ، و المنفرة ( لأن الشيطان ينفر عند قراءتها ) ، والبراءة ( لأنها تبرئ من الشرك ) ، والمذكرة ( لأنها تذكر خالص التوحيد الذي هو مودع في الفطرة ) ، والنور ( لما روي أن نور القرآن قل هو الله أحد ) ، والأمان ( لأن من اعتقد ما فيها أمن من العذاب .

[ ص: 611 ] وبضميمة اسمها المشهور ( قل هو الله أحد ) تبلغ أسماؤها اثنين وعشرين ، وقال الفيروز آبادي في بصائر التمييز : إنها تسمى الشافية فتبلغ واحدا وعشرين اسما .

وهي مكية في قول الجمهور ، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرظي : هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس .

ومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها ، فروى الترمذي عن أبي بن كعب ، وروى عبيد العطار عن ابن مسعود ، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله أن قريشا قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم : انسب لنا ربك . فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها ، فتكون مكية .

وروى أبو صالح عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد أتيا النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال عامر : إلام تدعونا ؟ قال : إلى الله ، قال : صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة أم من حديد أم من خشب ؟ ( يحسب لجهله أن الإله صنم كأصنامهم من معدن أو خشب أو حجارة ) فنزلت هذه السورة ، فتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة . وقال الواحدي : إن أحبار اليهود ( منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم : صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك ، فنزلت .

والصحيح أنها مكية ، فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة ، ولعل تأويل من قال : إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد ، أو حينما سأل أحبار اليهود أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليهم هذه السورة ، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ ، أو لم يضبط الرواة عنهم عبارتهم تمام الضبط .

قال في الإتقان : وجمع بعضهم بين الروايتين بتكرر نزولها ، ثم ظهر لي ترجيح أنها مدنية كما بينته في أسباب النزول اهـ .

وعلى الأصح من أنها مكية عدت السورة الثانية والعشرين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الناس وقبل سورة النجم .

وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربع ، وعند أهل مكة والشام خمس باعتبار لم يلد آية ولم يولد آية .


أغراض السورة

إثبات وحدانية الله تعالى .

وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات وإبطال أن يكون له ابن .

وإبطال أن يكون المولود إلها مثل عيسى عليه السلام .

والأحاديث في فضائلها كثيرة وقد صح أنها تعدل ثلث القرآن . وتأويل هذا الحديث مذكور في شرح الموطأ والصحيحين .


قل هو الله أحد ( 1 )

افتتاح هذه السورة بالأمر بالقول لإظهار العناية بما بعد فعل القول كما علمت ذلك عند قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون .

ولذلك الأمر في هذه السورة فائدة أخرى ، وهي أنها نزلت على سبب قول المشركين : انسب لنا ربك ، فكانت جوابا عن سؤالهم فلذلك قيل له ( قل ) كما قال تعالى : قل الروح من أمر ربي فكان للأمر بفعل ( قل ) فائدتان .

وضمير ( هو ) ضمير الشأن لإفادة الاهتمام بالجملة التي بعده ، وإذا سمعه الذين سألوا تطلعوا إلى ما بعده .

ويجوز أن يكون ( هو ) أيضا عائدا إلى الرب في سؤال المشركين حين قالوا : انسب لنا ربك .

ومن العلماء من عد ضمير ( هو ) في هذه السورة اسما من أسماء الله الحسنى ، وهي طريقة صوفية درج عليها فخر الدين الرازي في شرح الأسماء الحسنى نقله [ ص: 613 ] ابن عرفة عنه في تفسيره ، وذكر الفخر ذلك في مفاتيح الغيب ، ولا بد من المزج بين كلاميه .

وحاصلهما قوله : قل هو الله أحد فيها ثلاثة أسماء لله تعالى تنبيها على ثلاثة مقامات .

الأول : مقام السابقين المقربين الناظرين إلى حقائق الأشياء من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله ; لأنه هو الذي لأجله يجب وجوده فما سوى الله عندهم معدوم ، فقوله ( هو ) إشارة مطلقة . ولما كان المشار إليه معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فكان قوله ( هو ) إشارة من هؤلاء المقربين إلى الله فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز ، فكانت لفظة ( هو ) كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء . المقام الثاني مقام أصحاب اليمين المقتصدين فهم شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الممكنات موجودة فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة ( هو ) تامة الإفادة في حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم هو الله .

والمقام الثالث مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الآلهة فقرن لفظ ( أحد ) بقوله : هو الله إبطالا لمقالتهم اهـ .

فاسمه تعالى العلم ابتدئ به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق استحضار صفاته كلها عند التخاطب بين المسلمين وعد المحاجة بينهم وبين المشركين ، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب ، فمسماه لا نزاع في وجوده ، ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تنزه عنها .

أما ( أحد ) فاسم بمعنى ( واحد ) . وأصل همزته الواو ، فيقال : وحد كما يقال أحد ، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة ( بخلاف قلب واو وجوه ) ومعناه منفرد ، قال النابغة :


كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد


أي : كأني وضعت الرجل على ثور وحش أحس بإنسي وهو منفرد عن قطيعه .

وهو صفة مشبهة مثل حسن ، يقال : وحد مثل كرم ، ووحد مثل فرح . [ ص: 614 ] وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتي له ، فلذلك أوثر ( أحد ) هنا على ( واحد ) ; لأن ( واحدا ) اسم فاعل لا يفيد التمكن . فـ ( واحد ) و ( أحد ) وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني : التفرد .

هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ ( أحد ) ، أشهرها أنه يستعمل اسما بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى : لا نفرق بين أحد من رسله في البقرة ، وقوله : ولا أشرك بربي أحدا في الكهف وكذلك إطلاقه على العدد في الحساب نحو : أحد عشر ، وأحد وعشرين ، ومؤنثه إحدى ، ومن العلماء من خلط بين ( واحد ) وبين ( أحد ) فوقع في ارتباك .

فوصف الله بأنه أحد معناه : أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلم وهي الإلهية المعروفة ، فإذا قيل الله أحد فالمراد أنه منفرد بالإلهية . وإذا قيل الله واحد ، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمن دونه ليس بإله . ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلهيته .

فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله تعليما للناس كلهم وإبطالا لعقيدة الشرك وصف الله في هذه السورة بـ ( أحد ) ولم يوصف بـ ( واحد ) ; لأن الصفة المشبهة نهاية ما يمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربي المبين .

وقال ابن سينا في تفسير له لهذه السورة : إن ( أحدا ) دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا ، لا كثرة معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول ، ولا كثرة حسية وهي كثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة ، والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم ، وذلك متضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل ، والمادة والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء والأشكال ، والألوان ، وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل على أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء . وتبيينه : أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك ، والذي لا ينقسم بوجهه أصلا أولى بالواحدية مما ينقسم من بعض الوجوه ، والذي لا ينقسم [ ص: 615 ] انقساما عقليا أولى بالواحدية من الذي ينقسم انقساما بالحس بالقوة ثم بالفعل ، فأحد جامع للدلالة على الواحدية من جميع الوجوه وأنه لا كثرة في موصوفه اهـ .

قلت : قد فهم المسلمون هذا ، فقد روي أن بلالا كان إذا عذب على الإسلام يقول : أحد أحد . وكان شعار المسلمين يوم بدر : أحد أحد .

والذي درج عليه أكثر الباحثين في أسماء الله تعالى أن ( أحدا ) ليس ملحقا بالأسماء الحسنى ; لأنه لم يرد ذكره في حديث أبي هريرة عند الترمذي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعا وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة . وعدها ولم يذكر فيها وصف أحد ، وذكر وصف واحد ، وعلى ذلك درج إمام الحرمين في كتاب الإرشاد وكتاب اللمع والغزالي في شرح الأسماء الحسنى .

وقال الفهري في شرحه على لمع الأدلة لإمام الحرمين عند ذكر اسمه تعالى ( الواحد ) . وقد ورد في بعض الروايات الأحد فلم يجمع بين الاسمين في اسم .

ودرج ابن برجان الإشبيلي في شرح الأسماء والشيخ محمد بن محمد الكومي ( بالميم ) التونسي ، ولطف الله الأرضرومي في معارج النور ، على عد أحد في عداد الأسماء الحسنى مع اسمه الواحد فقالا : الواحد الأحد بحيث هو كالتأكيد له كما يقتضيه عدهم الأسماء تسعة وتسعين ، وهذا بناء على أن حديث أبي هريرة لم يقتض حصر الأسماء الحسنى في التسعة والتسعين ، وإنما هو لبيان فضيلة تلك الأسماء المعدودة فيه .

والمعنى أن الله منفرد بالإلهية لا يشاركه فيها شيء من الموجودات ، وهذا إبطال للشرك الذي يدين به أهل الشرك ، وللتثليث الذي أحدثه النصارى الملكانية وللثانوية عند المجوس ، وللعد الذي لا يحصى عند البراهمة .

فقوله : الله أحد نظير قوله في الآية الأخرى إنما الله إله واحد وهذا هو المعنى الذي يدركه المخاطبون في هذه الآية السائلون عن نسبة الله ، أي : حقيقته ، [ ص: 616 ] فابتدئ لهم بأنه واحد ليعلموا أن الأصنام ليست من الإلهية في شيء .

ثم إن الأحدية تقتضي الوجود لا محالة فبطل قول المعطلة والدهريين .

وقد اصطلح علماء الكلام من أهل السنة على استخراج الصفات السلبية الربانية من معنى الأحدية ; لأنه إذا كان منفردا بالإلهية كان مستغنيا عن المخصص بالإيجاب ; لأنه لو افتقر إلى من يوجده لكان من يوجده إلها أول منه ; فلذلك كان وجود الله قديما غير مسبوق بعدم ولا محتاج إلى مخصص بالوجود بدلا عن العدم ، وكان مستعينا على الإمداد بالوجود فكان باقيا ، وكان غنيا عن غيره ، وكان مخالفا للحوادث وإلا لاحتاج مثلها إلى المخصص فكان وصفه تعالى بـ ( أحد ) جامعا للصفات السلبية . ومثل ذلك يقال في مرادفه وهو وصف واحد .

واصطلحوا على أن أحدية الله أحدية واجبة كاملة ، فالله تعالى واحد من جميع الوجوه ، وعلى كل التقادير فليس لكنه الله كثرة أصلا لا كثرة معنوية وهي تعدد المقومات من الأجناس والفصول التي تتقوم منها المواهي ، ولا كثرة الأجزاء في الخارج التي تتقوم منها الأجسام . فأفاد وصف ( أحد ) أنه منزه عن الجنس والفصل والمادة والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما ينافي الوحدة الكاملة كما أشار إليه ابن سينا .

قال في الكشاف : وفي قراءة النبيء - صلى الله عليه وسلم - الله أحد بغير قل هو اهـ ولعله أخذه مما روى أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : من قرأ ( الله أحد ) كان بعدل ثلث القرآن كما ذكره بأثر قراءة أبي بدون ( قل ) مما تأوله الطيبي ، إذ قال وهذا استشهاد على هذه القراءة .

وعندي إن صح ما روي من القراءة أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد بها التلاوة ، وإنما قصد الامتثال لما أمر بأن يقول ، وهذا كما كان يكثر أن يقول ( سبحان ربي العظيم وبحمده اللهم اغفر لي ) يتأول قوله تعالى : فسبح بحمد ربك واستغفره .


الله الصمد ( 2 )

جملة ثانية محكية بالقول المحكي به جملة الله أحد فهي خبر ثان عن الضمير . والخبر المتعدد يجوز عطفه وفصله ، وإنما فصلت عن التي قبلها ; لأن هذه الجمل مسوقة لتلقين السامعين فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة بذاتها غير ملحقة بالتي قبلها بالعطف ، على طريقة إلقاء المسائل على المتعلم نحو أن يقول : الحوز شرط صحة الحبس ، الحوز لا يتم إلا بالمعاينة ، ونحو قولك : عنترة من فحول الشعراء ، عنترة من أبطال الفرسان .

ولهذا الاعتبار وقع إظهار اسم الجلالة في قوله : الله الصمد وكان مقتضى الظاهر أن يقال : هو الصمد .

والصمد : السيد الذي لا يستغنى عنه في المهمات ، وهو سيد القوم المطاع فيهم .

قال في الكشاف : وهو فعل بمعنى مفعول من : صمد إليه ، إذا قصده ، فالصمد المصمود في الحوائج . قلت : ونظيره السند الذي تسند إليه الأمور المهمة ، والفلق اسم الصباح لأنه يتفلق عنه الليل .

والصمد : من صفات الله ، والله هو الصمد الحق الكامل الصمدية على وجه العموم .

فالصمد من الأسماء التسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند الترمذي . ومعناه : المفتقر إليه كل ما عداه ، فالمعدوم مفتقر وجوده إليه والموجود مفتقر في شئونه إليه .

وقد كثرت عبارات المفسرين من السلف في معنى الصمد ، وكلها مندرجة تحت هذا المعنى الجامع ، وقد أنهاها فخر الدين إلى ثمانية عشر قولا ، ويشمل هذا الاسم صفات الله المعنوية الإضافية وهي كونه تعالى حيا ، عالما ، مريدا ، قادرا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ; لأنه لو انتفى عنه أحد هذه الصفات لم يكن مصمودا إليه .

وصيغة الله الصمد صيغة قصر بسبب تعريف المسند ، فتفيد قصر صفة الصمدية على الله تعالى ، وهو قصر قلب لإبطال ما تعوده أهل الشرك في الجاهلية من دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نسوا الله . قال أبو سفيان ليلة فتح مكة وهو بين يدي النبيء - صلى الله عليه وسلم - وقال له النبيء - صلى الله عليه وسلم : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله ؟ لقد علمت أن لو كان معه إله آخر لقد أغنى عني شيئا .


لم يلد ولم يولد ( 3 )

جملة لم يلد خبر ثان عن اسم الجلالة من قوله : الله الصمد أو حال من المبتدأ أو بدل اشتمال من جملة الله الصمد لأن من يصمد إليه لا يكون من حاله أن يلد ; لأن طلب الولد لقصد الاستعانة به في إقامة شئون الوالد وتدارك عجزه ، ولذلك استدل على إبطال قولهم اتخذ الله ولدا بإثبات أنه الغني في قوله تعالى : قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض فبعد أن أبطلت الآية الأولى من هذه السورة تعدد الإله بالأصالة والاستقلال ، أبطلت هذه الآية تعدد الإله بطريق تولد إله عن إله ; لأن المتولد مساو لما تولد عنه .

والتعدد بالتولد مساو في الاستحالة لتعدد الإله بالأصالة لتساوي ما يلزم على التعدد في كليهما من فساد الأكوان المشار إليه بقوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( وهو برهان التمانع ) ، ولأنه لو تولد عن الله موجود آخر للزم انفصال جزء عن الله تعالى وذلك مناف للأحدية كما علمت آنفا ، وبطل اعتقاد المشركين من العرب أن الملائكة بنات الله تعالى فعبدوا الملائكة لذلك ; لأن النبوة للإله تقتضي إلهية الابن قال تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل عباد مكرمون .

وجملة ولم يولد عطف على جملة لم يلد أي : ولم يلده غيره ، وهي بمنزلة الاحتراس سدا لتجويز أن يكون له والد ، فأردف نفي الولد بنفي الوالد ، وإنما قدم نفي الولد لأنه أهم ، إذ قد نسب أهل الضلالة الولد إلى الله تعالى ولم ينسبوا [ ص: 619 ] إلى الله والدا . وفيه الإيماء إلى أن من يكون مولودا مثل عيسى لا يكون إلها ; لأنه لو كان الإله مولودا لكان وجوده مسبوقا بعدم لا محالة وذلك محال ; لأنه لو كان مسبوقا بعدم لكان مفتقرا إلى من يخصصه بالوجود بعد العدم ، فحصل من مجموع جملة لم يلد ولم يولد إبطال أن يكون الله والدا لمولود ، أو مولودا من والد بالصراحة . وبطلت إلهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإله مثل عقيدة ( زرادشت ) الثانوية القائلة بوجود إلهين : إله الخير وهو الأصل ، وإله الشر وهو متولد عن إله الخير . لأن إله الخير وهو المسمى عندهم ( يزدان ) فكر فكرة سوء ، فتولد منه إله الشر المسمى عندهم ( أهرمن ) وقد أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله :


قال أناس باطل زعمهم فراقبوا الله ولا تزعمن فكر ( يزدان ) على غرة
فصيغ من تفكيره ( أهرمن )


وبطلت عقيدة النصارى بإلهية عيسى - عليه السلام - بتوهمهم أنه ابن الله وأن ابن الله لا يكون إلا إلها بأن الإله يستحيل أن يكون له ولد ، فليس عيسى بابن الله ، وبأن الإله يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم ، فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلها ، فبطل أن يكون عيسى إلها .

فلما أبطلت الجملة الاسمية الأولى إلهية إله غير الله بالأصالة ، وأبطلت الجملة الثانية إلهية غير الله بالاستحقاق ، أبطلت هذه الجملة إلهية غير الله بالفرعية والتولد بطريق الكناية .

وإنما نفي أن يكون الله والدا وأن يكون مولودا في الزمن الماضي ; لأن عقيدة التولد ادعت وقوع ذلك في زمن مضى ، ولم يدع أحد أن الله سيتخذ ولدا في المستقبل .


ولم يكن له كفوا أحد ( 4 )

في معنى التذليل للجمل التي قبلها لأنها أعم من مضمونها ; لأن تلك الصفات المتقدمة صريحها وكنايتها وضمنيها لا يشبهه فيها غيره ، مع إفادة هذه انتفاء [ ص: 620 ] شبيه له فيما عداها مثل صفات الأفعال كما قال تعالى : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له .

والواو في قوله : ولم يكن له كفؤا أحد اعتراضية ، وهي واو الحال ، كالواو في قوله تعالى : ( وهل يجازى إلا الكفور ) فإنها تذليل لجملة ذلك جزيناهم بما كفروا ويجوز كون الواو عاطفة إن جعلت الواو الأولى عاطفة ، فيكون المقصود من الجملة إثبات وصف مخالفته تعالى للحوادث وتكون استفادة معنى التذليل تبعا للمعنى والنكت ولا تتزاحم .

والكفؤ : بضم الكاف وضم الفاء وهمزة في آخره . وبه قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ، إلا أن الثلاثة الأولين حققوا الهمزة وأبو جعفر سهلها ، ويقال ( كفء ) بضم الكاف وسكون الفاء وبالهمز ، وبه قرأ حمزة ويعقوب ، ويقال ( كفؤا ) بالواو عوض الهمز ، وبه قرأ حفص عن عاصم وهي لغات ثلاث فصيحة .

ومعناه : المساوي والمماثل في الصفات .

و ( أحد ) هنا بمعنى إنسان أو موجود ، وهو من الأسماء النكرات الملازمة للوقوع في حيز النفي .

وحصل بهذا جناس تام مع قوله : قل هو الله أحد .

وتقديم خبر ( كان ) على اسمها للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بذكر الكفؤ عقب الفعل المنفي ليكون أسبق إلى السمع .

وتقديم المجرور بقوله ( له ) على متعلقه وهو ( كفؤا ) للاهتمام باستحقاق الله نفي كفاءة أحد له ، فكان هذا الاهتمام مرجحا تقديم المجرور على متعلقه وإن كان الأصل تأخير المتعلق ، إذا كان ظرفا لغويا . وتأخيره عند سيبويه أحسن ما لم يقتض التقديم مقتض كما أشار إليه في الكشاف .

وقد وردت في فضل هذه السورة أخبار صحيحة وحسنة استوفاها المفسرون . وثبت في الحديث الصحيح في الموطأ والصحيحين من طرق عدة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) .

واختلفت التأويلات التي تأول بها أصحاب معاني الآثار بهذا الحديث ويجمعها أربع تأويلات .

الأول : أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب القراءة ، أي : تعدل ثلث القرآن إذا قرئ بدونها حتى لو كررها القارئ ثلاث مرات كان له ثواب من قرأ القرآن كله .

الثاني : أنها تعدل ثلث القرآن إذا قرأها من لا يحسن غيرها من سور القرآن .

الثالث : أنها تعدل ثلث معاني القرآن باعتبار أجناس المعاني ; لأن معاني القرآن أحكام وأخبار وتوحيد ، وقد انفردت هذه السورة بجمعها أصول العقيدة الإسلامية ما لم يجمعه غيرها .

وأقول : إن ذلك كان قبل نزول آيات مثلها مثل آية الكرسي ، أو لأنه لا توجد سورة واحدة جامعة لما في سورة الإخلاص .

التأويل الرابع : أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب مثل التأويل الأول ، ولكن لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة .

قال ابن رشد في البيان والتحصيل : أجمع العلماء على أن من قرأ ( قل هو الله أحد ) ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا بالقرآن كله اهـ . فيكون هذا التأويل قيدا للتأويل الأول ، ولكن في حكايته الإجماع على أن ذلك هو المراد - نظرا ، فإن في بعض الأحاديث ما هو صريح في أن تكريرها ثلاث مرات يعدل قراءة ختمة كاملة .

قال ابن رشد : واختلافهم في تأويل الحديث لا يرتفع بشيء منه عن الحديث الإشكال ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض .

وقال أبو عمر بن عبد البر : السكوت على هذه المسألة أفضل من الكلام فيها .

EL Mister
12-06-09, 11:59
بسم الله الرحمن الرحيم

( تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 ) ما أغنى عنه ماله وما كسب ( 2 ) سيصلى نارا ذات لهب ( 3 ) وامرأته حمالة الحطب ( 4 ) في جيدها حبل من مسد ( 5 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في أكثر المصاحف ( سورة تبت ) وكذلك عنونها الترمذي في جامعه وفي أكثر كتب التفسير ، تسمية لها بأول كلمة فيها .

وسميت في بعض المصاحف وفي بعض التفاسير ( سورة المسد ) . واقتصر في الإتقان على هذين .

وسماها جمع من المفسرين ( سورة أبي لهب ) على تقدير : سورة ذكر أبي لهب . وعنونها أبو حيان في تفسيره ( سورة اللهب ) ولم أره لغيره .

وعنونها ابن العربي في أحكام القرآن سورة ما كان من أبي لهب وهو عنوان وليس باسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت السادسة من السور نزولا ، نزلت بعد سورة الفاتحة وقبل سورة التكوير .

وعدد آيها خمس .

روي أن نزولها كان في السنة الرابعة من البعثة . وسبب نزولها على ما في الصحيحين عن ابن عباس قال : صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم على الصفا فنادى ( يا صباحاه ) - ( كلمة ينادى بها للإنذار من عدو يصبح القوم ) فاجتمعت إليه قريش ، فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، أرأيتم لو أني أخبرتكم أن العدو ممسيكم أو مصبحكم أكنتم تصدقوني ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت تبت يدا [ ص: 600 ] أبي لهب . ووقع في الصحيحين من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا إلى آخر الحديث المتقدم .

ومعلوم أن آية وأنذر عشيرتك الأقربين من سورة الشعراء وهي متأخرة النزول عن سورة تبت ، وتأويل ذلك أن آية تشبه آية سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب لما رواه أبو أسامة يبلغ ابن عباس لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين وقومك منهم المخلصين ) ( ولم يقل من سورة الشعراء ) خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا . فتعين أن آية سورة الشعراء تشبه صدر الآية التي نزلت قبل نزول سورة أبي لهب .


أغراض السورة

زجر أبي لهب على قوله ( تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ ) ووعيده على ذلك ، ووعيد امرأته على انتصارها لزوجها ، وبغضها النبيء - صلى الله عليه وسلم .


تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 )

افتتاح السورة بالتبات مشعر بأنها نزلت لتوبيخ ووعيد ، فذلك براعة استهلال مثل ما تفتتح أشعار الهجاء بما يؤذن بالذم والشتم ، ومنه قوله تعالى : ويل للمطففين ، إذ افتتحت السورة المشتملة على وعيد المطففين للفظ الويل ومن هذا القبيل قول عبد الرحمن بن الحكم من شعراء الحماسة :


لحا الله قيسا قيس عيلان إنها أضاعت ثغور المسلمين وولت


وقول أبي تمام في طالعة هجاء :


النار والعار والمكروه والعطب


ومنه أخذ أبو بكر بن الخازن قوله في طالع قصيدة هناء بمولد :


مجشري فقد أنجز الإقبال ما وعد


والتب : الخسران والهلاك ، والكلام دعاء وتقريع لأبي لهب دافع الله به عن نبيئه بمثال اللفظ الذي شتم به أبو لهب محمدا - صلى الله عليه وسلم - جزاء وفاقا .

وإسناد التب إلى اليدين لما روي من أن أبا لهب لما قال للنبيء : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ أخذ بيده حجرا ليرميه به . وروي عن طارق المحاربي قال : بينا أنا بسوق ذي المجاز ، إذا أنا برجل حديث السن يقول : أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ، يقول : يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه . فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا محمد يزعم أنه نبيء ، وهذا عمه أبو لهب ، فوقع الدعاء على يديه لأنهما سبب أذى النبيء - صلى الله عليه وسلم - كما يقال للذي يتكلم بمكروه : ( بفيك الحجارة أو بفيك الكثكث ) ، وقول النابغة :


قعودا لدى أبياتهم يثمدونها رمى الله في تلك الأكف الكوانع


ويقال بضد ذلك للذي يقول كلاما حسنا : لا فض فوك ، وقال أعرابي من بني أسد :


دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبي يدي مسور


لأنه دعاه لما نابه من العدو للنصر ، والنصر يكون بعمل اليد بالضرب أو الطعن .

وأبو لهب : هو عبد العزى بن عبد المطلب وهو عم النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وكنيته أبو عتبة تكنية باسم ابنه ، وأما كنيته بأبي لهب في الآية ، فقيل كان يكنى بذلك في الجاهلية ( لحسنه وإشراق وجهه ) وأنه اشتهر بتلك الكنية كما اقتضاه حديث طارق المحاربي ، ومثله حديث عن ربيعة بن عباد الديلي في مسند أحمد ، فسماه القرآن بكنيته دون اسمه ; لأن في اسمه عبادة العزى ، وذلك لا يقره القرآن ، أو لأنه كان بكنيته أشهر منه باسمه العلم ، أو لأن في كنيته ما يتأتى به التوجيه بكونه صائرا إلى النار ، وذلك كناية عن كونه جهنميا ; لأن اللهب ألسنة النار إذا اشتعلت وزال عنها الدخان . والأب : يطلق على ملازم ما أضيف إليه ، كقولهم ( أبوها وكيالها ) ، وكما كني إبراهيم - عليه السلام - أبا الضيفان ، وكنى النبيء - صلى الله عليه وسلم - عبد [ ص: 602 ] الرحمن بن صخر الدوسي أبا هريرة ; لأنه حمل هرة في كم قميصه ، وكني شهر رمضان : أبا البركات ، وكني الذئب : أبا جعدة ، والجعدة سخلة المعز ; لأنه يلازم طلبها لافتراسها ، فكانت كنية أبي لهب صالحة موافقة لحاله من استحقاقه لهب جهنم ، فصار هذا التوجيه كناية عن كونه جهنميا لينتقل من جعل أبي لهب بمعنى ملازم اللهب إلى لازم تلك الملازمة في العرف ، وهو من أهل جهنم وهو لزوم ادعائي مبني على التفاؤل بالأسماء ونحوها كما أشار إليه التفتزاني في مبحث العلمية من شرح المفتاح ، وأنشد قول الشاعر :


قصدت أبا المحاسن كي أراه لشوق كان يجذبني إليه
فلما أن رأيت رأيت فردا ولم أر من بنيه ابنا لديه


وقد يكون أبو لهب كنيته الحطب كما أنبأ عنه ما روي عن أبي هريرة ( أن ابنة أبي لهب قالت للنبيء - صلى الله عليه وسلم : إن الناس يصيحون بي ويقولون : إني ابنة حطب النار ) . الحديث .

وقرأ الجمهور لفظ ( لهب ) بفتح الهاء ، وقرأه ابن كثير بسكون الهاء ، وهو لغة لأنهم كثيرا ما يسكنون عين الكلمة المتحركة مع الفاء ، وقد يكون ذلك ; لأن ( لهب ) صار جزء علم ، والعرب قد يغيرون بعض حركات الاسم إذا نقلوه إلى العلمية كما قالوا : شمس بضم الشين . ولشمس بن مالك الشاعر الذي ذكره تأبط شرا في قوله :


إني لمهد من ثنائي فقاصد به لابن عم الصدق شمس بن مالك


قال أبو الفتح بن جني في كتاب إعراب الحماسة : يجوز أن يكون ضم الشين على وجه تغيير الأعلام نحو معد يكرب ، وتهلك وموهب وغير ذلك مما غير على حال نظائره لأجل العلمية الحادثة فيه اهـ .

وكما قالوا : أبو سلمى بضم السين كنية والد زهير بن أبي سلمى ; لأنهم نقلوا اسم سلمى بفتح السين من أسماء النساء إلى جعله اسم رجل يكنى به ; لأنهم لا يكنون بأسماء النساء غالبا .

ولذلك لم يسكن ابن كثير الهاء من قوله تعالى : ذات لهب وقراءة ابن كثير قراءة أهل مكة فلعل أهل مكة اشتهرت بينهم كنية أبي لهب بسكون الهاء تحقيقا لكثرة دورانها على الألسنة في زمانه .

وجملة ( وتب ) إما معطوفة على جملة تبت يدا أبي لهب عطف الدعاء على الدعاء إذا كان إسناد التبات إلى اليدين لأنهما آلة الأذى بالرمي بالحجارة كما في خبر طارق المحاربي ، فأعيد الدعاء على جميعه إغلاظا له في الشتم والتفريع ، وتفيد بذلك تأكيدا لجملة تبت يدا أبي لهب لأنها بمعناها ، وإنما اختلفتا في الكلية والجزئية ، وذلك الاختلاف هو مقتضي عطفها ، وإلا لكان التوكيد غير معطوف ; لأن التوكيد اللفظي لا يعطف بالواو كما تقدم في سورة الكافرون .

وإما أن تكون في موضع الحال ، والواو واو الحال ولا تكون دعاء إنما هي تحقيق لحصول ما دعي عليه به ، كقول النابغة :


جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات


وقد فعل فيكون الكلام قبله مستعملا في الذم والشماتة به أو لطلب الإزدياد ، ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله بن مسعود وقد تب فيتمحض الكلام قبله لمعنى الذم والتحقير دون معنى طلب حصول التبات له ، وذلك كقول عبد الله بن رواحة حين خروجه إلى غزوة مؤتة التي استشهد فيها :


حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا


يعني : ويقولوا : وقد رشدا ، فيصير قوله : أرشدك الله من غاز ، لمجرد الثناء والغبطة بما حصله من الشهادة .


ما أغنى عنه ماله وما كسب ( 2 )

استئناف ابتدائي للانتقال من إنشاء الشتم والتوبيخ إلى الإعلام بأنه آيس من النجاة من هذا التبات ، ولا يغنيه ماله ، ولا كسبه ، أي : لا يغني عنه ذلك في دفع شيء عنه في الآخرة .

[ ص: 604 ] والتعبير بالماضي في قوله : ما أغنى لتحقيق وقوع عدم الإغناء .

و ( ما ) نافية ، ويجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والإنكار .

والمال : الممتلكات المتمولة ، وغلب على العرب إطلاقه على الإبل ، ومن كلام عمر ( لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ) إلخ . في اتقاء دعوة المظلوم ، من الموطأ ، وقال زهير :


صحيحات مال طالعات بمخرم


وأهل المدينة وخيبر والبحرين يغلب عندهم على النخيل ، وقد تقدم عند قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل في سورة البقرة وفي مواضع .

وما كسب موصول وصلته والعائد محذوف جوازا ; لأنه ضمير نصب ، والتقدير : وما كسبه ، أي : ما جمعه . والمراد به : ما يملكه من غير النعم من نقود وسلاح وربع وعروض وطعام ، ويجوز أن يراد بماله : جميع ماله ، ويكون عطف وما كسب من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به ، أي : ما أغنى عنه ماله التالد وهو ما ورثه عن أبيه عبد المطلب وما كسبه هو بنفسه وهو طريفه .

وروي عن ابن مسعود أن أبا لهب قال : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي نفسي يوم القيامة بمالي وولدي ، فأنزل الله ما أغنى عنه ماله وما كسب وقال ابن عباس ما كسب هو ولده فإن الولد من كسب أخيه .


سيصلى نارا ذات لهب ( 3 )

بيان لجملة ما أغنى عنه ماله وما كسب أي : لا يغني عنه شيء من عذاب جهنم . ونزل هذا القرآن في حياة أبي لهب وقد مات بعد ذلك كافرا ، فكانت هذه الآية إعلاما بأنه لا يسلم ، وكانت من دلائل النبوة .

والسين للتحقيق مثل قوله تعالى : قال سوف أستغفر لكم ربي .

و يصلى نارا يشوى بها ويحس بإحراقها . وأصل الفعل : صلاه بالنار ، إذا [ ص: 605 ] شواه ثم جاء منه صلي كأفعال الإحساس مثل فرح ومرض . ونصب ( نارا ) على نزع الخافض .

ووصف النار بـ ذات لهب لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وبين كفره ، إذ هو أبو لهب والنار ذات لهب .

وهو ما تقدم الإيماء إليه بذكر كنيته كما قدمناه آنفا ، وفي وصف النار بذلك زيادة كشف بحقيقة النار وهو مثل التأكيد .

وبين لفظي ( لهب ) الأول ( ولهب ) الثاني الجناس التام .


وامرأته حمالة الحطب ( 4 ) في جيدها حبل من مسد ( 5 )

أعقب ذم أبي لهب ووعيده بمثل ذلك لامرأته لأنها كانت تشاركه في أذى النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتعينه عليه .

وامرأته : أي : زوجه . قال تعالى في قصة إبراهيم وامرأته قائمة وفي قصة لوط إلا امرأته كانت من الغابرين وفي قصة يوسف امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه .

وامرأة أبي لهب هي أم جميل ، واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان بن حرب ، وقيل : اسمها العوراء ، فقيل : هو وصف وأنها كانت عوراء ، وقيل : اسمها ، وذكر بعضهم : أن اسمها العواء بهمزة بعد الواو .

وكانت أم جميل هذه تحمل حطب العضاه والشوك فتضعه في الليل في طريق النبيء - صلى الله عليه وسلم - الذي يسلك منه إلى بيته ليعقر قدميه .

فلما حصل لأبي لهب وعيد مقتبس من كنيته جعل لامرأته وعيد مقتبس لفظه من فعلها وهو حمل الحطب في الدنيا ، فأنذرت بأنها تحمل الحطب في جهنم ليوقد به على زوجها ، وذلك خزي لها ولزوجها ، إذ جعل شدة عذابه على يد أحب الناس إليه ، وجعلها سببا لعذاب أعز الناس عليها .

[ ص: 606 ] فقوله ( وامرأته ) عطف على الضمير المستتر في ( سيصلى ) أي : وتصلى امرأته نارا .

وقوله : حمالة الحطب قرأه الجمهور برفع ( حمالة ) على أنه صفة لامرأته فيحتمل أنها صفتها في جهنم ، ويحتمل أنها صفتها التي كانت تعمل في الدنيا بجلب حطب العضاه لتضعه في طريق النبيء - صلى الله عليه وسلم - على طريقة التوجيه والإيماء إلى تعليل تعذيبها بذلك .

وقرأه عاصم بنصب ( حمالة ) على الحال من امرأته . وفيه من التوجيه والإيماء ما في قراءة الرفع .

وجملة في جيدها حبل من مسد صفة ثانية أو حال ثانية وذلك إخبار بما تعامل به في الآخرة ، أي : يجعل لها حبل في عنقها تحمل فيه الحطب في جهنم لإسعار النار على زوجها جزاء مماثلا لعملها في الدنيا الذي أغضب الله تعالى عليها .

والجيد : العنق ، وغلب في الاستعمال على عنق المرأة وعلى محل القلادة منه ، فقل أن يذكر العنق في وصف النساء في الشعر العربي إلا إذا كان عنقا موصوفا بالحسن ، وقد جمعهما امرؤ القيس في قوله :


وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل


قال السهيلي في الروض : " والمعروف أن يذكر العنق إذا ذكر الحلي أو الحسن ، فإنما حسن هنا ذكر الجيد في حكم البلاغة ; لأنها امرأة والنساء تحلي أجيادهن ، وأم جميل لا حلي لها في الآخرة إلا الحبل المجعول في عنقها ، فلما أقيم لها ذلك مقام الحلي ذكر الجيد معه ، ألا ترى إلى قول الأعشى :


يوم تبدي لنا قتيلة عن جيـ د أسيل تزينه الأطواق


ولم يقل عن عنق ، وقول الآخر :


وأحسن من عقد المليحة جيدها


ولم يقل عنقها ولو قال لكان غثا من الكلام " . اهـ .

[ ص: 607 ] قلت : وأما قول المعري :


الحجل للرجل والتاج المنيف لما فوق الحجاج وعقد الدر للعنق


فإنما حسنه ما بين العقد والعنق من الجناس إتماما للمجانسة التي بين الحجل والرجل ، والتاج والحجاج ، وهو مقصود الشاعر .

والحبل : ما يربط به الأشياء التي يراد اتصال بعضها ببعض وتقيد به الدابة والمسجون كي لا يبرح من المكان ، وهو ضفير من الليف أو من سيور جلد في طول متفاوت على حسب قوة ما يشد به أو يربط في وتد أو حلقة أو شجرة بحيث يمنع المربوط به من مغادرة موضعه إلى غيره إلى بعد يراد ، وتربط به قلوع السفن في الأرض في الشواطئ ، وتقدم في قوله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ، وقوله : إلا بحبل من الله وحبل من الناس كلاها في سورة آل عمران ، ويقال : حبله إذا ربطه .

والمسد : ليف من ليف اليمن شديد ، والحبال التي تفتل منه تكون قوية وصلبة .

وقدم الخبر من قوله : في جيدها للاهتمام بوصف تلك الحالة الفظيعة التي عوضت فيها بحبل في جيدها عن العقد الذي كانت تحلي به جيدها في الدنيا فتربط به إذا كانت هي وزوجها من أهل الثراء وسادة أهل البطحاء ، وقد ماتت أم جميل على الشرك .

EL Mister
12-06-09, 12:17
بسم الله الرحمن الرحيم

( إذا جاء نصر الله والفتح ( 1 ) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ( 2 ) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( 3 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في كلام السلف ( سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) . روى البخاري ( أن عائشة قالت : لما نزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) الحديث .

وسميت في المصاحف وفي معظم التفاسير ( سورة النصر ) لذكر نصر الله فيها ، فسميت بالنصر المعهود عهدا ذكريا .

وهي معنونة في جامع الترمذي ( سورة الفتح ) لوقوع هذا اللفظ فيها فيكون هذا الاسم مشتركا بينها وبين إنا فتحنا لك فتحا مبينا .

وعن ابن مسعود أنها تسمى سورة التوديع في الإتقان ; لما فيها من الإيماء إلى وداعه - صلى الله عليه وسلم - اهـ . يعني : من الإشارة إلى اقتراب لحاقه بالرفيق الأعلى كما سيأتي عن عائشة .

وهي مدنية بالاتفاق .

واختلف في وقت نزولها فقيل نزلت منصرف النبيء - صلى الله عليه وسلم - من خيبر أي : في سنة سبع ، ويؤيده ما رواه الطبري والطبراني عن ابن عباس : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة نزلت إذا جاء نصر الله والفتح ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : الله أكبر جاء نصر الله والفتح ، وجاء نصر أهل اليمن . فقال رجل : يا رسول الله وما أهل اليمن ؟ قال : قوم رقيقة قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمان ، والفقه يمان ، والحكمة يمانية اهـ ، ومجيء أهل اليمن أول مرة هو مجيء وفد الأشعريين عام غزوة خيبر .

ولم يختلف أهل التأويل أن المراد بالفتح في الآية هو فتح مكة ، وعليه فالفتح [ ص: 588 ] مستقبل ودخول الناس في الدين أفواجا مستقبل أيضا وهو الأليق باستعمال ( إذا ) ويحمل قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - ( جاء نصر الله والفتح ) على أنه استعمال الماضي في معنى المضارع لتحقق وقوعه ، أو لأن النصر في خيبر كان بادرة لفتح مكة .

وعن قتادة : نزلت قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنتين .

وقال الواحدي عن ابن عباس ( نزلت منصرفه من حنين ) ، فيكون الفتح قد مضى ودخول الناس في الدين أفواجا مستقبلا ، وهو في سنة الوفود سنة تسع ، وعليه تكون ( إذا ) مستعملة في مجرد التوقيت دون تعيين .

وروى البزاز والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر أنها أنزلت أواسط أيام التشريق ( أي : عام حجة الوداع ) . وضعفه ابن رجب بأن فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف . وقال أحمد بن حنبل : لا تحل الرواية عنه وإن صحت هذه الرواية كان الفتح ودخول الناس في الدين أفواجا قد مضيا .

وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاش بعد نزولها نحو ثلاثة أشهر وعليه تكون ( إذا ) مستعملة للزمن الماضي ; لأن الفتح ودخول الناس في الدين قد وقعا .

وقد تظافرت الأخبار رواية وتأويلا أن هذه السورة تشتمل على إيماء إلى اقتراب أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في ذلك ما يرجح أحد الأقوال في وقت نزولها ، إذ لا خلاف في أن هذا الإيماء يشير إلى توقيت مجيء النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجا ، فإذا حصل ذلك حان الأجل الشريف .

وفي حديث ابن عباس في صحيح البخاري : هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له قال : إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره .

وفي هذا ما يؤول ما في بعض الأخبار من إشارة إلى اقتراب ذلك الأجل مثلما في حديث ابن عباس عند البيهقي في دلائل النبوة والدارمي وابن مردويه : ( لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة وقال : إنه قد نعيت إلي نفسي فبكت ) إلخ ، فإن قوله : " لما نزلت " مدرج من الراوي ، وإنما هو [ ص: 589 ] إعلام لها في مرضه كما جاء في حديث الوفاة في الصحيحين ، فهذا جمع بين ما يلوح منه تعارض في هذا الشأن .

وعدها جابر بن زيد السورة المائة والثلاث في ترتيب نزول السور وقال : نزلت بعد سورة الحشر وقبل سورة النور . وهذا جار على رواية أنها نزلت عقب غزوة خيبر .

وعن ابن عباس ، أنها آخر سورة نزلت من القرآن فتكون على قوله السورة المائة وأربع عشرة نزلت بعد سورة براءة ولم تنزل بعدها سورة أخرى .

وعدد آياتها ثلاث وهي مساوية لسورة الكوثر في عدد الآيات إلا أنها أطول من سورة الكوثر عدة كلمات ، وأقصر من سورة العصر . وهاته الثلاث متساوية في عدد الآيات . وفي حديث ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق السبعي في حديث طعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فصلى عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة بأقصر سورتين في القرآن ( إنا أعطيناك الكوثر ) و ( إذا جاء نصر الله والفتح ) .


أغراض السورة

والغرض منها الوعد بنصر كامل من عند الله أو بفتح مكة ، والبشارة بدخول خلائق كثيرة في الإسلام بفتح وبدونه إن كان نزولها عند منصرف النبيء - صلى الله عليه وسلم - من خيبر كما قال ابن عباس في أحد قوليه .

والإيماء إلى أنه حين يقع ذلك فقد اقترب انتقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الآخرة .

ووعده بأن الله غفر له مغفرة تامة لا مؤاخذة عليه بعدها في شيء مما يختلج في نفسه الخوف أن يكون منه تقصير يقتضيه تحديد القوة الإنسانية الحد الذي لا يفي بما تطلبه همته الملكية بحيث يكون قد ساوى الحد الملكي الذي وصفه الله تعالى في الملائكة بقوله : يسبحون الليل والنهار لا يفترون .


إذا جاء نصر الله والفتح ( 1 ) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ( 2 ) فسبح بحمد ربك واستغفره

( إذا ) اسم زمان مبهم يتعين مقداره بمضمون جملة يضاف إليها هو . فـ ( إذا ) اسم زمان مطلق ، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالبا . ولذلك يضمن معنى الشرط غالبا ، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالبا لإفادة التحقق ، وقد يكون مضارعا كقوله تعالى : وهو على جمعهم إذا يشاء قدير .

ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي ، ولا تضمن ( إذا ) معنى الشرط حينئذ ، وإنما هي لمجرد الإخبار دون قصد تعليق نحو وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها .

و ( إذا ) هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء بقوله : فسبح بحمد ربك وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت .

والنصر : الإعانة على العدو . ونصر الله يعقبه التغلب على العدو . والفتح : امتلاك بلد العدو وأرضه ; لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى : ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأرضين التي لها شعاب وثغور ، قال لبيد :


وأجن عورات الثغور ظلامها


وقد فتح المسلمون خيبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد ، وهو المعهود في قوله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا .

فإضافة ( نصر ) إلى ( الله ) تشعر بتعظيم هذا النصر ، وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها . و ( جاء ) مستعمل في معنى : حصل وتحقق مجازا .

[ ص: 591 ] والتعريف في ( الفتح ) للعهد وقد وعد الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - به غير مرة من ذلك قوله تعالى : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وقوله : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا . وهذه الآية نزلت عام الحديبية ، وذلك قبل نزول سورة إذا جاء نصر الله على جميع الأقوال .

وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمن بعدهم على أن الفتح المذكور في هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح المدائن والقصور ، يعني : الحصون . وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم ، فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد ، وأهل مكة يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبيء - صلى الله عليه وسلم - ويتلومون بدخولهم في الإسلام فتح مكة يقولون : إن ظهر محمد على قومه فهو نبي . وتكرر أن صد بعضهم بعضا ممن يريد اتباع الإسلام ، عن الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإسلام أو غلب الشرك .

أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال : " لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة ، فيقولون : دعوه وقومه ، فإن ظهر عليهم فهو نبيء " .

وعن الحسن : لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : أما إذ ظفر بأهل الحرم ، فليس لنا به يدان ، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجا . فعلى قول الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة ، يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها .

ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في الإسلام ، وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإسلام سنة الوفود .

وعلى ما روي عن ابن عمر ( أنها نزلت في حجة الوداع ) يكون تعليق جملة ( فسبح بحمد ربك ) على الشرط الماضي مرادا به التذكير بأنه حصل ، أي : إذا [ ص: 592 ] تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإسلام بلاد العرب فسبح بحمد ربك ، وهو مراد من قال من المفسرين ( إذا ) بمعنى ( قد ) ، فهو تفسير حاصل المعنى ، وليست ( إذا ) مما يأتي بمعنى ( قد ) .

والرؤية في قوله : ورأيت الناس يجوز أن تكون علمية ، أي : وعلمت علم اليقين أن الناس يدخلون في دين الله أفواجا وذلك بالأخبار الواردة من آفاق بلاد العرب ومواطن قبائلهم وبمن يحضر من وفودهم . فيكون جملة ( يدخلون ) في محل المفعول الثاني لـ ( رأيت ) .

ويجوز أن تكون رؤية بصرية بأن رأى أفواج وفود العرب يردون إلى المدينة يدخلون في الإسلام وذلك سنة تسع ، وقد رأى النبيء - صلى الله عليه وسلم - ببصره ما علم منه دخولهم كلهم في الإسلام بمن حضر معه الموقف في حجة الوداع ، فقد كانوا مائة ألف من مختلف قبائل العرب فتكون جملة ( يدخلون ) في موضع الحال من الناس .

و دين الله هو الإسلام لقوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام وقوله : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها .

والدخول في الدين : مستعار للنطق بكلمة الشهادة والتزام أحكام الدين الناشئة عن تلك الشهادة . فشبه الدين ببيت أو حظيرة على طريقة المكنية ورمز إليه بما هو من لوازم المشبه به وهو الدخول على تشبيه التلبس بالدين بتلبس المظروف بالظرف ، ففيه استعارة أخرى تصريحية .

والناس : اسم جمع يدل على جماعة من الآدميين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله في سورة البقرة ، وإذا عرف اسم ناس باللام احتملت العهد نحو الذين قال لهم الناس ، واحتملت الجنس نحو إن الناس قد جمعوا لكم واحتملت الاستغراق نحو ومن الناس من يقول ونحو قل أعوذ برب الناس .

والتعريف في هذه الآية للاستغراق العرفي ، أي : جميع الناس الذين يخطرون بالبال لعدم إرادة معهودين معينين ولاستحالة دخول كل إنسان في دين الله بدليل [ ص: 593 ] المشاهدة ، فالمعنى : ورأيت ناسا كثيرين أو رأيت العرب .

قال ابن عطية : قال أبو عمر بن عبد البر النمري - رحمه الله - في كتاب الاستيعاب في باب خراش الهذلي : " لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي العرب رجل كافر ، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف ، منهم من قدم ومنهم من قدم وافده " اهـ . وإنما يراد عرب الحجاز ونجد واليمن ; لأن من عرب الشام والعراق من لم يدخلوا في الإسلام ، وهم تغلب وغسان في مشارف الشام ، وكذلك لخم وكلب من العراق ، فهؤلاء كانوا نصارى ولم يسلم من أسلم منهم إلا بعد فتح الشام والعراق بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلون في دين الله رؤية بصرية .

ويجوز أن يكون الله أعلمه بذلك إن جعلنا الرؤية علمية .

والأفواج : جمع فوج وهو الجماعة الكثيرة ، وتقدم عند قوله تعالى : هذا فوج مقتحم معكم في سورة ص ، أي : يدخلون في الإسلام ، وانتصب ( أفواجا ) على الحال من ضمير ( يدخلون ) .

وجملة فسبح بحمد ربك جواب ( إذا ) باعتبار ما تضمنته من معنى الشرط ، وفعل ( فسبح ) هو العامل في ( إذا ) النصب على الظرفية ، والفاء رابطة للجواب ; لأنه فعل إنشاء .

وقرن التسبيح بالحمد بباء المصاحبة المقتضية أن التسبيح لاحق للحمد ; لأن باء المصاحبة بمعنى ( مع ) فهي مثل ( مع ) في أنها تدخل على المتبوع ، فكان حمد الله على حصول النصر والفتح ودخول الناس في الإسلام شيئا مفروغا منه لا يحتاج إلى الأمر بإيقاعه ; لأن شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قد فعله ، وإنما يحتاج إلى تذكيره بتسبيح خاص لم يحصل من قبل في تسبيحاته وباستغفار خاص لم يحصل من قبل في استغفاره .

ويجوز أن يكون التسبيح المأمور به تسبيح ابتهاج وتعجب من تيسير الله تعالى له ما لا يخطر ببال أحد أن يتم له ذلك ، فإن سبحان الله ونحوه يستعمل في التعجب كقول الأعشى :

[ ص: 594 ]

قد قلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر


وفي تقديم الأمر بالتسبيح والحمد على الأمر بالاستغفار تمهيد لإجابة استغفاره على عادة العرب في تقديم الثناء قبل سؤال الحاجة كما قال ابن أبي الصلت :


إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه عن تعرضه الثناء


فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يخلو عن تسبيح الله ، فأريد تسبيح يقارن الحمد على ما أعطيه من النصر والفتح ودخول الأمة في الإسلام .

وعطف الأمر باستغفار الله تعالى على الأمر بالتسبيح مع الحمد يقتضي أنه من حيز جواب ( إذا ) ، وأنه استغفار يحصل مع الحمد مثل ما قرر في فسبح بحمد ربك ، فيدل على أنه استغفار خاص ; لأن الاستغفار الذي يعم طلب غفران التقصير ونحوه مأمور به من قبل وهو من شأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقد قال : ( إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة ) فكان تعليق الأمر بالتسبيح وبالاستغفار على حصول النصر والفتح إيماء إلى تسبيح واستغفار يحصل بهما تقرب لم ينو من قبل ، وهو التهيؤ للقاء الله ، وأن حياته الدنيوية أوشكت على الانتهاء ، وانتهاء أعمال الطاعات والقربات التي تزيد النبيء - صلى الله عليه وسلم - في رفع درجاته عند ربه ، فلم يبق إلا أن يسأل ربه التجاوز عما يعرض له من اشتغال ببعض الحظوظ الضرورية للحياة ، أو من اشتغال بمهم من أحوال الأمة يفوته بسببه أمر آخر هو أهم منه ، مثل فداء أسرى بدر مع فوات مصلحة استئصالهم الذي هو أصلح للأمة ، فعوتب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى الآية ، أو من ضرورات الإنسان كالنوم والطعام التي تنقص من حالة شبهه بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فكان هذا إيذانا باقتراب وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بانتقاله من حياة تحمل أعباء الرسالة إلى حياة أبدية في العلويات الملكية .

والكلام من قبيل الكناية الرمزية وهي لا تنافي إرادة المعنى الصريح بأن يحمل الأمر بالتسبيح والاستغفار على معنى الإكثار من قول ذلك ، وقد دل ذوق الكلام بعض ذوي الأفهام النافذة من الصحابة على هذا المعنى وغاصت عليه مثل أبي بكر وعمر والعباس وابنه عبد الله وابن مسعود ، فعن مقاتل : ( لما نزلت قرأها [ ص: 595 ] النبيء - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه ففرحوا واستبشروا وبكى العباس ، فقال له النبيء - صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا عم ؟ قال : نعيت إليك نفسك . فقال : إنه لكما تقول . ) وفي رواية : نزلت في منى فبكى عمر والعباس فقيل لهما ، فقالا : فيه نعي رسول الله ، فقال النبيء - صلى الله عليه وسلم : صدقتما نعيت إلي نفسي .

وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس : كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم ، فوجد بعضهم من ذلك ، فقال لهم عمر : إنه من قد علمتم . قال : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم ، فسألهم عن هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح فقالوا : أمر الله نبيئه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقال : ما تقول يا ابن عباس ؟ قلت : ليس كذلك ، ولكن أخبر الله نبيئه حضور أجله فقال : إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة موتك ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول . فهذا فهم عمر والعباس وعبد الله ابنه .

وقال في الكشاف : روي أنه لما نزلت خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله عز وجل . فعلم أبو بكر فقال : فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا اهـ .

قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف : " الحديث متفق عليه إلا صدره دون أوله من كونه كان عند نزول السورة " اهـ . ويحتمل أن يكون بكاء أبي بكر تكرر مرتين أولاهما عند نزول سورة النصر كما في رواية الكشاف والثانية عند خطبة النبيء - صلى الله عليه وسلم - في مرضه .

وعن ابن مسعود أن هذه السورة تسمى سورة التوديع أي : لأنهم علموا أنها إيذان بقرب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .

وتقديم التسبيح والحمد على الاستغفار ; لأن التسبيح راجع إلى وصف الله تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب ، فالتسبيح متمحض لجانب الله تعالى ، ولأن الحمد ثناء على الله لإنعامه ، وهو أداء العبد ما يجب عليه لشكر المنعم ، فهو مستلزم إثبات صفات الكمال لله التي هي منشأ إنعامه على عبده ، فهو جامع بين جانب الله وحظ العبد ، وأما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده ; لأنه طلبه الله أن يعفو عما يؤاخذه عليه .

[ ص: 596 ] ومقتضى الظاهر أن يقول : فسبح بحمده ، لتقدم اسم الجلالة في قوله : إذا جاء نصر الله فعدل على الضمير إلى الاسم الظاهر وهو ربك لما في صفة ( رب ) وإضافتها إلى ضمير المخاطب من الإيماء إلى أن من حكمة ذلك النصر والفتح ودخول الناس في الإسلام نعمة أنعم الله بها عليه إذا حصل هذا الخير الجليل بواسطته ، فذلك تكريم له وعناية به وهو شأن تلطف الرب بالمربوب ; لأن معناه السيادة المرفوقة بالرفق والإبلاغ إلى الكمال .

وقد انتهى الكلام عند قوله ( واستغفره ) وقد روي ( أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان في قراءته يقف عند ( واستغفره ) ثم يكمل السورة ) .


إنه كان توابا ( 3 )

تذييل للكلام السابق كله وتعليل لما يقتضي التعليل فيه من الأمر باستغفار ربه باعتبار الصريح من الكلام السابق كما سيتبين لك .

وتواب : مثال مبالغة من تاب عليه . وفعل تاب المتعدي بحرف ( على ) يطلق بمعنى وفق للتوبة ، أثبته في اللسان والقاموس ، وهذا الإطلاق خاص بما أسند إلى الله .

وقد اشتملت الجملة على أربع مؤكدات هي : إن ، وكان ، وصيغة المبالغة في التواب ، وتنوين التعظيم فيه .

وحيث كان التوكيد بـ ( إن ) هنا غير مقصود به رد إنكار ولا إزالة تردد ، إذ لا يفرضان في جانب المخاطب - صلى الله عليه وسلم - فقد تمحض ( إن ) لإفادة الاهتمام بالخبر بتأكيده . وقد تقرر أن من شأن ( إن ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غناء فاء الترتيب والتسبب وتفيد التعليل وربط الكلام بما قبله كما تفيده الفاء ، وقد تقدم غير مرة ، منها عند قوله تعالى : إنك أنت العليم الحكيم في سورة البقرة ، فالمعنى : هو شديد القبول لتوبة عباده كثير قبوله إياها .

وإذ قد كان الكلام تذييلا وتعليلا للكلام السابق تعين أن حذف متعلق ( توابا ) يقدر بنحو : على التائبين . وهذا المقدر مراد به العموم ، وهو عموم [ ص: 597 ] مخصوص بالمشيئة تخصصه أدلة وصف الربوبية ، ولما ذكر دليل العموم عقب أمره بالاستغفار أفاد أنه إذا استغفره غفر له ، دلالة تقتضيها مستتبعات التراكيب ، فأفادت هذه الجملة تعليل الأمر بالاستغفار ; لأن الاستغفار طلب الغفر ، فالطالب يترقب إجابة طلبه ، وأما ما في الجملة من الأمر بالتسبيح والحمد فلا يحتاج إلى تعليل ; لأنهما إنشاء تنزيه وثناء على الله .

ومن وراء ذلك أفادت الجملة إشارة إلى وعد بحسن القبول عند الله تعالى حينما يقدم على العالم القدسي ، وهذا معنى كنائي ; لأن من عرف بكثرة قبول توبة التائبين شأنه أن يكرم وفادة الوافدين الذين سعوا جهودهم في مرضاته بمنتهى الاستطاعة ، أو هو مجاز بعلاقة اللزوم العرفي ; لأن منتهى ما يخافه الأحبة عند اللقاء مرارة العتاب ، فالإخبار بأنه تواب اقتضى أنه لا يخاف عتابا .

فهذه الجملة بمدلولها الصريح ومدلولها الكنائي أو المجازي ومستتبعاتها تعليل لما تضمنته الجملة التي قبلها من معنى صريح أو كنائي يناسبه التعليل بالتسبيح والحمد باعتبارهما تمهيدا للأمر بالاستغفار كما تقدم آنفا لا يحتاجان إلى التعليل ، أو يغني تعليل الممهد له بهما عن تعليلهما ، ولكنهما باعتبار كونهما رمزا إلى مداناة وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون ما في قوله : إنه كان توابا من الوعد بحسن القبول تعليلا لمدلولهما الكنائي ، وأما الأمر بالاستغفار فمناسبة التعليل له بقوله : إنه كان توابا ناهضة باعتبار كلتا دلالتيه الصريحة والكنائية ، أي أنه متقبل استغفارك ومتقبلك بأحسن قبول ، شأن من عهد من الصفح والتكرم .

وفعل كان هنا مستعمل في لازم معنى الاتصاف بالوصف في الزمن الماضي ، وهو أن هذا الوصف ذاتي له لا يتخلف معموله عن عباده فقد دل استقراء القرآن على إخبار الله عن نفسه بذلك من مبدأ الخليقة قال تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم .

ومقتضى الظاهر أن يقال : إنه كان غفارا ، كما في آية فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا فيجري الوصف على ما يناسب قوله ( واستغفره ) ، فعدل عن ذلك تلطفا مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن أمره بالاستغفار ليس مقتضيا إثبات ذنب له لما علمت آنفا من أن وصف ( توابا ) جاء من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى وفقه [ ص: 598 ] للتوبة إيماء إلى أن أمره بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله تعالى ، فإنه لا يسأل عما يفعل بعباده ، لولا تفضله بما بين لهم من مراده ، ولأن وصف ( توابا ) أشد ملائمة لإقامة الفاصلة مع فاصلة ( أفواجا ) ; لأن حرف الجيم وحرف الباء كليهما حرف من الحروف الموصوفة بالشدة ، بخلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين الشدة والرخوة .

وروي في الصحيح عن عائشة قالت : ( ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة بعد أن نزلت عليه سورة إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول : سبحانك ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، يتأول القرآن ) أي : يتأول الأمر في قوله : فسبح بحمد ربك واستغفره على ظاهره كما تأوله في مقام آخر على معنى اقتراب أجله - صلى الله عليه وسلم .

EL Mister
12-06-09, 15:48
بسم الله الرحمن الرحيم

( قل يا أيها الكافرون ( 1 ) لا أعبد ما تعبدون ( 2 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 3 ) ولا أنا عابد ما عبدتم ( 4 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 5 ) لكم دينكم ولي دين ( 6 ) )


مقدمة

عنونت هذه السورة في المصاحف التي بأيدينا قديمها وحديثها وفي معظم التفاسير ( سورة الكافرون ) بإضافة ( سورة ) إلى ( الكافرون ) وثبوت واو الرفع في ( الكافرون ) على حكاية لفظ القرآن الواقع في أولها .

ووقع في الكشاف وتفسير ابن عطية وحرز الأماني ( سورة الكافرين ) بياء الخفض في لفظ ( الكافرين ) بإضافة ( سورة ) إليه أن المراد سورة ذكر الكافرين ، أو نداء الكافرين ، وعنونها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه سورة ( قل يا أيها الكافرون ) .

قال في الكشاف والإتقان : وتسمى هي وسورة ( قل هو الله أحد ) بالمقشقشتين ; لأنهما تقشقشان من الشرك ، أي : تبرئان منه . يقال : قشقش ، إذا أزال المرض .

وتسمى أيضا سورة الإخلاص فيكون هذان الاسمان مشتركين بينها وبين سورة ( قل هو الله أحد ) .

وقد ذكر في سورة براءة أن سورة براءة تسمى المقشقشة لأنها تقشقش ، أي : تبرئ من النفاق فيكون هذا مشتركا بين السور الثلاث فيحتاج إلى التمييز .

وقال سعد الله المعروف بسعدي عن جمال القراء : إنها تسمى سورة العبادة . وفي بصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي : تسمى ( سورة الدين ) .

وهي مكية بالاتفاق في حكاية ابن عطية وابن كثير ، وروي عن ابن الزبير أنها مدنية .

[ ص: 580 ] وقد عدت الثامنة عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الماعون وقبل سورة الفيل .

وعدد آياتها ست .


أغراض السورة

وسبب نزولها فيما حكاه الواحدي في أسباب النزول وابن إسحاق في السيرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف في الكعبة فاعترضه الأسود بن المطلب بن أسد ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل . وكانوا ذوي أسنان في قومهم ، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد سنة ، وتعبد ما نعبد سنة ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظه منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ، فقال : معاذ الله أن أشرك به غيره ، فأنزل الله فيهم قل يا أيها الكافرون السورة كلها ، فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم ، فيئسوا منه عند ذلك ، وإنما عرضوا عليه ذلك لأنهم رأوا حرصه على أن يؤمنوا ، فطمعوا أن يستزلوه إلى الاعتراف بإلهية أصنامهم .

وعن ابن عباس : فيئسوا منه وآذوه وآذوا أصحابه .

وبهذا يعلم الغرض الذي اشتملت عليه ، وأنه تأييسهم من أن يوافقهم في شيء مما هم عليه من الكفر بالقول الفصل المؤكد في الحال والاستقبال ، وأن دين الإسلام لا يخالط شيئا من دين الشرك .


قل يا أيها الكافرون ( 1 ) لا أعبد ما تعبدون ( 2 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 3 )

افتتاحها بـ ( قل ) للاهتمام بما بعد القول بأنه كلام يراد إبلاغه إلى الناس بوجه خاص منصوص فيه على أنه مرسل بقول يبلغه ، وإلا فإن القرآن كله مأمور بإبلاغه ، ولهذه الآية نظائر في القرآن مفتتحة بالأمر بالقول في غير جواب عن [ ص: 581 ] سؤال منها قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله في سورة الجمعة . والسور المفتتحة بالأمر بالقول خمس سور : قل أوحي ، وسورة الكافرون ، وسورة الإخلاص ، والمعوذتان ، فالثلاث الأول لقول يبلغه ، والمعوذتان لقول يقوله لتعويذ نفسه .

والنداء موجه للأربعة الذين قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم : فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ، كما في خبر سبب النزول وذلك الذي يقتضيه قوله : ولا أنتم عابدون ما أعبد كما سيأتي .

وابتدئ خطابهم بالنداء لإبلاغهم ; لأن النداء يستدعي إقبال أذهانهم على ما سيلقى عليهم .

ونودوا بوصف الكافرين تحقيرا لهم وتأييدا لوجه التبرؤ منهم ، وإيذانا بأنه لا يخشاهم إذا ناداهم بما يكرهون مما يثير غضبهم ; لأن الله كفاه إياهم وعصمه من أذاهم . قال القرطبي : قال أبو بكر بن الأنباري : إن المعنى : قل للذين كفروا يا أيها الكافرون . أن يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم : يا أيها الكافرون . وهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر .

فقوله : لا أعبد ما تعبدون إخبار عن نفسه بما حصل منها .

والمعنى : لا تحصل مني عبادتي ما تعبدون في أزمنة في المستقبل تحقيقا ; لأن المضارع يحتمل الحال والاستقبال ، فإذا دخل عليه ( لا ) النافية أفادت انتفاءه في أزمنة المستقبل كما درج عليه في الكشاف ، وهو قول جمهور أهل العربية . ومن أجل ذلك كان حرف ( لن ) مفيدا تأكيد النفي في المستقبل زيادة على منطلق النفي ، ولذلك قال الخليل : أصل ( لن ) : لا أن ، فلما أفادت ( لا ) وحدها نفي المستقبل كان تقدير ( أن ) بعد ( لا ) مفيدا تأكيد ذلك النفي في المستقبل ، فمن أجل ذلك قالوا : إن ( لن ) تفيد تأكيد النفي في المستقبل فعلمنا أن ( لا ) كانت مفيدة نفي الفعل في المستقبل . وخالفهم ابن مالك كما في مغني اللبيب ، وأبو حيان كما قال في هذه السورة ، والسهيلي عند كلامه على نزول هذه السورة في الروض الأنف .

[ ص: 582 ] ونفي عبادته آلهتهم في المستقبل يفيد نفي أن يعبدها في الحال بدلالة فحوى الخطاب ، ولأنهم ما عرضوا عليه إلا أن يعبد آلهتهم بعد سنة مستقبلة .

ولذلك جاء في جانب نفي عبادتهم لله بنفي اسم الفاعل الذي هو حقيقة في الحال بقوله : ولا أنتم عابدون ، أي : ما أنتم بمغيرين إشراككم الآن لأنهم عرضوا عليه أن يبتدئوا هم فيعبدوا الرب الذي يعبده النبيء - صلى الله عليه وسلم - سنة ، وبهذا تعلم وجه المخالفة بين نظم الجملتين في أسلوب الاستعمال البليغ .

وهذا إخباره إياهم بأنه يعلم أنهم غير فاعلين ذلك من الآن بإنباء الله تعالى نبيئه - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فكان قوله هذا من دلائل نبوءته نظير قوله تعالى : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فإن أولئك النفر الأربعة لم يسلم منهم أحد فماتوا على شركهم .

وماصدق ما أعبد هو الله تعالى وعبر بـ ( ما ) الموصولة ; لأنها موضوعة للعاقل وغيره من المختار ، وإنما تختص ( من ) بالعاقل ، فلا مانع من إطلاق ( ما ) على العاقل إذا كان اللبس مأمونا . وقال السهيلي في الروض الأنف : أن ( ما ) الموصولة يؤتى بها لقصد الإبهام لتفيد المبالغة في التفخيم كقول العرب : سبحان ما سبح الرعد بحمده ، وقوله تعالى : والسماء وما بناها كما تقدم في سورة الشمس .


ولا أنا عابد ما عبدتم ( 4 )

عطف على ولا أنتم عابدون ما أعبد عطف الجملة على الجملة لمناسبة نفي أن يعبدوا الله ، فأردف بنفي أن يعبد هو آلهتهم ، وعطفه بالواو صارف عن أن يكون المقصود به تأكيد لا أعبد ما تعبدون فجاء به على طريقة ولا أنتم عابدون ما أعبد بالجملة الاسمية . للدلالة على الثبات ، ويكون الخبر اسم فاعل دالا على زمان الحال ، فلما نفى عن نفسه أن يعبد في المستقبل ما يعبدونه بقوله : لا أعبد ما تعبدون كما تقدم آنفا ، صرح هنا بما تقتضيه دلالة الفحوى على نفي أن يعبد آلهتهم في الحال ، بما هو صريح الدلالة على ذلك ; لأن المقام يقتضي مزيد البيان ، فاقتضى الاعتماد على دلالة المنطوق إطنابا في الكلام ، لتأييسهم مما راودوه عليه ولمقابلة كلامهم المردود بمثله في إفادة الثبات . وحصل من ذلك تقرير [ ص: 583 ] المعنى السابق وتأكيده ، تبعا لمدلول الجملة لا لموقعها ; لأن موقعها أنها عطف على جملة ولا أنتم عابدون ما أعبد وليس توكيدا لجملة لا أعبد ما تعبدون بمرادفها ; لأن التوكيد للفظ بالمرادف لا يعرف إلا في المفردات ولأن وجود الواو يعين أنها معطوفة ، إذ ليس في جملة لا أعبد ما تعبدون واو حتى يكون الواو في هذه الجملة مؤكدا لها .

ولا يجوز الفصل بين الجملتين بالواو ; لأن الواو لا يفصل بها بين الجملتين في التوكيد اللفظي . والأجود الفصل بـ ( ثم ) كما في التسهيل مقتصرا على ( ثم ) . وزاد الرضي الفاء ولم يأت له بشاهد ولكنه قال وقد تكون ( ثم ) والفاء لمجرد التدرج في الارتقاء ، وإن لم يكن المعطوف مترتبا في الذكر على المعطوف عليه وذلك إذا تكرر الأول بلفظه نحو : بالله ، فالله ، ونحو والله ، ثم والله .

وجيء بالفعل الماضي في قوله : ما عبدتم للدلالة على رسوخهم في عبادة الأصنام من أزمان مضت ، وفيه رمز إلى تنزهه - صلى الله عليه وسلم - من عبادة الأصنام من سالف الزمان وإلا لقال : ولا أنا عابد ما كنا نعبد .


ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 5 )

عطف على جملة ولا أنا عابد ما عبدتم لبيان تمام الاختلاف بين حالهم وحاله وإخبار بأنهم لا يعبدون الله إخبارا ثانيا تنبيها على أن الله أعلمه بأنهم لا يعبدون الله ، وتقوية لدلالة هذين الإخبار عن نبوءته - صلى الله عليه وسلم - فقد أخبر عنهم بذلك ، فمات أولئك كلهم على الكفر وكانت هذه السورة من دلائل النبوءة .

وقد حصل من ذكر هذه الجملة بمثل نظيرتها السابقة توكيد للجملة السابقة توكيدا للمعنى الأصلي منها ، وليس موقعها موقع التوكيد لوجود واو العطف كما علمت آنفا في قوله : ولا أنا عابد ما عبدتم .

ولذلك فالواو في قوله هنا ولا أنتم عابدون ما أعبد عاطفة جملة على جملة لأجل ما اقتضته جملة ولا أنا عابد ما عبدتم من المناسبة .

ويجوز أن تكون جملة ولا أنتم عابدون ما أعبد تأكيدا لفظيا لنظيرتها [ ص: 584 ] السابقة بتمامها بما فيها من واو العطف في نظيرتها السابقة وتكون جملة ولا أنا عابد ما عبدتم معترضة بين التأكيد والمؤكد .

والمقصود من التأكيد تحقيق تكذيبهم في عرضهم أنهم يعبدون رب محمد صلى الله عليه وسلم .


لكم دينكم ولي دين ( 6 )

تذييل وفذلكة للكلام السابق بما فيه من التأكيدات ، وقد أرسل هذا الكلام إرسال المثل ، وهو أجمع وأوجز من قول قيس بن الخطيم :


نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف


ووقع في تفسير الفخر هنا ( جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة وذلك غير جائز ; لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به ، بل ليتدبر فيه ثم يعمل بموجبه ) اهـ .

وهذا كلام غير محرر ; لأن التمثل به لا ينافي العمل بموجبه ، وما التمثل به إلا من تمام بلاغته واستعداد للعمل به . وهذا المقدار من التفسير تركه الفخر في المسودة .

وقدم في كلتا الجملتين المسند على المسند إليه ليفيد قصر المسند إليه على المسند ، أي : دينكم مقصور على الكون بأنه لكم لا يتجاوزكم إلى الكون لي ، وديني مقصور على الكون بأنه لا يتجاوزني إلى كونه لكم ، أي : لأنهم محقق عدم إسلامهم . فالقصر قصر إفراد ، واللام في الموضعين لشبه الملك وهو الاختصاص أو الاستحقاق .

والدين : العقيدة والملة ، وهو معلومات وعقائد يعتقدها المرء فتجري أعماله على مقتضاها ، فلذلك سمي دينا ; لأن أصل معنى الدين المعاملة والجزاء .

وقرأ الجمهور ( دين ) بدون ياء بعد النون على أن ياء المتكلم محذوفة للتخفيف مع بقاء الكسرة على النون . وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف . وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف بدون ياء اعتمادا على حفظ الحفاظ ; لأن الذي يثبت الياء مثل يعقوب يشبع الكسرة ، إذ ليست الياء إلا مدة للكسرة فعدم رسمها في الخط لا يقتضي إسقاطها في اللفظ .

[ ص: 585 ] وقرأ نافع والبزي عن ابن كثير وهشام عن أبي عامر وحفص عن عاصم بفتح الياء في قوله ( ولي ) . وقرأه قنبل عن ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف بسكون الياء .

EL Mister
12-06-09, 16:08
بسم الله الرحمن الرحيم

( إنا أعطيناك الكوثر ( 1 ) فصل لربك وانحر ( 2 ) إن شانئك هو الأبتر ( 3 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في جميع المصاحف التي رأيناها في جميع التفاسير أيضا ( سورة الكوثر ) وكذلك عنونها الترمذي في كتاب التفسير من جامعه . وعنونها البخاري في صحيحه سورة ( إنا أعطيناك الكوثر ) ولم يعدها في الإتقان مع السور التي ليس لها أكثر من اسم .

ونقل سعد الله الشهير بسعدي في حاشيته على تفسير البيضاوي عن البقاعي أنها تسمى ( سورة النحر ) وهل هي مكية أو مدنية ؟ تعارضت الأقوال والآثار في أنها مكية أو مدنية تعارضا شديدا ، فهي مكية عند الجمهور واقتصر عليه أكثر المفسرين ، ونقل الخفاجي عن كتاب النشر قال : أجمع من نعرفه على أنها مكية . قال الخفاجي : وفيه نظر مع وجود الاختلاف فيها .

وعن الحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة هي مدنية ويشهد لهم ما في صحيح مسلم عن أنس بن مالك : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بين أظهرنا ، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه وقال : أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ثم قال : أتدرون ما الكوثر ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل ، عليه خير كثير ، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة الحديث . وأنس أسلم في صدر الهجرة فإذا كان لفظ ( آنفا ) في كلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - مستعملا في ظاهر معناه وهو الزمن القريب ، فالسورة نزلت منذ وقت قريب من حصول تلك الرؤيا .

ومقتضى ما يروى في تفسير قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر أن تكون السورة مكية ، ومقتضى ظاهر تفسير قوله تعالى : ( وانحر ) من أن النحر في الحج أو يوم الأضحى - تكون السورة مدنية ويبعث على أن قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر [ ص: 572 ] ليس ردا على كلام العاصي بن وائل كما سنبين ذلك .

والأظهر أن هذه السورة مدنية وعلى هذا سنعتمد في تفسير آياتها .

وعلى القول بأنها مكية عدوها الخامسة عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة العاديات وقبل سورة التكاثر ، وعلى القول بأنها مدنية فقد قيل : إنها نزلت في الحديبية .

وعدد آيها ثلاث بالاتفاق .

وهي أقصر سور القرآن عدد كلمات وعدد حروف ، وأما في عدد الآيات فسورة العصر وسورة النصر مثلها ، ولكن كلماتها أكثر .


أغراض السورة

اشتملت على بشارة النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأنه أعطي الخير الكثير في الدنيا والآخرة .

وأمره بأن يشكر الله على ذلك بالإقبال على العبادة .

وأن ذلك هو الكمال الحق لا ما يتطاول به المشركون على المسلمين بالثروة والنعمة وهم مغضوب عليهم من الله تعالى ; لأنهم أبغضوا رسوله ، وغضب الله بتر لهم إذا كانوا بمحل السخط من الله .

وإن انقطاع الولد الذكر فليس بترا ; لأن ذلك لا أثر له في كمال الإنسان .


إنا أعطيناك الكوثر ( 1 ) فصل لربك وانحر ( 2 )

افتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر ، والإشعار بأنه شيء عظيم يستتبع الإشعار بتنويه شأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في إنا أنزلناه في ليلة القدر والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء لا مساق الإخبار بعطاء سابق .

وضمير العظمة مشعر بالامتنان بعطاء عظيم .

والكوثر : اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زنة فوعل ، وهي من صيغ [ ص: 573 ] الأسماء الجامدة غالبا نحو الكوكب ، والجورب ، والحوشب والدوسر ، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها ، ولما وقع هنا فيها مادة الكثر كانت صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى ، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة ، وهو أحسن ما فسر به وأضبطه ، ونظيره : جوهر ، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوه ، والصومعة لاشتقاقها من وصف أصمع وهو دقيق الأعضاء ; لأن الصومعة دقيقة ; لأن طولها أفرط من غلظها .

ويوصف الرجل صاحب الخير الكثير بكوثر من باب الوصف بالمصدر ، كما في قول لبيد في رثاء عوف بن الأحوص الأسدي :


وصاحب ملحوب فجعنا بفقده وعند الرداع بيت آخر كوثر


( ملحوب والرداع ) كلاهما ماء لبني أسد بن خزيمة ، فوصف البيت بالكوثر ، ولاحظ الكميث هذا في قوله في مدح عبد الملك بن مروان :


وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقايل كوثرا


وسمي نهر الجنة كوثرا كما في حديث مسلم عن أنس بن مالك المتقدم آنفا .

وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير ، وروي عن ابن عباس قال سعيد بن جبير : فقلت لابن عباس : إن ناسا يقولون هو نهر في الجنة ، فقال : هو من الخير الكثير . وعن عكرمة : الكوثر هنا : النبوءة والكتاب ، وعن الحسن : هو القرآن ، وعن المغيرة : أنه الإسلام ، وعن أبي بكر بن عياش : هو كثرة الأمة ، وحكى الماوردي : أنه رفعة الذكر ، وأنه نور القلب ، وأنه الشفاعة . وكلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - المروي في حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره .

وأريد من هذا الخبر بشارة النبيء - صلى الله عليه وسلم - وإزالة ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه : هو أبتر ، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر ، إبطالا لقولهم .

وقوله : فصل لربك اعتراض والفاء للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر ربه [ ص: 574 ] عليها ، فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم الله والثناء عليه وذلك شكر لنعمته .

وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا مقالتهم الشنعاء : إنه أبتر ، فإن الصلاة لله شكر له وإغاظة للذين ينهونه عن الصلاة كما قال تعالى : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى لأنهم إنما نهوه عن الصلاة التي هي لوجه الله دون العبادة لأصنامهم ، وكذلك النحر لله .

والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في قوله : فصل لربك دون : فصل لنا ، لما في لفظ الرب من الإيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلا عن فرط إنعامه .

وإضافة ( رب ) إلى ضمير المخاطب لقصد تشريف النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتقريبه ، وفيه تعريض بأنه يربه ويرأف به .

ويتعين أن في تفريع الأمر بالنحر مع الأمر بالصلاة على أن أعطاه الكوثر - خصوصية تناسب الغرض الذي نزلت السورة له ، ألا ترى أنه لم يذكر الأمر بالنحر مع الصلاة في قوله تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين في سورة الحجر .

ويظهر أن هذه تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صد المشركين إياه عن البيت في الحديبية ، فأعلمه الله تعالى بأنه أعطاه خيرا كثيرا ، أي : قدره له في المستقبل وعبر عنه بالماضي لتحقيق وقوعه ، فيكون معنى الآية كمعنى قوله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا فإنه نزل في أمر الحديبية فقد قال له عمر بن الخطاب : أفتح هذا ؟ قال : نعم .

وهذا يرجع إلى ما رواه الطبري عن قول سعيد بن جبير : أن قوله : فصل لربك وانحر أمر بأن يصلي وينحر هديه وينصرف من الحديبية .

وأفادت اللام من قوله ( لربك ) أنه يخص الله في صلاته فلا يصلي لغيره . ففيه تعريض للمشركين بأنهم يصلون للأصنام بالسجود لها والطواف حولها .

وعطف ( وانحر ) على فصل لربك يقتضي تقدير متعلقه مماثلا لمتعلق [ ص: 575 ] فصل لربك لدلالة ما قبله عليه كما في قوله تعالى : أسمع بهم وأبصر أي : وأبصر بهم ، فالتقدير : وانحر له . وهو إيماء إلى إبطال نحر المشركين قربانا للأصنام ، فإن كانت السورة مكية ، فلعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين اقترب وقت الحج وكان يحج كل عام قبل البعثة وبعدها وقد تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته ، وهو يود أن يطعم المحاويج من أهل مكة ومن يحضر في الموسم ويتحرج من أن يشارك أهل الشرك في أعمالهم ، فأمره الله أن ينحر الهدي لله ويطعمها المسلمين ، أي : لا يمنعك نحرهم للأصنام أن تنحر أنت ناويا بما تنحره أنه لله .

وإن كانت السورة مدنية وكان نزولها قبل فرض الحج كان النحر مرادا به الضحايا يوم عيد النحر ، ولذلك قال كثير من الفقهاء : إن قوله : فصل لربك مراد به صلاة العيد . وروي ذلك عن مالك في تفسير الآية وقال : لم يبلغني فيه شيء .

وأخذوا من وقوع الأمر بالنحر بعد الأمر بالصلاة دلالة على أن الضحية تكون بعد الصلاة ، وعليه فالأمر بالنحر دون الذبح مع أن الضأن أفضل في الضحايا وهي لا تنحر ، وأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يضح إلا بالضأن تغليب للفظ النحر وهو الذي روعي في تسمية يوم الأضحى يوم النحر ، وليشمل الضحايا في البدن والهدايا في الحج أو ليشمل الهدايا التي عطل إرسالها في يوم الحديبية كما علمت آنفا . ويرشح إيثار النحر رعي فاصلة الراء في السورة . وللمفسرين الأولين أقوال أخر في تفسير ( انحر ) تجعله لفظا غريبا .


إن شانئك هو الأبتر ( 3 )

استئناف يجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا ، ويجوز أن تكون الجملة تعليلا لحرف ( إن ) إذا لم يكن لرد الإنكار ، يكثر أن يفيد التعليل كما تقدم عند قوله تعالى : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم في سورة البقرة .

واشتمال الكلام على صيغة قصر وعلى ضمير غائب وعلى لفظ الأبتر مؤذن بأن [ ص: 576 ] المقصود به رد كلام صادر من معين ، وحكاية لفظ مراد بالرد ، قال الواحدي : قال ابن عباس : إن العاصي بن وائل السهمي رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الحرام عند باب بني سهم فتحدث معه ، وأناس من صناديد قريش في المسجد ، فلما دخل العاصي عليهم قالوا له : من الذي كنت تتحدث معه ؟ فقال : ذلك الأبتر . وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن مات ابنه القاسم قبل عبد الله ، فانقطع بموت عبد الله الذكور من ولده - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، وكانوا يصفون من ليس له ابن بأبتر ، فأنزل الله هذه السورة ، فحصل القصر في قوله : إن شانئك هو الأبتر لأن ضمير الفصل يفيد قصر صفة الأبتر على الموصوف ، وهو شانئ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قصر المسند على المسند إليه وهو قصر قلب ، أي : هو الأبتر لا أنت .

والأبتر : حقيقته المقطوع بعضه وغلب على المقطوع ذنبه من الدواب ، ويستعار لمن نقص منه ما هو من الخير في نظر الناس تشبيها بالدابة المقطوع ذنبها تشبيه معقول بمحسوس كما في الحديث ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر ) ، يقال : بتر شيئا ، إذا قطع بعضه ، وبتر بالكسر كفرح فهو أبتر ، ويقال للذي لا عقب له ذكورا : هو أبتر ، على الاستعارة تشبيه متخيل بمحسوس ، شبهوه بالدابة المقطوع ذنبها ; لأنه قطع أثره في تخيل أهل العرف .

ومعنى الأبتر في الآية : الذي لا خير فيه . وهو رد لقول العاصي بن وائل أو غيره في حق النبيء - صلى الله عليه وسلم ، فبهذا المعنى استقام وصف العاصي أو غيره بالأبتر دون المعنى الذي عناه هو ، حيث لمز النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأنه أبتر ، أي لا عقب له ; لأن العاصي بن وائل له عقب فابنه عمرو الصحابي الجليل ، وابن ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل ، ولعبد الله عقب كثير . قال ابن حزم في الجمهرة : عقبه بمكة وبالرهط .

فقوله تعالى : هو الأبتر اقتضت صيغة القصر إثبات صفة الأبتر لشانئ النبيء - صلى الله عليه وسلم - ونفيها عن النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وهو الأبتر بمعنى الذي لا خير فيه .

[ ص: 577 ] ولكن لما كان وصف الأبتر في الآية جيء به لمحاكاة قول القائل محمد أبتر إبطالا لقوله ذلك ، وكان عرفهم في وصف الأبتر أنه الذي لاعقب له تعين أن يكون هذا الإبطال ضربا من الأسلوب الحكيم وهو تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أن الأحق غير ما عناه من كلامه ، كقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج . وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظ الخير ، أي : ليس ينقص للمرء أنه لا ولد له ; لأن ذلك لا يعود على المرء بنقص في صفاته وخلائقه وعقله . وهب أنه لم يولد له البتة ، وإنما اصطلح الناس على اعتباره نقصا لرغبتهم في الولد بناء على ما كانت عليه أحوالهم الاجتماعية من الاعتماد على الجهود البدنية ، فهم يبتغون الولد الذكور رجاء الاستعانة بهم عند الكبر ، وذلك أمر قد يعرض وقد لا يعرض ، أو لمحبة ذكر المرء بعد موته وذلك أمر وهمي ، والنبيء - صلى الله عليه وسلم - قد أغناه الله بالقناعة وأعزه بالتأييد ، وقد جعل الله له لسان صدق لم يجعل مثله لأحد من خلقه ، فتمحض أن كماله الذاتي بما علمه الله فيه ، إذ جعل فيه رسالته ، وأن كماله العرضي بأصحابه وأمته ، إذ جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم .

وفي الآية محسن الاستخدام التقديري ; لأن سوق الإبطال بطريق القصر بقوله : هو الأبتر نفي وصف الأبتر عن النبيء - صلى الله عليه وسلم ، ولكن بمعنى غير المعنى الذي عناه شانئه فهو استخدام ينشأ من صيغة القصر بناء على أن ليس الاستخدام منحصرا في استعمال الضمير في غير معنى معاده ، على ما حققه أستاذنا العلامة سالم أبو حاجب وجعله وجها في واو العطف من قوله تعالى : وجاء ربك والملك ; لأن العطف بمعنى إعادة العامل ، فكأنه قال : وجاء الملك ، وهو مجيء مغاير لمعنى مجيء الله تعالى ، قال : وقد سبقنا الخفاجي إلى ذلك ، إذ أجراه في حرف الاستثناء في طراز المجالس في قول محمد الصالحي من شعراء الشام :


وحديث حبي ليس بال منسوخ إلا في الدفاتر


والشانئ : المبغض ، وهو فاعل من الشناءة وهي البغض ، ويقال فيه : الشنآن ، وهو يشمل كل مبغض له من أهل الكفر فكلهم بتر من الخير ما دام فيه شنآن للنبيء - صلى الله عليه وسلم ، فأما من أسلموا منهم فقد انقلب بعضهم محبة له واعتزازا به .

EL Mister
12-06-09, 16:27
بسم الله الرحمن الرحيم

( أرأيت الذي يكذب بالدين ( 1 ) فذلك الذي يدع اليتيم ( 2 ) ولا يحض على طعام المسكين ( 3 ) فويل للمصلين ( 4 ) الذين هم عن صلاتهم ساهون ( 5 ) الذين هم يراءون ( 6 ) ويمنعون الماعون ( 7 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في كثير من المصاحف وكتب التفسير ( سورة الماعون ) لورود لفظ الماعون فيها دون غيرها .

وسميت في بعض التفاسير ( سورة أرأيت ) وكذلك في مصحف من مصاحف القيروان في القرن الخامس ، وكذلك عنونها في صحيح البخاري .

وعنونها ابن عطية بـ ( سورة أرأيت الذي ) . وقال الكواشي في التلخيص ( سورة الماعون ، والدين ، وأرأيت ) ، وفي الإتقان : وتسمى ( سورة الدين ) وفي حاشيتي الخفاجي وسعدي تسمى ( سورة التكذيب ) وقال البقاعي في نظم الدرر تسمى ( سورة اليتيم ) . وهذه ستة أسماء .

وهي مكية في قول الأكثر . وروي عن ابن عباس ، وقال القرطبي عن قتادة : هي مدنية . وروي عن ابن عباس أيضا . وفي الإتقان : قيل نزل ثلاث أولها بمكة أي : إلى قوله : المسكين وبقيتها نزلت بالمدينة ، أي : بناء على أن قوله : فويل للمصلين إلى آخر السورة أريد بها المنافقون وهو مروي عن ابن عباس وقاله هبة الله الضرير وهو الأظهر .

وعدت السابعة عشرة في عداد نزول السور بناء على أنها مكية ، نزلت بعد سورة التكاثر وقبل سورة الكافرون .

وعدت آياتها ستا عند معظم العادين : وحكى الآلوسي أن الذين عدوا آياتها ستا أهل العراق ( أي البصرة والكوفة ) ، وقال الشيخ علي النوري الصفاقسي [ ص: 564 ] في غيث النفع : وآيها سبع حمصي ( أي : شامي ) وست في الباقي . وهذا يخالف ما قاله الآلوسي .


أغراض السورة

من مقاصد التعجيب من حال من كذبوا بالبعث وتفظيع أعمالهم من الاعتداء على الضعيف واحتقاره والإمساك عن إطعام المسكين ، والإعراض عن قواعد الإسلام من الصلاة والزكاة ; لأنه لا يخطر بباله أن يكون في فعله ذلك ما يجلب له غضب الله وعقابه .


أرأيت الذي يكذب بالدين ( 1 ) فذلك الذي يدع اليتيم ( 2 ) ولا يحض على طعام المسكين ( 3 )

الاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المكذبين بالجزاء ، وما أورثهم التكذيب من سوء الصنيع ، فالتعجب من تكذيبهم بالدين وما تفرع عليه من دع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين وقد صيغ هذا التعجيب في نظم مشوق ; لأن الاستفهام عن رؤية من ثبتت له صلة الموصول يذهب بذهن السامع مذاهب شتى من تعرف المقصد بهذا الاستفهام ، فإن التكذيب بالدين شائع فيهم فلا يكون مثارا للتعجب فيترقب السامع ماذا يرد بعده وهو قوله : فذلك الذي يدع اليتيم .

وفي إقحام اسم الإشارة واسم الموصول بعد الفاء زيادة تشويق حتى تقرع الصلة سمع السامع فتتمكن منه كمال تمكن .

وأصل ظاهر الكلام أن يقال : أرأيت الذي يكذب بالدين فيدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين .

والإشارة إلى الذي يكذب بالدين باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز حتى يتبصر السامع فيه وفي صفته ، أو لتنزيله منزلة الظاهر الواضح بحيث يشار إليه .

والفاء لعطف الصفة الثانية على الأولى لإفادة تسبب مجموع الصفتين في [ ص: 565 ] الحكم المقصود من الكلام ، وذلك شأنها في عطف الصفات إذا كان موصوفها واحدا مثل قوله تعالى : والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا .

فمعنى الآية عطف صفتي : دع اليتيم ، وعدم إطعام المسكين على جزم التكذيب بالدين .

وهذا يفيد تشويه إنكار البعث بما ينشأ عن إنكاره من المذام ومن مخالفة للحق ومنافيا لما تقتضيه الحكمة من التكليف ، وفي ذلك كناية عن تحذير المسلمين من الاقتراب من إحدى هاتين الصفتين بأنهما من صفات الذين لا يؤمنون بالجزاء .

وجيء في ( يكذب ، يدع ، ويحض ) بصيغة المضارع لإفادة تكرر ذلك منه ودوامه .

وهذا إيذان بأن الإيمان بالبعث والجزاء هو الوازع الحق الذي يغرس في النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة التي يصير ذلك لها خلقا إذا شبت عليه ، فزكت وانساقت إلى الخير بدون كلفة ولا احتياج إلى أمر ولا إلى مخافة ممن يقيم عليه العقوبات حتى إذا اختلى بنفسه وأمن الرقباء جاء بالفحشاء والأعمال النكراء .

والرؤية بصرية يتعدى فعلها إلى مفعول واحد ، فإن المكذبين بالدين معروفون وأعمالهم مشهورة ، فنزلت شهرتهم بذلك منزلة الأمر المبصر المشاهد .

وقرأ نافع بتسهيل الهمزة التي بعد الراء من ( أرأيت ) ألفا . وروى المصريون عن ورش عن نافع إبدالها ألفا وهو الذي قرأنا به في تونس ، وهكذا في فعل ( رأى ) كلما وقع بعد الهمزة استفهام وذلك فرار من تحقيق الهمزتين ، قرأ الجمهور بتحقيقها .

وقرأه الكسائي بإسقاط الهمزة التي بعد الراء في كل فعل من هذا القبيل .

واسم الموصول وصلته مراد بهما *** من اتصف بذلك . وأكثر المفسرين درجوا على ذلك .

وقيل : نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وقيل : في الوليد بن المغيرة [ ص: 566 ] المخزومي ، وقيل : في عمرو بن عائذ المخزومي ، وقيل : في أبي سفيان بن حرب قبل إسلامه بسبب أنه كان ينحر كل أسبوع جزورا فجاءه مرة يتيم فسأله من لحمها فقرعه بعصا . وقيل : في أبي جهل : كان وصيا على يتيم فأتاه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا شنيعا .

والذين جعلوا السورة مدنية قالوا : نزلت في منافق لم يسموه ، وهذه أقوال معزو بعضها إلى بعض التابعين ، ولو تعينت لشخص معين لم يكن سبب نزولها مخصصا حكمها بما نزلت بسببه .

ومعنى ( يدع ) يدفع بعنف وقهر ، قال تعالى : يوم يدعون إلى نار جهنم دعا .

والحض : الحث ، وهو أن تطلب غيرك فعلا بتأكيد .

والطعام : اسم الإطعام ، وهو اسم مصدر مضاف إلى مفعوله إضافة لفظية . ويجوز أن يكون الطعام مرادا به ما يطعم كما في قوله تعالى : فانظر إلى طعامك وشرابك فتكون إضافة طعام إلى المسكين معنوية على معنى اللام ، أي : الطعام الذي هو حقه على الأغنياء ويكون فيه تقدير مضاف مجرور بـ ( على ) تقديره : على إعطاء طعام المسكين .

وكني بنفي الحض عن نفي الإطعام ; لأن الذي يشح بالحض على الإطعام هو بالإطعام أشح كما تقدم في قوله : ولا تحاضون على طعام المسكين في سورة الفجر ، وقوله : ولا يحض على طعام المسكين في سورة الحاقة .

والمسكين : الفقير ، ويطلق على الشديد الفقر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين في سورة التوبة .


فويل للمصلين ( 4 ) الذين هم عن صلاتهم ساهون ( 5 ) الذين هم يراءون ( 6 ) ويمنعون الماعون ( 7 )

موقع الفاء صريح في اتصال ما بعدها بما قبلها من الكلام على معنى التفريع والترتيب والتسبب .

[ ص: 567 ] فيجيء على القول أن السورة مكية بأجمعها أن يكون المراد بالمصلين عين المراد بالذي يكذب بالدين ، ويدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ، فقوله ( للمصلين ) إظهار في مقام الإضمار ، كأنه قيل : فويل له على سهوه عن الصلاة ، وعلى الرياء ، وعلى منع الماعون ، دعا إليه زيادة تعداد صفاته الذميمة بأسلوب سليم عن تتابع ست صفات ; لأن ذلك التتابع لا يخلو من كثرة تكرار النظائر فيشبه تتابع الإضافات الذي قيل إنه مناكد للفصاحة ، مع الإشارة بتوسيط ويل له إلى أن الويل ناشئ عن جميع تلك الصفات التي هو أهلها ، وهذا المعنى أشار إليه كلام الكشاف بغموض .

فوصفهم بـ ( المصلين ) إذن تهكم ، والمراد عدمه ، أي : الذين لا يصلون ، أي : ليسوا بمسلمين كقوله تعالى : قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وقرينة التهكم وصفهم بـ الذين هم عن صلاتهم ساهون .

وعلى القول بأنها مدنية أو أن هذه الآية وما بعدها منها مدنية يكون المراد بـ المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون المنافقين . وروى هذا ابن وهب وأشهب عن مالك فتكون الفاء في قوله : فويل للمصلين من هذه الجملة لربطها بما قبلها ; لأن الله أراد ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض .

وجيء في هذه الصفة بصيغة الجمع ; لأن المراد بـ الذي يكذب بالدين : *** المكذبين على أظهر الأقوال . فإن كان المراد به معينا على بعض تلك الأقوال المتقدمة كانت صيغة الجمع تذليلا يشمله وغيره ، فإنه واحد من المتصفين بصفة ترك الصلاة وصفة الرياء ، وصفة منع الماعون .

وقوله : الذين هم عن صلاتهم ساهون صفة للمصلين مقيدة لحكم الموصوف ، فإن الويل للمصلي الساهي عن صلاته لا للمصلي على الإطلاق .

فيكون قوله : الذين هم عن صلاتهم ساهون ترشيحا للتهكم الواقع في إطلاق وصف المصلين عليهم .

وعدي ( ساهون ) بحرف ( عن ) لإفادة أنهم تجاوزوا إقامة صلاتهم وتركوها ولا علاقة لهذه الآية بأحكام السهو في الصلاة .

[ ص: 568 ] وقوله : الذين هم عن صلاتهم ساهون يجوز أن يكون معناه الذين لا يؤدون الصلاة إلا رياء فإذا خلوا تركوا الصلاة .

ويجوز أن يكون معناه : الذين يصلون دون نية وإخلاص فهم في حالة الصلاة بمنزلة الساهي عما يفعل ، فيكون إطلاق ( ساهون ) تهكما كما قال تعالى : يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا في المنافقين في سورة النساء .

ويراءون يقصدون أن يرى الناس أنهم على حال حسن وهم بخلافه ليتحدث الناس لهم بمحاسن ، ما هم بموصوفين بها ، ولذلك كثر أن تعطف السمعة على الرياء فيقال : رياء وسمعة . وهذا الفعل وارد في الكلام على صيغة المفاعلة ولم يسمع منه فعل مجرد ; لأنه يلازمه تكرير الإراءة .

والماعون : يطلق على الإعانة بالمال ، فالمعنى : يمنعون فضلهم أو يمنعون الصدقة على الفقراء . فقد كانت الصدقة واجبة في صدر الإسلام بغير تعيين قبل مشروعية الزكاة .

وقال سعيد بن المسيب وابن شهاب : الماعون المال بلسان قريش .

وروى أشهب عن مالك : الماعون الزكاة ، ويشهد له قول الراعي :


قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا التهليلا


لأنه أراد بالتهليل الصلاة ، فجمع بينها وبين الزكاة .

ويطلق على ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وشد وحفر ونحو ذلك مما لا خسارة على صاحبه في إعارته وإعطائه ، وعن عائشة : الماعون الماء والنار والملح . وهذا ذم لهم بمنتهى البخل . وهو الشح بما لا يرزؤهم .

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : هم يراءون لتقوية الحكم ، أي : تأكيده .

فأما على القول بأن السورة مدنية أو بأن هذه الآيات الثلاث مدنية يكون المراد بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ، والصلات بعدها : المنافقين ، [ ص: 569 ] فإطلاق المصلين عليهم بمعنى المتظاهرين بأنهم يصلون وهو من إطلاق الفعل على صورته ، كقوله تعالى : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة أي : يظهرون أنهم يحذرون تنزيل سورة .

ويمنعون الماعون أي : الصدقة أو الزكاة ، قال تعالى في المنافقين ويقبضون أيديهم فلما عرفوا بهذه الخلال كان مفاد فاء التفريع أن أولئك المتظاهرين بالصلاة وهم تاركوها في خاصتهم هم من جملة المكذبين بيوم الدين ويدعون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين .

وحكى هبة الله بن سلامة في كتاب الناسخ والمنسوخ : أن هذه الآيات الثلاث نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ، أي : فإطلاق صيغة الجمع عليه مراد بها واحد على حد قوله تعالى : كذبت قوم نوح المرسلين أي : الرسول إليهم .

والسهو حقيقته : الذهول عن أمر سبق علمه ، وهو هنا مستعار للإعراض والترك عن عمد استعارة تهكمية ، مثل قوله تعالى : وتنسون ما تشركون أي : تعرضون عنهم ، ومثله استعارة الغفلة للإعراض في قوله تعالى : بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين في سورة الأعراف وقوله تعالى : والذين هم عن آياتنا غافلون في سورة يونس ، وليس المقصود الوعيد على السهو الحقيقي عن الصلاة ; لأن حكم النسيان مرفوع على هذه الأمة ، وذلك ينادي على أن وصفهم بالمصلين تهكم بهم بأنهم لا يصلون .

واعلم أنه إذا أراد الله إنزال شيء من القرآن ملحقا بشيء قبله جعل نظم الملحق مناسبا لما هو متصل به ، فتكون الفاء للتفريع . وهذه نكتة لم يسبق لنا إظهارها فعليك ملاحظتها في كل ما ثبت أنه نزل من القرآن ملحقا بشيء نزل قبله منه .

EL Mister
12-06-09, 17:01
بسم الله الرحمن الرحيم

( لإيلاف قريش ( 1 ) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ( 2 ) فليعبدوا رب هذا البيت ( 3 ) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( 4 ) )


مقدمة


سميت هذه السورة في عهد السلف ( سورة لإيلاف قريش ) قال عمرو بن ميمون الأودي صلى عمر بن الخطاب المغرب فقرأ في الركعة الثانية ( ألم تر كيف ) و ( لإيلاف قريش ) وهذا ظاهر في إرادة التسمية ولم يعدها في الإتقان في السور التي لها أكثر من اسم .

وسميت في المصاحف وكتب التفسير ( سورة قريش ) لوقوع اسم قريش فيها ولم يقع في غيرها ، وبذلك عنونها البخاري في صحيحه .

والسورة مكية عند جماهير العلماء . وقال ابن عطية : بلا خلاف . وفي القرطبي عن الكلبي والضحاك أنها مدنية ، ولم يذكرها في الإتقان مع السور المختلف فيها .

وقد عدت التاسعة والعشرين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة التين وقبل سورة القارعة .

وهي سورة مستقلة بإجماع المسلمين على أنها سورة خاصة .

وجعلها أبي بن كعب مع سورة الفيل سورة واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة التي كانوا يجعلونها علامة فصل بين السور ، وهو ظاهر خبر عمرو بن ميمون عن قراءة عمر بن الخطاب . والإجماع الواقع بعد ذلك نقض ذلك .

وعدد آياتها أربع عند جمهور العادين . وعدها أهل مكة والمدينة خمس آيات .

ورأيت في مصحف عتيق من المصاحف المكتوبة في القيروان عددها أربع آيات مع أن قراءة أهل القيروان قراءة أهل المدينة .


أغراض السورة

أمر قريش بتوحيد الله تعالى بالربوبية تذكيرا لهم بنعمة أن الله مكن لهم السير في الأرض للتجارة برحلتي الشتاء والصيف لا يخشون عاديا يعدو عليهم .

وبأنه أمنهم من المجاعات وأمنهم من المخاوف لما وقر في نفوس العرب من حرمتهم ; لأنهم سكان الحرم وعمار الكعبة .

وبما ألهم الناس من جلب الميرة إليهم من الآفاق المجاورة كبلاد الحبشة .

ورد القبائل فلا يغير على بلدهم أحد . قال تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون فأكسبهم ذلك مهابة في نفوس الناس وعطفا منهم .


لإيلاف قريش ( 1 ) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ( 2 ) فليعبدوا رب هذا البيت ( 3 ) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( 4 )

افتتاح مبدع ، إذ كان بمجرور بلام التعليل وليس بإثره بالقرب ما يصلح للتعليق به ، ففيه تشويق إلى متعلق هذا المجرور . وزاده الطول تشويقا ، إذ فصل بينه وبين متعلقه ( بالفتح ) بخمس كلمات ، فيتعلق ( لإيلاف ) بقوله ( فليعبدوا ) .

وتقديم هذا المجرور للاهتمام به ، إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي أعرضوا عنها بعبادة الأصنام ، والمجرور متعلق بفعل ( ليعبدوا ) .

وأصل نظم الكلام : لتعبد قريش رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، فلما اقتضى قصد الاهتمام بالمعمول تقديمه على عامله ، تولد من تقديمه معنى جعله شرطا لعامله ، فاقترن عامله بالفاء التي هي من شأن جواب الشرط ، فالفاء الداخلة في قوله ( فليعبدوا ) مؤذنة بأن ما قبلها من قوة الشرط ، أي : مؤذنة بأن تقديم المعمول مقصود به اهتمام [ ص: 555 ] خاص وعناية قوية هي عناية المشترط بشرطه ، وتعليق بقية كلامه عليه لما ينتظره من جوابه ، وهذا أسلوب من الإيجاز بديع .

قال في الكشاف ( دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط ; لأن المعنى إما لا فليعبدوه لإيلافهم ، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى ، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة اهـ .

وقال الزجاج في قوله تعالى : وربك فكبر دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : وما كان فلا تدع تكبيره اهـ . وهو معنى ما في الكشاف . وسكتا عن منشأ حصول معنى الشرط ، وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم الجار والمجرور ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى : وإياي فارهبون في سورة البقرة ، ومنه قوله تعالى : فبذلك فليفرحوا في سورة يونس ، وقوله : فلذلك فادع واستقم في سورة الشورى . وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله عن الجهاد ، فقال له ألك أبوان ؟ فقال : نعم . قال : ففيهما فجاهد .

ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل ( اعجبوا ) محذوفا ينبئ عنه اللام لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب ، يقال : عجبا لك ، وعجبا لتلك القضية ، ومنه قول امرئ القيس "

فيا لك من ليل
" ; لأن حرف النداء مراد به التعجب فتكون الفاء في قوله ( فليعبدوا ) تفريعا على التعجب .

وجوز الفراء وابن إسحاق في السيرة أن يكون لإيلاف قريش متعلقا بما في سورة الفيل من قوله : فجعلهم كعصف مأكول قال القرطبي . وهو معنى قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس . قال الزمخشري : وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا به اهـ . يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل ، فكما تلحق الآية بآية نزلت قبلها ، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها .

والإيلاف : مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان ، والأصل هو ألف ، وصيغة الإفعال فيه للمبالغة ; لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين ، فصارت تستعمل في إفادة قول الفعل مجازا ثم شاع ذلك في بعض الأفعال حتى ساوى الحقيقة مثل سافر ، وعافاه الله ، وقاتلهم الله .

[ ص: 556 ] وقرأه الجمهور في الموضعين ( لإيلاف ) بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة الثانية . وقرأه ابن عامر ( لإلاف ) الأول بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية ، وقرأه ( إيلافهم ) بإثبات الياء مثل الجمهور . وقرأ أبو جعفر ( ليلاف قريش ) بحذف الهمزة الأولى . وقرأ ( إلافهم ) بهمزة مكسورة من غير ياء .

وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في ( لإألاف ) وفي ( إألافهم ) ، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق الهمزتين لا وجه له . قلت : لا يوجد في كتب القراءات التي عرفناها نسبة هذه القراءة إلى أبي بكر عن عاصم . والمعروف أن عاصما موافق للجمهور في جعل ثانية الهمزتين ياء ، فهذه رواية ضعيفة عن أبي بكر عن عاصم .

وقد كتب في المصحف ( إلافهم ) بدون ياء بعد الهمزة ، وأما الألف المدة التي بعد اللام التي هي عين الكلمة فلم تكتب في الكلمتين في المصحف على عادة أكثر المدات مثلها ، والقراءات روايات وليس خط المصحف إلا كالتذكرة للقارئ ، ورسم المصحف سنة متبعة سنها الصحابة الذين عينوا لنسخ المصاحف . وإضافة ( إيلاف ) إلى قريش على معنى إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله ; لأنه هنا أطلق بالمعنى الاسمي لتلك العادة فهي إضافة معنوية بتقدير اللام .

وقريش : لقب الجد الذي يجمع بطونا كثيرة ، وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة . هذا قول جمهور النسابين وما فوق فهر فهم من كنانة ، ولقب فهر بلقب قريش بصيغة التصغير ، وهو على الصحيح تصغير قرش بفتح القاف وسكون الراء وشين معجمة اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن .

وقال بعض النسابين : إن قريشا لقب النضر بن كنانة . وروي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن قريش فقال : من ولد النضر ، وفي رواية أنه قال : إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا . فجميع أهل مكة هم قريش ، وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم ، وكانت بنو كنانة بخيف منى ، ولهم مناصب في أعمال الحج خاصة ، منها النسيء .

وقوله ( إيلافهم ) عطف بيان من إيلاف قريش وهو من أسلوب [ ص: 557 ] الإجمال ، فالتفصيل للعناية بالخبر ليتمكن في ذهن السامع ، ومنه قوله تعالى : لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات حكاية لكلام فرعون ، وقول امرئ القيس :


ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة


والرحلة بكسر الراء : اسم للارتحال ، وهو المسير من مكان إلى آخر بعيد ، ولذلك سمي البعير الذي يسافر عليه راحلة .

وإضافة رحلة إلى الشتاء من إضافة الفعل إلى زمانه الذي يقع فيه ، فقد يكون الفعل مستغرقا لزمانه مثل قولك : سهر الليل ، وقد يكون وقتا لابتدائه مثل صلاة الظهر ، وظاهر الإضافة أن رحلة الشتاء والصيف معروفة معهودة ، وهما رحلتان . فعطف ( والصيف ) على تقدير مضاف ، أي : ورحلة الصيف ، لظهور أنه لا تكون رحلة واحدة تبتدأ في زمانين فتعين أنهما رحلتان في زمنين .

وجوز الزمخشري : أن يكون لفظ ( رحلة ) المفرد مضافا إلى شيئين لظهور المراد وأمن اللبس ، وقال أبو حيان : هذا عند سيبويه لا يجوز إلا في الضرورة .

والشتاء : اسم لفصل من السنة الشمسية المقسمة إلى أربعة فصول . وفصل الشتاء تسعة وثمانون يوما وبضع دقائق مبدؤها حلول الشمس في برج الجدي . ونهايتها خروج الشمس من برج الحوت ، وبروجه ثلاثة : الجدي ، والدلو ، والحوت ، وفصل الشتاء مدة البرد .

والصيف : اسم لفصل من السنة الشمسية ، وهو زمن الحر ، ومدته ثلاثة وتسعون يوما وبضع ساعات ، مبدؤها حلول الشمس في برج السرطان ونهايته خروج الشمس من برج السنبلة ، وبروجه ثلاثة ، السرطان ، والأسد ، والسنبلة .

قال ابن العربي : قال مالك : الشتاء نصف السنة والصيف نصفها ، ولم أزل أرى ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومن معه لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا ، ( يعني طلوع الثريا عند الفجر ، وذلك أول فصل الصيف ) وهو يوم التاسع عشر من ( بشنس ) وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس اهـ . وشهر بشنس هو التاسع من أشهر السنة القبطية المجزأة إلى اثني عشر شهرا .

[ ص: 558 ] وشهر بشنس يبتدأ في اليوم السادس والعشرين من شهر نيسان ( أبريل ) وهو ثلاثون يوما ينتهي يوم 25 من شهر ( إيار - مايه ) .

وطلوع الثريا عند الفجر ، وهو يوم تسعة عشر من شهر بشنس من أشهر القبط . قال أيمة اللغة : فالصيف عند العامة نصف السنة وهو ستة أشهر ، والشتاء نصف السنة وهو ستة أشهر .

والسنة بالتحقيق أربعة فصول : الصيف : ثلاثة أشهر ، وهو الذي يسميه أهل العراق وخراسان الربيع ، ويليه القيظ ثلاثة أشهر ، وهو شدة الحر ، ويليه الخريف ثلاثة أشهر ، ويليه الشتاء ثلاثة أشهر . وهذه الآية صالحة للاصطلاحين . واصطلاح علماء الميقات تقسيم السنة إلى ربيع وصيف وخريف وشتاء ، ومبدأ السنة الربيع هو دخول الشمس في برج الحمل . وهاتان الرحلتان هما رحلة تجارة وميرة كانت قريش تجهزهما في هذين الفصلين من السنة إحداهما في الشتاء إلى بلاد الحبشة ، ثم اليمن يبلغون بها بلاد حمير ، والأخرى في الصيف إلى الشام يبلغون بها مدينة بصرى من بلاد الشام .

وكان الذين سن لهم هاتين الرحلتين هاشم بن عبد مناف ، وسبب ذلك أنهم كانوا يعتريهم خصاصة ، فإذا لم يجد أهل بيت طعاما لقوتهم حمل رب البيت عياله إلى موضع معروف فضرب عليهم خباء وبقوا فيه حتى يموتوا جوعا ، ويسمى ذلك الاعتفار ( بالعين المهملة وبالراء ، وقيل : بالدال عوض الراء وبفاء ) فحدث أن أهل بيت من بني مخزوم أصابتهم فاقة شديدة فهموا بالاعتفار فبلغ خبرهم هاشما ; لأن أحد أبنائهم كان تربا لأسد بن هاشم ، فقام هاشم خطيبا في قريش وقال : إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعز العرب وأنتم أهل حرم الله والناس لكم تبع ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم ، ثم جمع كل بني أب على رحلتين للتجارات فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير من عشيرته حتى صار فقيرهم كغنيهم ، وفيه يقول مطرود الخزاعي :


يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف
الآخذون العهد من آفاقها والراحلون لرحلة الإيلاف
والخالطون غنيهم بفقيرهم حتى يصير فقيرهم كالكافي


[ ص: 559 ] ولم تزل الرحلتان من إيلاف قريش حتى جاء الإسلام وهم على ذلك .

والمعروف المشهور أن الذي سن الإيلاف هو هاشم ، وهو المروي عن ابن عباس وذكر ابن العربي عن الهروي : أن أصحاب الإيلاف هاشم وإخوته الثلاثة الآخرون : عبد شمس ، والمطلب ، ونوفل . وأن واحدا منهم أخذ حبلا - أي عهدا - من أحد الملوك الذين يمرون في تجارتهم على بلادهم وهم ملك الشام ، وملك الحبشة ، وملك اليمن ، وملك فارس ، فأخذ هاشم هذا من ملك الشام وهو ملك الروم ، وأخذ عبد شمس من نجاشي الحبشة وأخذ المطلب من ملك اليمن ، وأخذ نوفل من كسرى ملك فارس ، فكانوا يجعلون جعلا لرؤساء القبائل وسادات العشائر يسمى الإيلاف أيضا ، يعطونهم شيئا من الربح ويحملون إليهم متاعا ويسوقون إليهم إبلا مع إبلهم ليكفوهم مئونة الأسفار وهم يكفون قريشا دفع الأعداء ، فاجتمع لهم بذلك أمن الطريق كله إلى اليمن وإلى الشام ، وكانوا يسمون المجيرين .

وقد توهم النقاش من هذا أن لكل واحد من هؤلاء الأربعة رحلة ، فزعم أن الرحل كانت أربعا ، قال ابن عطية : وهذا قول مردود . وصدق ابن عطية ، فإن كون أصحاب العهد الذي كان به الإيلاف أربعة لا يقتضي أن تكون الرحلات أربعا ، فإن ذلك لم يقله أحد . ولعل هؤلاء الإخوة كانوا يتداولون السفر مع الرحلات على التناوب ؛ لأنهم المعروفون عند القبائل التي تمر عليهم العير ، أو لأنهم توارثوا ذلك بعد موت هاشم فكانت تضاف العير إلى أحدهم كما أضافوا العير التي تعرض المسلمون لها يوم بدر عير أبي سفيان ، إذ هو يومئذ سيد أهل الوادي بمكة .

ومعنى الآية تذكير قريش بنعمة الله عليهم ، إذ يسر لهم ما لم يتأت لغيرهم من العرب من الأمن من عدوان المعتدين ، وغارات المغيرين في السنة كلها بما يسر لهم من بناء الكعبة وشرعة الحج وأن جعلهم عمار المسجد الحرام وجعل لهم مهابة وحرمة في نفوس العرب كلهم في الأشهر الحرم وفي غيرها .

وعند القبائل التي تحرم الأشهر الحرم والقبائل التي لا تحرمها مثل طيء وقضاعة وخثعم ، فتيسرت لهم الأسفار في بلاد العرب من جنوبها إلى شمالها ، ولاذ [ ص: 560 ] بهم أصحاب الحاجات يسافرون معهم ، وأصحاب التجارات يحملونهم سلعهم ، وصارت مكة وسطا تجلب إليها السلع من جميع البلاد العربية فتوزع إلى طالبيها في بقية البلاد ، فاستغنى أهل مكة بالتجارة ، إذ لم يكونوا أهل زرع ولا ضرع ، إذ كانوا بواد غير ذي زرع وكانوا يجلبون أقواتهم فيجلبون من بلاد اليمن الحبوب من بر وشعير وذرة وزبيب وأديم وثياب والسيوف اليمانية ، ومن بلاد الشام الحبوب والتمر والزيت والزبيب والثياب والسيوف المشرفية ، زيادة على ما جعل لهم مع معظم العرب من الأشهر الحرم ، وما أقيم لهم من مواسم الحج وأسواقه كما يشير إليه قوله تعالى : فليعبدوا رب هذا البيت .

فذلك وجه تعليل الأمر بتوحيدهم الله بخصوص نعمة هذا الإيلاف مع أن لله عليهم نعما كثيرة ; لأن هذا الإيلاف كان سببا جامعا لأهم النعم التي بها قوام بقائهم .

وقد تقدم آنفا الكلام على معنى الفاء من قوله : فليعبدوا رب هذا البيت على الوجوه كلها .

والعبادة التي أمروا بها عبادة الله وحده دون إشراك الشركاء معه في العبادة ; لأن إشراك من لا يستحق العبادة مع الله الذي هو الحقيق بها ليس بعبادة أو لأنهم شغلوا بعبادة الأصنام عن عبادة الله فلا يذكرون الله إلا في أيام الحج في التلبية على أنهم قد زاد بعضهم فيها بعد قولهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك .

وتعريف ( رب ) بالإضافة إلى هذا البيت دون أن يقال : فليعبدوا الله ، لما يومئ إليه لفظ ( رب ) من استحقاقه الإفراد بالعبادة دون شريك .

وأوثر إضافة ( رب ) إلى هذا البيت دون أن يقال : ربهم للإيماء إلى أن البيت هو أصل نعمة الإيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام ، فكان سببا لرفعة شأنهم بين العرب . قال تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس وذلك إدماج للتنويه بشأن البيت الحرام وفضله .

والبيت معهود عند المخاطبين .

[ ص: 561 ] والإشارة إليه ; لأنه بذلك العهد كان كالحاضر في مقام الكلام على أن البيت بهذا التعريف باللام صار علما بالغلبة على الكعبة ورب البيت هو الله ، والعرب يعترفون بذلك .

وأجري وصف الرب بطريقة الموصول الذي أطعمهم من جوع لما يؤذن به من التعليل للأمر بعبادة رب البيت الحرام بعلة أخرى زيادة على نعمة تيسير التجارة لهم ، وذلك مما جعلهم أهل ثراء ، وهما نعمة إطعامهم وأمنهم . وهذه إشارة إلى ما يسر لهم من ورود سفن الحبشة في البحر إلى جدة تحمل الطعام ليبيعوه هناك ، فكانت قريش يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين ، وكان أهل تبالة وجرش من بلاد اليمن المخصبة يحملون الطعام في مكة ، فكانوا في سعة من العيش بوفر الطعام في بلادهم كذلك يسر لهم إقامة الأسواق حول مكة في أشهر الحج وهي سوق مجنة ، وسوق ذي المجاز ، وسوق عكاظ ، فتأتيهم فيها الأرزاق ويتسع العيش ، وإشارة إلى ما ألقي في نفوس العرب من حرمة مكة وأهلها فلا يريدهم أحد بتخويف ، وتلك دعوة إبراهيم - عليه السلام - إذ قال : رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات فلم يتخلف ذلك عنهم إلا حين دعا عليهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - بدعوته : اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف فأصابتهم مجاعة وقحط سبع سنين وذلك أول الهجرة .

و ( من ) الداخلة على ( جوع ) وعلى ( خوف ) معناها البدلية ، أي : أطعمهم بدلا من الجوع وآمنهم بدلا من الخوف . ومعنى البدلية هو أن حالة بلادهم تقتضي أن يكون أهلها في جوع . فإطعامهم بدل من الجوع الذي تقتضيه البلاد ، وأن حالتهم في قلة العدد وكونهم أهل حضر وليسوا أهل بأس ولا فروسية ولا شكة سلاح تقتضي أن يكونوا معرضين لغارات القبائل ، فجعل الله لهم الأمن في الحرم عوضا عن الخوف الذي تقتضيه قلتهم قال تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم .

وتنكير ( جوع ) و ( خوف ) للنوعية لا للتعظيم ، إذ لم يحل بهم جوع وخوف من قبل ، قال مساور بن هند في هجاء بني أسد :

[ ص: 562 ]

زعمتم أن إخوتكم قريش لهم إلف وليس لكم إلاف
أولئك أومنوا جوعا وخوفا وقد جاعت بنو أسد وخافوا

EL Mister
12-06-09, 17:28
بسم الله الرحمن الرحيم

( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ( 1 ) ألم يجعل كيدهم في تضليل ( 2 ) وأرسل عليهم طيرا أبابيل ( 3 ) ترميهم بحجارة من سجيل ( 4 ) فجعلهم كعصف مأكول ( 5 ) )


مقدمة

وردت تسميتها في كلام بعض السلف سورة ( ألم تر ) . روى القرطبي في تفسير ( سورة قريش ) عن عمرو بن ميمون قال : صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب فقرأ في الركعة الثانية ( ألم تر ) و ( لإيلاف قريش ) . وكذلك عنونها البخاري . وسميت في جميع المصاحف وكتب التفسير ( سورة الفيل ) .

وهي مكية بالاتفاق .

وقد عدت التاسعة عشرة في ترتيب نزول السور . نزلت بعد سورة ( قل يا أيها الكافرون ) وقبل ( سورة الفلق ) . وقيل : قبل ( سورة قريش ) لقول الأخفش إن قوله تعالى : لإيلاف قريش متعلق بقوله : فجعلهم كعصف مأكول ولأن أبي بن كعب جعلها وسورة قريش سورة واحدة في مصحفه ولم يفصل بينهما بالبسملة ، ولخبر عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب المذكور آنفا : روى أن عمر بن الخطاب قرأ مرة في المغرب في الركعة الثانية سورة الفيل وسورة قريش ، أي : ولم يكن الصحابة يقرءون في الركعة من صلاة الفرض سورتين ; لأن السنة قراءة الفاتحة وسورة ، فدل أنهما عنده سورة واحدة . ويجوز أن تكون سورة قريش نزلت بعد سورة الفلق وألحقت بسورة الفيل ، فلا يتم الاحتجاج بما في مصحف أبي بن كعب ولا بما رواه عمرو بن ميمون .

وآيها خمس .


أغراض السورة

وقد تضمنت التذكير بأن الكعبة حرم الله ، وأن الله حماه ممن أرادوا به سوءا أو [ ص: 544 ] أظهر غضبه عليهم فعذبهم لأنهم ظلموا بطمعهم في هدم مسجد إبراهيم وهو عندهم في كتابهم ، وذلك ما سماه الله كيدا ، وليكون ما حل بهم تذكرة لقريش بأن فاعل ذلك هو رب ذلك البيت وأن لا حظ فيه للأصنام التي نصبوها حوله .

وتنبيه قريش أو تذكيرهم بما ظهر من كرامة النبيء - صلى الله عليه وسلم - عند الله ، إذ أهلك أصحاب الفيل في عام ولادته .

ومن وراء ذلك تثبيت النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن الله يدفع عنه كيد المشركين ، فإن الذي دفع كيد من يكيد لبيته لأحق بأن يدفع كيد من يكيد لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ودينه ويشعر بهذا قوله : ألم نجعل كيدهم في تضليل .

ومن وراء ذلك كله التذكير بأن الله غالب على أمره ، وأن لا تغر المشركين قوتهم ووفرة عددهم ولا يوهن النبيء - صلى الله عليه وسلم - تألب قبائلهم عليه فقد أهلك الله من هو أشد منهم قوة وأكثر جمعا .

ولم يتكرر في القرآن ذكر إهلاك أصحاب الفيل خلافا لقصص غيرهم من الأمم لوجهين : أحدهما أن هلاك أصحاب الفيل لم يكن لأجل تكذيب رسول من الله ، وثانيهما أن لا يتخذ منه المشركون غرورا بمكانة لهم عند الله كغرورهم بقولهم المحكي في قوله تعالى : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر الآية ، وقوله : وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون.


ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ( 1 )

استفهام تقريري ، وقد بينا غير مرة أن الاستفهام التقريري كثير ما يكون على نفي المقرر بإثباته للثقة ، فإن المقرر لا يسعه إلا إثبات المنفي ، وانظر عند قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم في سورة البقرة ، والاستفهام التقريري هنا مجاز بعلاقة اللزوم ، وهو مجاز كثر استعماله في كلامهم فصار كالحقيقة لشهرته ، وعليه فالتقرير مستعمل مجازا في التكريم إشارة إلى أن ذلك كان إرهاصا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فيكون من باب قوله : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد [ ص: 545 ] وفيه مع ذلك تعريض بكفران قريش نعمة عظيمة من نعم الله عليهم ، إذ لم يزالوا يعبدون غيره .

والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - كما يقتضيه قوله ( ربك ) . فمهيع هذه الآية شبيه بقوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى الآيات ، وقوله : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد على أحد الوجوه المتقدمة .

فالرؤية يجوز أن تكون مجازية مستعارة للعلم البالغ من اليقين حد الأمر المرئي لتواتر ما فعل الله بأصحاب الفيل بين أهل مكة وبقاء بعض آثار ذلك يشاهدونه . وقال أبو صالح : رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك الحجارة سودا مخططة بحمرة . وقال عتاب بن أسيد : أدركت سائس الفيل وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس . وقالت عائشة : لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس ، وفعل الرؤية معلق بالاستفهام .

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية بالنسب لمن تجاوز سنه نيفا وخمسين سنة عند نزول الآية ممن شهد حادث الفيل غلاما أو فتى مثل أبي قحافة وأبي طالب وأبي بن خلف .

و ( كيف ) للاستفهام سد مسد مفعولين أو مفعول ( تر ) ، أي : ألم تر جواب هذا الاستفهام كما تقول : علمت هل زيد قائم ؟ وهو نصب على الحال من فاعل ( تر ) . ويجوز أن يكون ( كيف ) مجردا عن معنى الاستفهام مرادا منه مجرد الكيفية ، فيكون نصبا على المفعول به .

وإيثار ( كيف ) دون غيره من أسماء الاستفهام أو الموصول فلم يقل : ألم تر ما فعل ربك ، أو الذي فعل ربك ، للدلالة على حالة عجيبة يستحضرها من يعلم تفصيل القصة .

وأوثر لفظ فعل ربك دون غيره ; لأن مدلول هذا الفعل يعم أعمالا كثيرة لا يدل عليها غيره .

وجيء في تعريف الله سبحانه بوصف ( رب ) مضافا إلى ضمير النبيء - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 546 ] إيماء إلى أن المقصود من التذكير بهذه القصة تكريم النبيء - صلى الله عليه وسلم - إرهاصا لنبوته ، إذ كان ذلك عام مولده .

وأصحاب الفيل : الحبشة الذين جاءوا مكة غازين مضمرين هدم الكعبة انتقاما من العرب من أجل ما فعله أحد بني كنانة الذين كانوا أصحاب النسيء في أشهر الحج . وكان خبر ذلك وسببه أن الحبشة قد ملكوا اليمن بعد واقعة الأخدود التي عذب فيها الملك ذو نواس النصارى ، وصار أمير الحبشة على اليمن رجلا يقال له أبرهة ، وأن أبرهة بنى كنيسة عظيمة في صنعاء دعاها القليس ( بفتح القاف وكسر اللام بعدها تحتية ساكنة ، وبعضهم يقولها بضم القاف وفتح اللام وسكون التحتية ، وفي القاموس بضم القاف وتشديد اللام مفتوحة وسكون الياء ، وكتبه السهيلي بنون بعد اللام ولم يضبطه وزعم أنه اسم مأخوذ من معاني القلس للارتفاع ، ومنه القلنسوة واقتصر على ذلك ولم أعرف أصل هذا اللفظ ، فإما أن يكون اسم *** للكنيسة ، ولعل لفظ كنيسة في العربية معرب منه ، وإما أن يكون علما وضعوه لهذه الكنيسة الخاصة ) وأراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة ، فروي أن رجلا من بني فقيم من بني كنانة وكانوا أهل النسيء للعرب كما تقدم عند قوله تعالى : إنما النسيء زيادة في الكفر في سورة براءة ، قصد الكناني صنعاء حتى جاء القليس فأحدث فيها تحقيرا لها ليتسامع العرب بذلك ، فغضب أبرهة وأزمع غزو مكة ليهدم الكعبة ، وسار حتى نزل خارج مكة ليلا بمكان يقال له المغمس ( كمعظم ) موضع قرب مكة في طريق الطائف ) أو ذو الغميس لم أر ضبطه وأرسل إلى عبد المطلب ليحذره من أن يحاربوه وجرى بينهما كلام ، وأمر عبد المطلب آله وجميع أهل مكة بالخروج منها إلى الجبال المحيطة بها خشية من معرة الجيش إذا دخلوا مكة ، فلما أصبح هيأ جيشه لدخول مكة وكان أبرهة راكبا فيلا وجيشه معه ، فبينا هو يتهيأ لذلك إذ أصاب جنده داء عضال هو الجدري الفتاك يتساقط منه الأنامل ، ورأوا قبل ذلك طيرا ترميهم بحجارة لا تصيب أحدا إلا هلك وهي طير من جند الله ، فهلك معظم الجيش وأدبر بعضهم ، ومرض أبرهة فقفل راجعا إلى صنعاء مريضا ، فهلك في صنعاء وكفى الله أهل مكة أمر عدوهم . وكان ذلك في شهر محرم الموافق لشهر شباط ( فبراير ) [ ص: 547 ] سنة 570 بعد ميلاد عيسى - عليه السلام - وبعد هذا الحادث بخمسين يوما ولد النبيء - صلى الله عليه وسلم - على أصح الأخبار وفيها اختلاف كثير .

والتعريف في ( الفيل ) للعهد ، وهو فيل أبرهة قائد الجيش كما قالوا للجيش الذي خرج مع عائشة أم المؤمنين أصحاب الجمل يريدون الجمل الذي كانت عليه عائشة ، مع أن في الجيش جمالا أخرى . وقد قيل : إن جيش أبرهة لم يكن فيه إلا فيل واحد ، هو فيل أبرهة وكان اسمه محمودا . وقيل : كان فيه فيلة أخرى ، قيل ثمانية ، وقيل : اثنا عشر . وقال بعض : ألف فيل ووقع في رجز ينسب إلى عبد المطلب :


أنت منعت الحبش والأفيالا


فيكون التعريف تعريف الجنس ويكون العهد مستفادا من الإضافة .

والفيل : حيوان عظيم من ذوات الأربع ذوات الخف ، من حيوان البلاد الحارة ذات الأنهار من الهند والصين والحبشة والسودان ، ولا يوجد في غير ذلك إلا مجلوبا ، وهو ذكي قابل للتأنس والتربية ، ضخم الجثة أضخم من البعير ، وأعلى منه بقليل وأكثر لحما وأكبر بطنا . وخف رجله يشبه خف البعير وعنقه قصير جدا له خرطوم طويل هو أنفه يتناول به طعامه وينتشق به الماء فيفرغه في فيه ، ويدفع به عن نفسه ، يختطف به ويلويه على ما يريد أذاه من الحيوان ويلقيه على الأرض ويدوسه بقوائمه . وفي عينيه خزر وأذناه كبيرتان مسترخيتان ، وذنبه قصير أقصر من ذنب البعير وقوائمه غليظة ، ومناسمه كمناسم البعير وللذكر منه نابان طويلان بارزان من فمه يتخذ الناس منها العاج ، وجلده أجرد مثل جلد البقر ، أصهب اللون قاتم كلون الفار ، ويكون منه الأبيض الجلد . وهو مركوب وحامل أثقال وأهل الهند والصين يجعلون الفيل كالحصن في الحرب يجعلون محفة على ظهره تسع ستة جنود . ولم يكن الفيل معروفا عند العرب ، فلذلك قل أن يذكر في كلامهم وأول فيل دخل بلاد العرب هو الفيل المذكور في هذه السورة .

وقد ذكرت أشعار لهم في ذكر هذه الحادثة في السيرة ، ولكن العرب كانوا يسمعون أخبار الفيل ويتخيلونه عظيما قويا ، قال لبيد :


ومقام ضيق فرجته ببيان ولسان وجدل
[ ص: 548 ] لو يقوم الفيل أو فياله زل عن مثل مقامي ورحل


وقال كعب بن زهير في قصيدته :


لقد أقوم مقاما لو يقوم به أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظل يرعد إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تنويل


وكنت رأيت أن . . . قال إن أمه أرته أو حدثته أنها رأت روث الفيل بمكة حول الكعبة ، ولعلهم تركوا إزالته ليبقى تذكرة .

وعن عائشة وعتاب بن أسيد : رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس .

والمعنى : ألم تعلم الحالة العجيبة التي فعلها الله بأصحاب الفيل ، فهذا تقرير على إجمال يفسره ما بعده .


ألم يجعل كيدهم في تضليل ( 2 ) وأرسل عليهم طيرا أبابيل ( 3 ) ترميهم بحجارة من سجيل ( 4 ) فجعلهم كعصف مأكول ( 5 )

هذه الجمل بيان لما في جملة ألم تر كيف فعل ربك من الإجمال ، وسمى حربهم كيدا ; لأنه عمل ظاهره الغضب من فعل الكناني الذي قعد في القليس ، وإنما هو تعلة تعللوا بها لإيجاد سبب لحرب أهل مكة وهدم الكعبة لينصرف العرب إلى حج القليس في صنعاء فيتنصروا .

أو أريد بكيدهم بناؤهم القليس مظهرين أنهم بنوا كنيسة وهم يريدون أن يبطلوا الحج إلى الكعبة ويصرفوا العرب إلى صنعاء .

والكيد : الاحتيال على إلحاق ضر بالغير ومعالجة إيقاعه .

والتضليل : جعل الغير ضالا ، أي : لا يهتدي لمراده ، وهو هنا مجاز في الإبطال وعدم نوال المقصود ; لأن ضلال الطريق عدم وصول السائر .

وظرفية الكيد في التضليل مجازية ، استعير حرف الظرفية لمعنى المصاحبة [ ص: 549 ] الشديدة ، أي : أبطل كيدهم بتضليل ، أي : مصاحبا للتضليل لا يفارقه ، والمعنى : أنه أبطله إبطالا شديدا ، إذ لم ينتفعوا بقوتهم مع ضعف أهل مكة وقلة عددهم . وهذا كقوله تعالى : وما كيد فرعون إلا في تباب أي : ضياع وتلف ، وقد شمل تضليل كيدهم جميع ما حل بهم من أسباب الخيبة وسوء المنقلب .

وجملة وأرسل عليهم طيرا أبابيل يجوز أن تجعل معطوفة على جملة فعل ربك بأصحاب الفيل ، أي : وكيف أرسل عليهم طيرا من صفتها كيت وكيت ، فبعد أن وقع التقرير على ما فعل الله بهم من تضليل كيدهم عطف عليه تقرير بعلم ما سلط عليهم من العقاب على كيدهم تذكيرا بما حل بهم من نقمة الله تعالى ، لقصدهم تخريب الكعبة ، فذلك من عناية الله ببيته لإظهار توطئته لبعثة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بدينه في ذلك البلد ، إجابة لدعوة إبراهيم - عليه السلام - فكما كان إرسال الطير عليهم من أسباب تضليل كيدهم ، كان فيه جزاء لهم ، ليعلموا أن الله مانع بيته ، وتكون جملة ألم يجعل كيدهم في تضليل معترضة بين الجملتين المتعاطفتين .

ويجوز أن تجعل وأرسل عليهم عطفا على جملة ألم يجعل كيدهم في تضليل فيكون داخلا في حيز التقرير الثاني بأن الله جعل كيدهم في تضليل ، وخص ذلك بالذكر لجمعه بين كونه مبطلا لكيدهم وكونه عقوبة لهم ، ومجيئه بلفظ الماضي باعتبار أن المضارع في قوله : ألم يجعل كيدهم في تضليل قلب زمانه إلى المضي لدخول حرف ( لم ) كما تقدم في قوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى في سورة الضحى ، فكأنه قيل : أليس جعل كيدهم في تضليل .

والطير : اسم ، جمع طائر ، وهو الحيوان الذي يرتفع بالجو بعمل جناحيه . وتنكيره للنوعية ; لأنه نوع لم يكن معروفا عند العرب . وقد اختلف القصاصون في صفته اختلافا خياليا . والصحيح ما روي عن عائشة : أنها أشبه شيء بالخطاطيف ، وعن غيرها أنها تشبه الوطواط .

وأبابيل : جماعات . قال الفراء وأبو عبيدة : أبابيل اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل عباديد وشماطيط وتبعهما الجوهري ، وقال الرؤاسي والزمخشري : واحد [ ص: 550 ] أبابيل إبالة مشددة الموحدة مكسورة الهمزة . ومنه قولهم في المثل : ضغث على إبالة ، وهي الحزمة الكبيرة من الحطب ، وعليه فوصف الطير بأبابيل على وجه التشبيه البليغ .

وجملة ( ترميهم ) حال من ( طيرا ) وجيء بصيغة المضارع لاستحضار الحالة بحيث تخيل للسامع كالحادثة في زمن الحال ومنه قوله تعالى : ( والله الذي أرسل الريح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ) الآية .

وحجارة : اسم جمع حجر .

وعن ابن عباس قال : طين في حجارة ، وعنه أن سجيل معرب ( سنك كل ) من الفارسية ، أي : عن كلمة ( سنك ) وضبط بفتح السين وسكون النون وكسر الكاف ، اسم الحجر ، وكلمة ( كل ) بكسر الكاف اسم الطين وجموع الكلمتين يراد به الآجر .

وكلتا الكلمتين بالكاف الفارسية المعمدة وهي بين مخرج الكاف ومخرج القاف ، ولذلك تكون ( من ) بيانية ، أي : حجارة هي سجيل ، وقد عد السبكي كلمة سجيل في منظومته في المعرب الواقع في القرآن .

وقد أشار إلى أصل معناه قوله تعالى : لنرسل عليهم حجارة من طين مع قوله في آيات أخر حجارة من سجيل فعلم أنه حجر أصله طين .

وجاء نظيره في قصة قوم لوط في سورة هود وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود وفي سورة الحجر فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل فتعين أن تكون الحجارة التي أرسلت على أصحاب الفيل من *** الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ، أي : ليست حجرا صخريا ولكنها طين متحجر دلالة على أنها مخلوقة لعذابهم .

قال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده ، فكان ذلك أول الجدري . وقال عكرمة : إذا أصاب أحدهم منها خرج به الجدري .

[ ص: 551 ] وقد قيل : إن الجدري لم يكن معروفا في مكة قبل ذلك .

وروي أن الحجر كان قدر الحمص ، روى أبو نعيم عن نوفل بن أبي معاوية الديلمي قال : رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص حمرا بحتمة ( أي سوداء ) كأنها جزع ظفار . وعن ابن عباس : أنه رأى من هذه الحجارة عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة بالجزع الظفاري .

والعصف : ورق الزرع وهو جمع عصفة . والعصف إذا دخلته البهائم فأكلته داسته بأرجلها وأكلت أطرافه وطرحته على الأرض بعد أن كان أخضر يانعا . وهذا تمثيل لحال أصحاب الفيل بعد تلك النضرة والقوة كيف صاروا متساقطين على الأرض هالكين .

EL Mister
12-06-09, 17:54
بسم الله الرحمن الرحيم

( ويل لكل همزة لمزة ( 1 ) الذي جمع مالا وعدده ( 2 ) يحسب أن ماله أخلده ( 3 ) كلا لينبذن في الحطمة ( 4 ) وما أدراك ما الحطمة ( 5 ) نار الله الموقدة ( 6 ) التي تطلع على الأفئدة ( 7 ) إنها عليهم مؤصدة ( 8 ) في عمد ممددة ( 9 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة الهمزة ) بلام التعريف . وعنونها في صحيح البخاري وبعض التفاسير ( سورة ويل لكل همزة ) . وذكر الفيروزآبادي في بصائر ذوي التمييز أنها تسمى ( سورة الحطمة ) لوقوع هذه الكلمة فيها .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت الثانية والثلاثين في عداد نزول السور . نزلت بعد سورة القيامة وقبل سورة المرسلات .

وآيها تسع بالاتفاق .

روي أنها نزلت في جماعة من المشركين كانوا أقاموا أنفسهم للمز المسلمين وسبهم واختلاق الأحدوثات السيئة عنهم . وسمي من هؤلاء المشركين : الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأمية بن خلف ، وأبي بن خلف ، وجميل بن معمر بن بني جمح ( وهذا أسلم يوم الفتح وشهد حنينا ) والعاص بن وائل من بني سهم ، وكلهم من سادة قريش ، وسمي الأسود بن عبد يغوث ، والأخنس بن شريق الثقفيان من سادة ثقيف من أهل الطائف ، وكل هؤلاء من أهل الثراء في الجاهلية والازدهار بثرائهم وسؤددهم . وجاءت آية السورة عامة فعم حكمها المسمين ومن كان على شاكلتهم من المشركين ولم تذكر أسماؤهم .


أغراض السورة

فغرض هذه السورة وعيد جماعة من المشركين جعلوا همز المسلمين ولمزهم ضربا [ ص: 536 ] من ضروب أذاهم طمعا في أن يلجئهم الملل من أصناف الأذى ، إلى الانصراف عن الإسلام والرجوع إلى الشرك .


ويل لكل همزة لمزة ( 1 ) الذي جمع مالا وعدده ( 2 ) يحسب أن ماله أخلده ( 3 )

كلمة ( ويل له ) دعاء على المجرور اسمه باللام بأن يناله الويل ، وهو سوء الحال كما تقدم غير مرة ، منها قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله في سورة البقرة .

والدعاء هنا مستعمل في الوعيد بالعقاب .

وكلمة ( كل ) تشعر بأن المهددين بهذا الوعيد جماعة ، وهم الذين اتخذوا همز المسلمين ولمزهم ديدنا لهم . أولئك الذين تقدم ذكرهم في سبب نزول السورة .

وهمزة ولمزة ، بوزن فعلة صيغة تدل على كثرة صدور الفعل المصاغ منه ، وأنه صار عادة لصاحبه كقولهم : ضحكة لكثير الضحك ، ولعنة لكثير اللعن . وأصلها : أن صيغة فعل بضم ففتح ترد للمبالغة في فاعل ، كما صرح به الرضي في شرح الكافية يقال : رجل حطم إذا كان قليل الرحمة للماشية أي : والدواب .

ومنه قولهم : ختع ( بخاء معجمة ومثناة فوقية ) وهو الدليل الماهر بالدلالة على الطريق ، فإذا أريدت زيادة المبالغة في الوصف ألحق به الهاء كما ألحقت في : علامة ورحالة ، فيقولون : رجل حطمة وضحكة ومنه همزة ، وبتلك المبالغة الثانية يفيد أن ذلك تفاقم منه حتى صار له عادة قد ضري بها كما في الكشاف ، وقد قالوا : إن عيبة مساو لعيابة ، فمن الأمثلة ما سمع فيه الوصف بصيغتي فعل وفعلة نحو حطم وحطمة بدون هاء وبهاء ، ومن الأمثلة ما سمع فيه فعلة دون فعل نحو رجل ضحكة ، ومن الأمثلة ما سمع فيه فعل دون فعلة وذلك في الشتم مع حرف النداء يا غدر ويا فسق ويا خبث ويا لكع .

قال المرادي في شرح التسهيل قال : بعضهم ولم يسمع غيرها ولا يقاس [ ص: 537 ] عليها ، وعن سيبويه أنه أجاز القياس عليها في النداء اهـ . قلت : وعلى قول سيبويه بنى الحريري قوله في المقامة السابعة والثلاثين : صه يا عقق ، يا من هو الشجا والشرق .

وهمزة : وصف مشتق من الهمز . وهو أن يعيب أحد أحدا بالإشارة بالعين أو بالشدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه ، ويقال : هامز وهماز ، وصيغة فعلة يدل على تمكن الوصف من الموصوف .

ووقع ( همزة ) وصفا لمحذوف تقديره : ويل لكل شخص همزة ، فلما حذف موصوفه صار الوصف قائما مقامه فأضيف إليه ( كل ) .

ولمزة : وصف مشتق من اللمز ، وهو المواجهة بالعيب ، وصيغته دالة على أن ذلك الوصف ملكة لصاحبه كما في همزة .

وهذان الوصفان من معاملة أهل الشرك للمؤمنين يومئذ ، ومن عامل من المسلمين أحدا من أهل دينه بمثل ذلك كان له نصيب من هذا الوعيد .

فمن اتصف بشيء من هذا الخلق الذميم من المسلمين مع أهل دينه ، فإنها خصلة من خصال أهل الشرك ، وهي ذميمة تدخل في أذى المسلم ، وله مراتب كثيرة بحسب قوة الأذى وتكرره ، ولم يعد من الكبائر إلا ضرب المسلم ، وسب الصحابة رضي الله عنهم .

وإدمان هذا الأذى بأن يتخذه ديدنا ، فهو راجع إلى إدمان الصغائر وهو معدود من الكبائر .

وأتبع الذي جمع مالا وعدده لزيادة تشنيع صفتيه الذميمتين بصفة الحرص على المال ، وإنما ينشأ ذلك من بخل النفس والتخوف من الفقر ، والمقصود من ذلك دخول أولئك الذين عرفوا بهمز المسلمين ولمزهم ، الذين قيل إنهم سبب نزول السورة لتعيينهم في هذا الوعيد .

واسم الموصول من قوله : الذي جمع مالا نعت آخر ، ولم يعطف الذي بالواو ; لأن ذكر الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد يجوز أن يكون بدون عطف [ ص: 538 ] نحو قوله تعالى : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم .

والمال : مكاسب الإنسان التي تنفعه وتكفي مئونة حاجته من طعام ولباس وما يتخذ منه ذلك ، كالأنعام والأشجار ذات الثمار المثمرة ، وقد غلب لفظ المال في كل قوم من العرب على ما هو كثير من مشمولاتهم ، فغلب اسم المال بين أهل الخيام على الإبل قال زهير :


فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه صحيحات مال طالعات بمخزم


يريد إبل الدية ، ولذلك قال : طالعات بمخرم .

وهو عند أهل القرى الذين يتخذون الحوائط يغلب على النخل ، يقولون خرج فلان إلى ماله ، أي : إلى جناته . وفي كلام أبي هريرة : " وإن إخواني الأنصار شغلهم العمل في أموالهم " . وقال أبو طلحة : " وإن أحب أموالي إلي بئرحاء . وغلب عند أهل مكة على الدراهم ; لأن أهل مكة أهل تجر ومن ذلك قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - للعباس أين المال الذي عند أم الفضل .

وتقدم في قوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون سورة آل عمران .

ومعنى ( عدده ) أكثر من عده ، أي : حسابه لشدة ولعه بجمعه ، فالتضعيف للمبالغة في ( عد ) ومعاودته .

وقرأ الجمهور جمع مالا بتخفيف الميم . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلف بتشديد الميم مزاوجا لقوله ( عدده ) وهو مبالغة في ( جمع ) . وعلى قراءة الجمهور دل تضعيف عدده على معنى تكلف جمعه بطريق الكناية ; لأنه لا يكرر عده إلا ليزيد جمعه .

ويجوز أن يكون ( عدده ) بمعنى أكثر إعداده ، أي : إعداد أنواعه ، فيكون كقوله تعالى : والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث .

وجملة يحسب أن ماله أخلده يجوز أن تكون حالا من همزة فيكون [ ص: 539 ] مستعملا في التهكم عليه في حرصه على جمع المال وتعديده ; لأنه لا يوجد من يحسب أن ماله يخلده ، فيكون الكلام من قبيل التمثيل ، أو تكون الحال مرادا بها التشبيه وهو تشبيه بليغ .

ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والخبر مستعملا في الإنكار ، أو على تقدير همزة استفهام محذوفة مستعملا في التهكم به بأنه موقن بأن ماله يخلده حتى كأنه حصل إخلاده وثبت .

والهمزة في ( أخلده ) للتعدية ، أي : جعله خالدا .

وقرأ الجمهور ( يحسب ) بكسر السين ، وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر بفتح السين وهما لغتان .

ومعنى الآية : أن الذين جمعوا المال يشبه حالهم حال من يحسب أن المال يقيهم الموت ويجعلهم خالدين ; لأن الخلود في الدنيا أقصى متمناهم ، إذ لا يؤمنون بحياة أخرى خالدة .

و ( كلا ) إبطال لأن يكون المال مخلدا لهم . وزجر عن التلبس بالحالة الشنيعة التي جعلتهم في حال من يحسب أن المال يخلد صاحبه ، أو إبطال للحرص في جمع المال جمعا يمنع به حقوق الله في المال من نفقات وزكاة .


كلا لينبذن في الحطمة ( 4 ) وما أدراك ما الحطمة ( 5 ) نار الله الموقدة ( 6 ) التي تطلع على الأفئدة ( 7 )


استئناف بياني ناشئ عما تضمنته جملة يحسب أن ماله أخلده من التهكم والإنكار ، وما أفاده حرف الزجر من معنى التوعد .

والمعنى : ليهلكن فلينبذن في الحطمة .

واللام جواب قسم محذوف . والضمير عائد إلى الهمزة .

[ ص: 540 ] والنبذ : الإلقاء والطرح ، وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره . قال صاحب الكشاف في قوله تعالى : فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم شبههم استحقارا لهم بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن اهـ .

والحطمة : صفة بوزن فعلة ، مثل ما تقدم في الهمزة ، أي : لينبذن في شيء يحطمه ، أي : يكسره ويدقه .

والظاهر أن اللام لتعريف العهد ; لأنه اعتبر الوصف علما بالغلبة على شيء يحطم وأريد بذلك جهنم ، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن ، وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار .

فجملة وما أدراك ما الحطمة في موضع حال من قوله ( الحطمة ) والرابط إعادة لفظ الحطمة ، وذلك إظهار في مقام الإضمار للتهويل ، كقوله : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة وما فيها من الاستفهام ، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة ، وقد تقدم ما أدراك غير مرة منها عند قوله : وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار .

وجملة نار الله الموقدة جواب على جملة وما أدراك ما الحطمة مفيد مجموعهما بيان الحطمة ما هي ، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني ، والتقدير هي ، أي : الحطمة نار الله ، فحذف المبتدأ من الجملة جريا على طريقة استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له ، وقد تقدم عند قوله تعالى : صم بكم عمي في سورة البقرة .

وإضافة ( نار ) إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة .

ووصف ( نار ) بـ ( موقدة ) وهو اسم مفعول من : أوقد النار ، إذا أشعلها وألهبها . والتوقد : ابتداء التهاب النار ، فإذا صارت جمرا فقد خف لهبها ، أو زال ، فوصف ( نار ) بـ ( موقدة ) يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها . وهذا كما وصفت نار الأخدود بذات الوقود ، ( بفتح الواو ) في سورة البروج ، أي : النار التي يجدد اتقادها بوقود وهو الحطب الذي يلقى في النار لتتقد ، فليس الوصف بالموقدة هنا تأكيدا .

[ ص: 541 ] ووصفت نار الله وصفا ثانيا بـ التي تطلع على الأفئدة .

والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإتيان مبالغة في طلع ، أي : الإتيان السريع بقوة واستيلاء ، فالمعنى : التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد .

وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى : فاطلع فرآه في سواء الجحيم فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر ، فتصيب كل فؤاد بما هو كفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده ، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مقدره .


إنها عليهم مؤصدة ( 8 ) في عمد ممددة ( 9 )

هذه جملة يجوز أن تكون صفة ثالثة لـ نار الله بدون عاطف ، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، وتأكيدها بـ ( إن ) لتهويل الوعيد بما ينفي عنه احتمال المجاز أو المبالغة .

وموصدة : اسم مفعول من أوصد الباب ، إذا أغلقه غلقا مطبقا . ويقال : آصد بهمزتين إحداهما أصلية والأخرى همزة التعدية ، ويقال : أصد الباب فعلا ثلاثيا ، ولا يقال : وصد بالواو بمعنى أغلق .

وقرأ الجمهور ( موصدة ) بواو بعد الميم على تخفيف الهمزة . وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم المضمومة .

ومعنى إيصادها عليهم : ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه ، كحال المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن ، تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو متعارف في أحوال الناس ، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتاد .

وقوله : في عمد ممددة حال : إما من ضمير ( عليهم ) أي : في حال كونهم في عمد ، أي : موثوقين في عمد كما يوثق المسجون المغلظ عليه من رجليه في فلقة ذات ثقب يدخل في رجله أو في عنقه كالقرام . وإما حال من ضمير ( إنها ) [ ص: 542 ] أي أن النار الموقدة في عمد ، أي : متوسطة عمدا كما تكون نار الشواء ، إذ توضع عمد وتجعل النار تحتها تمثيلا لأهلها بالشواء .

و ( عمد ) قرأه الجمهور بفتحتين على أنه اسم جمع عمود مثل : أديم وأدم ، وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ( عمد ) بضمتين وهو جمع عمود ، والعمود : خشبة غليظة مستطيلة .

والممددة : المجعولة طويلة جدا ، وهو اسم مفعول من مدده ، إذا بالغ في مده ، أي : الزيادة فيه .

وكل هذه الأوصاف تقوية لتمثيل شدة الإغلاظ عليهم بأقصى ما يبلغه متعارف الناس من الأحوال .

EL Mister
15-06-09, 16:31
بسم الله الرحمن الرحيم

( والعصر ( 1 ) إن الإنسان لفي خسر ( 2 ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ( 3 ) )


مقدمة

ذكر ابن كثير أن الطبراني روى بسنده عن عبيد الله بن حصين قال : " كان الرجلان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر : إلخ ما سيأتي .

وكذلك تسميتها في مصاحف كثيرة وفي معظم كتب التفسير ، وكذلك هي في مصحف عتيق بالخط الكوفي من المصاحف القيروانية في القرن الخامس .

وسميت في بعض كتب التفسير وفي صحيح البخاري ( سورة والعصر ) بإثبات الواو على حكاية أول كلمة فيها ، أي : سورة هذه الكلمة .

وهي مكية في قول الجمهور ، وإطلاق جمهور المفسرين . وعن قتادة ومجاهد ومقاتل أنها مدنية . وروي عن ابن عباس ولم يذكرها صاحب الإتقان في عداد السور المختلف فيها .

وقد عدت الثالثة عشرة في عداد نزول السور . نزلت بعد سورة الانشراح وقبل سورة العاديات .

وآيها ثلاث آيات .

وهي إحدى سور ثلاث هن أقصر السور عدد آيات : هي والكوثر وسورة النصر .


أغراض السورة

واشتملت على إثبات الخسران الشديد لأهل الشرك ومن كان مثلهم من أهل [ ص: 528 ] الكفر بالإسلام بعد أن بلغت دعوته ، وكذلك من تقلد أعمال الباطل التي حذر الإسلام المسلمين منها .

وعلى إثبات نجاة وفوز الذين آمنوا وعملوا الصالحات والداعين منهم إلى الحق .

وعلى فضيلة الصبر على تزكية النفس ودعوة الحق .

وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذوها شعارا لهم في ملتقاهم . روى الطبراني بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن الحصين الأنصاري من التابعين أنه قال : كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها ، ثم يسلم أحدهما على الآخر أي : سلام التفرق ، وهو سنة أيضا مثل سلام القدوم .

وعن الشافعي : لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم . وفي رواية عنه : لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم . وقال غيره : إنها شملت جميع علوم القرآن . وسيأتي بيانه .


والعصر ( 1 ) إن الإنسان لفي خسر ( 2 ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ( 3 )

أقسم الله تعالى بالعصر قسما يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن .

والمقسم به من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه .

وللعصر معان يتعين أن يكون المراد منها لا يعدوا أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية ، يتعين إما بإضافته إلى ما يقدر ، أو بالقرينة ، أو بالعهد ، وأيا ما كان المراد منه هنا فإن القسم به باعتبار أنه زمن يذكر بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله ، وبأمور عظيمة مباركة مثل الصلاة المخصوصة أو عصر معين مبارك .

وأشهر إطلاق لفظ العصر أنه علم بالغلبة لوقت ما ، بين آخر وقت الظهر وبين [ ص: 529 ] اصفرار الشمس ، فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثله بعد القدر الذي كان عليه عند زوال الشمس ، ويمتد إلى أن يصير ظل الجسم مثلي قدره بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس . وذلك وقت اصفرار الشمس ، والعصر مبدأ العشي . ويعقبه الأصيل والاحمرار ، وهو ما قبل غروب الشمس . قال الحارث بن حلزة :


آنست نبأة وأفزعها القن اص عصرا وقد دنا الإمساء


فذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار ، ويذكر بخلقة الشمس والأرض ، ونظام حركة الأرض حول الشمس ، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم ، وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية .

وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على حقولهم وجناتهم ، وتجاراتهم في أسواقهم ، فيذكر بحكمة نظام المجتمع الإنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على عمل ونظام لابتدائه وانقطاعه . وفيه يتحفز الناس للإقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم وأولادهم . وهو من النعمة أو من النعيم ، وفيه إيماء إلى التذكير بمثل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهرم .

وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني ، أي : كل عصر .

ويطلق العصر على الصلاة الموقتة بوقت العصر . وهي صلاة معظمة . قيل : هي المراد بالوسطى في قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى . وجاء في الحديث ( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) . وورد في الحديث الصحيح ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ) فذكر ورجل حلف يمينا فاجرة بعد العصر على سلعة لقد أعطي بها ما لم يعط وتعريفه على هذا تعريف العهد ، وصار علما بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء الأجناس المعرفة باللام مثل العقبة .

ويطلق العصر على مدة معلومة لوجود جيل من الناس ، أو ملك أو نبي ، أو دين ، ويعين بالإضافة ، فيقال : عصر الفطحل ، وعصر إبراهيم ، وعصر الإسكندر ، وعصر الجاهلية ، فيجوز أن يكون مراد هذا الإطلاق هنا ، ويكون [ ص: 530 ] المعني به عصر النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري مثل التعريف في اليوم من قولك : فعلت اليوم كذا ، فالقسم به كالقسم بحياته في قوله تعالى : ( لعمرك ) . قال الفخر : فهو - تعالى - أقسم بزمانه في هذه الآية ، وبمكانه في قوله تعالى : وأنت حل بهذا البلد ، وبعمره في قوله ( لعمرك ) . اهـ .

ويجوز أن يراد عصر الإسلام كله وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم ، وقد مثل النبيء - صلى الله عليه وسلم - عصر الأمة الإسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له إلى الليل ، فعملت اليهود إلى نصف النهار ثم قالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل ، واستأجر آخرين بعدهم فقال : أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم ، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا ، واستأجر قوما أن يعملوا بقية يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما ، فأنتم هم . فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز إلى عصر الإسلام في هذه الآية .

ويجوز أن يفسر العصر في هذه الآية بالزمان كله ، فقال ابن عطية : قال أبي بن كعب : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العصر ، فقال : أقسم ربكم بآخر النهار . وهذه المعاني لا يفي باحتمالها غير لفظ العصر .

ومناسبة القسم بالعصر لغرض السورة على إرادة عصر الإسلام - ظاهرة ، فإنها بينت حال الناس في عصر الإسلام بين من كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها الإسلام ، ويعرف منه حال من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت ، أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإسلام فكانت مختلفة بحسب مجيء الرسل إلى بعض الأمم ، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين الإسلام من الشرك ، أو بدين جاء الإسلام بنسخه مثل اليهودية والنصرانية . قال تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين في سورة آل عمران .

وتعريف الإنسان تعريف الجنس مراد به الاستغراق ، وهو استغراق عرفي [ ص: 531 ] لأنه يستغرق أفراد النوع الإنساني الموجودين في زمن نزول الآية ، وهو زمن ظهور الإسلام كما علمت قريبا . ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها . ولما استثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققا في غير المؤمنين كما سيأتي . . .

والخسر : مصدر ، وهو ضد الربح في التجارة ، استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبة حسنة ، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإنسان في آخرته من نعيم أو عذاب .

وقد تقدم في قوله تعالى : فما ربحت تجارتهم في سورة البقرة . وتكررت نظائره في القرآن آنفا وبعيدا .

والظرفية في قوله : لفي خسر مجازية شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف ، فكانت أبلغ من أن يقال : إن الإنسان لخاسر .

ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقسم وحرف التوكيد في جوابه ، يفيد التهويل والإنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس .

وأعقب بالاستثناء بقوله : إلا الذين آمنوا الآية . فيتقرر الحكم تماما في نفس السامع مبينا أن الناس فريقان : فريق يلحقه الخسران ، وفريق لا يلحقه شيء منه ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يلحقهم الخسران بحال إذا لم يتركوا شيئا من الصالحات بارتكاب أضدادها وهي السيئات .

ومن أكبر الأعمال الصالحات التوبة من الذنوب لمقترفيها ، فمن تحقق فيه وصف الإيمان ولم يعمل السيئات أو عملها وتاب منها ، فقد تحقق له ضد الخسران وهو الربح المجازي ، أي : حسن عاقبة أمره ، وأما من لم يعمل الصالحات ولم يتب من سيئاته ، فقد تحقق فيه حكم المستثنى منه وهو الخسران .

وهذا الخسر متفاوت ، فأعظمه وخالده الخسر المنجر عن انتفاء الإيمان بوحدانية الله وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون ذلك تكون مراتب الخسر متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها . وما حدده الإسلام لذلك من مراتب الأعمال [ ص: 532 ] وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر والفواحش ، وهو ما فسر به قوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات .

وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإنذار والوعيد ، أي : لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة ، فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا ، قال تعالى : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد .

وتنكير ( خسر ) يجوز أن يكون للتنويع ، ويجوز أن يكون مفيدا للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسم .

والمعنى : إن الناس لفي خسران عظيم وهم المشركون .

والتعريف في قوله ( الصالحات ) تعريف الجنس مراد به الاستغراق ، أي : عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين ، وعمل الصالحات يشمل ترك السيئات . وقد أفاد استثناء المتصفين بمضمون الصلة ومعطوفها إيماء إلى علة حكم الاستثناء وهو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه ، فإنهم ليسوا في خسر لأجل أنهم آمنوا وعملوا الصالحات .

فأما الإيمان فهو حقيقة مقول على جزئياتها بالتواطئ ، وأما الصالحات فعمومها مقول عليه بالتشكك ، فيشير إلى أن انتفاء الخسران عنهم يتقدر بمقدار ما عملوه من الصالحات ، وفي ذلك مراتب كثيرة .

وقد دل استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أن يكونوا في خسر على أن سبب كون بقية الإنسان في خسر هو عدم الإيمان والعمل الصالح بدلالة مفهوم الصفة . وعلم من الموصول أن الإيمان والعمل الصالح هما سبب انتفاء إحاطة الخسر بالإنسان .

وعطف على عمل الصالحات التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإن كان ذلك من عمل الصالحات ، عطف الخاص على العام للاهتمام به ؛ لأنه قد يغفل عنه يظن أن العمل الصالح هو ما أثره عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشاد المسلم غيره ودعوته إلى الحق ، فالتواصي بالحق يشمل تعليم [ ص: 533 ] حقائق الهدي وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر .

والتواصي بالصبر عطف على التواصي بالحق عطف الخاص على العام أيضا وإن كان خصوصه خصوصا من وجه ; لأن الصبر تحمل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق .

وحقيقة الصبر أنه : منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله ( إن كان صعب الحصول ، فيترك محاولة تحصيله لخوف ضر ينشأ عن تناوله كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور أو لرغبة في حصول نفع منه كالصبر على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب ، والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في تحصيل مال أو سمعة أو نحو ذلك .

ومن الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمر بالمعروف من امتعاض بعض المأمورين به ، أو من أذاهم بالقول كمن يقول لآمره : هلا نظرت في أمر نفسك ، أو نحو ذلك .

وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشم السهر في اللهو والمعاصي ، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها ، فليس من الصبر ; لأن ذلك التحمل منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها .

وقد اشتمل قوله تعالى : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر على إقامة المصالح الدينية كلها ، فالعقائد الإسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر .

والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها ، فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة ، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكة لمن راض نفسه عليها ، كما قال عمرو بن العاص :


إذا المرء لم يترك طعاما يحبه ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما
[ ص: 534 ] فيوشك أن تلفى له الدهر سبة إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما


وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه . وفي الحديث : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات . وعن علي بن أبي طالب : الصبر مطية لا تكبو .

وقد مضى الكلام على الصبر مشبعا عند قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة في سورة البقرة .

وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائما على شيوع التآمر بهما ديدنا لهم . وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن أحدا لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقا بالملازمة ، إذ قل أن يقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع ، وقد قال تعالى توبيخا لبني إسرائيل : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ، وقد تقدم هذا المعنى عند قوله تعالى : ولا تحاضون على طعام المسكين في سورة الفجر .

EL Mister
15-06-09, 18:12
بسم الله الرحمن الرحيم

( ألهاكم التكاثر ( 1 ) حتى زرتم المقابر ( 2 ) كلا سوف تعلمون ( 3 ) ثم كلا سوف تعلمون ( 4 ) كلا لو تعلمون علم اليقين ( 5 ) لترون الجحيم ( 6 ) ثم لترونها عين اليقين ( 7 ) ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ( 8 ) )


مقدمة

قال الآلوسي : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمونها ( المقبرة ) اهـ .

وسميت في معظم المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة التكاثر ) وكذلك عنونها الترمذي في جامعه ، وهي كذلك معنونة في بعض المصاحف العتيقة بالقيروان .

وسميت في بعض المصاحف ( سورة ألهاكم ) وكذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه .

وهي مكية عند الجمهور قال ابن عطية : هي مكية لا أعلم فيها خلافا .

وعن ابن عباس والكلبي ومقاتل : أنها نزلت في مفاخرة جرت بين بني عبد مناف وبني سهم في الإسلام كما يأتي قريبا ، وكانوا من بطون قريش بمكة ولأن قبور أسلافهم بمكة .

وفي الإتقان : المختار أنها مدنية . قال : ويدل له ما أخرجه ابن أبي حاتم أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخروا ، وما أخرجه البخاري عن أبي بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان ، ولن يملأ فاهه إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . قال أبي : كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ( ألهاكم التكاثر ) اهـ . يريد المستدل بهذا أن أبيا أنصاري وأن ظاهر قوله : حتى نزلت ( ألهاكم التكاثر ) ، أنها نزلت بعد أن كانوا يعدون ( لو أن لابن آدم واديا من ذهب . . . إلخ من القرآن ) وليس في كلام أبي دليل ناهض ، إذ يجوز أن يريد بضمير ( كنا ) المسلمين ، أي : كان من سبق منهم يعد ذلك من القرآن حتى نزلت سورة التكاثر وبين لهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن ما كانوا يقولونه ليس بقرآن .

[ ص: 518 ] والذي يظهر من معاني السورة وغلظة وعيدها أنها مكية ، وأن المخاطب بها فريق من المشركين ; لأن ما ذكر فيها لا يليق بالمسلمين أيامئذ .

وسبب نزولها فيما قال الواحدي والبغوي عن مقاتل والكلبي والقرطبي عنهما وعن ابن عباس أن بني عبد مناف وبني سهم من قريش تفاخروا فتعادوا السادة والأشراف من أيهم أكثر عددا ، فكثر بنو عبد مناف بني سهم بثلاثة أبيات ; لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بريدة الجرمي قال : نزلت في قبيلتين من الأنصار : بني حارثة ، وبني الحارث ، تفاخروا وتكاثروا بالأحياء ، ثم قالوا : انطلقوا بنا إلى القبور ، فجعلت إحدى الطائفتين تقول : فيكم مثل فلان ، تشير إلى القبر . ومثل فلان ، وفعل الآخرون مثل ذلك ، فأنزل الله ( ألهاكم التكاثر ) .

وقد عدت السادسة عشرة في ترتيب نزول السور ، ونزلت بعد سورة الكوثر وقبل سورة الماعون بناء على أنها مكية .

وعدد آيتها ثمان .


أغراض السورة

اشتملت على التوبيخ على اللهو عن النظر في دلائل القرآن ودعوة الإسلام بإيثار المال والتكاثر به والتفاخر بالأسلاف وعدم الإقلاع عن ذلك إلى أن يصيروا في القبور كما صار من كان قبلهم وعلى الوعيد على ذلك .

وحثهم على التدبر فيما ينجيهم من الجحيم .

وأنهم مبعوثون ومسئولون عن إهمال شكر المنعم العظيم .


ألهاكم التكاثر ( 1 ) حتى زرتم المقابر ( 2 ) كلا سوف تعلمون ( 3 ) ثم كلا سوف تعلمون ( 4 )

( ألهاكم ) أي : شغلكم عما يجب عليكم الاشتغال به ; لأن اللهو شغل يصرف عن تحصيل أمر مهم .

والتكاثر : تفاعل في الكثر أي : التباري في الإكثار من شيء مرغوب في كثرته ، فمنه تكاثر في الأموال ، ومنه تكاثر في العدد من الأولاد والأحلاف للاعتزاز بهم . وقد فسرت الآية بهما . قال تعالى : وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين .

وقال الأعشى :


ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر


روى مسلم عن عبد الله بن الشخير قال : انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول ( ألهاكم التكاثر ) قال : يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت فهذا جار مجرى التفسير لمعنى من معاني التكاثر اقتضاه حال الموعظة ساعتئذ وتحتمه الآية .

والخطاب للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله : كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ، وقوله : لترون الجحيم إلى آخر السورة ، ولأن هذا ليس من خلق المسلمين يومئذ .

والمراد بالخطاب : سادتهم وأهل الثراء منهم لقوله : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ، ولأن سادة المشركين هم الذين آثروا ما هم فيه من النعمة على التهمم بتلقي دعوة النبيء - صلى الله عليه وسلم - فتصدوا لتكذيبه وإغراء الدهماء بعدم الإصغاء له . فلم يذكر الملهى عنه لظهور أنه القرآن والتدبر فيه ، والإنصاف بتصديقه . وهذا الإلهاء حصل منهم وتحقق كما دل عليه حكايته بالفعل الماضي .

وإذا كان الخطاب للمشركين فلأن المسلمين يعلمون أن التلبس بشيء من هذا [ ص: 520 ] الخلق مذموم عند الله ، وأنه من خصال أهل الشرك ، فيعلمون أنهم محذرون من التلبس بشيء من ذلك ، فيحذرون من أن يلهيهم حب المال عن شيء من فعل الخير ، ويتوقعون أن يفاجئهم الموت وهم لاهون عن الخير ، قال تعالى يخاطب المؤمنين اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته الآية .

وقوله : حتى زرتم المقابر غاية ، فيحتمل أن يكون غاية لفعل ( ألهاكم ) كما في قوله تعالى : قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى أي : دام إلهاء التكاثر إلى أن زرتم المقابر ، أي : استمر بكم طول حياتكم ، فالغاية مستعملة في الإحاطة بأزمان المغيا لا في تنهيته وحصول ضده لأنهم إذا صاروا إلى المقابر انقطعت أعمالهم كلها .

ولكون زيارة المقابر على هذا الوجه عبارة عن الحلول فيها ، أي : قبور المقابر . وحقيقة الزيارة الحلول في المكان حلولا غير مستمر ، فأطلق فعل الزيارة هنا تعريضا بهم بأن حلولهم في المقابر يعقبه خروج منها .

والتعبير بالفعل الماضي في ( زرتم ) لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لأنه محقق وقوعه مثل قوله : أتى أمر الله .

ويحتمل أن تكون الغاية للمتكاثر به الدال عليه التكاثر ، أي : بكل شيء حتى بالقبور تعدونها . وهذا يجري على ما روى مقاتل والكلبي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بكثرة السادة منهم ، كما تقدم في سبب نزولها آنفا ، فتكون الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي ، أي : زرتم المقابر لتعدوا القبور ، والعرب يكنون بالقبر عن صاحبه قال النابغة :


لئن كان للقبرين قبر بجلق وقبر بصيداء الذي عند حارب


وقال عصام بن عبيد الزماني ، أو همام الرقاشي :


لو عد قبر وقبر كنت أقربهم قبرا وأبعدهم من منزل الذام


أي : كنت أقربهم منك قبرا ، أي : صاحب قبر .

[ ص: 521 ] والمقابر جمع مقبرة بفتح الموحدة وبضمها . والمقبرة الأرض التي فيها قبور كثيرة .

والتوبيخ الذي استعمل فيه الخبر أتبع بالوعيد على ذلك بعد الموت ، وبحرف الزجر والإبطال بقوله : كلا سوف تعلمون ، فأفاد ( كلا ) زجرا وإبطالا لإنهاء التكاثر .

و ( سوف ) لتحقيق حصول العلم . وحذف مفعول ( تعلمون ) لظهور أن المراد : تعلمون سوء مغبة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإسلام .

وأكد الزجر والوعيد بقوله : ثم كلا سوف تعلمون ، فعطف عطفا لفظيا بحرف التراخي أيضا للإشارة إلى تراخي رتبة هذا الزجر والوعيد عن رتبة الزجر والوعيد الذي قبله ، فهذا زجر ووعيد مماثل للأول لكن عطفه بحرف ( ثم ) اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله .

فجملة ثم كلا سوف تعلمون توكيد لفظي لجملة كلا سوف تعلمون وعن ابن عباس كلا سوف تعلمون ما ينزل بكم من عذاب في القبر ثم كلا سوف تعلمون عند البعث أن ما وعدتم به صدق ، أي : تجعل كل جملة مرادا بها تهديد بشيء خاص . وهذا من مستتبعات التراكيب والتعويل على معونة القرائن بتقدير مفعول خاص لكل من فعلي ( تعلمون ) ، وليس تكرير الجملة بمقتض ذلك في أصل الكلام ، ومفاد التكرير حاصل على كل حال .


كلا لو تعلمون علم اليقين ( 5 )

أعيد الزجر ثالث مرة زيادة في إبطال ما هم عليه من اللهو عن التدبر في أقوال القرآن لعلهم يقلعون عن انكبابهم عن التكاثر مما هم يتكاثرون فيه ولهوهم به عن النظر في دعوة الحق والتوحيد . وحذف مفعول ( تعلمون ) للوجه الذي تقدم في كلا سوف تعلمون وجواب ( لو ) محذوف .

وجملة لو تعلمون علم اليقين تهويل وإزعاج ; لأن حذف جواب ( لو ) يجعل النفوس تذهب في تقديره كل مذهب ممكن . والمعنى : لو تعلمون علم اليقين [ ص: 522 ] لتبين لكم حال مفظع عظيم ، وهي بيان لما في كلا من الزجر .

والمضارع في قوله : لو تعلمون مراد به زمن الحال ، أي : لو علمتم الآن علم اليقين لعلمتم أمرا عظيما .
ولفعل الشرط مع ( لو ) أحوال كثيرة واعتبارات ، فقد يقع بلفظ الماضي وقد يقع بلفظ المضارع وفي كليهما قد يكون استعماله في أصل معناه . وقد يكون منزلا منزلة غير معناه ، وهو هنا مستعمل في معناه من الحال بدون تنزيل ولا تأويل .


وإضافة ( علم ) إلى ( اليقين ) إضافة بيانية ، فإن اليقين علم ، أي : لو علمتم علما مطابقا للواقع لبان لكم شنيع ما أنتم فيه ، ولكن علمهم بأحوالهم جهل مركب من أوهام وتخيلات ، وفي هذا نداء عليهم بالتقصير في اكتساب العلم الصحيح . وهذا خطاب للمشركين الذين لا يؤمنون بالجزاء وليس خطابا للمسلمين ; لأن المسلمين يعلمون ذلك علم اليقين . واعلم أن هذا المركب هو علم اليقين نقل في الاصطلاح العلمي فصار لقبا لحالة من مدركات العقل ، وقد تقدم بيان ذلك عند تفسير قوله تعالى : وإنه لحق اليقين في سورة الحاقة ، فارجع إليه .


لترون الجحيم ( 6 ) ثم لترونها عين اليقين ( 7 )

استئناف بياني ; لأن ما سبقه من الزجر والردع المكرر ومن الوعيد المؤكد على إجماله يثير في نفس السامع سؤالا عما يترقب من هذا الزجر والوعيد ، فكان قوله : لترون الجحيم جوابا عما يجيش في نفس السامع .

وليس قوله : لترون الجحيم جواب ( لو ) على معنى : لو تعلمون علم اليقين لكنتم كمن ترون الجحيم ، أي : لترونها بقلوبكم ; لأن نظم الكلام صيغة قسم بدليل قرنه بنون التوكيد ، فليست هذه اللام لام جواب ( لو ) ; لأن جواب ( لو ) ممتنع الوقوع فلا تقترن به نون التوكيد .

والإخبار عن رؤيتهم الجحيم كناية عن الوقوع فيها ، فإن الوقوع في الشيء يستلزم رؤيته فيكنى بالرؤية عن الحضور ، كقول جعفر بن علبة الحارثي :

[ ص: 523 ]

لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها


وأكد ذلك بقوله : ثم لترونها عين اليقين قصدا لتحقيق الوعيد بمعناه الكنائي . وقد عطف هذا التأكيد بـ ( ثم ) التي هي للتراخي الرتبي على نحو ما قررناه آنفا في قوله : ثم كلا سوف تعلمون ، وليس هنالك رؤيتان تقع إحداهما بعد الأخرى بمهلة .

وعين اليقين : اليقين الذي لا يشوبه تردد . فلفظ عين مجاز عن حقيقة الشيء الخالصة غير الناقصة ولا المشابهة .

وإضافة ( عين ) إلى اليقين بيانية كإضافة ( حق ) إلى اليقين في قوله تعالى : إن هذا لهو حق اليقين .

وقرأه الجمهور لترون الجحيم بفتح المثناة الفوقية . وقرأه ابن عامر والكسائي بضم المثناة من ( أراه ) .

وأما ( لترونها ) فلم يختلف القراء في قراءته بفتح المثناة .

وأشار في الكشاف إلى أن هذه الآيات المفتتحة بقوله : كلا سوف تعلمون والمنتهية بقوله : عين اليقين ، اشتملت على وجوه من تقوية الإنذار والزجر ، فافتتحت بحرف الردع والتنبيه ، وجيء بعده بحرف ( ثم ) الدال على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول . وكرر حرف الردع والتنبيه وحذف جواب لو تعلمون لما في حذفه من مبالغة التهويل ، وأتي بلام القسم لتوكيد الوعيد . وأكد هذا القسم بقسم آخر ، فهذه ستة وجوه .

وأقول زيادة على ذلك : إن في قوله : عين اليقين تأكيدين للرؤية بأنها يقين وأن اليقين حقيقة . والقول في إضافة عين اليقين كالقول في إضافة علم اليقين المذكور آنفا .


ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ( 8 )

أعقب التوبيخ والوعيد على لهوهم بالتكاثر عن النظر في دعوة الإسلام من حيث إن التكاثر صدهم عن قبول ما ينجيهم ، بتهديد وتخويف من مؤاخذتهم على ما في التكاثر من نعيم تمتعوا به في الدنيا ولم يشكروا الله عليه بقوله تعالى : ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ، أي : عن النعيم الذي خولتموه في الدنيا فلم تشكروا الله عليه وكان به بطركم .

وعطف هذا الكلام بحرف ( ثم ) الدال على التراخي الرتبي في عطفه الجمل من أجل أن الحساب على النعيم الذي هو نعمة من الله أشد عليهم ؛ لأنهم ما كانوا يترقبونه ; لأن تلبسهم بالإشراك وهم في نعيم أشد كفرانا للذي أنعم عليهم .

والنعيم : اسم لما يلذ ‌‌‌لإنسان مما ليس ملازما له ، فالصحة وسلامة الحواس وسلامة الإدراك والنوم واليقظة ليست من النعيم ، وشرب الماء وأكل الطعام والتلذذ بالمسموعات وبما فيه فخر وبرؤية المحاسن ، تعد من النعيم .

والنعيم أخص من النعمة بكسر النون ومرادف للنعمة بفتح النون .

وتقدم النعيم عند قوله تعالى : لهم فيها نعيم مقيم في سورة براءة .

والخطاب موجه إلى المشركين على نسق الخطابات السابقة .

والجملة المضاف إليها ( إذ ) من قوله : ( يومئذ ) محذوفة دل عليها قوله : لترون الجحيم أي : يوم إذ ترون الجحيم يغلظ عليكم العذاب .

وهذا السؤال عن النعيم الموجه إلى المشركين هو غير السؤال الذي يسأله كل منعم عليه فيما صرف فيه النعمة ، فإن النعمة لما لم تكن خاصة بالمشركين خلافا للتكاثر كان السؤال عنها حقيقا بكل منعم عليه وإن اختلفت أحوال الجزاء المترتب على هذا السؤال .

ويؤيده ما ورد في حديث مسلم عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، فإذا هو بأبي بكر وعمر فقاما معه ، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته ، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه ثم قال : الحمد [ ص: 525 ] لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ، فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب وأخذ المدية فذبح لهم ، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة الحديث . فهذا سؤال عن النعيم ثبت بالسنة وهو غير الذي جاء في هذه الآية . والأنصاري هو أبو الهيثم بن التيهان واسمه مالك .

ومعنى الحديث : لتسألن عن شكر تلك النعمة ، أراد تذكيرهم بالشكر في كل نعمة . وسؤال المؤمنين سؤال لترتيب الثواب على الشكر أو لأجل المؤاخذة بالنعيم الحرام .

وذكر القرطبي عن الحسن لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ، وروي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله ، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وما عذب ، أنخاف أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه ؟ فقال - عليه السلام - : ذلك للكفار ، ثم قرأ ( وهل يجازى إلا الكفور ) .

قال القشيري : والجمع بين الأخبار أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكافر سؤال توبيخ لأنه قد ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر .

والجملة المضاف إليها ( إذ ) من قوله : ( يومئذ ) محذوفة دل عليها قوله : لترون الجحيم أي : يوم إذ ترون الجحيم فيغلظ عليكم العذاب .

EL Mister
15-06-09, 18:34
بسم الله الرحمن الرحيم

( القارعة ( 1 ) ما القارعة ( 2 ) وما أدراك ما القارعة ( 3 ) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ( 4 ) وتكون الجبال كالعهن المنفوش ( 5 ) فأما من ثقلت موازينه ( 6 ) فهو في عيشة راضية ( 7 ) وأما من خفت موازينه ( 8 ) فأمه هاوية ( 9 ) وما أدراك ما هيه ( 10 ) نار حامية ( 11 ) )


مقدمة


اتفقت المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة على تسمية هذه السورة ( سورة القارعة ) ولم يرو شيء في تسميتها من كلام الصحابة والتابعين .

واتفق على أنها مكية .

وعدت الثلاثين في عداد نزول السور . نزلت بعد سورة قريش وقبل سورة القيامة .

وآيها عشر في عد أهل المدينة وأهل مكة ، وثمان في عد أهل الشام والبصرة ، وإحدى عشرة في عد أهل الكوفة .


أغراض السورة

ذكر فيها إثبات وقوع البعث وما يسبق ذلك من الأهوال .

وإثبات الجزاء على الأعمال وأن أهل الأعمال الصالحة المعتبرة عند الله في نعيم ، وأهل الأعمال السيئة التي لا وزن لها عند الله في قعر الجحيم .


القارعة ( 1 ) ما القارعة ( 2 ) وما أدراك ما القارعة ( 3 )

الافتتاح بلفظ القارعة افتتاح مهول ، وفيه تشويق إلى معرفة ما سيخبر به .

وهو مرفوع إما على الابتداء و ما القارعة خبره ويكون هنالك منتهى الآية .

[ ص: 510 ] فالمعنى : القارعة شيء عظيم هي . وهذا يجري على أن الآية الأولى تنتهي بقوله : ما القارعة .

وإما أن تكون ( القارعة ) الأول مستقلا بنفسه ، وعد آية عند أهل الكوفة فيقدر خبر عنه محذوف نحو : القارعة قريبة ، أو يقدر فعل محذوف نحو أتت القارعة ، ويكون قوله : ما القارعة استئنافا للتهويل ، وجعل آية ثانية عند أهل الكوفة وعليه فالسورة مسمطة من ثلاث فواصل في أولها وثلاث في آخرها وفاصلتين وسطها .

وإعادة لفظ القارعة إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال : القارعة ما هيه ، لما في لفظ القارعة من التهويل والترويع ، وإعادة لفظ المبتدأ أغنت عن الضمير الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر .

والقارعة : وصف من القرع وهو ضرب الجسم بآخر بشدة لها صوت . وأطلق القرع مجازا على الصوت الذي يتأثر به السامع تأثر خوف أو اتعاظ ، يقال : قرع فلانا ، أي : زجره وعنفه بصوت غضب . وفي المقامة الأولى ( ويقرع الأسماع بزواجر وعظه .

وأطلقت القارعة على الحدث العظيم وإن لم يكن من الأصوات ، كقوله تعالى : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة وقيل : تقول العرب : قرعت القوم قارعة ، إذا نزل بهم أمر فظيع ، ولم أقف عليه فيما رأيت من كلام العرب قبل القرآن .

وتأنيث ( القارعة ) لتأويلها بالحادثة أو الكائنة .

و ( ما ) استفهامية ، والاستفهام مستعمل في التهويل على طريقة المجاز المرسل المركب ; لأن هول الشيء يستلزم تساؤل الناس عنه .

فـ ( القارعة ) هنا مراد بها حادثة عظيمة ، وجمهور المفسرين على أن هذه الحادثة هي الحشر ، فجعلوا القارعة من أسماء يوم الحشر مثل القيامة ، وقيل : أريد بها صيحة النفخة في الصور ، وعن الضحاك : القارعة النار ذات الزفير ، كأنه يريد أنها اسم جهنم .

[ ص: 511 ] وهذا التركيب نظير قوله تعالى : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة وقد تقدم .

ومعنى وما أدراك ما القارعة زيادة تهويل أمر القارعة و ( ما ) استفهامية صادقة على شخص ، والتقدير : وأي شخص أدراك ، وهو مستعمل في تعظيم حقيقتها وهولها ; لأن هول الأمر يستلزم البحث عن تعرفه . وأدراك : بمعنى أعلمك .

و ما القارعة استفهام آخر مستعمل في حقيقته ، أي : ما أدراك جواب هذا الاستفهام . وسد الاستفهام مسد مفعولي أدراك .

وجملة وما أدراك ما القارعة عطف على جملة ما القارعة .

والخطاب في ( أدراك ) لغير معين ، أي : وما أدراك أيها السامع .

وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة وتقدم بعضه عند قوله تعالى : وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار .


يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ( 4 ) وتكون الجبال كالعهن المنفوش ( 5 )

( يوم ) مفعول فيه منصوب بفعل مضمر دل عليه وصف القارعة ; لأنه في تقدير : تقرع ، أو دل عليه الكلام كله ، فيقدر : تكون ، أو تحصل ، يوم يكون الناس كالفراش .

وجملة يوم يكون الناس مع متعلقها المحذوف بيان للإبهامين الذين في قوله : ما القارعة وقوله : وما أدراك ما القارعة .

وليس قوله : يوم يكون الناس خبرا عن ( القارعة ) ، إذ ليس سياق الكلام لتعيين يوم وقوع القارعة .

والمقصود بهذا التوقيت زيادة التهويل بما أضيف إليه ( يوم ) من الجملتين المفيدتين أحوالا هائلة إلا أن شأن التوقيت أن يكون بزمان معلوم ، وإذ قد كان هذا الحال الموقت بزمانه غير معلوم مداه . كان التوقيت له إطماعا في تعيين وقت [ ص: 512 ] حصوله ، إذ كانوا يسألون متى هذا الوعد ، ثم توقيته بما هو مجهول لهم إبهاما آخر للتهويل والتحذير من مفاجأته ، وأبرز في صورة التوقيت للتشويق إلى البحث عن تقديره ، فإذا باء الباحث بالعجز عن أخذ بحيطة الاستعداد لحلوله بما ينجيه من مصائبه التي قرعت به الأسماع في آي كثيرة .

فحصل في هذه الآية تهويل شديد بثمانية طرق : وهي الابتداء باسم القارعة ، المؤذن بأمر عظيم ، والاستفهام المستعمل في التهويل ، والإظهار في مقام الإضمار أول مرة ، والاستفهام عما ينبئ بكنه القارعة ، وتوجيه الخطاب إلى غير معين ، والإظهار في مقام الإضمار ثاني مرة ، والتوقيت بزمان مجهول حصوله وتعريف ذلك الوقت بأحوال مهولة .

والفراش : فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض يركب بعضه بعضا ، وهو ما في قوله تعالى : يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر . وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ، ويتساقط على النار ليلا ، وهو إطلاق آخر لا يناسب تفسير لفظ الآية هنا به .

والمبثوث : المتفرق على وجه الأرض .

وجملة وتكون الجبال كالعهن المنفوش معترضة بين جملة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وجملة فأما من ثقلت موازينه إلخ . وهو إدماج لزيادة التهويل .

ووجه الشبه كثرة الاكتظاظ على أرض المحشر .

والعهن : الصوف ، وقيل : يختص بالمصبوغ الأحمر ، أو ذي الألوان ، كما في قول زهير :


كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم


لأن الجبال مختلفة الألوان بحجارتها ونبتها قال تعالى : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها .

والمنفوش : المفرق بعض أجزائه عن بعض ليغزل أو تحشى به الحشايا ، ووجه [ ص: 513 ] الشبه تفرق الأجزاء ; لأن الجبال تندك بالزلازل ونحوها فتتفرق أجزاء .

وإعادة كلمة ( تكون ) مع حرف العطف للإشارة إلى اختلاف الكونين ، فإن أولهما كون إيجاد ، والثاني كون اضمحلال ، وكلاهما علامة على زوال عالم وظهور عالم آخر .

وتقدم قوله تعالى : وتكون الجبال كالعهن في سورة المعارج .


فأما من ثقلت موازينه ( 6 ) فهو في عيشة راضية ( 7 ) وأما من خفت موازينه ( 8 ) فأمه هاوية ( 9 ) وما أدراك ما هيه ( 10 ) نار حامية ( 11 )

تفصيل لما في قوله : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث من إجمال حال الناس حينئذ ، فذلك هو المقصود بذكر اسم الناس الشامل لأهل السعادة وأهل الشقاء ، فلذلك كان تفصيله بحالين : حال حسن وحال فظيع .

وثقل الموازين كناية عن كونه بمحل الرضا من الله تعالى لكثرة حسناته ; لأن ثقل الميزان يستلزم ثقل الموزون ، وإنما توزن الأشياء المرغوب في اقتنائها ، وقد شاع عند العرب الكناية عن الفضل والشرف وأصالة الرأي بالوزن ونحوه ، وبضد ذلك يقولون : فلان لا يقام له وزن ، قال تعالى : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ، وقال النابغة :


وميزانه في سورة المجد ماتع


أي : راجح وهذا متبادر في العربية فلذلك لم يصرح في الآية بذكر ما يثقل الموازين لظهور أنه العمل الصالح .

وقد ورد ذكر الميزان للأعمال يوم القيامة كثيرا في القرآن ، قال ابن العربي في العواصم : لم يرد حديث صحيح في الميزان . والمقصود عدم فوات شيء من الأعمال ، والله قادر على أن يجعل ذلك يوم القيامة بآلة أو بعمل الملائكة أو نحو ذلك .

[ ص: 514 ] والعيشة : اسم مصدر العيش كالخيفة اسم للخوف ، أي : في حياة .

ووصف الحياة بـ ( راضية ) مجاز عقلي ; لأن الراضي صاحبها راض بها ، فوصفت به العيشة لأنها سبب الرضى أو زمان الرضى .

وقوله : فأمه هاوية إخبار عنه بالشقاء وسوء الحال ، فالأم هنا يجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها . وهاوية : هالكة ، والكلام تمثيل لحال من خفت موازينه يومئذ بحال الهالك في الدنيا ; لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه في الخير والشر ؛ لشدة محبتها ابنها ، فهي أشد سرورا بسروره وأشد حزنا بما يحزنه . صلى أعرابي وراء إمام فقرأ الإمام واتخذ الله إبراهيم خليلا فقال الأعرابي : لقد قرت عين أم إبراهيم ، ومنه قول ابن زيابة حين تهدده الحارث بن همام الشيباني :


يا لهف زيابة للحارث الصا بح فالغانم فالآيب


ويقولون في الشر : هوت أمه ، أي : أصابه ما تهلك به أمه ، وهذا كقولهم : ثكلته أمه ، في الدعاء ، ومنه ما يستعمل في التعجب وأصله الدعاء كقول كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه أبي المغوار :


هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يرد الليل حين يئوب


أي : ماذا يبعث الصبح منه غاديا وما يرد الليل حين يئوب غانما ، وحذف منه في الموضعين اعتمادا على قرينة رفع الصبح والليل وذكر : غاديا ويئوب ، و ( من ) المقدرة تجريدية ، فالكلام على التجريد مثل : لقيت منه أسدا .

فاستعمل المركب الذي يقال عند حال الهلاك وسوء المصير في الحال المشبهة بحال الهلاك ، ورمز إلى التشبيه بذلك المركب ، كما تضرب الأمثال السائرة .

ويجوز أن يكون ( أمه ) مستعارا لمقره ومآله ; لأنه يأوي إليه كما يأوي الطفل إلى أمه .

و ( هاوية ) المكان المنخفض بين الجبلين الذي إذا سقط فيه إنسان أو دابة هلك . يقال سقط في الهاوية .

وأريد بها جهنم ، وقيل : هي اسم لجهنم ، أي : فمأواه جهنم .

[ ص: 515 ] ويجوز أن يكون أمه على حذف مضاف ، أي : أم رأسه ، أي : هلك .

وما أدراك ما هيه تهويل كما تقدم آنفا .

وضمير ( هيه ) عائد إلى ( هاوية ) ، فعلى الوجه الأول يكون في الضمير استخدام ، إذ معاد الضمير وصف هالكة ، والمراد منه اسم جهنم ، كما في قول معاوية بن مالك الملقب معوذ الحكماء :


إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا


وعلى الوجه الثاني يعود الضمير إلى ( هاوية ) وفسرت بأنها قعر جهنم .

وعلى الوجه الثالث يكون في ( هيه ) استخدام أيضا كالوجه الأول .

والهاء التي لحقت ياء ( هي ) هاء السكت ، هي هاء تجلب لأجل تخفيف اللفظ عند الوقف عليه ، فمنه تخفيف واجب تجلب له هاء السكت لزوما ، وبعضه حسن ، وليس بلازم وذلك في كل اسم أو حرف بآخره حركة بناء دائمة مثل : هو ، وهي ، وكيف ، وثم ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه في سورة الحاقة .

وجمهور القراء أثبتوا النطق بهذه الهاء في حالتي الوقف والوصل ، وقرأ حمزة وخلف بإثبات الهاء في الوقف وحذفها في الوصل .

وجملة نار حامية بيان لجملة وما أدراك ما هيه ، والمعنى : هي نار حامية . وهذا من حذف المسند إليه الذي اتبع في حذفه استعمال أهل اللغة .

ووصف ( نار ) بـ ( حامية ) من قبيل التوكيد اللفظي ; لأن النار لا تخلو عن الحمي فوصفها به وصفا بما هو معنى لفظ ( نار ) فكان كذكر المرادف كقوله تعالى : نار الله الموقدة .

EL Mister
16-06-09, 09:51
بسم الله الرحمن الرحيم

( والعاديات ضبحا ( 1 ) فالموريات قدحا ( 2 ) فالمغيرات صبحا ( 3 ) فأثرن به نقعا ( 4 ) فوسطن به جمعا ( 5 ) إن الإنسان لربه لكنود ( 6 ) وإنه على ذلك لشهيد ( 7 ) وإنه لحب الخير لشديد ( 8 ) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ( 9 ) وحصل ما في الصدور ( 10 ) إن ربهم بهم يومئذ لخبير ( 11 ) )


مقدمة

سميت في المصاحف القيروانية العتيقة والتونسية والمشرقية ( سورة العاديات ) بدون واو ، وكذلك في بعض التفاسير ، فهي تسمية لما ذكر فيها دون حكاية لفظه . وسميت في بعض كتب التفسير ( سورة والعاديات ) بإثبات الواو .

واختلف فيها ، فقال ابن مسعود وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة : هي مكية . وقال أنس بن مالك وابن عباس وقتادة : هي مدنية .

وعدت الرابعة عشرة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد على أنها مكية نزلت بعد سورة العصر وقبل سورة الكوثر .

وآيها إحدى عشرة .

ذكر الواحدي في أسباب النزول عن مقاتل وعن غيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث خيلا سرية إلى بني كنانة ، وأمر عليها المنذر بن عمرو الأنصاري ، فأسهبت ، ( أي : أمعنت في سهب وهي الأرض الواسعة ) شهرا وتأخر خيرهم ، فأرجف المنافقون وقالوا : قتلوا جميعا ، فأخبر الله عنهم بقوله : والعاديات ضبحا الآيات ، إعلاما بأن خيلهم قد فعلت جميع ما في تلك الآيات .

وهذا الحديث قال في الإتقان رواه الحاكم وغيره . وقال ابن كثير : روى أبو بكر البزاز هنا حديثا غريبا جدا وساق الحديث قريبا مما للواحدي .

وأقول غرابة الحديث لا تناكد قبوله وهو مروي عن ثقات إلا أن في سنده حفص بن جميع وهو ضعيف . فالراجح أن السورة مدنية .


أغراض السورة

ذم خصال تفضي بأصحابها إلى الخسران في الآخرة ، وهي خصال غالبة على المشركين والمنافقين ، ويراد تحذير المسلمين منها .

ووعظ الناس بأن وراءهم حسابا على أعمالهم بعد الموت ليتذكره المؤمن ويهدد به الجاحد . وأكد ذلك كله بأن افتتح بالقسم ، وأدمج في القسم التنويه بخيل الغزاة أو رواحل الحجيج .


والعاديات ضبحا ( 1 ) فالموريات قدحا ( 2 ) فالمغيرات صبحا ( 3 ) فأثرن به نقعا ( 4 ) فوسطن به جمعا ( 5 ) إن الإنسان لربه لكنود ( 6 ) وإنه على ذلك لشهيد ( 7 ) وإنه لحب الخير لشديد ( 8 )

أقسم الله بـ ( العاديات ) جمع العادية ، وهو اسم فاعل من العدو ، وهو السير السريع يطلق على سير الخيل والإبل خاصة .

وقد يوصف به سير الإنسان وأحسب أنه على التشبيه بالخيل ومنه عداءو العرب وهم أربعة : السليك بن السلكة ، والشنفرى ، وتأبط شرا وعمرو بن أمية الضمري . يضرب بهم المثل في العدو .

وتأنيث هذا الوصف هنا لأنه من صفات ما لا يعقل .

والضبح : اضطراب النفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم ، وهو من أصوات الخيل والسباع . وعن عطاء : سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح .

وعن ابن عباس ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ، وهذا قول أهل اللغة واقتصر عليه في القاموس . روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس قال : بينما أنا جالس في الحجر جاءني رجل فسألني عن العاديات ضبحا فقلت له : الخيل حين تغير في سبيل الله ، ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم ، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت [ ص: 499 ] سقاية زمزم فسأله عنها ، فقال : سألت عنها أحدا قبلي ؟ قال : نعم ، سألت ابن عباس فقال : الخيل تغزو في سبيل الله ، قال : اذهب فادعه لي ، فلما وقفت عند رأسه ، قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر ، وما كان معنا إلا فرسان : فرس للزبير ، وفرس للمقداد ، فكيف تكون العاديات ضبحا ، إنما العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى المزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى . يعني : بذلك أن السورة مكية قبل ابتداء الغزو الذي أوله غزوة بدر . قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي .

وليس في قول علي - رضي الله عنه - تصريح بأنها مكية ولا مدنية وبمثل ما قال علي قال ابن مسعود وإبراهيم ومجاهد وعبيد بن عمير .

والضبح لا يطلق على صوت الإبل في قول أهل اللغة . فإذا حمل ( العاديات ) على أنها الإبل ، فقال المبرد وبعض أهل اللغة : من جعلها للإبل جعل ( ضبحا ) بمعنى ضبعا ، يقال : ضبحت الناقة في سيرها وضبعت ، إذا مدت ضبعيها في السير . وقال أبو عبيدة : ضبحت الخيل وضبعت ، إذا عدت ، وهو أن يمد الفرس ضبعيه إذا عدا ، أي : فالضبح لغة في الضبع ، وهو من قلب العين حاء . قال في الكشاف " وليس بثبت " . ولكن صاحب القاموس اعتمده وعلى تفسير ( العاديات ) بأنها الإبل يكون الضبح استعير لصوت الإبل ، أي : من شدة العدو قويت الأصوات المترددة في حناجرها حتى أشبهت ضبح الخيل ، أو أريد بالضبح الضبع على لغة الإبدال .

وانتصب ( ضبحا ) فيجوز أن يجعل حالا من ( العاديات ) إذا أريد به الصوت الذي يتردد في جوفها حين العدو ، أو يجعل مبينا لنوع العدو إذا كان أصله : ضبحا .

وعلى وجه أن المقسم به رواحل الحج ، فالقسم بها لتعظيمها بما تعين به على مناسك الحج ، واختير القسم بها ; لأن السامعين يوقنون أن ما يقسم عليه بها محقق ، فهي معظمة عند الجميع من المشركين والمسلمين .

والموريات : التي توري ، أي : توقد .

[ ص: 500 ] والقدح : حك جسم على آخر ليقدح نارا ، يقال : قدح فأورى . وانتصب ( قدحا ) على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله . وكل من سنابك الخيل ومناسم الإبل تقدح إذا صكت الحجر الصوان نارا تسمى نار الحباحب ، قال الشنفرى يشبه نفسه في العدو ببعير :


إذا الأمعز الصوان لاقى مناسمي تطاير منه قادح ومفلل


وذلك كناية عن الإمعان في العدو وشدة السرعة في السير .

ويجوز أن يراد قدح النيران بالليل حين نزولهم لحاجتهم وطعامهم ، وجوز أن يكون الموريات قدحا مستعارا لإثارة الحرب ; لأن الحرب تشبه بالنار . قال تعالى : كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، فيكون ( قدحا ) ترشيحا لاستعارة ( الموريات ) ومنصوبا على المفعول المطلق لـ ( الموريات ) وجوز أن يكون ( قدحا ) بمعنى استخراج المرق من القدر في القداح لإطعام الجيش أو الركب ، وهو مشتق من اسم القدح ، وهو الصحفة فيكون ( قدحا ) مصدرا منصوبا على المفعول لأجله .

والمغيرات : اسم فاعل من : أغار ، والإغارة تطلق على غزو الجيش دارا ، وهو أشهر إطلاقها فإسناد الإغارة إلى ضمير ( العاديات ) مجاز عقلي ، فإن المغيرين راكبوها ، ولكن الخيل أو إبل الغزو أسباب للإغارة ووسائل .

وتطلق الإغارة على الاندفاع في السير .

و ( صبحا ) ظرف زمان ، فإذا فسر ( المغيرات ) بخيل الغزاة فتقييد ذلك بوقت الصبح ; لأنهم كانوا إذا غزوا لا يغيرون على القوم إلا بعد الفجر ، ولذلك كان منذر الحي إذا أنذر قومه بمجيء العدو نادى : يا صباحاه ، قال تعالى : فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين .

وإذا فسر ( المغيرات ) بالإبل المسرعات في السير ، فالمراد : دفعها من مزدلفة إلى منى صباح يوم النحر وكانوا يدفعون بكرة عندما تشرق الشمس على ثبير ، ومن أقوالهم في ذلك ( أشرق ثبير كيما نغير ) .

[ ص: 501 ] و أثرن به نقعا : أصعدن الغبار من الأرض من شدة عدوهن ، والإثارة : الإهاجة ، والنقع : الغبار .

والباء في ( به ) يجوز أن تكون سببية ، والضمير المجرور عائد إلى العدو المأخوذ من ( العاديات ) . ويجوز كون الباء ظرفية والضمير عائدا إلى ( صبحا ) ، أي : أثرن في ذلك الوقت وهو وقت إغارتها .

ومعنى ( وسطن ) : كن وسط الجمع ، يقال : وسط القوم ، إذا كان بينهم .

و ( جمعا ) مفعول ( وسطن ) وهو اسم لجماعة الناس ، أي : صرن في وسط القوم المغزوين . فأما بالنسبة إلى الإبل فيتعين أن يكون قوله : ( جمعا ) وهو المزدلفة فيكون إشارة إلى حلول الإبل في مزدلفة قبل أن تغير صبحا منها إلى عرفة ، إذ ليس ثمة جماعة مستقرة في مكان تصل إليه هذه الرواحل .

ومن بديع النظم وإعجازه إيثار كلمات ( العاديات وضبحا والموريات وقدحا ، والمغيرات وصبحا ، ووسطن وجمعا ) دون غيرها ; لأنها برشاقتها تتحمل أن يكون المقسم به خيل الغزو ورواحل الحج .

وعطف هذه الأوصاف الثلاثة الأولى بالفاء ; لأن أسلوب العرب في عطف الصفات وعطف الأمكنة أن يكون بالفاء وهي للتعقيب ، والأكثر أن تكون لتعقيب الحصول كما في هذه الآية ، وكما في قول ابن زيابة :


يا لهف زيابة للحارث الص ابح فالغانم فالآيب


وقد يكون لمجرد تعقيب الذكر كما في سورة الصافات .

والفاء العاطفة لقوله : فأثرن به نقعا عاطفة على وصف ( المغيرات ) . والمعطوف بها من آثار وصف المغيرات . وليست عاطفة على صفة مستقلة مثل [ ص: 502 ] الصفات الثلاث التي قبلها ; لأن إثارة النقع وتوسط الجمع من آثار الإغارة صبحا ، وليسا مقسما بهما أصالة ، وإنما القسم بالأوصاف الثلاثة الأولى .

فلذلك غير الأسلوب في قوله فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا ، فجيء بهما فعلين ماضيين ولم يأتيا على نسق الأوصاف قبلهما بصيغة اسم الفاعل ; للإشارة إلى أن الكلام انتقل من القسم إلى الحكاية عن حصول ما ترتب على تلك الأوصاف الثلاثة ما قصد منها بالظفر المطلوب الذي لأجله كان العدو والإيراء والإغارة عقبه ، وهي الحلول بدار القوم الذين غزوهم إذا كان المراد بـ ( العاديات ) الخيل ، أو بلوغ تمام الحج بالدفع عن عرفة إذا كان المراد بـ ( العاديات ) رواحل الحجيج ، فإن إثارة النقع يشعرون بها عند الوصول حين تقف الخيل والإبل دفعة ، فتثير أرجلها نقعا شديدا فيما بينهما ، وحينئذ تتوسطن الجمع من الناس . وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المراد بقوله : ( جمعا ) اسم المزدلفة ؛ حيث المشعر الحرام .

ومناسبة القسم بهذه الموصوفات دون غيرها إن أريد رواحل الحجيج ، وهو الوجه الذي فسر به علي بن أبي طالب ، وهو أن يصدق المشركون بوقوع المقسم عليه ; لأن القسم بشعائر الحج لا يكون إلا بارا حيث هم لا يصدقون بأن القرآن كلام الله ويزعمونه قول النبيء - صلى الله عليه وسلم .

وإن أريد بـ ( العاديات ) وما عطف عليها خيل الغزاة ، فالقسم بها لأجل التهويل والترويع لإشعار المشركين بأن غارة تترقبهم ، وهي غزوة بدر ، مع تسكين نفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - من التردد في مصير السرية التي بعث بها مع المنذر بن عمرو إذا صح خبرها فيكون القسم بخصوص هذه الخيل إدماجا للاطمئنان .

وجملة إن الإنسان لربه لكنود جواب القسم .

والكنود : وصف من أمثلة المبالغة من كند ، ولغات العرب مختلفة في معناه ، فهو في لغة مضر وربيعة : الكفور بالنعمة ، وبلغة كنانة : البخيل ، وفي لغة كندة وحضرموت : العاصي ، والمعنى : الشديد الكفران لله .

والتعريف في الإنسان تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالبا ، أي أن [ ص: 503 ] في طبع الإنسان الكنود لربه ، أي : كفران نعمته ، وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوت فيه ولا يسلم منه إلا الأنبياء ، وكمل أهل الصلاح ؛ لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه ، وهو أمر في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره . وبذلك قد يذهل أو ينسى حق الله ، والإنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته ، ويتوانى أو يغفل عن مقاومته ؛ لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه ، والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخلق منها ، والعزائم متفاوتة في استطاعة مغالبته .

وهذا ما أشار إليه قوله تعالى : وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد فلذلك كان الاستغراق عرفيا أو عاما مخصوصا ، فالإنسان لا يخلو من أحوال مآلها إلى كفران النعمة ، بالقول والقصد ، أو بالفعل والغفلة ، فالإشراك كنود ، والعصيان كنود ، وقلة ملاحظة صرف النعمة فيما أعطيت لأجله كنود ، وهو متفاوت ، فهذا خلق متأصل في الإنسان ، فلذلك أيقظ الله له الناس ليريضوا أنفسهم على أمانة هذا الخلق من نفوسهم كما في قوله تعالى : إن الإنسان خلق هلوعا الآية . وقوله : خلق الإنسان من عجل وقوله : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقد تقدمت قريبا .

وعن ابن عباس تخصيص الإنسان هنا بالكافر فهو من العموم العرفي .

وروي عن أبي أمامة الباهلي بسند ضعيف ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : الكنود هو الذي يأكل وحده ، ويمنع رفده ، ويضرب عبده وهو تفسير لأدنى معاني الكنود فإن أكله وحده ، أي : عدم إطعامه أحدا معه ، أو عدم إطعامه المحاويج إغضاء عن بعض مراتب شكر النعمة ، وكذلك منعه الرفد ، ومثله : ضربه عبده ، فإن فيه نسيانا لشكر الله الذي جعل العبد ملكا له ولم يجعله ملكا للعبد ، فيدل على أن ما هو أشد من ذلك أولى بوصف الكنود .

وقيل : ******التعريف في ( الإنسان ) للعهد ، وأن المراد به الوليد بن المغيرة ، وقيل : قرطة بن عبد عمرو بن نوفل القرشي .

واللام في ( لربه ) لام التقوية ; لأن كنود وصف ليس أصيلا في العمل ، وإنما يتعلق بالمعمولات لمشابهته الفعل في الاشتقاق ، فيكثر أن يقترن مفعوله بلام التقوية ، ومع تأخيره عن معموله .

[ ص: 504 ] وتقديم ( لربه ) لإفادة الاهتمام بمتعلق هذا الكنود لتشنيع هذا الكنود بأنه للرب الذي هو أحق الموجودات بالشكر ، وأعظم ذلك شرك المشركين ، ولذلك أكد الكلام بلام الابتداء الداخلة على خبر ( إن ) للتعجيب من هذا الخبر .

وتقديم ( لربه ) على عامله المقترن بلام الابتداء ، وهي من ذوات الصدر ; لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف ، وابن هشام يرى أن لام الابتداء الواقعة في خبر ( إن ) ليست بذات صدارة .

وضمير وإنه على ذلك لشهيد عائد *****إلى الإنسان على حسب الظاهر الذي يقتضيه انتساق الضمائر واتحاد المتحدث عنه وهو قول الجمهور .

والشهيد : يطلق على الشاهد ، وهو الخبر بما يصدق دعوى مدع ، ويطلق على الحاضر ، ومنه جاء إطلاقه على العالم الذي لا يفوته المعلوم ، ويطلق على المقر لأنه شهد على نفسه .

والشهيد هنا : إما بمعنى المقر كما في ( أشهد أن لا إله إلا الله ) .

والمعنى : أن الإنسان مقر بكنوده لربه من حيث لا يقصد الإقرار ، وذلك في فلتات الأقوال ، مثل قول المشركين في أصنامهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . وهذا قول يلزمه اعترافهم بأنهم عبدوا ما لا يستحق أن يعبد ، وأشركوا في العبادة مع المستحق للانفراد بها ، أليس هذا كنودا لربهم ، قال تعالى : وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وفي فلتات الأفعال كما يعرض للمسلم في المعاصي .

والمقصود في هذه الجملة تفظيع كنود الإنسان بأنه معلوم لصاحبه بأدنى تأمل في أقواله وأفعاله . وعلى هذا فحرف ( على ) متعلق بـ ( شهيد ) واسم الإشارة مشار به إلى الكنود المأخوذ من صفة ( كنود ) .

ويجوز أن يكون ( شهيد ) بمعنى ( عليم ) ، كقول الحارث بن حلزة في عمرو بن هند :


وهو الرب والشهيد على يو م الخيارين والبلاء بلاء


[ ص: 505 ] ومتعلق ( شهيد ) محذوف دل عليه المقام ، أي : عليم بأن الله ربه ، أي : بدلائل الربوبية ، ويكون قوله : على ذلك بمعنى : مع ذلك ، أي : مع ذلك الكنود هو عليم بأنه ربه مستحق للشكر والطاعة لا للكنود ، فحرف ( على ) بمعنى ( مع ) كقوله : وآتى المال على حبه ويطعمون الطعام على حبه وقول الحارث بن حلزة :


فبقينا على الشناءة تنمي نا حصون وعزة قعساء


والجار والمجرور في موضع الحال وذلك زيادة في التعجب من كنود الإنسان .

وقال ابن عباس والحسن وسفيان : ضمير ( وإنه ) عائد إلى ربه ، أي : وإن الله على ذلك لشهيد ، والمقصود أن الله يعلم ذلك في نفس الإنسان ، وهذا تعريض بالتحذير من الحساب عليه . وهذا يسوغه أن الضمير عائد إلى أقرب مذكور ، ونقل عن مجاهد وقتادة كلا الوجهين ، فلعلهما رأيا جواز المحملين وهو أولى .

وتقديم على ذلك على ( شهيد ) للاهتمام والتعجب ومراعاة الفاصلة .

والشديد : البخيل . قال أبو ذؤيب راثيا :


حذرناه بأثواب في قعر هوة شديد على ما ضم في اللحد جولها


والجول - بالفتح والضم : التراب ، كما يقال للبخيل المتشدد أيضا ، قال طرفة :


عقيلة مال الفاحش المتشدد


واللام في لحب الخير لام التعليل ، والخير : المال ، قال تعالى : إن ترك خيرا .

والمعنى : إن في خلق الإنسان الشح لأجل حبه المال ، أي : الازدياد منه ، قال تعالى : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .

وتقديم لحب الخير على متعلقه للاهتمام بغرابة هذا المتعلق ولمراعاة الفاصلة ، وتقديمه على عامله المقترن بلام الابتداء وهي من ذوات الصدر لأنه مجرور كما علمت في قوله : لربه لكنود .

وحب المال يبعث على منع المعروف ، وكان العرب يعيرون بالبخل وهم مع [ ص: 506 ] ذلك يبخلون في الجاهلية بمواساة الفقراء والضعفاء ، ويأكلون أموال اليتامى ، ولكنهم يسرفون في الإنفاق في مظان السمعة ومجالس الشرب وفي الميسر . قال تعالى : ( ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما ) .


أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ( 9 ) وحصل ما في الصدور ( 10 )

فرع على الإخبار بكنود الإنسان وشحه استفهام إنكاري عن عدم علم الإنسان بوقت بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور ، فإنه أمر عجيب كيف يغفل عنه الإنسان . وهمزة الاستفهام قدمت على فاء التعريف ; لأن للاستفهام صدر الكلام .

وانتصب ( إذا ) على الظرفية لمفعول ( يعلم ) المحذوف اقتصارا ، ليذهب السامع في تقديره كل مذهب ممكن قصدا للتهويل .

والمعنى : ألا يعلم العذاب جزاء له على ما في كنوده وبخله من جناية متفاوتة المقدار إلى حد إيجاب الخلود في النار .

وحذف مفعولا ( يعلم ) ولا دليل في اللفظ على تعيين تقديرهما ، فيوكل إلى السامع تقدير ما يقتضيه المقام من الوعيد والتهويل ، ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف الاقتصاري ، وحذف كلا المفعولين اقتصارا جائز عند جمهور النحاة ، وهو التحقيق وإن كان سيبويه يمنعه .

وبعثر : معناه قلب من سفل إلى علو ، والمراد به إحياء ما في القبور من الأموات الكاملة الأجساد أو أجزائها ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : إذا القبور بعثرت في سورة الانفطار .

وحصل : جمع وأحصي . وما في الصدور : هو ما في النفوس من ضمائر وأخلاق ، أي : جمع عده والحساب عليه .


إن ربهم بهم يومئذ لخبير ( 11 )

جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن الإنكار ، أي : كان شأنهم أن يعلموا اطلاع الله عليهم إذا بعثر ما في القبور ، وأن يذكروه ; لأن وراءهم الحساب المدقق ، وتفيد هذه الجملة مفاد التذييل .

وقوله : ( يومئذ ) متعلق بقوله : ( لخبير ) أي : عليم .

والخبير : مكنى به عن المجازي بالعقاب والثواب ، بقرينة تقييده بيومئذ ; لأن علم الله بهم حاصل من وقت الحياة الدنيا ، وأما الذي يحصل من علمه بهم يوم بعثرة القبور ، فهو العلم الذي يترتب عليه الجزاء .

وتقديم ( بهم ) على عامله وهو ( لخبير ) للاهتمام به ؛ ليعلموا أنهم المقصود بذلك . وتقديم المجرور على العامل المقترن بلام الابتداء مع أن لها الصدر سائغ لتوسعهم في المجرورات والظرف كما تقدم آنفا في قوله : لربه لكنود وقوله : على ذلك لشهيد وقوله : لحب الخير لشديد . وقد علمت أن ابن هشام ينازع في وجوب صدارة لام الابتداء التي في خبر إن .

EL Mister
16-06-09, 10:00
بسم الله الرحمن الرحيم

( إذا زلزلت الأرض زلزالها ( 1 ) وأخرجت الأرض أثقالها ( 2 ) وقال الإنسان ما لها ( 3 ) يومئذ تحدث أخبارها ( 4 ) بأن ربك أوحى لها ( 5 ) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ( 6 ) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ( 7 ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 8 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في كلام الصحابة سورة ( إذا زلزلت ) روى الواحدي في أسباب النزول عن عبد الله بن عمرو نزلت إذا زلزلت وأبو بكر قاعد فبكى الحديث ( 1 ) . وفي حديث أنس بن مالك مرفوعا عند الترمذي : ( إذا زلزلت ) تعدل نصف القرآن . وكذلك عنونها البخاري والترمذي .

وسميت في كثير من المصاحف ، ومن كتب التفسير ( سورة الزلزال ) .

وسميت في مصحف بخط كوفي قديم من مصاحف القيروان ( زلزلت ) ، وكذلك سماها في الإتقان في السور المختلف في مكان نزولها ، وكذلك تسميتها في تفسير ابن عطية ، ولم يعدها في الإتقان في عداد السور ذوات أكثر من اسم ، فكأنه لم ير هذه ألقابا لها ، بل جعلها حكاية بعض ألفاظها ، ولكن تسميتها سورة الزلزلة تسمية بالمعنى لا بحكاية بعض كلماتها .

واختلف فيها ، فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعطاء والضحاك : هي مكية . وقال قتادة ومقاتل : مدنية ونسب إلى ابن عباس أيضا . والأصح أنها مكية واقتصر عليه البغوي وابن كثير ومحمد بن الحسن النيسابوري في تفاسيرهم . وذكر القرطبي عن جابر أنها مكية ، ولعله يعني : جابر بن عبد الله الصحابي ; لأن المعروف عن جابر بن زيد أنها مدنية ، فإنها معدودة في نول السور المدنية فيما روي عن جابر بن زيد . وقال ابن عطية : آخرها وهو فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الآية . نزل في رجلين كانا بالمدينة اهـ . وستعلم أنه لا دلالة فيه على ذلك .

[ ص: 490 ] وقد عدت الرابعة والتسعين في عداد نزول السور فيما روي عن جابر بن زيد ونظمه الجعبري وهو بناء على أنها مدنية جعلها بعد سورة النساء وقبل سورة الحديد .

وعدد آيها تسع عند جمهور أهل العدد ، وعدها أهل الكوفة ثماني للاختلاف في أن قوله : يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم آيتان أو آية واحدة .


أغراض السورة

إثبات البعث وذكر أشراطه وما يعتري الناس عند حدوثها من الفزع .

وحضور الناس للحشر وجزائهم على أعمالهم من خير أو شر ، وهو تحريض على فعل الخير واجتناب الشر .


إذا زلزلت الأرض زلزالها ( 1 ) وأخرجت الأرض أثقالها ( 2 ) وقال الإنسان ما لها ( 3 ) يومئذ تحدث أخبارها ( 4 ) بأن ربك أوحى لها ( 5 ) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ( 6 )

افتتاح الكلام بظرف الزمان مع إطالة الجمل المضاف إليها الظرف تشويق إلى متعلق الظرف ، إذ المقصود ليس توقيت صدور الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ، بل الإخبار عن وقوع ذلك وهو البعث ، ثم الجزاء ، وفي ذلك تنزيل وقوع البعث منزلة الشيء المحقق المفروغ منه بحيث لا يهم الناس إلا معرفة وقته وأشراطه ، فيكون التوقيت كناية عن تحقيق وقوع الموقت .

ومعنى زلزلت : حركت تحريكا شديدا حتى يخيل للناس أنها خرجت من حيزها ; لأن فعل زلزل مأخوذ من الزلل ، وهو زلق الرجلين ، فلما عنوا شدة الزلل ضاعفوا الفعل للدلالة بالتضعيف على شدة الفعل ، كما قالوا : كبكبه ، أي : كبه ولملم بالمكان من اللم .

والزلزال : بكسر الزاي الأولى مصدر زلزل ، وأما الزلزال بفتح الزاي فهو اسم [ ص: 491 ] مصدر كالوسواس والقلقال . وتقدم الكلام على الزلزال في سورة الحج .

وإنما بني فعل ( زلزلت ) بصيغة النائب عن الفاعل ؛ لأنه معلوم فاعله وهو الله تعالى .

وانتصب زلزالها على المفعول المطلق المؤكد لفعله إشارة إلى هول ذلك الزلزال ، فالمعنى : إذا زلزلت الأرض زلزالا .

وأضيف ( زلزالها ) إلى ضمير الأرض لإفادة تمكنه منها وتكرره حتى كأنه عرف بنسبته إليها لكثرة اتصاله بها ، كقول النابغة :


أسائلتي سفاهتها وجهلا على الهجران أخت بني شهاب


أي : سفاهة لها ، أي : هي معروفة بها ، وقول أبي خالد القناني :


والله أسماك سمى مباركا آثرك الله به إيثاركا


يريد إيثارا عرفت به واختصصت به . وفي كتب السيرة أن من كلام خطر بن مالك الكاهن يذكر شيطانه حين رجم ( بلبله بلباله ) أي : بلبال متمكن منه . وإعادة لفظ الأرض في قوله : وأخرجت الأرض أثقالها إظهار في مقام الإضمار لقصد التهويل .

والأثقال : جمع ثقل بكسر المثلثة وسكون القاف وهو المتاع الثقيل ، ويطلق على المتاع النفيس .

وإخراج الأرض أثقالها ناشئ عن انشقاق سطحها ، فتقذف ما فيها من معادن ومياه وصخر .

وذلك من تكرر الانفجارات الناشئة عن اضطراب داخل طبقاتها وانقلاب أعاليها أسافل والعكس .

والتعريف في ( الإنسان ) تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي : وقال الناس ما لها ، أي : الناس الذين هم أحياء ففزعوا ، وقال بعضهم لبعض ، أو قال كل أحد في نفسه حتى استوى في ذلك الجبان والشجاع ، والطائش والحكيم ، لأنه زلزال تجاوز الحد الذي يصبر على مثله الصبور .

[ ص: 492 ] وقول ( ما لها ) استفهام عن الشيء الذي ثبت للأرض ولزمها ; لأن اللام تفيد الاختصاص ، أي : ما للأرض في هذا الزلزال ، أو ما لها زلزلت هذا الزلزال ، أي : ماذا ستكون عاقبته . نزلت الأرض منزلة قاصد مريد يتساءل الناس عن قصده من فعله ؛ حيث لم يتبين غرضه منه ، وإنما يقع مثل هذا الاستفهام غالبا مردفا بما يتعلق بالاستقرار الذي في الخبر مثل أن يقال : ما له يفعل كذا ، أو ما له في فعل كذا ، أو ما له وفلانا ، أي : معه ، فلذلك وجب أن يكون هنا مقدر ، أي : ما لها زلزلت ، أو ما لها في هذا الزلزال ، أو ما لها وإخراج أثقالها .

وجملة يومئذ تحدث أخبارها إلخ جواب ( إذا ) باعتبار ما أبدل منها من قوله : يومئذ يصدر الناس فيومئذ بدل من يومئذ تحدث أخبارها .

واليوم يطلق على النهار مع ليله ، فيكون الزلزال نهارا وتتبعه حوادث في الليل مع انكدار النجوم وانتشارها ، وقد يراد باليوم مطلق الزمان .

و تحدث أخبارها هو العامل في ( يومئذ ) وفي البدل ، والتقدير : يوم إذ تزلزل الأرض وتخرج أثقالها ، ويقول الناس : ما لها تحدث أخبارها إلخ .

و ( أخبارها ) مفعول ثان لفعل ( تحدث ) ؛ لأنه مما ألحق بظن لإفادة الخبر علما ، وحذف مفعوله الأول لظهوره ، أي : تحدث الإنسان ; لأن الغرض من الكلام هو إخبارها لما فيه من التهويل .

وضمير ( تحدث ) عائد إلى ( الأرض ) .

والتحديث حقيقته : أن يصدر كلام بخبر عن حدث . وورد في حديث الترمذي عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية يومئذ تحدث أخبارها قال : أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول : عمل يوم كذا وكذا ، فهذه أخبارها اهـ .

وجمع ( أخبارها ) باعتبار تعدد دلالتها على عدد القائلين ، ( ما لها ) وإنما هو خبر واحد وهو المبين بقوله : بأن ربك أوحى لها .

[ ص: 493 ] وانتصب ( أخبارها ) على نزع الخافض وهو باء تعدية فعل ( تحدث ) .

وقوله : بأن ربك أوحى لها يجوز أن يتعلق بفعل ( تحدث ) والباء للسببية ، أي : تحدث أخبارها بسبب أن الله أمرها أن تحدث أخبارها .

ويجوز أن يكون بدلا من ( أخبارها ) وأظهرت الباء في البدل لتوكيد تعدية فعل ( تحدث ) إليه ، وعلى كلا الوجهين قد أجملت أخبارها وبينها الحديث السابق .

وأطلق الوحي على أمر التكوين ، أي : أوجد فيها أسباب إخراج أثقالها فكأنه أسر إليها بكلام ، كقوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا الآيات .

وعدي فعل ( أوحى ) باللام لتضمين ( أوحى ) معنى قال ، كقوله تعالى : فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ، وإلا فإن حق ( أوحى ) أن يتعدى بحرف ( إلى ) .

والقول المضمن هو قول التكوين قال تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون .

وإنما عدل عن فعل : قال لها إلى فعل أوحى لها ؛ لأنه حكاية عن تكوين لا عن قول لفظي .

وقوله : يومئذ يصدر الناس أشتاتا بدل من جملة يومئذ تحدث أخبارها ، والجواب هو فعل و يصدر الناس ، وقوله : ( يومئذ ) يتعلق به ، وقدم على متعلقه للاهتمام . وهذا الجواب هو المقصود من الكلام ; لأن الكلام مسوق لإثبات الحشر والتذكير به والتحذير من أهواله ، فإنه عند حصوله يعلم الناس أن الزلزال كان إنذارا بهذا الحشر .

وحقيقة يصدر الناس الخروج من محل اجتماعهم ، يقال : صدر عن المكان ، إذا تركه وخرج منه صدورا وصدرا بالتحريك . ومنه الصدر عن الماء بعد الورد ، فأطلق هنا فعل ( يصدر ) على خروج الناس إلى الحشر جماعات ، أو انصرافهم من المحشر إلى مأواهم من الجنة أو النار ، تشبيها بانصراف الناس عن الماء بعد الورد .

[ ص: 494 ] وأشتات : جمع شت بفتح الشين وتشديد الفوقية وهو المتفرق ، والمراد : يصدرون متفرقين جماعات كل إلى جهة بحسب أعمالهم وما عين لهم من منازلهم .

وأشير إلى أن تفرقهم على حسب تناسب كل جماعة في أعمالها من مراتب الخير ومنازل الشر بقوله : ليروا أعمالهم ، أي : يصدرون لأجل تلقي جزاء الأعمال التي عملوها في الحياة الدنيا ، فيقال لكل جماعة : انظروا أعمالكم ، أو انظروا مآلكم .

وبني فعل ( ليروا ) إلى النائب ; لأن المقصود رؤيتهم أعمالهم لا تعيين من يريهم إياها . وقد أجمع القراء على ضم التحتية .

فالرؤية مستعملة في رؤية البصر والمرئي هو منازل الجزاء ، ويجوز أن تكون الرؤية مستعملة في العلم بجزاء الأعمال ، فإن الأعمال لا ترى ، ولكن يظهر لأهلها جزاؤها .


فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ( 7 ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 8 )

تفريع على قوله : ليروا أعمالهم تفريع الفذلكة ، انتقالا للترغيب والترهيب بعد الفراغ من إثبات البعث والجزاء ، والتفريع قاض بأن هذا يكون عقب ما يصدر الناس أشتاتا .

والمثقال : ما يعرف به ثقل الشيء ، وهو ما يقدر به الوزن وهو كميزان زنة ومعنى .

والذرة : النملة الصغيرة في ابتداء حياتها .

و مثقال ذرة مثل في أقل القلة ، وذلك للمؤمنين ظاهر ، وبالنسبة إلى الكافرين فالمقصود ما عملوا من شر ، وأما بالنسبة إلى أعمالهم من الخير فهي كالعدم ، فلا توصف بخير عند الله ; لأن عمل الخير مشروط بالإيمان . قال تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا .

[ ص: 495 ] وإنما أعيد قوله : ومن يعمل دون الاكتفاء بحرف العطف لتكون كل جملة مستقلة الدلالة على المراد لتختص كل جملة بغرضها من الترغيب أو الترهيب ، فأهمية ذلك تقتضي التصريح والإطناب .

وهذه الآية معدودة من جوامع الكلم ، وقد وصفها النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالجامعة الفاذة ، ففي الموطأ : أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل لثلاثة الحديث . فسئل عن الحمر ، فقال : لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . وعن عبد الله بن مسعود أنه قال : هذه أحكم آية في القرآن ، وقال الحسن : قدم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبيء - صلى الله عليه وسلم - يستقرئ النبيء القرآن ، فقرأ عليه هذه الآية ، فقال صعصعة : حسبي فقد انتهت الموعظة لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها . وقال كعب الأحبار : لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .

وإذ قد كان الكلام مسوقا للترغيب والترهيب معا أوثر جانب الترغيب بالتقديم في التقسيم تنويها بأهل الخير .

وفي الكشاف : يحكى أن أعرابيا أخر خيرا يره فقيل قدمت وأخرت فقال :


خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق اهـ


وقد غفل هذا الأعرابي عن بلاغة الآية المقتضية التنويه بأهل الخير .

روى الواحدي عن مقاتل : أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا بالمدينة أحدهما لا يبالي من الذنوب الصغائر ويركبها ، والآخر يحب أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من أن يتصدق به ، فنزلت الآية فيهما .

ومن أجل هذه الرواية قال جمع : إن السورة مدنية ، ولو صح هذا الخبر لما كان مقتضيا أن السورة مدنية ; لأنهم كانوا إذا تلوا آية من القرآن شاهدا يظنها بعض السامعين نزلت في تلك القصة ، كما بيناه في المقدمة الخامسة .

EL Mister
16-06-09, 17:03
بسم الله الرحمن الرحيم

( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ( 1 ) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( 2 ) فيها كتب قيمة ( 3 ) وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( 4 ) وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ( 5 ) )


مقدمة

وردت تسمية هذه السورة في كلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - ( لم يكن الذين كفروا ) .

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بن كعب : إن الله أمرني أن أقرأ عليك ( لم يكن الذين كفروا ) قال : وسماني لك ؟ قال : نعم . فبكى فقوله : أن أقرأ عليك ( لم يكن الذين كفروا ) واضح أنه أراد السورة كلها فسماها بأول جملة فيها ، وسميت هذه السورة في معظم كتب التفسير وكتب السنة سورة ( لم يكن ) بالاقتصار على أول كلمة منها ، وهذا الاسم هو المشهور في تونس بين أبناء الكتاتيب .

وسميت في أكثر المصاحف ( سورة القيمة ) وكذلك في بعض التفاسير . وسميت في بعض المصاحف ( سورة البينة ) .

وذكر في الإتقان أنها سميت في مصحف أبي ( سورة أهل الكتاب ) ، أي : لقوله تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ، وسميت سورة ( البرية ) وسميت ( سورة الانفكاك ) . فهذه ستة أسماء .

واختلف في أنها مكية أو مدنية ؛ قال ابن عطية : الأشهر أنها مكية وهو قول جمهور المفسرين . وعن ابن الزبير وعطاء بن يسار هي مدنية .

وعكس القرطبي فنسب القول بأنها مدنية إلى الجمهور وابن عباس والقول بأنها مكية إلى يحيى بن سلام . وأخرج ابن كثير عن أحمد بن حنبل بسنده إلى أبي حبة البدري قال : ( لما نزلت لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب إلى آخرها قال جبريل : يا رسول الله ، إن الله يأمرك أن تقرئها أبيا ) الحديث ، أي : وأبي من أهل المدينة . وجزم البغوي وابن كثير بأنها مدنية ، وهو الأظهر لكثرة ما فيها من تخطئة [ ص: 468 ] أهل الكتاب ولحديث أبي حبة البدري ، وقد عدها جابر بن زيد في عداد السور المدنية . قال ابن عطية : إن النبيء - صلى الله عليه وسلم - إنما دفع إلى مناقضة أهل الكتاب بالمدينة .

وقد عدت المائة وإحدى في ترتيب النزول نزلت بعد سورة الطلاق وقبل سورة الحشر ، فتكون نزلت قبل غزوةبني النضير ، وكانت غزوة النضير سنة أربع في ربيع الأول ؛ فنزول هذه السورة آخر سنة ثلاث أو أول سنة أربع .

وعدد آياتها ثمان عند الجمهور ، وعدها أهل البصرة تسع آيات .


أغراض السورة

توبيخ المشركين وأهل الكتاب على تكذيبهم بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم .

والتعجيب من تناقض حالهم ، إذ هم ينتظرون أن تأتيهم البينة فلما أتتهم البينة كفروا بها .

وتكذيبهم في ادعائهم أن الله أوجب عليهم التمسك بالأديان التي هم عليها .

ووعيدهم بعذاب الآخرة .

والتسجيل عليهم بأنهم شر البرية .

والثناء على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ووعدهم بالنعيم الأبدي ورضى الله عنهم وإعطائه إياهم ما يرضيهم .

وتخلل ذلك تنويه بالقرآن وفضله على غيره باشتماله على ما في الكتب الإلهية التي جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل وما فيه من فضل وزيادة .


لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ( 1 ) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( 2 ) فيها كتب قيمة ( 3 )

استصعب في كلام المفسرين تحصيل المعنى المستفاد من هذه الآيات الأربع [ ص: 469 ] من أول هذه السورة تحصيلا ينتزع من لفظها ونظمها ، فذكر الفخر عن الواحدي في التفسير البسيط له أنه قال : هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرا وقد تخبط فيها الكبار من العلماء . قال الفخر : ( ثم إنه لم يلخص كيفية الإشكال فيها ، وأنا أقول : وجه الإشكال أن تقدير الآية : لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا ، لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر والشرك اللذين كانوا عليهما ؛ فصار التقدير : لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم إن كلمة ( حتى ) لانتهاء الغاية ؛ فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول - صلى الله عليه وسلم ، ثم قال بعد ذلك وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - فحينئذ حصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر ) اهـ كلام الفخر .

يريد أن الظاهر أن قوله : رسول من الله بدل من البينة ، وأن متعلق منفكين حذف لدلالة الكلام عليه ; لأنهم لما أجريت عليهم صلة الذين كفروا دل ذلك على أن المراد لم يكونوا منفكين على كفرهم ، وإن حرف الغاية يقتضي أن إتيان البينة المفسرة بـ رسول من الله هي نهاية انعدام انفكاكهم عن كفرهم ؛ أي : فعند إتيان البينة يكونون منفكين عن كفرهم فكيف مع أن الله يقول وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة فإن تفرقهم راجع إلى تفرقهم عن الإسلام وهو ازدياد في الكفر إذ به تكثر شبه الضلال التي تبعث على التفرق في دينهم مع اتفاقهم في أصل الكفر ، وهذا الأخير بناء على اعتبار قوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلخ كلاما متصلا بإعراضهم عن الإسلام ؛ وذلك الذي درج عليه المفسرون . ولنا في ذلك كلام سيأتي .

ومما لم يذكره الفخر من وجه الإشكال : أن المشاهدة دلت على أن الذين كفروا لم ينفكوا عن الكفر في زمن ما ، وأن نصب المضارع بعد حتى ينادي على أنه منصوب بـ ( أن ) مضمرة بعد ( حتى ) فيقتضي أن إتيان البينة مستقبل ؛ وذلك لا يستقيم ، فإن البينة فسرت بـ رسول من الله وإتيان الرسول وقع قبل [ ص: 470 ] نزول هذه الآيات بسنين وهم مستمرون على ما هم عليه : هؤلاء على كفرهم ، وهؤلاء على شركهم .

وإذ قد تقرر وجه الإشكال وكان مظنونا أنه ملحوظ للمفسرين إجمالا أو تفصيلا فقد تعين أن هذا الكلام ليس واردا على ما يتبادر من ظاهره في مفرداته أو تركيبه ، فوجب صرفه عن ظاهره ، إما بصرف تركيب الخبر عن ظاهر الإخبار وهو إفادة المخاطب النسبة الخبرية التي تضمنها التركيب ، بأن يصرف الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب ، وإما بصرف بعض مفرداته التي اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى معنى مجاز أو كناية .

فمن المفسرين من سلك طريقة صرف الخبر عن ظاهره ، ومنهم من أبقوا الخبر على ظاهر استعماله وسلكوا طريقة صرف بعض كلماته عن ظاهر معانيها وهؤلاء منهم من تأول لفظ ( منفكين ) ومنهم من تأول معنى ( حتى ) ومنهم من تأول ( رسول ) ، وبعضهم جوز في البينة وجهين .

وقد تعددت أقوال المفسرين فبلغت بضعة عشر قولا ذكر الألوسي أكثرها وذكر القرطبي معظمها غير معزو ، وتداخل بعض ما ذكره الألوسي ، وزاد أحدهما ما لم يذكره الآخر .

ومراجع تأويل الآية تئول إلى خمسة .

الأول : تأويل الجملة بأسرها بأن يئول الخبر إلى معنى التوبيخ والتعجيب ، وإلى هذا ذهب الفراء ونفطويه والزمخشري .

الثاني : تأويل معنى منفكين بمعنى الخروج عن إمهال الله إياهم ومصيرهم إلى مؤاخذتهم ؛ وهو لابن عطية .

الثالث : تأويل متعلق " منفكين " بأنه عن الكفر وهو لعبد الجبار ، أو عن الاتفاق على الكفر وهو للفخر وأبي حيان . أو منفكين عن الشهادة للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصدق قبل بعثته وهو لابن كيسان عبد الرحمن الملقب بالأصم ، أو منفكين عن الحياة ، أي : هالكين ، وعزي إلى بعض اللغويين .

[ ص: 471 ] الرابع : تأويل ( حتى ) أنها بمعنى ( إن ) الاتصالية . والتقدير : وإن جاءتهم البينة .

الخامس : تأويل ( رسول ) بأنه رسول من الملائكة يتلو عليهم صحفا من عند الله فهو في معنى قوله تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء وعزاه الفخر إلى أبي مسلم وهو يقتضي صرف الخبر إلى التهكم .

هذا والمراد بـ الذين كفروا من أهل الكتاب أنهم كفروا برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلما في قوله تعالى : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب .

وأنت لا يعوزك إرجاع أقوال المفسرين إلى هذه المعاقد ، فلا نحتاج إلى التطويل بذكرها فدونك فراجعها إن شئت ؛ فبنا أن نهتم بتفسير الآية على الوجه البين .

إن هذه الآيات وردت مورد إقامة الحجة على الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب وعلى المشركين بأنهم متنصلون من الحق متعللون للإصرار على الكفر عنادا ، فلنسلك بالخبر مسلك مورد الحجة لا مسلك إفادة النسبة الخبرية ، فتعين علينا أن نصرف التركيب عن استعمال ظاهره إلى استعمال مجازي على طريقة المجاز المرسل المركب من قبيل استعمال الخبر في الإنشاء والاستفهام في التوبيخ ونحو ذلك الذي قال فيه التفتزاني في المطول : إن بيان أنه من أي أنواع المجاز هو مما لم يحم أحد حوله ، والذي تصدى السيد الشريف لبيانه بما لا يبقي فيه شبهة .

فهذا الكلام مسوق مساق نقل الأقوال المستغربة المضطربة الدالة على عدم ثبات آراء أصحابها ، فهو من الحكاية لما كانوا يعدون به ، فهو حكاية بالمعنى كأنه قيل : كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه حتى تأتينا البينة ، وهذا تعريض بالتوبيخ بأسلوب الإخبار المستعمل في إنشاء التعجيب أو الشكاية من صلف المخبر عنه ، وهو استعمال عزيز بديع . وقريب منه قوله تعالى : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون إذ عبر بصيغة يحذر وهم إنما تظاهروا بالحذر ولم يكونوا حاذرين حقا ولذلك قال الله تعالى : قل استهزئوا .

[ ص: 472 ] فالخبر موجه لكل سامع ، ومضمونه قول " كان صدر من أهل الكتاب واشتهر عنهم وعرفوا به وتقرر تعلل المشركين به لأهل الكتاب حين يدعونهم إلى اتباع اليهودية أو النصرانية فيقولوا : لم يأتنا رسول كما أتاكم قال تعالى : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم " .

وتقرر تعلل أهل الكتاب به حين يدعوهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - للإسلام ، قال تعالى : الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار الآية .

وشيوعه عن الفريقين قرينة على أن المراد من سياقه دمغهم بالحجة ، وبذلك كان التعبير بالمضارع المستقبل في قوله : حتى تأتيهم البينة مصادفا المحز فإنهم كانوا يقولون ذلك قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقريب من قوله تعالى في أهل الكتاب ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به .

وحاصل المعنى : أنكم كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه من الدين حتى تأتينا البينة ، أي العلامة التي وعدنا بها .

وقد جعل ذلك تمهيدا وتوطئة لقوله بعده رسول من الله يتلو صحفا مطهرة إلخ .

وإذ اتضح موقع هذه الآية وانقشع إشكالها فلننتقل إلى تفسير ألفاظ الآية .

فالانفكاك : الإقلاع ، وهو مطاوع فكه إذا فصله وفرقه ويستعار لمعنى أقلع عنه ، ومتعلق منفكين محذوف ؛ دل عليه وصف المتحدث عنهم بصلة الذين كفروا والتقدير : منفكين عن كفرهم وتاركين له ، سواء كان كفرهم إشراكا بالله مثل كفر المشركين أو كان كفرا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا القول صادر من اليهود الذين في المدينة والقرى التي حولها ويتلقفه المشركون بمكة الذين لم ينقطعوا عن الاتصال بأهل الكتاب منذ ظهرت دعوة الإسلام يستفتونهم في ابتكار مخلص يتسللون به [ ص: 473 ] عن ملام من يلومهم على الإعراض عن الإسلام ، وكذلك المشركون الذين حول المدينة من الأعراب مثل جهينة وغطفان ، ومن أفراد المنتصرين بمكة أو المدينة .

وقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، وقال عنهم : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وحكى عن النصارى بقوله تعالى حكاية عن عيسى ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين . وقال عن الفريقين : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، وحكى عن المشركين بقوله : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى وقولهم فليأتنا بآية كما أرسل الأولون .

ولم يختلف أهل الكتابين في أنهم أخذ عليهم العهد بانتظار نبيء ينصر الدين الحق ؛ وجعلت علاماته دلائل تظهر من دعوته كقول التوراة في سفر التثنية : ( أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه ) . ثم قولها فيه : ( وأما النبيء الذي يطغى فيتكلم كلاما لم أوصه أن يتكلم به فيموت ذلك النبي ، وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب فما تكلم به النبيء باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب ) ( الإصحاح الثامن عشر ) . وقول الإنجيل ( وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد ) أي شريعته ; لأن ذات النبيء لا تمكث إلى الأبد ( روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه ) يوحنا الإصحاح الرابع عشر الفقرة 6 ( وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم بكل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ) ( يوحنا الإصحاح الرابع عشر فقرة 26 ) .

وقوله : ويقوم أنبياء كذبة كثيرون - أي بعد عيسى - ويضلون كثيرين ، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى - أي يبقى إلى انقراض الدنيا وهو مئول ببقاء دينه إذ لا يبقى أحد حيا إلى انقراض الدنيا - فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل [ ص: 474 ] المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى - أي نهاية الدنيا - ) ( متى الإصحاح الرابع والعشرون ) ، أي : فهو خاتم الرسل كما هو بين .

وكان أحبارهم قد أساءوا التأويل للبشارات الواردة في كتبهم بالرسول المقفي ، وأدخلوا علامات يعرفون بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - الموعود به هي من المخترعات الموهومة ، فبقي من خلفهم ينتظرون تلك المخترعات فإذا لم يجدوها كذبوا المبعوث إليهم .

والبينة : الحجة الواضحة والعلامة على الصدق ، وهو اسم منقول من الوصف جرى على التأنيث لأنه مئول بالشهادة أو الآية .

ولعل إيثار التعبير بها هنا لأنها أحسن ما تترجم به العبارة الواقعة في كتب أهل الكتاب مما يحوم حول معنى الشهادة الواضحة لكل متبصر كما وقع في إنجيل متى لفظ ( شهادة لجميع الأمم ) ، ( ولعل التزام هذه الكلمة هنا مرتين كان لهذه الخصوصية ) . وقد ذكرت مع ذكر الصحف الأولى في قوله : وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى .

والظاهر أن التعريف في البينة تعريف العهد الذهني ، وهو أن يراد معهود بنوعه لا بشخصه كقولهم : ادخل السوق ، لا يريدون سوقا معينة بل ما يوجد فيه ماهية سوق ، ومنه قول زهير :


وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم


ولذلك قال علماء البلاغة : إن المعرف بهذه اللام هو في المعنى نكرة ؛ فكأنه قيل حتى تأتيهم بينة .

ويجوز أن يكون التعريف لمعهود عند المخبر عنهم ؛ أي : البينة التي هي وصايا أنبيائهم فهي معهودة عند كل فريق منهم وإن اختلفوا في تخيلها وابتعدوا في توهمها بما تمليه عليه تخيلاتهم واختلاقهم .

وأوثرت كلمة البينة لأنها تعبر عن المعنى الوارد في كلامهم ، ولذلك نرى مادتها متكررة في آيات كثيرة من القرآن في هذا الغرض كما في قوله : أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى . وقوله : فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين [ ص: 475 ] وقوله : من بعد ما تبين لهم الحق وقال عن القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .

و ( من ) في قوله : من أهل الكتاب بيانية بيان للذين كفروا .

وإنما قدم أهل الكتاب على المشركين هنا مع أن كفر المشركين أشد من كفر أهل الكتاب ; لأن لأهل الكتاب السبق في هذا المقام فهم الذين بثوا بين المشركين شبهة انطباق البينة الموصوفة بينهم ، فأيدوا المشركين في إنكار نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بما هو أتقن من ترهات المشركين ، إذ كان المشركون أميين لا يعلمون شيئا من أحوال الرسل والشرائع ؛ فلما صدمتهم الدعوة المحمدية فزعوا إلى اليهود ليتلقوا منهم ما يردون به تلك الدعوة وخاصة بعدما هاجر النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة .

فالمقصود بالإبطال ابتداء هو دعوى أهل الكتاب وأما المشركون فتبع لهم .

واعلم أنه يجوز أن يكون الكلام انتهى عند قوله : حتى تأتيهم البينة ، فيكون الوقف هناك ويكون قوله : رسول من الله إلى آخرها جملة مستأنفة استئنافا بيانيا وهو قول الفراء ، أي : هي رسول من الله ، يعني : لأن ما في البينة من الإبهام يثير سؤال سائل عن صفة هذه البينة ، وهي جملة معترضة بين جملة لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين إلى آخرها وبين جملة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب .

ويجوز أن يكون رسول بدلا من البينة فيقتضي أن يكون من تمام لفظ ( بينة ) فيكون من حكاية ما زعموه . أريد إبطال معاذيرهم وإقامة الحجة عليهم بأن البينة التي ينتظرونها قد حلت ولكنهم لا يتدبرون أو لا ينصفون أو لا يفقهون ؛ قال تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به .

وتنكير ( رسول ) للنوعية المراد منها تيسير ما يستصعب كتنكير قوله تعالى : أياما معدودات وقول المص كتاب أنزل إليك .

وفي هذا التبيين إبطال لمعاذيرهم كأنه قيل : فقد جاءتكم البينة ، على حد قوله تعالى : أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ، وهو يفيد [ ص: 476 ] أن البينة هي الرسول ، وذلك مثل قوله تعالى : قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله .

فأسلوب هذا الرد مثل أسلوب قوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا .

وفي هذا تذكير بغلطهم فإن كتبهم ما وعدت إلا بمجيء رسول معه شريعة وكتاب مصدق لما بين يديه ، وذلك مما يندرج في قولة التوراة ( وأجعل كلامي في فمه ) .

وقول الإنجيل ( ويذكركم بكل ما قلته لكم ) كما تقدم آنفا ، وهو ما أشار إليه قوله تعالى : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب لأن التوراة والإنجيل لم يصفا النبيء الموعود به إلا بأنه مثل موسى أو مثل عيسى ، أي في أنه رسول يوحي الله إليه بشريعة ، وأنه يبلغ عن الله وينطق بوحيه ، وأن علامته هو الصدق كما تقدم آنفا . قال حجة الإسلام في كتاب المنقذ من الضلال : " إن مجموع الأخلاق الفاضلة كان بالغا في نبينا إلى حد الإعجاز ، وإن معجزاته كانت غاية في الظهور والكثرة " .

و من الله متعلق بـ ( رسول ) ولم يسلك طريق الإضافة ليتأتى تنوين ( رسول ) فيشعر بتعظيم هذا الرسول .

وجملة يتلو صحفا إلخ صفة ثانية أو حال ، وهي إدماج بالثناء على القرآن ، إذ الظاهر أن الرسول الموعود به في كتبهم لم يوصف بأنه يتلو صحفا مطهرة .

والتلاوة : إعادة الكلام دون زيادة عليه ولا نقص منه سواء كان كلاما مكتوبا أو محفوظا عن ظهر قلب ، ففعل يتلو مؤذن بأنه يقرأ عليهم كلاما لا تبدل ألفاظه وهو الوحي المنزل عليه .

[ ص: 477 ] والصحف : الأوراق والقراطيس التي تجعل لأن يكتب فيها ، وتكون من رق أو جلد ، أو من خرق . وتسمية ما يتلوه الرسول صحفا مجاز بعلاقة الأيلولة ; لأنه مأمور بكتابته فهو عند تلاوته سيكون صحفا ؛ فهذا المجاز كقوله : إني أراني أعصر خمرا . وهذا إشارة إلى أن الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بكتابة القرآن في الصحف وما يشبه الصحف من أكتاف الشاء والخرق والحجارة ، وأن الوحي المنزل على الرسول سمي كتابا في قوله تعالى : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم لأجل هذا المعنى .

وتعدية فعل " يتلو " إلى " صحفا " مجاز مرسل مشهور ساوى الحقيقة قال تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب وهو باعتبار كون المتلو مكتوبا ، وإنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو عليهم القرآن عن ظهر قلب ولا يقرؤه من صحف فمعنى يتلو صحفا يتلو ما هو مكتوب في صحف ، والقرينة ظاهرة وهي اشتهار كونه - صلى الله عليه وسلم - أميا .

ووصفت الصحف بـ ( مطهرة ) وهو وصف مشتق من الطهارة المجازية ، أي : كون معانيه لا لبس فيها ولا تشتمل على ما فيه تضليل ، وهذا تعريض ببعض ما في أيدي أهل الكتاب من التحريف والأوهام .

ووصفت الصحف التي يتلوها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; لأن فيها كتبا ، والكتب : جمع كتاب ، وهو فعال اسم بمعنى المكتوب ؛ فمعنى كون الكتب كائنة في الصحف أن الصحف التي يكتب فيها القرآن تشتمل على القرآن وهو يشتمل على ما تضمنته كتب الرسل السابقين مما هو خالص من التحريف والباطل . وهذا كما قال تعالى :مصدقا لما بين يديه وقال : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى فالقرآن زبدة ما في الكتب الأولى ومجمع ثمرتها ، فأطلق على ثمرة الكتب اسم كتب على وجه مجاز الجزئية .

والمراد بالكتب أجزاء القرآن أو سوره فهي بمثابة الكتب .

والقيمة : المستقيمة ، أي : شديدة القيام الذي هو هنا مجاز في الكمال والصواب ؛ وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس تشبيها بالقائم لاستعداده للعمل النافع ، وضده العوج قال تعالى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما [ ص: 478 ] أي : لم يجعل فيه نقص الباطل والخطأ ، فالقيمة مبالغة في القائم مثل السيد للسائد والميت .

وتأنيث الوصف لاعتبار كونه وصفا لجمع .


وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( 4 )

ارتقاء في الإبطال وهو إبطال ثان لدعواهم بطريق النقض الجدلي المسمى بالمعارضة وهو تسليم الدليل والاستدلال لما ينافي ثبوت المدلول ؛ وهذا إبطال خاص بأهل الكتاب اليهود والنصارى ؛ ولذلك أظهر فاعل تفرق ولم يقل : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، إذ لو أضمر لتوهمت إرادة المشركين من جملة معاد الضمير ، بعد أن أبطل زعمهم بقوله : رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ارتقى إلى إبطال مزاعمهم إبطالا مشوبا بالتكذيب وبشهادة ما حصل في الأزمان الماضية .

فيجوز أن تكون الواو للعطف عاطفة إبطالا على إبطال ، ويجوز أن تكون واو الحال .

والمعنى : كيف يزعمون أن تمسكهم بما هم عليه من الدين مغيى بوقت أن تأتيهم البينة ؛ والحال أنهم جاءتهم بينة من قبل ظهور الإسلام وهي بينة عيسى - عليه السلام - فتفرقوا في الإيمان به ، فنشأ من تفرقهم حدوث ملتين : اليهودية والنصرانية .

والمراد بهذه البينة الثانية مجيء عيسى - عليه السلام - ، فإن الله أرسله كما وعدهم أنبياؤهم أمثال إلياس واليسع وأشعياء . وقد أجمع اليهود على النبيء الموعود به تجديد الدين الحق وكانوا منتظرين المخلص ، فلما جاءهم عيسى كذبوه ؛ أي : فلا يطمع في صدقهم فيما زعموا من انتظار البينة بعد عيسى وهم قد كذبوا ببينة عيسى ؛ فتبين أن الجحود والعناد شنشنة فيهم معروفة .

والمراد بالتفرق : تفرق بين إسرائيل بين مكذب لعيسى ومؤمن به ، وما آمن به إلا نفر قليل من اليهود .

[ ص: 479 ] وجعل التفرق كناية عن إنكار البينة ; لأن تفرقهم كان اختلافا في تصديق بينة عيسى - عليه السلام - ، فاستعمل التفرق في صريحه وكنايته لقصد إدماج مذمتهم بالاختلاف بعد ظهور الحق كقوله : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم .

فالتعريف في البينة المذكورة ثانيا يجوز أن يكون للعهد الذهني ، أو للمعهود بين المتحدث عنهم ، وهي بينة أخرى غير الأولى ، وإعادتها من إعادة النكرة نكرة مثلها ؛ إذ المعروف بلام العهد الذهني بمنزلة النكرة ، أو من إعادة المعرفة المعهودة معرفة مثلها ، وعلى كلا الوجهين لا تكون المعادة عين التي قبلها .

وقد أطبقت كلمات المفسرين على أن معنى قوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة أنهم ما تفرقوا عن اتباع الإسلام ، أي : تباعدوا عنه إلا من بعد ما جاء محمد صلى الله عليه وسلم . وهذا تأويل للفظ التفرق وهو صرف عن ظاهره بعيد ، فأشكل عليهم وجه تخصيص أهل الكتاب بالذكر مع أن التباعد عن الإسلام حاصل منهم ومن المشركين ، وجعلوا المراد بـ " البينة " الثانية عين المراد بالأولى وهي بينة محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ سوى أن الفخر ذكر كلمات تنبئ عن مخالفة المفسرين في محمل تفرق الذين أوتوا الكتاب ، فإنه بعد أن قرر المعنى بما يوافق كلام بقية المفسرين أتى بما يقتضي حمل التفرق على حقيقته ، وحمل البينة الثانية على معنى مغاير لمحمل البينة الأولى ؛ إذ قال : المقصود من هذه الآية تسلية محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أي : لا يغمنك تفرقهم ، فليس ذلك لقصور في الحجة ، بل لعنادهم ؛ فسلفهم هكذا كانوا لم يتفرقوا في السبب وعبادة العجل إلا بعد ما جاءتهم البينة ؛ فهي عادة قديمة لهم ، وهو معارض لأول كلامه ، ولعله بدا له هذا الوجه وشغله عن تحريره شاغل وهذا مما تركه الفخر في المسودة .


وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ( 5 )

هذا إبطال ثالث لتنصلهم من متابعة الإسلام بعلة أنهم لا يتركون ما هم عليه حتى تأتيهم البينة ، وزعمهم أن البينة لم تأتهم .

[ ص: 480 ] وهو إبطال بطريق القول بالموجب في الجدل ، أي : إذا سلمنا أنكم موصون بالتمسك بما أنتم عليه لا تنفكون عنه حتى تأتيكم البينة ؛ فليس في الإسلام ما ينافي ما جاء به كتابكم يأمر بما أمر به القرآن ، وهو عبادة الله وحده دون إشراك ، وذلك هو الحنيفية وهي دين إبراهيم الذي أخذ عليهم العهد به ؛ فذلك دين الإسلام وذلك ما أمرتم به في دينكم .

فلك أن تجعل الواو عاطفة على جملة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلخ .

ولك أن تجعل الواو للحال فتكون الجملة حالا من الضمير في قوله : حتى تأتيهم البينة . والمعنى : والحال أن البينة قد أتتهم إذ جاء الإسلام بما صدق قول الله تعالى لموسى - عليه السلام - " أقيم لهم نبيئا من وسط إخوتهم ، وأجعل كلامي في فمه " ، وقول عيسى - عليه السلام - : " فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم " .

والتعبير بالفعل المسند للمجهول مفيد معنيين ؛ أي : ما أمروا في كتابهم إلا بما جاء به الإسلام ؛ فالمعنى : وما أمروا في التوراة والإنجيل إلا أن يعبدوا الله مخلصين إلى آخره ، فإن التوراة أكدت على اليهود تجنب عبادة الأصنام ، وأمرت بالصلاة ، وأمرت بالزكاة أمرا مؤكدا مكررا . وتلك هي أصول دين الإسلام قبل أن يفرض صوم رمضان والحج . والإنجيل لم يخالف التوراة أو المعنى وما أمروا في الإسلام إلا بمثل ما أمرهم به كتابهم ، فلا معذرة لهم في الإعراض عن الإسلام على كلا التقديرين .

ونائب فاعل أمروا محذوف للعموم ، أي : ما أمروا بشيء إلا بأن يعبدوا الله .

واللام في قوله : ليعبدوا الله هي اللام التي تكثر زيادتها بعد فعل الإرادة وفعل الأمر وتقدم ذكرها عند قوله تعالى : يريد الله ليبين لكم في سورة النساء . وقوله : وأمرنا لنسلم لرب العالمين في سورة الأنعام ، وسماها بعض النحاة لام ( أن ) .

والإخلاص : التصفية والإنقاء ، أي : غير مشاركين في عبادته معه غيره .

[ ص: 481 ] والدين : الطاعة ، قال تعالى : قل الله أعبد مخلصا له ديني .

وحنفاء : جمع حنيف ، وهو لقب للذي يؤمن بالله وحده دون شريك . قال تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين .

وهذا الوصف تأكيد لمعنى مخلصين له الدين مع التذكير بأن ذلك هو دين إبراهيم - عليه السلام - الذي ملئت التوراة بتمجيده واتباع هديه .

وإقامة الصلاة من أصول شريعة التوراة كل صباح ومساء .

وإيتاء الزكاة : مفروض في التوراة فرضا مؤكدا .

واسم الإشارة في قوله : وذلك دين القيمة متوجه إلى ما بعد حرف الاستثناء ، فإنه مقترن باللام المسماة ( لام ) ( أن ) المصدرية ، فهو في تأويل مفرد ، أي : إلا بعبادة الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، أي : والمذكور دين القيمة .

و دين القيمة يجوز أن تكون إضافة على بابها ، فتكون ( القيمة ) مرادا به غير المراد بـ ( دين ) مما هو مؤنث اللفظ مما يضاف إليه ( دين ) ، أي : دين الأمة القيمة أو دين الكتب القيمة . ويرجح هذا التقدير أن دليل المقدر موجود في اللفظ قبله . وهذا إلزام لهم بأحقية الإسلام ، وأنه الدين القيم . قال تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة .

ويجوز أن تكون الإضافة صورية من إضافة الموصوف إلى الصفة ، وهي كثيرة الاستعمال ، وأصله الدين القيم ، فأنث الوصف على تأويل دين بملة أو شريعة ، أو على أن التاء للمبالغة في الوصف مثل تاء علامة ، والمآل واحد ، وعلى كلا التقديرين ، فالمراد بدين القيمة دين الإسلام .

والقيمة : الشديدة الاستقامة ، وقد تقدم آنفا .

فالمعنى : وذلك المذكور هو دين أهل الحق من الأنبياء وصالحي الأمم ، وهو عين ما جاء به الإسلام ، قال تعالى في إبراهيم : ولكن كان حنيفا مسلما ، وقال [ ص: 482 ] عنه وعن إسماعيل : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك . وحكى عنه وعن يعقوب قولهما : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، وقال سليمان : وكنا مسلمين .

وقد مضى القول في ذلك عند قوله تعالى : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون في سورة البقرة .

والإشارة بذلك إلى الذي أمروا به أي : مجموع ما ذكر هو دين الإسلام ، أي : هو الذي دعاهم إليه الإسلام ، فحسبوه نقضا لدينهم ، فيكون مهيع الآية مثل قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وقوله : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل .

والمقصود إقامة الحجة على أهل الكتاب وعلى المشركين تبعا لهم بأنهم أعرضوا عما هم يتطلبونه ، فإنهم جميعا مقرون بأن الحنيفية هي الحق الذي أقيمت عليه الموسوية والعيسوية ، والمشركون يزعمون أنهم يطلبون الحنيفية ، ويأخذون بما أدركوه من بقاياها ويزعمون أن اليهودية والنصرانية تحريف للحنيفية ، فلذلك كان عامة العرب غير متهودين ولا متنصرين ، ويتمسكون بما وجدوا آباءهم متمسكين به ، وقل منهم من تهودوا أو تنصروا ، وذهب نفر منهم يتطلبون آثار الحنيفية مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية بن أبي الصلت .

وخص الضمير بـ أهل الكتاب ; لأن المشركين لم يؤمروا بذلك قبل الإسلام . قال تعالى : لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك .


إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ( 6 )

بعد أن أنحى على أهل الكتاب والمشركين معا ، ثم خص أهل الكتاب بالطعن في تعللاتهم ، والإبطال لشبهاتهم التي يتابعهم المشركون عليها ، أعقبه بوعيد الفريقين [ ص: 483 ] جمعا بينهما كما ابتدأ الجمع بينهما في أول السورة ; لأن ما سبق من الموعظة والدلالة كاف في تدليل أنفسهم للموعظة .

فالجملة استئناف ابتدائي ، وقدم أهل الكتاب على المشركين في الوعيد ؛ استتباعا لتقديمهم عليهم في سببه كما تقدم في أول السورة ، ولأن معظم الرد كان موجها إلى أحوالهم في قوله : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلى قوله : دين القيمة ، ولأنه لو آمن أهل الكتاب لقامت الحجة على أهل الشرك .

و ( من ) بيانية مثل التي في قوله : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين .

وتأكيد الخبر بـ ( إن ) للرد على أهل الكتاب الذين يزعمون أنهم لا تمسهم النار إلا أياما معدودة ، فإن الظرفية التي اقتضتها ( في ) تفيد أنهم غير خارجين منها ، وتأكد ذلك بقوله : خالدين فيها ، وأما المشركون فقد أنكروا الجزاء رأسا .

والإخبار عنهم بالكون في نار جهنم إخبار بما يحصل في المستقبل بقرينة مقام الوعيد ، فإن الوعيد كالوعد يتعلق بالمستقبل وإن كان شأن الجملة الاسمية غير المقيدة بما يعين زمان وقوعها أن تفيد حصول مضمونها في الحال كما تقول : زيد في نعمة .

وجملة ( أولئك هم شر البريئة ) ، كالنتيجة لكونهم في نار جهنم خالدين فيها ، فلذلك فصلت عن الجملة التي قبلها . وهو إخبار بسوء عاقبتهم في الآخرة وأريد بالبريئة هنا البريئة المشهورة في الاستعمال وهم البشر ، فلا اعتبار للشياطين في هذا الاسم ، وهذا يشبه الاستغراق العرفي .

والبريئة : فعيلة من برأ الله الخلق ، أي : صورهم .

ومعنى كونهم ( شر البريئة ) أنهم أشد الناس شرا ، فـ ( شر ) هنا أفعل تفضيل أصله أشر ، مثل خير الذي هو بمعنى أخير ، فإضافة ( شر ) إلى ( البريئة ) على نية ( من ) التفضيلية .

وإنما كانوا كذلك لأنهم ضلوا بعد تلبسهم بأسباب الهدى ، فأما أهل الكتاب فلأن لديهم كتابا فيه هدى ونور فعدلوا عنه ، وأما المشركون فلأنهم كانوا [ ص: 484 ] على الحنيفية فأدخلوا فيها عبادة الأصنام ، ثم إنهم أصروا على دينهم بعد ما شاهدوا من دلائل صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به القرآن من الإعجاز والإنباء بما في كتب أهل الكتاب ، وذلك مما لم يشاركهم فيه غيرهم فقد اجتنوا لأنفسهم الشر من حيث كانوا أهلا لنوال الخير ، فحسرتهم على أنفسهم يوم القيامة أشد من حسرة من عداهم ، فكان الفريقان شرا من الوثنيين والزنادقة في استحقاق العقاب ، لا فيما يرجى منهم من الاقتراب .

وأقحم اسم الإشارة بين اسم ( إن ) وخبرها للتنبيه على أنهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي قبل اسم الإشارة ، كما في قوله : أولئك على هدى من ربهم . وتوسيط ضمير الفصل لإفادة اختصاصهم بكونهم شر البريئة لا يشاركهم في ذلك غيرهم من فرق أهل الكفر لما علمت آنفا . ولا يرد أن الشياطين أشد شرا منهم لما علمت أن اسم البريئة اعتبر إطلاقه على البشر .

و ( البريئة ) قرأه نافع وحده وابن ذكوان عن ابن عامر بهمز بعد الياء . فعيلة من برأ الله ، إذا خلق .

وقرأه بقية العشرة بياء تحتية مشددة دون همز على تسهيل الهمزة بعد الكسرة ياء ، وإدغام الياء الأولى في الياء الثانية تخفيفا .

وإثبات الهمزة لغة أهل الحجاز ، والتخفيف لغة بقية العرب ، كما تركوا الهمز في الدرية والنبي . قال سيبويه : ليس أحد من العرب إلا ويقول : تنبأ مسيلمة بالهمز . غير أنهم تركوا الهمز في النبيء ، كما تركوه في : الدرية والبرية إلا أهل مكة ، فإنهم يهمزونها ويخالفون العرب في ذلك .


إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ( 7 ) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ( 8 )



قوبل حال الكفرة من أهل الكتاب وحال المشركين بحال الذين آمنوا بعد أن أشير إليهم بقوله : وذلك دين القيمة ، استيعابا لأحوال الفرق في الدنيا والآخرة ، وجريا على عادة القرآن في تعقيب نذارة المنذرين ببشارة المطمئنين ، وما ترتب على ذلك من الثناء عليهم ، وقدم الثناء عليهم على بشارتهم على عكس نظم الكلام المتقدم في ضدهم ؛ ليكون ذكر وعدهم كالشكر لهم على إيمانهم وأعمالهم ، فإن الله شكور .

والجملة استئناف بياني ناشئ عن تكرر ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، فإن ذلك يثير في نفوس الذين آمنوا من أهل الكتاب والمشركين تساؤلا عن حالهم ، لعل تأخر إيمانهم إلى ما بعد نزول الآيات في التنديد عليهم يجعلهم في انحطاط درجة ، فجاءت هذه الآية مبينة أن من آمن منهم هو معدود في خير البريئة .

والقول في اسم الإشارة ، وضمير الفصل والقصر وهمزة البريئة كالقول في نظيره المتقدم .

واسم الإشارة والجملة المخبر بها عنه جميعها خبر عن اسم ( إن ) .

وجملة جزاؤهم عند ربهم جنات عدن إلى آخرها ، مبينة لجملة ( أولئك هم خير البريئة ) .

و عند ربهم ظرف وقع اعتراضا بين ( جزاؤهم ) ، وبين جنات عدن ؛ للتنويه بعظم الجزاء بأنه مدخر لهم عند ربهم تكرمة لهم لما في ( عند ) من الإيماء إلى الحظوة والعناية ، وما في لفظ ربهم من الإيماء إلى إجزال الجزاء بما يناسب عظم المضاف إليه ( عند ) ، وما يناسب شأن من يرب أن يبلغ بمربوبه عظيم الإحسان .

وإضافة : ( جنات ) إلى ( عدن ) لإفادة أنها مسكنهم ; لأن العدن الإقامة ، أي : ليس جزاؤهم تنزها في الجنات ، بل أقوى من ذلك بالإقامة فيها .

[ ص: 486 ] وقوله : خالدين فيها أبدا بشارة بأنها مسكنهم الخالد .

ووصف الجنات بـ تجري من تحتها الأنهار ؛ لبيان منتهى حسنها .

وجري النهر مستعار لانتقال السيل تشبيها لسرعة انتقال الماء بسرعة المشي .

والنهر : أخدود عظيم في الأرض يسيل فيه الماء فلا يطلق إلا على مجموع الأخدود ومائه . وإسناد الجري إلى الأنهار توسع في الكلام ; لأن الذي يجري هو ماؤها وهو المعتبر في ماهية النهر .

وجعل جزاء الجماعة جمع الجنات فيجوز أن يكون على وجه التوزيع ، أي : لكل واحد جنة ، كقوله تعالى : يجعلون أصابعهم في آذانهم وقولك : ركب القوم دوابهم ، ويجوز أن يكون لكل أحد جنات متعددة والفضل لا ينحسر . قال تعالى : ولمن خاف مقام ربه جنتان .

وجملة رضي الله عنهم حال من ضمير ( خالدين ) ، أي : خالدين خلودا مقارنا لرضى الله عنهم ، فهم في مدة خلودهم فيها محفوفون بآثار رضى الله عنهم ، وذلك أعظم مراتب الكرامة . قال تعالى : ورضوان من الله أكبر ورضى الله تعلق إحسانه وإكرامه لعبده .

وأما الرضى في قوله : ورضوا عنه فهو كناية عن كونهم نالهم من إحسان الله ما لا مطلب لهم فوقه ، كقول أبي بكر في حديث الغار : " فشرب حتى رضيت " . وقول مخرمة حين أعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قباء " رضي مخرمة " . وزاده حسن وقع هنا ما فيه من المشاكلة .


ذلك لمن خشي ربه ( 8 )

تذييل آت على ما تقدم من الوعد للذين آمنوا والوعيد للذين كفروا بين به سبب العطاء وسبب الحرمان ، وهو خشية الله تعالى بمنطوق الصلة ومفهومها .

والإشارة إلى الجزاء المذكور في قوله : جزاؤهم عند ربهم يعني : أن السبب الذي أنالهم ذلك الجزاء هو خشيتهم الله ، فإنهم لما خشوا الله توقعوا غضبه إذا لم [ ص: 487 ] يصغوا إلى من يقول لهم : إني رسول الله إليكم ، فأقبلوا على النظر في دلائل صدق الرسول فاهتدوا وآمنوا ، وأما الذين آثروا حظوظ الدنيا ، فأعرضوا عن دعوة رسول من عند الله ، ولم يتوقعوا غضب مرسله فبقوا في ضلالهم .

فما صدق من خشي ربه هم المؤمنون ، واللام للملك ، أي : ذلك الجزاء للمؤمنين الذين خشوا ربهم ، فإذا كان ذلك ملكا لهم لم يكن شيء منه ملكا لغيرهم ، فأفاد حرمان الكفرة المتقدم ذكرهم ، وتم التذييل .

وفي ذكر الرب هنا دون أن يقال : ذلك لمن خشي الله - تعريض بأن الكفار لم يرعوا حق الربوبية إذا لم يخشوا ربهم فهم عبيد سوء .

moumouesz
16-06-09, 23:08
الله يجازيك خير
:kiss::kiss::kiss::kiss::kiss::kiss:

EL Mister
17-06-09, 18:18
بسم الله الرحمن الرحيم

( إنا أنزلناه في ليلة القدر ( 1 ) وما أدراك ما ليلة القدر ( 2 ) ليلة القدر خير من ألف شهر ( 3 ) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ( 4 ) سلام هي حتى مطلع الفجر ( 5 ) )


مقدمة


سميت هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة ( سورة القدر ) وسماها ابن عطية في تفسيره وأبو بكر الجصاص في أحكام القرآن ( سورة ليلة القدر ) .

وهي مكية في قول الجمهور وهو قول جابر بن زيد ويروى عن ابن عباس . وعن ابن عباس أيضا والضحاك أنها مدنية ، ونسبه القرطبي إلى الأكثر . وقال الواقدي : هي أول سورة نزلت بالمدينة ويرجحه أن المتبادر أنها تتضمن الترغيب في إحياء ليلة القدر ، وإنما كان ذلك بعد فرض رمضان بعد الهجرة .

وقد عدها جابر بن زيد الخامسة والعشرين في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة عبس وقبل سورة الشمس ، فأما قول من قالوا إنها مدنية فيقتضي أن تكون نزلت بعد المطففين وقبل البقرة .

وآياتها خمس في العدد المدني والبصري والكوفي وست في العد المكي والشامي .


أغراض السورة

التنويه بفضل القرآن وعظمته بإسناد إنزاله إلى الله تعالى . . .

والرد على الذين جحدوا أن يكون القرآن منزلا من الله تعالى .

ورفع شأن الوقت الذي أنزل فيه ونزول الملائكة في ليلة إنزاله .

[ ص: 456 ] وتفضيل الليلة التي توافق ليلة إنزاله من كل عام .

ويستتبع ذلك تحرير المسلمين على تحين ليلة القدر بالقيام والتصدق .


إنا أنزلناه في ليلة القدر ( 1 )

اشتملت هذه الآية على تنويه عظيم بالقرآن فافتتحت بحرف ( إن ) وبالإخبار عنها بالجملة الفعلية ؛ وكلاهما من طرق التأكيد والتقوي .

ويفيد هذا التقديم قصرا وهو قصر قلب للرد على المشركين الذي نفوا أن يكون القرآن منزلا من الله تعالى .

وفي ضمير العظمة وإسناد الإنزال إليه تشريف عظيم للقرآن .

وفي الإتيان بضمير القرآن دون الاسم الظاهر إيماء إلى أنه حاضر في أذهان المسلمين لشدة إقبالهم عليه ؛ فكون الضمير دون سبق معاد إيماء إلى شهرته بينهم فيجوز أن يراد به القرآن كله فيكون فعل ( أنزلنا ) مستعملا في ابتداء الإنزال ; لأن الذي أنزل في تلك الليلة خمس الآيات الأول من سورة العلق ، ثم فتر الوحي ثم عاد إنزاله منجما ولم يكمل إنزال القرآن إلا بعد نيف وعشرين سنة ، ولكن لما كان جميع القرآن مقررا في علم الله تعالى مقداره وأنه ينزل على النبيء - صلى الله عليه وسلم - منجما حتى يتم ؛ كان إنزاله بإنزال الآيات الأول منه ; لأن ما ألحق بالشيء يعد بمنزلة أوله ، فقد قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه الحديث ، فاتفق العلماء على أن الصرة فيما ألحق بالمسجد النبوي لها ذلك الفضل ، وأن الطواف في زيادات المسجد الحرام يصح كلما اتسع المسجد .

ومن تسديد ترتيب المصحف أن وضعت سورة القدر عقب سورة العلق مع أنها أقل عدد آيات من سورة البينة وسور بعدها ؛ كأنه إماء إلى أن الضمير في أنزلناه يعود إلى القرآن الذي ابتدئ نزوله بسورة العلق .

ويجوز أن يكون الضمير عائدا على المقدار الذي أنزل في تلك الليلة وهو [ ص: 457 ] الآيات الخمس من سورة العلق ؛ فإن كل جزء من القرآن يسمى قرآنا ، وعلى كلا الوجهين فالتعبير بالمضي في فعل أنزلناه لا مجاز فيه . وقيل : أطلق ضمير القرآن على بعضه مجازا بعلاقة البعضية .

والآية صريحة في أن الآيات الأول من القرآن نزلت ليلا وهو الذي يقتضيه حديث بدء الوحي في الصحيحين لقول عائشة فيه : " فكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد " فكان تعبده ليلا ، ويظهر أن يكون الملك قد نزل عليه إثر فراغه من تعبده . وأما قول عائشة " فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده " ؛ فمعناه أنه خرج من غار حراء إثر الفجر بعد انقضاء تلقينه الآيات الخمس ، إذ يكون نزولها عليه في آخر تلك الليلة وذلك أفضل أوقات الليل كما قال تعالى : والمستغفرين بالأسحار .

وليلة القدر : اسم جعله الله لليلة التي ابتدئ فيها نزول القرآن . ويظهر أن أول تسميتها بهذا الاسم كان في هذه الآية ولم تكن معروفة عند المسلمين وبذلك يكون ذكرها بهذا الاسم تشويقا لمعرفتها ; ولذلك عقب قوله : وما أدراك ما ليلة القدر .

والقدر : الذي عرفت الليلة بالإضافة إليه هو بمعنى الشرف والفضل كما قال تعالى في سورة الدخان إنا أنزلناه في ليلة مباركة ، أي : ليلة القدر والشرف عند الله تعالى مما أعطاها من البركة ؛ فتلك ليلة جعل الله لها شرفا فجعلها مظهرا لما سبق به علمه فجعلها مبدأ الوحي إلى النبيء صلى الله عليه وسلم .

والتعريف في القدر تعريف الجنس . ولم يقل : في ليلة قدر بالتنكير لأنه قصد جعل هذا المركب بمنزلة العلم لتلك الليلة كالعلم بالغلبة ; لأن تعريف المضاف إليه باللام مع تعريف المضاف بالإضافة أوغل في جعل ذلك المركب لقبا لاجتماع تعريفين فيه .

وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان قال تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . ولا شك أن المسلمين كانوا يعلمون ذلك إذ كان نزول هذه السورة قبل نزول سورة [ ص: 458 ] البقرة بسنين إن كانت السورة مكية أو بمدة أقل من ذلك إن كانت السورة مدنية ؛ فليلة القدر المرادة هنا كانت في رمضان ، وتأيد ذلك بالأخبار الصحيحة من كونها من ليالي رمضان في كل سنة .

وأكثر الروايات أن الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبيء - صلى الله عليه وسلم - كانت ليلة سبعة عشرة من رمضان . وسيأتي في تفسير الآيات عقب هذا الكلام في هل ليلة ذات عدد متماثل في جميع الأعوام أو تختلف في السنين ؟ وفي هل تقع في واحدة من جميع ليالي رمضان أو لا تخرج عن العشر الأواخر منه ؟ وهل هي مخصوصة بليلة وتر كما كانت أول مرة أو لا تختص بذلك ؟ والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريف آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره ، تنبيها على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتا شريفا مباركا ; لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار لإيقاعه فضل الأوقات والأمكنة ؛ فاختيار فضل الأوقات لابتداء إنزاله ينبئ عن علو قدره عند الله تعالى كقوله : لا يمسه إلا المطهرون على الوجهين في المراد من المطهرين .


وما أدراك ما ليلة القدر ( 2 )

تنويه بطريق الإبهام المراد به أن إدراك كنهها ليس بالسهل لما ينطوي عليه من الفضائل الجمة .

وكلمة ( ما أدراك ما كذا ) كلمة تقال في تفخيم الشيء وتعظيمه ، والمعنى : أي شيء يعرفك ما هي ليلة القدر ، أي : يعسر على شيء أن يعرفك مقدارها ، وقد تقدمت غير مرة منها ، قوله : وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار قريبا . والواو واو الحال .

وأعيد اسم ( ليلة القدر ) الذي سبق قريبا في قوله : في ليلة القدر على خلاف مقتضى الظاهر ; لأن مقتضى الظاهر الإضمار ، فقصد الاهتمام بتعيينها ، فحصل تعظيم ليلة القدر صريحا ، وحصلت كتابة عن تعظيم ما أنزل فيها وأن الله اختار إنزاله فيها ليتطابق الشرفان .


ليلة القدر خير من ألف شهر ( 3 )

بيان أول لشيء من الإبهام الذي في قوله : وما أدراك ما ليلة القدر مثل البيان في قوله : وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام الآية . فلذلك فصلت الجملة لأنها استئناف بياني ، أو لأنها كعطف البيان .

وتفضيلها بالخير على ألف شهر ، إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة واستجابة الدعاء ووفرة ثواب الصدقات والبركة للأمة فيها ; لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حر أو برد ، أو مطر ، ولا بطولها أو بقصرها ؛ فإن تلك الأحوال غير معتد بها عند الله تعالى ؛ ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفرادا وجماعات وما يعين على الحق والخير ونشر الدين . وقد قال في فضل الناس : إن أكرمكم عند الله أتقاكم فكذلك فضل الأزمان إنما يقاس بما يحصل فيها ; لأنها ظروف للأعمال وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس ، ففضلها بما أعده الله لها من التفضيل كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات ، وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله : ( واجد كألف ) وعليه جاء قوله تعالى : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء . وفي الموطأ : " قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك ، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثلما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر " اهـ .

وإظهار لفظ ( ليلة القدر ) في مقام الإضمار للاهتمام ، وقد تكرر هذه اللفظ ثلاث مرات والمرات الثلاث ينتهي عندها التكرير غالبا كقوله تعالى : وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب .

وقول عدي :


لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا


ومما ينبغي التنبيه له ما وقع في جامع الترمذي بسنده إلى القاسم بن الفضل [ ص: 460 ] الحداني عن يوسف بن سعد قال : ( قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال : سودت وجوه المؤمنين ، أو يا مسود وجوه المؤمنين ؛ فقال : لا تؤنبني رحمك الله ؛ فإن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت " إنا أعطيناك الكوثر " يا محمد يعني : نهرا من الجنة ، ونزلت " إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر " يملكها بنو أمية يا محمد ، قال القاسم : فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص ) . قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن نعرفه والقاسم بن الفضل ثقة ويوسف بن سعد رجل مجهول اهـ .

قال ابن كثير في تفسيره : ورواه ابن جرير من طريق القاسم في الفضل عن عيسى بن مازن كذا قال ، وعيسى بن مازن غير معروف ، وهذا يقتضي اضطرابا في هذا الحديث ، أي : لاضطرابهم في الذي يروي عنه القاسم بن الفضل ؛ وعلى كل احتمال فهو مجهول .

وأقول : وأيضا ليس في سنده ما يفيد أن يوسف بن سعد سمع ذلك من الحسن - رضي الله عنه - وفي تفسير الطبري عن عيسى بن مازن أنه قال : قلت للحسن : يا مسود وجوه المؤمنين إلى آخر الحديث . وعيسى بن مازن غير معروف أصلا ؛ فإذا فرضنا توثيق يوسف بن سعد فليس في روايته ما يقتضي أنه سمعه ، بل يجوز أن يكون أراد ذكر قصة تروى عن الحسن .

واتفق حذاق العلماء على أنه حديث منكر ؛ صرح بذلك ابن كثير وذكره عن شيخه المزي ، وأقول : هو مختل المعنى وسمات الوضع لائحة عليه ، وهو من وضع أهل النحل المخالفة للجماعة ؛ فالاحتجاج به لا يليق أن يصدر مثله عن الحسن مع فرط علمه وفطنته ، وأية ملازمة بين ما زعموه من رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين دفع الحسن التأنيب عن نفسه . ولا شك أن هذا الخبر من وضع دعاة العباسيين على أنه مخالف للواقع ; لأن المدة التي بين تسليم الحسن الخلافة إلى معاوية وبين بيعة السفاح وهو أول خلفاء العباسية ألف شهر واثنان وتسعون شهرا أو أكثر بشهر أو بشهرين ، فما نسب إلى القاسم الحداني من قوله : فعددناها فوجدناها إلخ كذب [ ص: 461 ] لا محالة . والحاصل أن هذا الخبر الذي أخرجه الترمذي منكر كما قاله المزي .

قال ابن عرفة وفي قوله : ليلة القدر خير من ألف شهر المحسن المسمى تشابه الأطراف وهو إعادة لفظ القافية في الجملة التي تليها كقوله تعالى : كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري اهـ . يريد بالقافية ما يشمل القرينة في الأسجاع والفواصل في الآي . ومثاله في الشعر قول ليلى الأخيلية :


إذا نزل الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها
إلخ...


تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ( 4 ) سلام هي حتى مطلع الفجر ( 5 )

إذا ضم هذا البيان الثاني لما في قوله : وما أدراك ما ليلة القدر من الإبهام التفخيمي حصل منها ما يدل دلالة بينة على أن الله جعل مثل هذه الفضيلة لكل ليلة من ليالي الأعوام تقع في مثل الليلة من شهر نزول القرآن كرامة للقرآن ، ولمن أنزل عليه ، وللدين الذي نزل فيه ، وللأمة التي تتبعه ؛ ألا ترى أن معظم السورة كان لذكر فضائل ليلة القدر فما هو إلا للتحريض على تطلب العمل الصالح فيها . فإن كونها خيرا من ألف شهر أومأ إلى ذلك وبينته الأخبار الصحيحة . والتعبير بالفعل المضارع بقوله : تنزل الملائكة مؤذن بأن هذا التنزل متكرر في المستقبل بعد نزول هذه السورة .

وذكر نهايتها بطلوع الفجر لا أثر له في بيان فضلها ، فتعين أنه إدماج للتعريف بمنتهاها ليحرص الناس على كثرة العمل فيها قبل انتهائها .

لا جرم أن ليلة القدر التي ابتدئ فيها نزول القرآن قد انقضت قبل أن يشعر بها أحد عدا محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ كان قد تحنث فيها ، وأنزل عليه أول القرآن آخرها ، وانقلب إلى أهله في صبيحتها ؛ فلولا إرادة التعريف بفضل الليالي الموافقة في كل [ ص: 462 ] السنوات لاقتصر على بيان فضل تلك الليلة الأولى . ولما كانت حاجة إلى تنزل الملائكة فيها ، ولا إلى تعيين منتهاها .

وهذا تعليم للمسلمين أن يعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نعم الله عليهم ، وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياما حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى قال تعالى : وذكرهم بأيام الله فينبغي أن تعد ليلة القدر عيد نزول القرآن .

وحكمة إخفاء تعيينها إرادة أن يكرر المسلمون حسناتهم في ليال كثيرة توخيا لمصادفة ليلة القدر كما أخفيت ساعة الإجابة يوم الجمعة .

هذا محصل ما أفاده القرآن في فضل ليلة القدر من كل عام ولم يبين أنها أية ليلة ، ولا من أي شهر ، وقد قال تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فتبين أن ليلة القدر الأولى هي من ليالي شهر رمضان لا محالة ؛ فلنا أن نتطلب تعيين ليلة القدر الأولى التي ابتدئ إنزال القرآن فيها لنطلب تعيين ما يماثلها من ليالي رمضان في جميع السنين ، وتعيين صفة المماثلة . والمماثلة تكون في صفات مختلفة ، فلا جائز أن تماثلها في اسم يومها نحو الثلاثاء أو الأربعاء ، ولا في الفصل من شتاء أو صيف أو نحو ذلك مما ليس من الأحوال المعتبرة في الدين ، فعلينا أن نتطلب جهة من جهات المماثلة لها في اعتبار الدين وما يرضي الله . وقد اختلف في تعيين المماثلة اختلافا كثيرا ؛ وأصح ما يعتمد في ذلك أنها من ليالي شهر رمضان من كل سنة ، وأنها من ليالي الوتر كما دل عليه الحديث الصحيح تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان .

والوتر : أفضل الأعداد عند الله كما دل عليه حديث إن الله وتر يحب الوتر . وأنها ليست ليلة معينة مطردة في كل السنين ، بل هي متنقلة في الأعوام ، وأنها في رمضان . وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم ؛ قال ابن رشيد : وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب . وعلى أنها متنقلة في الأعوام ، فأكثر أهل العلم على أنها لا تخرج عن شهر رمضان . والجمهور على أنها لا تخرج عن العشر الأواخر منه ، وقال جماعة : لا تخرج عن العشر الأواسط ، والعشر الأواخر .

[ ص: 463 ] وتأولوا ما ورد من الآثار ضبطها على إرادة الغالب أو إرادة عام بعينه .

ولم يرد في تعيينها شيء صريح يروى عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ; لأن ما ورد في ذلك من الأخبار محتمل لأن يكون أراد به تعيينها في خصوص السنة التي أخبر عنها وذلك مبسوط في كتب السنة فلا نطيل به ، وقد أتى ابن كثير منه بكثير .

وحفظت عن الشيخ محيي الدين بن العربي أنه ضبط تعيينها باختلاف السنين بأبيات ذكر في البيت الأخير منها قوله :


وضابطها بالقول ليلة جمعة توافيك بعد النصف في ليلة وتر


حفظناها عن بعض معلمينا ولم أقف عليها . وجربنا علامة ضوء الشمس في صبيحتها فلم تتخلف .

وأصل تنزل تتنزل فحذفت إحدى التاءين اختصارا . وظاهر أن تنزل الملائكة إلى الأرض .

ونزول الملائكة إلى الأرض لأجل البركات التي تحفهم .

و ( الروح ) : هو جبريل ، أي : ينزل جبريل في الملائكة .

ومعنى بإذن ربهم أن هذا التنزيل كرامة أكرم الله بها المسلمين بأن أنزل لهم في تلك الليلة جماعات من ملائكته وفيهم أشرفهم ، وكان نزول جبريل في تلك الليلة ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى ليلة نزوله بالوحي في غار حراء .

وفي هذا أصل لإقامة المواكب لإحياء ذكرى أيام مجد الإسلام وفضله ، وأن من كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي أن لا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها .

وقوله : بإذن ربهم متعلق بـ تنزل إما بمعنى السببية ، أي : يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم في النزول ، فالإذن بمعنى المصدر وإما بمعنى المصاحبة ، أي : مصاحبين لما أذن به ربهم ، فالإذن بمعنى المأذون به من إطلاق المصدر على المفعول نحو هذا خلق الله .

[ ص: 464 ] و ( من ) في قوله من كل أمر يجوز أن تكون بيانية تبين الإذن من قوله : بإذن ربهم أي : بإذن ربهم الذي هو في كل أمر .

ويجوز أن تكون بمعنى الباء ، أي : تتنزل بكل أمر مثل ما في قوله تعالى : يحفظونه من أمر الله أي : بأمر الله ؛ وهذا إذا جعلت باء ( بإذن ربهم ) سببية ، ويجوز أن تكون للتعليل ، أي : من أجل كل أمر أراد الله قضاءه بتسخيرهم .

و ( كل ) مستعملة في معنى الكثرة للأهمية ، أي : في أمور كثيرة عظيمة كقوله تعالى : ولو جاءتهم كل آية وقوله : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر وقوله : واضربوا منهم كل بنان . وقول النابغة :


بها كل ذيال وخنساء ترعوي إلى كل رجاف من الرمل فارد


وقد بينا ذلك عند قوله تعالى : وعلى كل ضامر في سورة الحج .

وتنوين ( أمر ) للتعظيم ، أي : بأنواع الثواب على الأعمال في تلك الليلة . وهذا الأمر غير الأمر الذي في قوله تعالى : فيها يفرق كل أمر حكيم مع أن " أمرا من عندنا " في سورة الدخان متحدة مع اختلاف شئونها ؛ فإن لها شئونا عديدة .

ويجوز أن يكون هو الأمر المذكور هنا فيكون هنا مطلقا وفي آية الدخان مقيدا .

واعلم أن موقع قوله : تنزل الملائكة والروح فيها إلى قوله : من كل أمر ، من جملة ليلة القدر خير من ألف شهر موقع الاستئناف البياني ، أو موقع بدل الاشتمال ، فلمراعاة هذا الموقع فصلت الجملة عن التي قبلها ولم تعطف عليها مع أنهما مشتركان في كون كل واحدة منهما تفيد بيانا لجملة وما أدراك ما ليلة القدر فأوثرت مراعاة موقعها الاستئنافي أو البدلي على مراعاة اشتراكهما في كونها بيانا لجملة وما أدراك ما ليلة القدر لأن هذا البيان لا يفوت السامع عند إيرادها في صورة البيان أو البدل بخلاف ما لو عطفت على التي قبلها بالواو لفوات الإشارة إلى أن تنزل الملائكة فيها من أحوال خيريتها .

وجملة سلام هي حتى مطلع الفجر بيان لمضمون " من كل أمر " وهو [ ص: 465 ] كالاحتراس ; لأن تنزل الملائكة يكون للخير ويكون للشر لعقاب مكذبي الرسل قال تعالى : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذن منظرين وقال : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين . وجمع بين إنزالهم للخير والشر في قوله : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق الآية ، فأخبر هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا رمضان وقاموا ليلة القدر ، فهذه بشارة .

والسلام : مصدر أو اسم مصدر معناه السلامة قال تعالى : قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . ويطلق السلام على التحية والمدحة ، وفسر السلام بالخير ؛ والمعنيان حاصلان في هذه الآية ، فالسلامة تشمل كل خير ; لأن الخير سلامة من الشر ومن الأذى ، فيشمل السلام الغفران وإجزال الثواب واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة . والسلام بمعنى التحية والقول الحسن مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة فيما حكاه قوله تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار .

وتنكير ( سلام ) للتعظيم . وأخبر عن الليلة بأنها سلام للمبالغة ; لأنه إخبار بالمصدر .

وتقديم المسند وهو سلام على المسند إليه لإفادة الاختصاص ، أي : ما هي إلا سلام . والقصر ادعائي لعدم الاعتداد بما يحصل فيها لغير الصائمين القائمين ، ثم يجوز أن يكون " سلام هي " مرادا به الإخبار فقط ؛ ويجوز أن يراد بالمصدر الأمر والتقدير : سلموا سلاما ، فالمصدر بدل من الفعل وعدل عن نصبه إلى الرفع ليفيد التمكن مثل قوله تعالى : قالوا سلاما قال سلام . والمعنى : اجعلوها سلاما بينكم ، أي : لا نزاع ولا خصام . ويشير إليه ما في الحديث الصحيح خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة .

و ( حتى مطلع الفجر ) غاية لما قبله من قوله : تنزل الملائكة إلى سلام هي .

[ ص: 466 ] والمقصود من الغاية إفادة أن جميع أحيان تلك الليلة معمورة بنزول الملائكة والسلامة ، فالغاية هنا مؤكدة لمدلول ليلة ؛ لأن الليلة قد تطلق على بعض أجزائها كما في قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، أي : من قام بعضها ، فقد قال سعيد بن المسيب : من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها . يريد شهدها في جماعة كما يقتضيه فعل شهد ، فإن شهود الجماعة من أفضل الأعمال الصالحة .

وجيء بحرف ( حتى ) لإدخال الغاية لبيان أن ليلة القدر تمتد بعد مطلع الفجر بحيث إن صلاة الفجر تعتبر واقعة في تلك الليلة لئلا يتوهم أن نهايتها كنهاية الفطر بآخر جزء من الليل ؛ وهذا توسعة من الله في امتداد الليلة إلى ما بعد طلوع الفجر .

ويستفاد من غاية تنزل الملائكة فيها ، أن تلك غاية الليلة وغاية لما فيها من الأعمال الصالحة التابعة لكونها خيرا من ألف شهر ، وغاية السلام فيها .

وقرأ الجمهور ( مطلع ) بفتح اللام على أنه مصدر ميمي ، أي : طلوع الفجر ، أي : ظهوره . وقرأه الكسائي وخلف بكسر اللام على معنى زمان طلوع الفجر .

EL Mister
18-06-09, 18:16
بسم الله الرحمن الرحيم

( اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) خلق الإنسان من علق ( 2 ) اقرأ وربك الأكرم ( 3 ) الذي علم بالقلم ( 4 ) علم الإنسان ما لم يعلم ( 5 ) )


مقدمة

اشتهرت تسمية هذه السورة في عهد الصحابة والتابعين باسم ( سورة اقرأ باسم ربك ) ، روي في المستدرك عن عائشة " أول سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك " فأخبرت عن السورة بـ ( اقرأ باسم ربك ) . وروي ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي رجاء العطاردي ومجاهد والزهري ، وبذلك عنونها الترمذي .

وسميت في المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة العلق ) لوقوع لفظ ( العلق ) في أوائلها ، وكذلك سميت في بعض كتب التفسير .

وعنونها البخاري ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) .

وتسمى ( سورة اقرأ ) ، وسماها الكواشي في التخليص ( سورة اقرأ والعلق ) .

وعنونها ابن عطية وأبو بكر بن العربي ( سورة القلم ) وهذا اسم سميت به ( سورة ن والقلم ) ، ولكن الذين جعلوا اسم هذه السورة ( سورة القلم ) يسمون الأخرى ( سورة ن ) . ولم يذكرها في الإتقان في عداد السور ذات أكثر من اسم .

وهي مكية باتفاق .

وهي أول سورة نزلت في القرآن كما ثبت في الأحاديث الصحيحة الواضحة ، ونزل أولها بغار حراء على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهو مجاور فيه في رمضان ليلة سبع عشرة منه من سنة أربعين بعد الفيل إلى قوله : ( علم الإنسان ما لم يعلم ) . ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن عائشة . وفيه حديث عن أبي موسى الأشعري ، وهو الذي قاله أكثر المفسرين من السلف والخلف .

[ ص: 434 ] وعن جابر : أول سورة المدثر ، وتؤول بأن كلامه نص أن سورة المدثر أول سورة نزلت بعد فترة الوحي كما في الإتقان كما أن سورة الضحى نزلت بعد فترة الوحي الثانية .

وعدد آيها في عد أهل المدينة ومكة عشرون ، وفي عد أهل الشام ثمان عشرة ، وفي عد أهل الكوفة والبصرة تسع عشرة .


أغراض السورة

تلقين محمد - صلى الله عليه وسلم - الكلام القرآني وتلاوته ، إذ كان لا يعرف التلاوة من قبل .

والإيماء إلى أن علمه بذلك ميسر ; لأن الله الذي ألهم البشر العلم بالكتابة قادر على تعليم من يشاء ابتداء .

وإيماء إلى أن أمته ستصير إلى معرفة القراءة والكتابة والعلم .

وتوجيهه إلى النظر في خلق الله الموجودات ، وخاصة خلقه الإنسان خلقا عجيبا مستخرجا من علقة ، فذلك مبدأ النظر .

وتهديد من كذب النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتعرض ليصده عن الصلاة والدعوة إلى الهدى والتقوى .

وإعلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن الله عالم بأمر من يناوونه ، وأنه قامعهم وناصر رسوله .

وتثبيت الرسول على ما جاءه من الحق والصلاة والتقرب إلى الله .

وأن لا يعبأ بقوة أعدائه ; لأن قوة الله تقهرهم .


اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) خلق الإنسان من علق ( 2 ) اقرأ

هذا أول ما أوحي به من القرآن إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - لما ثبت عن عائشة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - مما سيأتي قريبا .

[ ص: 435 ] وافتتاح السورة بكلمة ( اقرأ ) إيذان بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيكون قارئا ، أي : تاليا كتابا بعد أن لم يكن قد تلا كتابا ، قال تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ) أي : من قبل نزول القرآن ، ولهذا قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - لجبريل حين قال له اقرأ : ما أنا بقارئ .

وفي هذا الافتتاح براعة استهلال للقرآن .

وقوله تعالى : ( اقرأ ) أمر بالقراءة ، والقراءة نطق بكلام معين مكتوب أو محفوظ على ظهر قلب .

وتقدم في قوله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) في سورة النحل .

والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال ، فالمطلوب بقوله : ( اقرأ ) أن يفعل القراءة في الحال أو المستقبل القريب من الحال ، أي أن يقول ما سيملى عليه ، والقرينة على أنه أمر بقراءة في المستقبل القريب أنه لم يتقدم إملاء كلام عليه محفوظ فتطلب منه قراءته ، ولا سلمت إليه صحيفة فتطلب منه قراءتها ، فهو كما يقول المعلم للتلميذ : اكتب ، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه .

وفي حديث الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قولها فيه : " حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) إلى ( ما لم يعلم ) .

فهذا الحديث روته عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لقولها : قال : " فقلت : ما أنا بقارئ . وجميع ما ذكرته فيه مما روته عنه لا محالة وقد قالت فيه : " فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده " أي : فرجع بالآيات التي أمليت عليه ، أي : رجع متلبسا بها ، أي : بوعيها .

[ ص: 436 ] وهو يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلقى ما أوحي إليه وقرأه حينئذ ، ويزيد ذلك إيضاحا قولها في الحديث : " فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل ، فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك . أي : اسمع القول الذي أوحي إليه . وهذا ينبئ بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قيل له بعد الغطة الثالثة ( اقرأ باسم ربك ) الآيات الخمس قد قرأها ساعتئذ كما أمره الله ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها ، وعلى هذا الوجه يكون قول الملك له في المرات الثلاث ( اقرأ ) إعادة للفظ المنزل من الله إعادة تكرير للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل .

ولم يذكر لفعل ( اقرأ ) مفعول ، إما لأنه نزل منزلة اللازم وأن المقصود أوجد القراءة ، وإما لظهور المقروء من المقام ، وتقديره : اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن .

وقوله : ( باسم ربك ) فيه وجوه .

أولها : أن يكون افتتاح كلام بعد جملة ( اقرأ ) وهو أول المقروء ، أي : قل : باسم الله ، فتكون الباء للاستعانة ، فيجوز تعلقه بمحذوف تقديره : ابتدئ . ويجوز أن يتعلق بـ ( اقرأ ) الثاني فيكون تقديمه على معموله للاهتمام بشأن اسم الله . ومعنى الاستعانة باسم الله ذكر اسمه عند هذه القراءة ، وإقحام كلمة ( اسم ) ؛ لأن الاستعانة بذكر اسمه تعالى لا بذاته كما تقدم في الكلام على البسملة ، وهذا الوجه يقتضي أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : " باسم الله " حين تلقى هذه الجملة .

الثاني : أن تكون الباء للمصاحبة ويكون المجرور في موضع الحال من ضمير ( اقرأ ) الثاني مقدما على عامله للاختصاص ، أي : اقرأ ما سيوحى إليك مصاحبا قراءتك اسم ربك . فالمصاحبة مصاحبة الفهم والملاحظة لجلاله ، ويكون هذا إثباتا لوحدانية الله بالإلهية وإبطالا للنداء باسم الأصنام الذي كان يفعله المشركون يقولون : باسم اللات ، باسم العزى ، كما تقدم في البسملة . فهذا أول ما جاء من قواعد الإسلام قد افتتح به أول الوحي .

الثالث : أن تكون الباء بمعنى ( على ) كقوله تعالى : ( من إن تأمنه بقنطار ) ، أي : على قنطار . والمعنى : اقرأ على اسم ربك ، أي : على إذنه ، أي أن الملك جاءك على اسم ربك ، أي : مرسلا من ربك ، فذكر ( اسم ) على هذا متعين .

[ ص: 437 ] وعدل عن اسم الله العلم إلى صفة ( ربك ) ؛ لما يؤذن وصف الرب من الرأفة بالمربوب والعناية به ، مع ما يتأتى بذكره من إضافته إلى ضمير النبيء - صلى الله عليه وسلم - إضافة مؤذنة بأنه المنفرد بربوبيته عنده ردا على الذين جعلوا لأنفسهم أربابا من دون الله فكانت هذه الآية أصلا للتوحيد في الإسلام .

وجيء في وصف الرب بطريق الموصول ( الذي خلق ) ولأن في ذلك استدلالا على انفراد الله بالإلهية ; لأن هذا القرآن سيتلى على المشركين لما تفيده الموصولية من الإيماء إلى علة الخبر ، وإذا كانت علة الإقبال على ذكر اسم الرب هي أنه خالق دل ذلك على بطلان الإقبال على ذكر غيره الذي ليس بخالق ، فالمشركون كانوا يقبلون على اسم اللات واسم العزى ، وكون الله هو الخالق يعترفون به ، قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) فلما كان المقام مقام ابتداء الإسلام دين التوحيد كان مقتضيا لذكر أدل الأوصاف على وحدانيته .

وجملة ( خلق الإنسان من علق ) يجوز أن تكون بدلا من جملة ( الذي خلق ) بدل مفصل من مجمل إن لم يقدر له مفعول ، أو بدل بعض إن قدر له مفعول عام ، وسلك طريق الإبدال لما فيه من الإجمال ابتداء لإقامة الاستدلال على افتقار المخلوقات كلها إليه تعالى ; لأن المقام مقام الشروع في تأسيس ملة الإسلام . ففي الإجمال إحضار للدليل مع الاختصار مع ما فيه من إفادة التعميم ثم يكون التفصيل بعد ذلك لزيادة تقرير الدليل .

ويجوز أن تكون بيانا من ( الذي خلق ) إذا قدر لفعل ( خلق ) الأول مفعول دل عليه بيانه فيكون تقدير الكلام : اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق .

وعدم ذكر مفعول لفعل ( خلق ) يجوز أن يكون لتنزيل الفعل منزلة اللازم ، أي : الذي هو الخالق ، وأن يكون حذف المفعول لإرادة العموم ، أي : خلق كل المخلوقات ، وأن يكون تقديره : الذي خلق الإنسان ، اعتمادا على ما يرد بعده من قوله : ( خلق الإنسان ) فهذه معان في الآية .

[ ص: 438 ] وخص خلق الإنسان بالذكر من بين بقية المخلوقات ; لأنه المطرد في مقام الاستدلال إذ لا يغفل أحد من الناس عن نفسه ولا يخلو من أن يخطر له خاطر البحث عن الذي خلقه وأوجده ؛ لذلك قال تعالى : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .

وفيه تعريض بتحميق المشركين الذين ضلوا عن توحيد الله تعالى مع أن دليل الوحدانية قائم في أنفسهم .

وفي قوله : ( من علق ) إشارة إلى ما ينطوي في أصل خلق الإنسان من بديع الأطوار والصفات التي جعلته سلطان هذا العالم الأرضي .

والعلق : اسم جمع علقة وهي قطعة قدر الأنملة من الدم الغليظ الجامد الباقي رطبا لم يجف ، سمي بذلك تشبيها لها بدودة صغيرة تسمى علقة ، وهي حمراء داكنة تكون في المياه الحلوة ، تمتص الدم من الحيوان إذا علق خرطومها بجلده ، وقد تدخل إلى فم الدابة وخاصة الخيل والبغال فتعلق بلهاته ولا يتفطن لها .

ومعنى ( خلق الإنسان من علق ) أن نطفة الذكر ونطفة المرأة بعد الاختلاط ومضي مدة كافية تصيران علقة ، فإذا صارت علقة فقد أخذت في أطوار التكون ، فجعلت العلقة مبدأ الخلق ولم تجعل النطفة مبدأ الخلق ; لأن النطفة اشتهرت في ماء الرجل ، فلو لم تخالطه نطفة المرأة لم تصر العلقة فلا يتخلق الجنين ، وفيه إشارة إلى أن خلق الإنسان من علق ثم مصيره إلى كمال أشده هو خلق ينطوي على قوى كامنة وقابليات عظيمة أقصاها قابلية العلم والكتابة .

ومن إعجاز القرآن العلمي ذكر العلقة ; لأن الثابت في العلم الآن أن الإنسان يتخلق من بويضة دقيقة جدا لا ترى إلا بالمرآة المكبرة أضعافا تكون في مبدأ ظهورها كروية الشكل سابحة في دم حيض المرأة فلا تقبل التخلق حتى تخالطها نطفة الرجل فتمتزج معها فتأخذ في التخلق إذا لم يعقها عائق كما قال تعالى : ( مخلقة وغير مخلقة ) فإذا أخذت في التخلق والنمو امتد تكورها قليلا فشابهت العلقة التي في الماء مشابهة تامة في دقة الجسم وتلونها بلون الدم الذي هي سابحة فيه وفي كونها سابحة في سائل كما تسبح العلقة ، وقد تقدم هذا في سورة غافر وأشرت إليه في المقدمة العاشرة .

[ ص: 439 ] ومعنى حرف ( من ) الابتداء .

وفعل ( اقرأ ) الثاني تأكيد لـ ( اقرأ ) الأول للاهتمام بهذا الأمر .


وربك الأكرم ( 3 ) الذي علم بالقلم ( 4 ) علم الإنسان ما لم يعلم ( 5 )

جملة معطوفة على جملة ( اقرأ باسم ربك ) فلها حكم الاستئناف ، و ( ربك ) مبتدأ وخبره إما ( الذي علم بالقلم ) وإما جملة ( علم الإنسان ما لم يعلم ) وهذا الاستئناف بياني .

فإذا نظرت إلى الآية مستقلة عما تضمنه حديث عائشة في وصف سبب نزولها كان الاستئناف ناشئا عن سؤال يجيش في خاطر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقول : كيف أقرأ وأنا لا أحسن القراءة والكتابة ، فأجيب بأن الذي علم القراءة بواسطة القلم ، أي : بواسطة الكتابة يعلمك ما لم تعلم .

وإذا قرنت بين الآية وبين الحديث المذكور كان الاستئناف جوابا عن قوله لجبريل : " ما أنا بقارئ " فالمعنى : لا عجب في أن تقرأ وإن لم تكن من قبل عالما بالقراءة ، إذ العلم بالقراءة يحصل بوسائل أخرى مثل الإملاء والتلقين والإلهام وقد علم الله آدم الأسماء ولم يكن آدم قارئا .

ومقتضى الظاهر : وعلم بالقلم ، فعدل عن الإضمار لتأكيد ما يشعر به ( ربك ) من العناية المستفادة من قوله : ( اقرأ باسم ربك ) وأن هذه القراءة شأن من شئون الرب اختص بها عبده إتماما لنعمة الربوبية عليه .

وليجري على لفظ الرب وصف ( الأكرم ) .

ووصف ( الأكرم ) مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم وليس مصوغا للمفاضلة ، فهو مسلوب المفاضلة .

[ ص: 440 ] والكرم : التفضل بعطاء ما ينفع المعطى ، ونعم الله عظيمة لا تحصى ، ابتداء من نعمة الإيجاد وكيفية الخلق والإمداد .

وقد جمعت هذه الآيات الخمس من أول السورة أصول الصفات الإلهية ، فوصف الرب يتضمن الوجود والوحدانية ، ووصف ( الذي خلق ) ووصف ( الذي علم بالقلم ) يقتضيان صفات الأفعال ، مع ما فيه من الاستدلال القريب على ثبوت ما أشير إليه من الصفات بما تقتضيه الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر الذي يذكر معها . ووصف ( الأكرم ) يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص .

ومفعولا ( علم بالقلم ) محذوفان دل عليهما قوله : ( بالقلم ) وتقديره : علم الكاتبين أو علم ناسا الكتابة ، وكان العرب يعظمون علم الكتابة ويعدونها من خصائص أهل الكتاب كما قال أبو حية النميري :

كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل

ويتفاخر من يعرف الكتابة بعلمه ، وقال الشاعر :


تعلمت باجاد وآل مرامر
وسودت أثوابي ولست بكاتب


وذكر أن ظهور الخط في العرب أول ما كان عند أهل الأنبار . وأدخل الكتابة إلى الحجاز حرب بن أمية تعلمه من أسلم بن سدرة وتعلمه أسلم من مرامر بن مرة وكان الخط سابقا عند حمير باليمن ويسمى المسند .

وتخصيص هذه الصلة بالذكر وجعلها معترضة بين المبتدأ والخبر للإيماء إلى إزالة ما خطر ببال النبيء - صلى الله عليه وسلم - من تعذر القراءة عليه ; لأنه لا يعلم الكتابة فكيف القراءة إذ قال للملك " ما أنا بقارئ " ثلاث مرات ، لأن قوله : " ما أنا بقارئ " اعتذار عن تعذر امتثال أمره بقوله : ( اقرأ ) فالمعنى أن الذي علم الناس الكتابة بالقلم والقراءة قادر على أن يعلمك القراءة وأنت لا تعلم الكتابة .

والقلم : شظية من قصب ترقق وتثقف وتبرى بالسكين لتكون ملساء بين الأصابع ويجعل طرفها مشقوقا شقا في طول نصف الأنملة ، فإذا بل ذلك الطرف [ ص: 441 ] بسائل المداد يخط به على الورق وشبهه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ( إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) في سورة آل عمران .

وجملة ( علم الإنسان ما لم يعلم ) خبر عن قوله : ( وربك الأكرم ) وما بينهما اعتراض .

وتعريف ( الإنسان ) يجوز أن يكون تعريف الجنس ، فيكون ارتقاء في الإعلام بما قدره الله تعالى من تعليم الإنسان بتعميم التعليم بعد تخصيص التعليم بالقلم .

وقد حصلت من ذكر التعليم بالقلم والتعليم الأعم إشارة إلى ما يتلقاه الإنسان من التعاليم ، سواء كان بالدرس أم بمطالعة الكتب ، وأن تحصيل العلوم يعتمد أمورا ثلاثة : أحدها : الأخذ عن الغير بالمراجعة والمطالعة ، وطريقهما الكتابة وقراءة الكتب ، فإن بالكتابة أمكن للأمم تدوين آراء علماء البشر ونقلها إلى الأقطار النائية وفي الأجيال الجائية .

والثاني : التلقي من الأفواه بالدرس والإملاء .

والثالث : ما تنقدح به العقول من المستنبطات والمخترعات . وهذان داخلان تحت قوله تعالى : ( علم الإنسان ما لم يعلم ) .

وفي ذلك اطمئنان لنفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن عدم معرفته الكتابة لا يحول دون قراءته ; لأن الله علم الإنسان ما لم يعلم ، فالذي علم القراءة لأصحاب المعرفة بالكتابة قادر على أن يعلمك القراءة دون سبق معرفة بالكتابة .

وأشعر قوله : ( ما لم يعلم ) أن العلم مسبوق بالجهل ، فكل علم يحصل فهو علم ما لم يكن يعلم من قبل ، أي : فلا يؤيسنك من أن تصير عالما بالقرآن والشريعة أنك لا تعرف قراءة ما يكتب بالقلم . وفي الآية إشارة إلى الاهتمام بعلم الكتابة وبأن الله يريد أن يكتب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ما ينزل عليه من القرآن ، فمن أجل ذلك اتخذ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كتابا للوحي من مبدأ بعثه .

وفي الاقتصار على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة ثم إخباره بأن الله علم الإنسان [ ص: 442 ] بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ; لأنها وصف مكمل لإعجاز القرآن قال تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ) .

وهذه آخر الخمس الآيات التي هي أول ما أنزل على النبيء - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء .


كلا إن الإنسان ليطغى ( 6 ) أن رآه استغنى ( 7 ) إن إلى ربك الرجعى ( 8 ) أرأيت الذي ينهى ( 9 ) عبدا إذا صلى ( 10 )

استئناف ابتدائي لظهور أنه في غرض لا اتصال له بالكلام الذي قبله .

وحرف ( كلا ) ردع وإبطال ، وليس في الجملة التي قبلها ما يحتمل الإبطال والردع ، فوجود ( كلا ) في أول الجملة دليل على أن المقصود بالردع هو ما تضمنه قوله : ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) الآية .

وحق ( كلا ) أن تقع بعد كلام لإبطاله والزجر عن مضمونه ، فوقوعها هنا في أول الكلام يقتضي أن معنى الكلام الآتي بعدها حقيق بالإبطال وبردع قائله ، فابتدئ الكلام بحرف الردع للإبطال ، ومن هذا القبيل أن يفتتح الكلام بحرف نفي ليس بعده ما يصلح لأن يلي الحرف كما في قول امرئ القيس :


فلا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر


روى مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : " قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه ؟ - أي يسجد في الصلاة - بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ، فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته . فأتى رسول الله وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته ، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده . فقيل له : ما لك يا أبا الحكم ؟ قال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا . قال : فأنزل الله ، لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه ( إن الإنسان ليطغى ) الآيات اهـ .

[ ص: 443 ] وقال الطبري : ذكر أن آية ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) وما بعدها نزلت في أبي جهل بن هشام ، وذلك أنه قال فيما بلغنا : لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن رقبته . فجعل الطبري ما أنزل في أبي جهل مبدوءا بقوله : ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) .

ووجه الجمع بين الروايتين : أن النازل في أبي جهل بعضه مقصود وهو ما أوله ( أرأيت الذي ينهى ) إلخ ، وبعضه تمهيد وتوطئة وهو ( إن الإنسان ليطغى ) إلى ( الرجعى ) .

واختلفوا في أن هذه الآيات إلى آخر السورة نزلت عقب الخمس الآيات الماضية وجعلوا مما يناكده ذكر الصلاة فيها وفيما روي في سبب نزولها من قول أبي جهل ؛ بناء على أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ، وكان الإسراء بعد البعثة بسنين ، فقال بعضهم : إنها نزلت بعد الآيات الخمس الأولى من هذه السورة ، ونزل بينهن قرآن آخر ثم نزلت هذه الآيات ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإلحاقها ، وقال بعض آخر : ليست هذه السورة أول ما أنزل من القرآن .

وأنا لا أرى مناكدة تفضي إلى هذه الحيرة ، والذي يستخلص من مختلف الروايات في بدء الوحي وما عقبه من الحوادث أن الوحي فتر بعد نزول الآيات الخمس الأوائل من هذه السورة وتلك الفترة الأولى التي ذكرناها في أول سورة الضحى ، وهناك فترة للوحي هذه ذكرها ابن إسحاق بعد أن ذكر ابتداء نزول القرآن وذلك يؤذن بأنها حصلت عقب نزول الآيات الخمس الأول ، ولكن أقوالهم اختلفت في مدة الفترة . وقال السهيلي : كانت المدة سنتين ، وفيه بعد . وليس تحديد مدتها بالأمر المهم ، ولكن الذي يهم هو أنا نوقن بأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان في مدة فترة الوحي يرى جبرائيل ويتلقى منه وحيا ليس من القرآن . وقال السهيلي في الروض الأنف : ذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس ( أي العصر ) وصلاة قبل طلوعها ( أي الصبح ) ، وقال يحيى بن سلام مثله ، وقال : كان الإسراء وفرض الصلوات الخمس قبل الهجرة بعام اهـ . فالوجه أن تكون الصلاة التي كان يصليها النبيء - صلى الله عليه وسلم - غير الصلوات الخمس ، بل كانت هيئة غير مضبوطة بكيفية وفيها سجود لقول الله تعالى واسجد واقترب [ ص: 444 ] يؤديها في المسجد الحرام أو غيره بمرأى من المشركين ، فعظم ذلك على أبي جهل ونهاه عنها .

فالوجه أن تكون هذه الآيات إلى بقية السورة قد نزلت بعد فترة قصيرة من نزول أول السورة حدثت فيها صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفشا فيها خبر بدء الوحي ونزول القرآن ، جريا على أن الأصل في الآيات المتعاقبة في القراءة أن تكون قد تعاقبت في النزول إلا ما ثبت تأخره بدليل بين ، وجريا على الصحيح الذي لا ينبغي الالتفات إلى خلافه من أن هذه السورة هي أول سورة نزلت .

فموقع قوله : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى موقع المقدمة لما يرد بعده من قوله : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى قوله : لا تطعه ؛ لأن مضمونه كلمة شاملة لمضمون أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى قوله : فليدع ناديه .

والمعنى : أن ما قاله أبو جهل ناشئ عن طغيانه بسبب غناه كشأن الإنسان .

والتعريف في الإنسان للجنس ، أي : من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحس من نفسه الاستغناء ، واللام مفيدة الاستغراق العرفي ، أي : أغلب الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خلقه أو دينه .

وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد زيادة تحقيقه لغرابته حتى كأنه مما يتوقع أن يشك السامع فيه .

والطغيان : التعاظم والكبر .

والاستغناء : شدة الغنى ، فالسين والتاء فيه للمبالغة في حصول الفعل ، مثل استجاب واستقر .

وأن راءه متعلق بـ يطغى بحذف لام التعليل ; لأن حذف الجار مع أنه كثير وشائع ؛ والتقدير : إن الإنسان ليطغى لرويته نفسه مستغنيا .

وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره ، [ ص: 445 ] وأن غيره محتاج فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة ، ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصبو خلقا ، حيث لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح ؛ فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم ; لأن له ما يدفع به الاعتداء من لامة سلاح وخدم وأعوان وعفاة ومنتفعين بماله من شركاء وعمال وأجراء فهو في عزة عند نفسه .

فقد بينت هذه الآية حقيقة نفسية عظيمة من الأخلاق وعلم النفس ، ونبهت على الحذر من تغلغلها في النفس .

ولا يجتمع ضميران متحدا المعاد : أحدهما فاعل ، والآخر مفعول في كلام العرب ، إلا إذا كان العامل من باب ظن وأخواتها كما في الآية . ومنه قوله تعالى : قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي في سورة الإسراء . قال الفراء : والعرب تطرح النفس من هذا الجنس ( أي *** أفعال الظن والحسبان ) تقول : رأيتني وحسبتني ، ومتى تراك خارجا ، ومتى تظنك خارجا . وألحقت ( رأى ) البصرية بـ ( رأى ) القلبية عند كثير من النحاة كما في قول قطري بن الفجاءة :


فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني مرة وأمامي


ومن النادر قول النمر بن تولب :


قد بت أحرسني وحدي ويمنعني صوت السباع به يضبحن والهام


وقرأ الجميع ( أن رآه ) بألف بعد الهمزة . وروى ابن مجاهد عن قنبل أنه قرأه عن ابن كثير ( رأه ) بدون ألف بعد الهمزة ، قال ابن مجاهد : هذا غلط . ولا يعبأ بكلام ابن مجاهد بعد أن جزم بأنه رواه عن قنبل ، لكن هذا لم يروه غير ابن مجاهد عن قنبل ، فيكون وجها غريبا عن قنبل .

وألحق بهذه الأفعال : فعل فقد وفعل عدم ، إذا استعملا في الدعاء ، نحو قول القائل : فقدتني وعدمتني .

[ ص: 446 ] وجملة إن إلى ربك الرجعى معترضة بين المقدمة والمقصد والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ، أي : مرجع الطاغي إلى الله ، وهذا موعظة وتهديد على سبيل التعريض لمن يسمعه من الطغاة ، وتعليم للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وتثبيت له ، أي : لا يحزنك طغيان الطاغي فإن مرجعه إلي ، ومرجع الطاغي إلى العذاب قال تعالى : إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا وهو موعظة للطاغي بأن غناه لا يدفع عنه الموت ، والموت : رجوع إلى الله كقوله : يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه .

وفيه معنى آخر وهو أن استغناءه غير حقيقي ; لأنه مفتقر إلى الله في أهم أموره ولا يدري ماذا يصيره إليه ربه من العواقب فلا يزده بغنى زائف في هذه الحياة فيكون الرجعى مستعملا في مجازه ، وهو الاحتياج إلى المرجوع إليه ، وتأكيد الخبر بـ ( إن ) مراعى فيه المعنى التعريضي ; لأن معظم الطغاة ينسبون هذه الحقيقة بحيث ينزلون منزلة من ينكرها .

والرجعى : بضم الراء مصدر رجع على زنة فعلى ، مثل البشرى .

وتقديم إلى ربك على الرجعى للاهتمام بذلك .

وجملة أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى آخرها هي المقصود من الردع الذي أفاده حرف كلا ؛ فهذه الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا متصلا باستئناف جملة إن الإنسان ليطغى .

و الذي ينهى اتفقوا على أنه أريد به أبو جهل ، إذ قال قولا يريد به نهي النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي في المسجد الحرام ، فقال في ناديه : لئن رأيت محمدا يصلي في الكعبة لأطأن على عنقه . فإنه أراد بقوله ذلك أن يبلغ إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فهو تهديد يتضمن النهي عن أن يصلي في المسجد الحرام . ولم يرو أنه نهاه مشافهة .

و ( أرأيت ) كلمة تعجيب من حال ، تقال للذي يعلم أنه رأى حالا عجيبة . والرؤية علمية ؛ أي : أعلمت الذي ينهى عبدا والمستفهم عنه هو ذلك العلم ، والمفعول الثاني لـ ( رأيت ) محذوف دل عليه قوله في آخر الجمل ألم يعلم بأن الله يرى .

[ ص: 447 ] والاستفهام مستعمل في التعجيب ; لأن الحالة العجيبة من شأنها أن يستفهم عن وقوعها استفهام تحقيق وتثبيت لنبئها ؛ إذ لا يكاد يصدق به ؛ فاستعمال الاستفهام في التعجيب مجاز مرسل في التركيب . ومجيء الاستفهام في التعجيب كثير نحو هل أتاك حديث الغاشية .

والرؤية علمية ، والمعنى : أعجب ما حصل لك من العلم ، قال الذي ينهى عبدا إذا صلى . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية لأنها حكاية أمر وقع في الخارج .

والخطاب في أرأيت لغير معين .

والمراد بالعبد النبيء صلى الله عليه وسلم . وإطلاق العبد هنا على معنى واحد من عباد الله أي : شخص كما في قوله تعالى : بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد أي : رجالا . وعدل عن التعبير عنه بضمير الخطاب ; لأن التعجيب من نفس النهي عن الصلاة بقطع النظر عن خصوصية المصلي . فشموله لنهيه عن صلاة النبيء - صلى الله عليه وسلم - أوقع ، وصيغة المضارع في قوله : ينهى لاستحضار الحالة العجيبة وإلا فإن نهيه قد مضى .

والمنهي عنه محذوف يغني عنه تعليق الظرف بفعل ينهى أي : ينهاه عن صلاته .


أرأيت إن كان على الهدى ( 11 ) أو أمر بالتقوى ( 12 )

تعجيب آخر من حال المفروض وقوعه ، أي : أتظنه ينهى أيضا عبدا متمكنا من الهدى فتعجب من نهيه . والتقدير : أرأيته إن كان العبد على الهدى أينهاه عن الهدى ، أو إن كان العبد آمرا بالتقوى أينهاه عن ذلك .

والمعنى : أن ذلك هو الظن به فيعجب المخاطب من ذلك ; لأن من ينهى عن الصلاة وهي قربة إلى الله فقد نهى عن الهدى ، ويوشك أن ينهى عن أن يأمر أحدا بالتقوى .

وجواب الشرط محذوف وأتى بحرف الشرط الذي الغالب فيه عدم الجزم بوقوع فعل الشرط مجاراة لحال الذي ينهى عبدا .

[ ص: 448 ] والرؤية هنا علمية ، وحذف مفعولا فعل الرؤية اختصارا لدلالة الذي ينهى على المفعول الأول ودلالة ينهى على المفعول الثاني في الجملة قبلها .

وعلى للاستعلاء المجازي وهو شدة التمكن من الهدى بحيث يشبه تمكن المستعلي على المكان كما تقدم في قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم .

فالضميران المستتران في فعلي كان على الهدى أو أمر بالتقوى عائدان إلى " عبدا " وإن كانت الضمائر الحافة به عائدة إلى الذي ينهى عبدا إذا صلى .

فإن السياق يرد كل ضمير إلى معاده كما في قول عباس بن مرداس :


عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا


والمفعول الثاني لفعل ( رأيت ) محذوف دل عليه قوله : ألم يعلم بأن الله يرى أو دل عليه قوله : ينهى المتقدم . والتقدير : أرأيته .

وجواب إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى محذوف تقديره : أينهاه أيضا .

وفصلت جملة أرأيت إن كان على الهدى لوقوعها موقع التكرير ; لأن فيها تكرير التعجيب من أحوال عديدة لشخص واحد .


أرأيت إن كذب وتولى ( 13 ) ألم يعلم بأن الله يرى ( 14 )

جملة مستأنفة للتهديد والوعيد على التكذيب والتولي ؛ أي : إذا كذب بما يدعى إليه وتولى أتظنه غير عالم بأن الله مطلع عليه .

فالمفعول الأول لـ ( رأيت ) محذوف وهو ضمير عائد إلى الذي ينهى والتقدير : أرأيته إن كذب . . . إلى آخره .

وجواب إن كذب وتولى هو ألم يعلم بأن الله يرى كذا قدر صاحب الكشاف ، ولم يعتبر وجوب اقتران جملة جواب الشرط بالفاء إذا كانت الجملة استفهامية . وصرح الرضي باختيار عدم اشتراط الاقتران بالفاء ونظره بقوله تعالى : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون فأما قول جمهور النحاة والزمخشري في المفصل فهو وجوب الاقتران بالفاء ، وعلى قولهم [ ص: 449 ] يتعين تقدير جواب الشرط بما يدل عليه ألم يعلم بأن الله يرى ، والتقدير إن كذب وتولى فالله عالم به ، كناية عن توعده . وتكون جملة ألم يعلم بأن الله يرى مستأنفة لإنكار جهل المكذب بأن الله سيعاقبه ، والشرط وجوابه سادان مسد المفعول الثاني .

وكني بأن الله يرى عن الوعيد بالعقاب .

وضمن فعل ( يعلم ) معنى يوقن فلذلك عدي بالباء .

وعلق فعل أرأيت هنا عن العمل لوجود الاستفهام في قوله : ألم يعلم .

والاستفهام إنكاري ، أي : كان حقه أن يعلم ذلك ويقي نفسه العقاب .

وفي قوله : إن كذب وتولى إيذان للنبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن أبا جهل سيكذبه حين يدعوه إلى الإسلام وسيتولى ، ووعد بأن الله سينتصف له منه .

وضمير كذب وتولى عائد إلى الذي ينهى عبدا إذا صلى وقرينة المقام ترجع الضمائر إلى مراجعها المختلفة .

وحذف مفعول كذب لدلالة ما قبله عليه . والتقدير : إن كذبه ، أي : العبد الذي صلى ، وبذلك انتظمت الجمل الثلاث في نسبة معانيها إلى الذي ينهى عبدا إذا صلى وإلى العبد الذي صلى ، واندفعت عنك ترددات عرضت في التفاسير .

وحذف مفعول يرى ليعم كل موجود ؛ والمراد بالرؤية المسندة إلى الله تعالى تعلق علمه بالمحسوسات .

كلا .

أكد الردع الأول بحرف الردع الثاني وفي آخر الجملة وهو الموقع الحقيق لحرف الردع ، إذ كان تقديم نظيره في أول الجملة ، لما دعا إليه لمقام من التشويق .


كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ( 15 ) ناصية كاذبة خاطئة ( 16 )

أعقب الردع بالوعيد على فعله إذا لم يرتدع وينته عنه .

واللام موطئة للقسم ؛ وجملة لنسفعن جواب القسم وأما جواب الشرط فمحذوف دل عليه جواب القسم .

والسفع : القبض الشديد بجذب .

والناصية مقدم شعر الرأس ، والأخذ من الناصية أخذ من لا يترك له تمكن من الانفلات فهو كناية عن أخذه إلى العذاب وفيه إذلال ; لأنهم كانوا لا يقبضون على شعر رأس أحد إلا لضربه أو لجره . وأكد ذلك السفع بالباء المزيدة الداخلة على المفعول لتأكيد اللصوق .

والنون نون التوكيد الخفيفة التي يكثر دخولها في القسم المثبت ، وكتبت في المصحف ألفا رعيا للنطق لها في الوقف ; لأن أواخر الكلم أكثر ما ترسم على مراعاة النطق في الوقف .

والتعريف في الناصية للعهد التقديري ، أي : بناصيته ، أي ناصية الذي ينهى عبدا إذا صلى ، وهذه اللام هي التي يسميها نحاة الكوفة عوضا عن المضاف إليه ، وهي تسمية حسنة وإن أباها البصريون فقدروا في مثله متعلقا لمدخول اللام .

و ( ناصية ) بدل من الناصية وتنكيرها لاعتبار الجنس ، أي : هي من *** ناصية كاذبة خاطئة .

و ( خاطئة ) اسم فاعل من خطئ من باب علم ، إذا فعل خطيئة ، أي : ذنبا . ووصف الناصية بالكاذبة والخاطئة مجاز عقلي . والمراد : كاذب صاحبها خاطئ صاحبها ، أي : آثم . ومحسن هذا المجاز أن فيه تخييلا بأن الكذب والخطأ باديان من ناصيته فكانت الناصية جديرة بالسفع .


فليدع ناديه ( 17 ) سندع الزبانية ( 18 ) كلا

تفريع على الوعد . ومناسبة ذلك ما رواه الترمذي والنسائي عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عند المقام فمر به أبو جهل فقال : يا محمد ، ألم أنهك عن هذا ؟ وتوعده ، فأغلظ له رسول الله ؛ فقال أبو جهل : يا محمد ، بأي شيء تهددني ؟ أما والله إني لأكثر أهل هذا الوادي ناديا ، فأنزل الله تعالى : فليدع ناديه سندع الزبانية يعني أن أبا جهل أراد بقوله ذلك تهديد النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأنه يغري عليه أهل ناديه .

والنادي : اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم ، يقال : ندا القوم ندوا ، إذا اجتمعوا . والندوة بفتح النون الجماعة ، ويقال : ناد وندي ، ولا يطلق هذا الاسم على المكان إلا إذا كان القوم مجتمعين فيه فإذا تفرقوا عنه فليس بناد ، ويقال النادي لمجلس القوم نهارا ؛ فأما مجلسهم في الليل فيسمى المسامر قال تعالى : سامرا تهجرون .

واتخذ قصي لندوة قريش دارا تسمى دار الندوة حول المسجد الحرام ، وجعلها لتشاورهم ومهماتهم وفيها يعقد على الأزواج ، وفيها تتدرع الجواري ، أي : يلبسوهن الدروع ، أي : الأقمصة إعلانا بأنهن قاربن سن البلوغ ، وهذه الدار كانت اشترتها الخيزران زوجة المنصور أبي جعفر وأدخلتها في ساحة المسجد الحرام ، وأدخل بعضها في المسجد الحرام في زيادة عبد الملك بن مروان وبعضها في زيادة أبي جعفر المنصور ، وبقيت بقيتها بيتا مستقلا ونزل به المهدي سنة 160 في مدة خلافة المعتضد بالله العباسي لما زاد في المسجد الحرام جعل مكان دار الندوة مسجدا متصلا بالمسجد الحرام فاستمر كذلك ، ثم هدم وأدخلت مساحته في مساحة المسجد الحرام في الزيادة التي زادها الملك سعود بن عبد العزيز ملك الحجاز ونجد سنة 1379 .

ويطلق النادي على الذين ينتدون فيه وهو معنى قول أبي جهل : إني لأكثر أهل هذا الوادي ناديا ، أي : ناسا يجلسون إلي يريد أنه رئيس يصمد إليه ، وهو المعني هنا .

[ ص: 452 ] وإطلاق النادي على أهله نظير إطلاق القرية على أهلها في قوله تعالى : واسأل القرية ونظير إطلاق المجلس على أهله في قول ذي الرمة :


لهم مجلس صهب السبال أذلة سواسية أحرارها وعبيدها


وإطلاق المقامة على أهلها في قول زهير :


وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل


أي : أصحاب مقامات حسان وجوههم .

وإطلاق المجمع على أهله في قول لبيد :


إنا إذا التقت المجامع لم يزل منا لزاز عظيمة جسامها


الأبيات الأربعة .

ولام الأمر في فليدع ناديه للتعجيز ; لأن أبا جهل هدد النبيء - صلى الله عليه وسلم - بكثرة أنصاره وهم أهل ناديه ، فرد الله عليه بأن أمره بدعوة ناديه ؛ فإنه إن دعاهم ليسطوا على النبيء - صلى الله عليه وسلم - دعا الله ملائكة فأهلكوه ، وهذه الآية معجزة خاصة من معجزات القرآن فإنه تحدى أبا جهل بهذا ، وقد سمع أبو جهل القرآن وسمعه أنصاره فلم يقدم أحد منهم على السطو على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أن الكلام يلهب حميته .

وإضافة النادي إلى ضميره لأنه رئيسهم ويجتمعون إليه قالت إعرابية " سيد ناديه ، وثمال عافيه " .

وقوله : سندع الزبانية جواب الأمر التعجيزي ، أي : فإن دعا ناديه دعونا لهم الزبانية ؛ ففعل سندع مجزوم في جواب الأمر ، ولذلك كتب في المصحف بدون واو وحرف الاستقبال لتأكيد الفعل .

والزبانية : بفتح الزاي وتخفيف التحتية جمع زباني بفتح الزاي وبتحتية مشددة ، أو جمع زبنية بكسر الزاي فموحدة ساكنة فنون مكسورة فتحتية مخففة ، أو جمع زبني بكسر فسكون فتحتية مشددة ، وقيل : هو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، مثل أبابيل وعباديد . وهذا الاسم مشتق من الزبن وهو الدفع بشدة ، يقال : ناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها ، وحرب زبون يدفع بعضها بعضا بتكرر القتال . [ ص: 453 ] فالزبانية الذين يزبنون الناس ، أي : يدفعونهم بشدة . والمراد بهم ملائكة العذاب ويطلق الزبانية على أعوان الشرطة .

و كلا ردع لإبطال ما تضمنه قوله : فليدع ناديه ، أي : وليس بفاعل ، وهذا تأكيد للتحدي والتعجيز .

وكتب ( سندع ) في المصحف بدون واو بعد العين مراعاة لحالة الوصل ؛ لأنها ليست محل وقف ولا فاصلة .


لا تطعه واسجد واقترب ( 19 )

هذا فذلكة للكلام المتقدم من قوله : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أي : لا تترك صلاتك في المسجد الحرام ولا تخش منه .

وأطلقت الطاعة على الحذر الباعث على الطاعة على طريق المجاز المرسل ؛ والمعنى : لا تخفه ولا تحذره فإنه لا يضرك .

وأكد قوله : لا تطعه بجملة ( واسجد ) اهتماما بالصلاة .

وعطف عليه " واقترب " للتنويه بما في الصلاة من مرضاة الله تعالى بحيث جعل المصلي مقتربا من الله تعالى .

والاقتراب : افتعال من القرب ، عبر بصيغة الافتعال لما فيها من معنى التكلف والتطلب ، أي : اجتهد في القرب إلى الله بالصلاة .

EL Mister
19-06-09, 19:33
بسم الله الرحمن الرحيم

( والتين والزيتون ( 1 ) وطور سينين ( 2 ) وهذا البلد الأمين ( 3 ) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ( 4 ) ثم رددناه أسفل سافلين ( 5 ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( 6 ) فما يكذبك بعد بالدين ( 7 ) أليس الله بأحكم الحاكمين ( 8 ) )


مقدمة

سميت في معظم كتب التفسير ومعظم المصاحف ( سورة والتين ) بإثبات الواو تسمية بأول كلمة فيها . وسماها بعض المفسرين ( سورة التين ) بدون الواو ; لأن فيها لفظ ( التين ) كما قالوا ( سورة البقرة ) وبذلك عنونها الترمذي وبعض المصاحف .

وهي مكية عند أكثر العلماء ، قال ابن عطية : لا أعرف في ذلك خلافا بين المفسرين ، ولم يذكرها في الإتقان في عداد السور المختلف فيها . وذكر القرطبي عن قتادة أنها مدنية ، ونسب أيضا إلى ابن عباس ، والصحيح عن ابن عباس أنه قال : هي مكية .

وعدت الثامنة والعشرين في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة البروج وقبل سورة الإيلاف .

وعدد آياتها ثمان .


أغراض السورة

احتوت هذه السورة على التنبيه بأن الله خلق الإنسان على الفطرة المستقيمة ليعلموا أن الإسلام هو الفطرة ، كما قال في الآية الأخرى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ) وأن ما يخالف أصوله بالأصالة أو بالتحريف فساد وضلال ، ومتبعي ما يخالف الإسلام أهل ضلالة .

والتعريض بالوعيد للمكذبين بالإسلام .

[ ص: 420 ] والإشارة بالأمور المقسم بها إلى أطوار الشرائع الأربعة إيماء إلى أن الإسلام جاء مصدقا لها وأنها مشاركة أصولها لأصول دين الإسلام .

والتنويه بحسن جزاء الذين اتبعوا الإسلام في أصوله وفروعه .

وشملت الامتنان على الإنسان بخلقه على أحسن نظام في جثمانه ونفسه .


والتين والزيتون ( 1 ) وطور سينين ( 2 ) وهذا البلد الأمين ( 3 ) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ( 4 ) ثم رددناه أسفل سافلين ( 5 )

ابتداء الكلام بالقسم المؤكد يؤذن بأهمية الغرض المسوق له الكلام ، وإطالة القسم تشويق إلى المقسم عليه .

والتين ظاهره : الثمرة المشهورة بهذا الاسم ، وهي ثمرة يشبه شكلها شكل الكمثرى ، ذات قشر لونه أزرق إلى السواد ، تتفاوت أصنافه في قتومة قشره ، سهلة التقشير تحتوي على مثل وعاء أبيض في وسطه عسل طيب الرائحة مخلوط ببزور دقيقة مثل السمسم الصغير ، وهي من أحسن الثمار صورة وطعما وسهولة مضغ ، فحالتها دالة على دقة صنع الله ومؤذنة بعلمه وقدرته ، فالقسم بها لأجل دلالتها على صفات إلهية كما يقسم بالاسم لدلالته على الذات ، مع الإيذان بالمنة على الناس ، إذ خلق لهم هذه الفاكهة التي تنبت في كل البلاد والتي هي سهلة النبات لا تحتاج إلى كثرة عمل وعلاج .

والزيتون أيضا ظاهره : الثمرة المشهورة ذات الزيت الذي يعتصر منها فيطعمه الناس ويستصبحون به . والقسم بها كالقسم بالتين من حيث إنها دالة على صفات الله ، مع الإشارة إلى نعمة خلق هذه الثمرة النافعة الصالحة التي تكفي الناس حوائج طعامهم وإضاءتهم .

وعلى ظاهر الاسمين للتين والزيتون حملهما جمع من المفسرين الأولين ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة والنخعي وعطاء وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي ، وذلك لما في هاتين الثمرتين من المنافع للناس المقتضية الامتنان عليهم بأن خلقها الله لهم ، [ ص: 421 ] ولكن مناسبة ذكر هذين مع ( طور سينين ) ومع ( البلد الأمين ) تقتضي أن يكون لهما محمل أوفق بالمناسبة فروي عن ابن عباس أيضا تفسير التين بأنه مسجد نوح الذي بني على الجودي بعد الطوفان . ولعل تسمية هذا الجبل التين لكثرته فيه ، إذ قد تسمى الأرض باسم ما يكثر فيها من الشجر كقول امرئ القيس :


أمرخ ديارهم أم عشر
وسمي بالتين موضع جاء في شعر النابغة يصف سحابات بقوله :


صهب الظلال أتين التين عن عرض يزجين غيما قليلا ماؤه شبما


والزيتون يطلق على الجبل الذي بني عليه المسجد الأقصى لأنه ينبت الزيتون . وروي هذا عن ابن عباس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي . ويجوز عندي أن يكون القسم بـ ( التين والزيتون ) معنيا بهما شجر هاتين الثمرتين ، أي : اكتسب نوعاهما شرفا من بين الأشجار بكون كثير منه نابتا في هذين المكانين المقدسين كما قال جرير :


أتذكر حين تصقل عارضيها بفرع بشامة سقي البشـام


فدعا لنوع البشام بالسقي لأجل عود بشامة الحبيبة .

وأما ( طور سينين ) فهو الجبل المعروف بـ " طور سينا " . والطور : الجبل بلغة النبط وهم الكنعانيون ، وعرف هذا الجبل بـ ( طور سينين ) لوقوعه في صحراء ( سينين ) ، و ( سينين ) لغة في سين وهي صحراء بين مصر وبلاد فلسطين . وقيل : سينين اسم الأشجار بالنبطية أو بالحبشية ، وقيل : معناه الحسن بلغة الحبشة .

وقد جاء تعريبه في العربية على صيغة تشبه صيغة جمع المذكر السالم وليس بجمع ، فجاز في إعرابه أن يعرب مثل إعراب جمع المذكر بالواو نيابة عن الضمة ، أو الياء نيابة عن الفتحة أو الكسرة ، وأن يحكى على الياء مع تحريك نونه بحركات الإعراب مثل : صفين ويبرين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ( والطور وكتاب مسطور ) .

[ ص: 422 ] والبلد الأمين : مكة ، سمي الأمين ; لأن من دخله كان آمنا ، فالأمين فعيل بمعنى مفعل مثل الداعي السميع في بيت عمرو بن معديكرب ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول على وجه الإسناد المجازي ، أي : المأمون ساكنوه ، قال تعالى : ( وآمنهم من خوف ) .

والإشارة إليه للتعظيم ; ولأن نزول السورة في ذلك البلد فهو حاضر بمرأى ومسمع من المخاطبين نظير قوله : ( لا أقسم بهذا البلد ) .

وعلى ما تقدم ذكره من المحملين الثانيين للتين والزيتون تتم المناسبة بين الإيمان وتكون إشارة إلى موارد أعظم الشرائع الواردة للبشر ، فالتين إيماء إلى رسالة نوح وهي أول شريعة لرسول ، والزيتون إيماء إلى شريعة إبراهيم فإنه بنى المسجد الأقصى كما ورد في الحديث وقد تقدم في أول الإسراء ، و ( طور سينين ) إيماء إلى شريعة التوراة ، و ( البلد الأمين ) إيماء إلى مهبط شريعة الإسلام ، ولم يقع إيماء إلى شريعة عيسى لأنها تكملة لشريعة التوراة .

وقد يكون الزيتون على تأويله بالمكان وبأنه المسجد الأقصى إيماء إلى مكان ظهور شريعة عيسى عليه السلام ; لأن المسجد الأقصى بناه سليمان - عليه السلام - فلم تنزل فيه شريعة قبل شريعة عيسى ويكون قوله : ( وهذا البلد الأمين ) إيماء إلى شريعة إبراهيم وشريعة الإسلام ، فإن الإسلام جاء على أصول الحنيفية وبذلك يكون إيماء هذه الآية ما صرح به في قوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) ، وبذلك يكون ترتيب الإيماء إلى شرائع نوح وموسى وعيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - غير جار على ترتيب ظهورها ، فتوجيه مخالفة الترتيب الذكري للترتيب الخارجي أنه لمراعاة اقتران الاسمين المنقولين عن اسمي الثمرتين ، ومقارنة الاسمين الدالين على نوعين من أماكن الأرض ، ليتأتى محسن مراعاة النظير ومحسن التورية ، وليناسب ( سينين ) فواصل السورة .

وفي ابتداء السورة بالقسم بما يشمل إرادة مهابط أشهر الأديان الإلهية براعة استهلال لغرض السورة ، وهو أن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم ، أي : خلقه على الفطرة السليمة مدركا لأدلة وجود الخالق ووحدانيته . وفيه إيماء إلى أن ما خالف [ ص: 423 ] ذلك من النحل والملل قد حاد عن أصول شرائع الله كلها بقطع النظر عن اختلافها في الفروع ، ويكفي في تقوم معنى براعة الاستهلال ما يلوح في المعنى من احتمال .

وجملة ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) مع ما عطف عليه هو جواب القسم .

والقسم عليه يدل على أن التقويم تقويم خفي وأن الرد رد خفي يجب التدبر لإدراكه كما سنبينه في قوله : ( في أحسن تقويم ) . فلذلك ناسب أن يحقق بالتوكيد بالقسم ; لأن تصرفات معظم الناس في عقائدهم جارية على حالة تشبه حالة من ينكرون أنهم خلقوا على الفطرة .

والخلق : تكوين وإيجاد لشيء ، وخلق الله جميع الناس هو أنه خلق أصول الإيجاد وأوجد الأصول الأولى في بدء الخليقة كما قال تعالى : ( لما خلقت بيدي ) وخلق أسباب تولد الفروع من الأصول فتناسلت منها ذرياتهم كما قال : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) .

وتعريف ( الإنسان ) يجوز أن يكون تعريف الجنس ، وهو التعريف الملحوظ فيه مجموع الماهية مع وجودها في الخارج في ضمن بعض أفرادها أو جميع أفرادها .

ويحمل على معنى : خلقنا جميع الناس في أحسن تقويم .

ويجوز أن يكون تعريف ( الإنسان ) تعريف الحقيقة نحو قولهم : الرجل خير من المرأة ، وقول امرئ القيس :


الحرب أول ما تكون فتية


فلا يلاحظ فيه أفراد الجنس ، بل الملحوظ حالة الماهية في أصلها دون ما يعرض لأفرادها مما يغير بعض خصائصها . ومنه التعريف الواقع في قوله تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعا ) ، وقد تقدم في سورة المعارج .

والتقويم : جعل الشيء في قوام بفتح القاف ، أي : عدل وتسوية ، وحسن [ ص: 424 ] التقويم أكمله وأليقه بنوع الإنسان ، أي : أحسن تقويم له ، وهذا يقتضي أنه تقويم خاص بالإنسان لا يشاركه فيه غيره من المخلوقات ، ويتضح ذلك في تعديل القوى الظاهرة والباطنة بحيث لا تكون إحدى قواه موقعة له فيما يفسده ، ولا يعوق بعض قواه البعض الآخر عن أداء وظيفته فإن غيره من جنسه كان دونه في التقويم .

وحرف ( في ) يفيد الظرفية المجازية المستعارة لمعنى التمكن والملك ، فهي مستعملة في معنى باء الملابسة أو لام الملك ، وإنما عدل عن أحد الحرفين الحقيقيين لهذا المعنى إلى حرف الظرفية لإفادة قوة الملابسة أو قوة الملك مع الإيجاز ، ولولا الإيجاز لكانت مساواة الكلام أن يقال : لقد خلقنا الإنسان بتقويم مكين هو أحسن تقويم .

فأفادت الآية أن الله كون الإنسان تكوينا ذاتيا متناسبا مع ما خلق له نوعه من الإعداد لنظامه وحضارته ، وليس تقويم صورة الإنسان الظاهرة هو المعتبر عند الله تعالى ولا جديرا بأن يقسم عليه ، إذ لا أثر له في إصلاح النفس ، وإصلاح الغير ، والإصلاح في الأرض ، ولأنه لو كان هو المراد لذهبت المناسبة التي في القسم بالتين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين ، وإنما هو متمم لتقويم النفس ، قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم " فإن العقل أشرف ما خص به نوع الإنسان من بين الأنواع .

فالمرضي عند الله هو تقويم إدراك الإنسان ونظره العقلي الصحيح ; لأن ذلك هو الذي تصدر عنه أعمال الجسد إذ الجسم آلة خادمة للعقل ، فلذلك كان هو المقصود من قوله تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) .

وأما خلق جسد الإنسان في أحسن تقويم فلا ارتباط له بمقصد السورة ، ويظهر هذا كمال الظهور في قوله : ( ثم رددناه أسفل سافلين ) فإنه لو حمل الرد أسفل سافلين على مصير الإنسان في أرذل العمر إلى نقائص قوته كما فسر به كثير من المفسرين ، لكان نبوه عن غرض السورة أشد ، وليس ذلك مما يقع فيه تردد [ ص: 425 ] السامعين حتى يحتاج إلى تأكيده بالقسم ، ويدل لذلك قوله بعده ( إلا الذين آمنوا ) ؛ لأن الإيمان أثر التقويم لعقل الإنسان الذي يلهمه السير في أعماله على الطريق الأقوم ، ومعاملة بني نوعه السالمين من عدائه معاملة الخير معهم على حسب توافقهم معه في الحق فذلك هو الأصل في تكوين الإنسان ، إذا سلم من عوارض عائقة من بعض ذلك مما يعرض له وهو جنين ; إما من عاهة تلحقه لمرض أحد الأبوين ، أو لفساد هيكله من سقطة أو صدمة في حمله ، وما يعرض له بعد الولادة من داء معضل يعرض له يترك فيه اختلال مزاجه فيحرف شيئا من فطرته كحماقة السوداويين والسكريين أو خبال المختبلين ، ومما يدخله على نفسه من مساوي العادات كشرب المسكرات وتناول المخدرات مما يورثه على طول انثلام تعقله أو خور عزيمته .

والذي نأخذه من هذه الآية أن الإنسان مخلوق على حالة الفطرة الإنسانية التي فطر الله النوع ليتصف بآثارها ، وهي الفطرة الإنسانية الكاملة في إدراكه إدراكا مستقيما مما يتأدى من المحسوسات الصادقة ، أي : الموافقة لحقائق الأشياء الثابتة في نفس الأمر ، بسبب سلامة ما تؤديه الحواس السليمة ، وما يتلقاه العقل السليم من ذلك ويتصرف فيه بالتحليل والتركيب المنتظمين ، بحيث لو جانبته التلقينات الضالة والعوائد الذميمة والطبائع المنحرفة والتفكير الضار ، أو لو تسلطت عليه تسلطا ما فاستطاع دفاعها عنه بدلائل الحق والصواب ، لجرى في جميع شئونه على الاستقامة ، ولما صدرت منه إلا الأفعال الصالحة ، ولكنه قد يتعثر في ذيول اغتراره ويرخي العنان لهواه وشهوته ، فترمي به في الضلالات ، أو يتغلب عليه دعاة الضلال بعامل التخويف أو الإطماع فيتابعهم طوعا أو كرها ، ثم لا يلبث أن يستحكم فيه ما تقلده فيعتاده وينسى الصواب والرشد .

ويفسر هذا المعنى قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، ثم يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " الحديث ، ذلك أن أبويه هما أول من يتولى تأديبه وتثقيفه وهما أكثر الناس ملازمة له في صباه ، فهما اللذان يلقيان في نفسه الأفكار الأولى ، فإذا سلم من تضليل أبويه فقد سار بفطرته شوطا ، ثم هو بعد ذلك عرضة لعديد من المؤثرات فيه ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، [ ص: 426 ] واقتصر النبيء - صلى الله عليه وسلم - على الأبوين ; لأنهما أقوى أسباب الزج في ضلالتهما ، وأشد إلحاحا على ولدهما .

ولم يعرج المفسرون قديما وحديثا على تفسير التقويم بهذا المعنى العظيم فقصروا التقويم على حسن الصورة . وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي وإبراهيم وأبي العالية . أو على استقامة القامة . وروي عن ابن عباس . أو على الشباب والجلادة ، وروي عن عكرمة وابن عباس .

ولا يلائم مقصد السورة إلا أن يتأول بأن ذلك ذكر نعمة على الإنسان عكس الإنسان شكرها ، فكفر بالمنعم فرد أسفل سافلين ، سوى ما حكاه ابن عطية عن الثعلبي عن أبي بكر بن طاهر أنه قال : تقويم الإنسان عقله وإدراكه اللذان زيناه بالتمييز ، ولفظه عند القرطبي قريب من هذا مع زيادة : يتناول مأكوله بيده ، وما حكاه الفخر عن الأصم أن ( أحسن تقويم ) أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان .

وتفيد الآية أن الإنسان مفطور على الخير وأن في جبلته جلب النفع والصلاح لنفسه وكراهة ما يظنه باطلا أو هلاكا ، ومحبة الخير والحسن من الأفعال لذلك تراه يسر بالعدل والإنصاف ، وينصح بما يراه مجلبة لخير غيره ، ويغيث الملهوف ويعامل بالحسنى ، ويغار على المستضعفين ، ويشمئز من الظلم ما دام مجردا عن روم نفع يجلبه لنفسه ، أو إرضاء شهوة يريد قضاءها أو إشفاء غضب يجيش بصدره ، تلك العوارض تحول بينه وبين فطرته زمنا ، ويهش إلى كلام الوعاظ والحكماء والصالحين ويكرمهم ويعظمهم ويود طول بقائهم .

فإذا ساورته الشهوة السيئة فزينت له ارتكاب المفاسد ولم يستطع ردها عن نفسه انصرف إلى سوء الأعمال ، وثقل عليه نصح الناصحين ووعظ الواعظين على مراتب في كراهية ذلك بمقدار تحكم الهوى في عقله .

[ ص: 427 ] ولهذا كان الأصل في الناس الخير والعدالة والرشد وحسن النية عند جمهور من الفقهاء والمحدثين .

وجملة ( ثم رددناه أسفل سافلين ) معطوفة على جملة ( خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) فهي في حيز القسم .

وضمير الغائب في قوله : ( رددناه ) عائد إلى الإنسان فيجري فيه الوجهان المتقدمان من التعريف .

و ( ثم ) لإفادة التراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ; لأن الرد أسفل سافلين بعد خلقه محوطا بأحسن تقويم عجيب لما فيه من انقلاب ما جبل عليه ، وتغيير الحالة الموجودة أعجب من إيجاد حالة لم تكن ، ولأن هذه الجملة هي المقصود من الكلام لتحقيق أن الذين حادوا عن الفطرة صاروا أسفل سافلين .

والمعنى : ولقد صيرناه أسفل سافلين أو جعلناه في أسفل سافلين .

والرد حقيقته : إرجاع ما أخذ من شخص أو نقل من موضع إلى ما كان عنده ، ويطلق الرد مجازا على تصيير الشيء بحالة غير الحالة التي كانت له مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق عن التقييد كما هنا .

و ( أسفل ) : اسم تفضيل ، أي : أشد سفالة ، وأضيف إلى ( سافلين ) أي : الموصوفين بالسفالة . فالمراد : أسفل سافلين في الاعتقاد بخالقه بقرينة قوله : ( إلا الذين آمنوا ) .

وحقيقة السفالة : انخفاض المكان ، وتطلق مجازا شائعا على الخسة والحقارة في النفس ، فالأسفل الأشد سفالة من غيره في نوعه .

والسافلون : هم سفلة الاعتقاد ، والإشراك أسفل الاعتقاد فيكون ( أسفل سافلين ) مفعولا ثانيا لـ ( رددناه ) لأنه أجري مجرى أخوات صار .

والمعنى : أن الإنسان أخذ يغير ما فطر عليه من التقويم وهو الإيمان بإله واحد وما يقتضيه ذلك من تقواه ومراقبته فصار أسفل سافلين ، وهل أسفل ممن يعتقد إلهية الحجارة والحيوان الأبكم من بقر أو تماسيح أو ثعابين ، أو من شجر السمر ، [ ص: 428 ] أو من يحسب الزمان إلها ويسميه الدهر ، أو من يجحد وجود الصانع وهو يشاهد مصنوعاته ويحس بوجود نفسه قال تعالى : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .

فإن ملت إلى جانب الأخلاق رأيت الإنسان يبلغ به انحطاطه إلى حضيض التسفل ، فمن ملق إذا طمع ، ومن شح إذا شبع ، ومن جزع إذا خاف ، ومن هلع ، فكم من نفوس جعلت قرابين للآلهة ومن أطفال موءودة ، ومن أزواج مقذوفة في النار مع الأموات من أزواجهن ، فهل بعد مثل هذا من تسفل في الأخلاق وأفن الرأي .

وإسناد الرد إلى الله تعالى إسناد مجازي لأنه يكون الأسباب العالية ونظام تفاعلها وتقابلها في الأسباب الفرعية ، حتى تصل إلى الأسباب المباشرة على نحو إسناد مد وقبض الظل إليه تعالى في قوله : ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) إلى قوله : ( ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) وعلى نحو الإسناد في قول الناس : بنى الأمير مدينة كذا .

ويجوز أن يكون ( أسفل سافلين ) ظرفا ، أي : مكانا أسفل ما يسكنه السافلون ، فإضافة ( أسفل ) إلى ( سافلين ) من إضافة الظرف إلى الحال فيه ، وينتصب ( أسفل ) بـ ( رددناه ) انتصاب الظرف أو على نزع الخافض ، أي : إلى أسفل سافلين ، وذلك هو دار العذاب كقوله : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) فالرد مستعار لمعنى الجعل في مكان يستحقه ، وإسناد الرد إلى الله تعالى على هذا الوجه حقيقي .

وأحسب أن قوله تعالى : ( ثم رددناه أسفل سافلين ) انتزع منه مالك - رحمه الله - ما ذكره عياض في المدارك قال : قال ابن أبي أويس : قال مالك : أقبل علي يوما ربيعة فقال لي : من السفلة يا مالك ؟ قلت : الذي يأكل بدينه ، قال لي : فمن سفلة السفلة ؟ قلت : الذي يأكل غيره بدينه . فقال : ( زه ) وصدرني ( أي : [ ص: 429 ] ضرب على صدري يعني استحسانا ) . وأن المشركين كانوا أسفل سافلين لأنهم ظللهم كبراؤهم وأيمتهم فسولوا لهم عبادة الأصنام لينالوا قيادتهم .


إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( 6 )

استثناء متصل من عموم الإنسان فلما أخبر عن الإنسان بأنه رد أسفل سافلين ، ثم استثنى من عمومه الذين آمنوا بقي غير المؤمنين في أسفل سافلين .

والمعنى : أن الذين آمنوا بعد أن ردوا أسفل سافلين أيام الإشراك صاروا بالإيمان إلى الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها فراجعوا أصلهم إلى أحسن تقويم .

وعطف ( وعملوا الصالحات ) لأن عمل الصالحات من أحسن التقويم بعد مجيء الشريعة ; لأنها تزيد الفطرة رسوخا وينسحب الإيمان على الأخلاق فيردها إلى فضلها ثم يهديها إلى زيادة الفضائل من أحاسنها ، وفي الحديث : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .

فكان عطف ( وعملوا الصالحات ) للثناء على المؤمنين بأن إيمانهم باعث لهم على العمل الصالح ، وذلك حال المؤمنين حين نزول السورة فهذا العطف عطف صفة كاشفة .

وليس لانقطاع الاستثناء هنا احتمال ; لأن وجود الفاء في قوله : ( فلهم أجر غير ممنون ) يأباه كل الإباية .

وفرع على معنى الاستثناء وهو أنهم ليسوا ممن يرد أسفل سافلين الإخبار بأن لهم أجرا عظيما ; لأن الاستثناء أفاد بأنهم ليسوا أسفل سافلين فأريد زيادة البيان لفضلهم وما أعد لهم .

وتنوين ( أجر ) للتعظيم .

والممنون : الذي يمن على المأجور به ، أي : لهم أجر لا يشوبه كدر ، ولا كدر أن يمن على الذي يعطاه بقول : هذا أجرك ، أو هذا عطاؤك ، فالممنون مفعول [ ص: 430 ] من عليه . ويجوز أن يكون مفعولا من من الحبل ، إذا قطعه فهو منين ، أي : مقطوع أو موشك على التقطع .


فما يكذبك بعد بالدين ( 7 ) أليس الله بأحكم الحاكمين ( 8 )

تفريع على جميع ما ذكر من تقويم خلق الإنسان ثم رده أسفل سافلين ; لأن ما بعد الفاء من كلام مسبب عن البيان الذي قبل الفاء ، أي : فقد بان لك أن غير الذين آمنوا هم الذين ردوا إلى أسفل سافلين فمن يكذب منهم بالدين الحق بعد هذا البيان .

و ( ما ) يجوز أن تكون استفهامية ، والاستفهام توبيخي ، والخطاب للإنسان المذكور في قوله : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) فإنه بعد أن استثني منه الذين آمنوا بقي الإنسان المكذب .

وضمير الخطاب التفات ، ومقتضى الظاهر أن يقال : فما يكذبه ، ونكتة الالتفات هنا أنه أصرح في مواجهة الإنسان المكذب بالتوبيخ .

ومعنى ( يكذبك ) : يجعلك مكذبا ، أي : لا عذر لك في تكذيبك بالدين .

ومتعلق التكذيب : إما محذوف لظهوره ، أي : يجعلك مكذبا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وإما المجرور بالباء ، أي : يجعلك مكذبا بدين الإسلام ، أو مكذبا بالجزاء إن حمل الدين على معنى الجزاء ، وجملة ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) مستأنفة للتهديد والوعيد .

والدين يجوز أن يكون بمعنى الملة أو الشريعة ، كقوله تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام ) وقوله : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا ) .

وعليه تكون الباء للسببية ، أي : فمن يكذبك بعد هذا بسبب ما جئت به من الدين فالله يحكم فيه . ومعنى ( يكذبك ) : ينسبك للكذب بسبب ما جئت به من الدين ، أو ما أنذرت به من الجزاء ، وأسلوب هذا التركيب مؤذن بأنهم لم يكونوا ينسبون النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلى الكذب قبل أن يجيئهم بهذا الدين .

[ ص: 431 ] ويجوز أن يكون الدين بمعنى الجزاء في الآخرة كقوله : ( مالك يوم الدين ) وقوله : يصلونها يوم الدين وتكون الباء صلة ( يكذب ) كقوله : ( وكذب به قومك وهو الحق ) وقوله : ( قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ) .

ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة وماصدقها المكذب ، فهو بمعنى ( من ) ، وهي في محل مبتدأ ، والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - والضمير المستتر في ( يكذبك ) عائد إلى ( ما ) وهو الرابط للصلة بالموصول ، والباء للسببية ، أي : ينسبك للكذب بسبب ما جئت به من الإسلام أو من إثبات البعث والجزاء .

وحذف ما أضيف إليه ( بعد ) فبنيت بعد على الضم ، والتقدير : بعد تبين الحق أو بعد تبين ما ارتضاه لنفسه من أسفل سافلين .

وجملة ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) يجوز أن تكون خبرا عن ( ما ) والرابط محذوف تقديره : بأحكم الحاكمين فيه .

ويجوز أن تكون الجملة دليلا على الخبر المخبر به عن ( ما ) الموصولة وحذف إيجازا اكتفاء بذكر ما هو كالعلة له ، فالتقدير : فالذي يكذبك بالدين يتولى الله الانتصاف منه ، أليس الله بأحكم الحاكمين . والاستفهام تقريري .

و ( أحكم ) يجوز أن يكون مأخوذا من الحكم ، أي : أقضى القضاة . ومعنى التفضيل أن حكمه أسد وأنفذ ، ويجوز أن يكون مشتقا من الحكمة . والمعنى : أنه أقوى الحاكمين حكمة في قضائه بحيث لا يخالط حكمه تفريط في شيء من المصلحة ، ونوط الخبر بذي وصف يؤذن بمراعاة خصائص المعنى المشتق منه الوصف ، فلما أخبر عن الله بأنه أفضل الذين يحكمون ، علم أن الله يفوق قضاؤه كل قضاء في خصائص القضاء وكمالاته ، وهي : إصابة الحق ، وقطع دابر الباطل ، وإلزام كل من يقضي عليه بالامتثال لقضائه والدخول تحت حكمه .

[ ص: 432 ] روى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من قرأ منكم ( والتين والزيتون ) فانتهى إلى قوله : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " .

EL Mister
19-06-09, 19:49
بسم الله الرحمن الرحيم

( ألم نشرح لك صدرك ( 1 ) ووضعنا عنك وزرك ( 2 ) الذي أنقض ظهرك ( 3 ) ورفعنا لك ذكرك ( 4 ) فإن مع العسر يسرا ( 5 ) إن مع العسر يسرا ( 6 ) فإذا فرغت فانصب ( 7 ) وإلى ربك فارغب ( 8 ) )


مقدمة


سميت في معظم التفاسير وفي صحيح البخاري وجامع الترمذي " سورة ألم نشرح " ، وسميت في بعض التفاسير " سورة الشرح " ومثله في بعض المصاحف المشرقية تسمية بمصدر الفعل الواقع فيها من قوله تعالى : ( ألم نشرح لك صدرك ) وفي بعض التفاسير تسميتها سورة الانشراح .

وهي مكية بالاتفاق .

وقد عدت الثانية عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الضحى بالاتفاق وقبل سورة العصر .

وعن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان : " ألم نشرح من سورة الضحى " . وكانا يقرآنهما بالركعة الواحدة لا يفصلان بينهما - يعني : في الصلاة المفروضة - وهذا شذوذ مخالف لما اتفقت عليه الأمة من تسوير المصحف الإمام .

وعدد آيها ثمان .


أغراض السورة

احتوت على ذكر عناية الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بلطف الله له وإزالة الغم والحرج عنه ، وتفسير ما عسر عليه ، وتشريف قدره لينفس عنه ، فمضمونها شبيه بأنه حجة على مضمون سورة الضحى تثبيتا له بتذكيره سالف عنايته به وإنارة سبيل الحق وترفيع الدرجة ليعلم أن الذي ابتدأه بنعمته ما كان ليقطع عنه فضله ، وكان ذلك بطريقة التقرير بماض يعلمه النبيء صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 408 ] وأتبع ذلك بوعده بأنه كلما عرض له عسر فسيجد من أمره يسرا كدأب الله تعالى في معاملته فليتحمل متاعب الرسالة ويرغب إلى الله عونه .


ألم نشرح لك صدرك ( 1 ) ووضعنا عنك وزرك ( 2 ) الذي أنقض ظهرك ( 3 ) ورفعنا لك ذكرك ( 4 )

استفهام تقريري على النفي . والمقصود التقرير على إثبات المنفي كما تقدم غير مرة . وهذا التقرير مقصود به التذكير لأجل أن يراعي هذه المنة عندما يخالجه ضيق صدر مما يلقاه من أذى قوم يريد صلاحهم وإنقاذهم من النار ورفع شأنهم بين الأمم ، ليدوم على دعوته العظيمة نشيطا غير ذي أسف ولا كمد .

والشرح حقيقته : فصل أجزاء اللحم بعضها عن بعض ، ومنه الشريحة للقطعة من اللحم ، والتشريح في الطب ، ويطلق على انفعال النفس بالرضى بالحال المتلبس بها . وظاهر كلام الأساس أن هذا إطلاق حقيقي . ولعله راعى كثرة الاستعمال ، أي : هو من المجاز الذي يساوي الحقيقة ; لأن الظاهر أن الشرح الحقيقي خاص بشرح اللحم ، وأن إطلاق الشرح على رضى النفس بالحال أصله استعارة ناشئة عن إطلاق لفظ الضيق وما تصرف منه على الإحساس بالحزن والكمد ، قال تعالى : ( وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ) الآية . فجعل إزالة ما في النفس من حزن مثل شرح اللحم وهذا الأنسب بقوله : ( فإن مع العسر يسرا ) .

وتقدم قوله : ( قال رب اشرح لي صدري ) في سورة طه .

فالصدر مراد به الإحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك . وشرح صدره كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات وإعلامه برضى الله عنه وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر .

هذا تفسير الآية بما يفيده نظمها واستقلالها عن المرويات الخارجية ، ففسرها ابن عباس بأن الله شرح قلبه بالإسلام ، وعن الحسن قال : شرح صدره أن ملئ علما وحكما ، وقال سهل بن عبد الله التستري : شرح صدره بنور الرسالة . [ ص: 409 ] وعلى هذا الوجه حمله كثير من المفسرين ونسبه ابن عطية إلى الجمهور .

ويجوز أن يجعل الشرح شرحا بدنيا . وروي عن ابن عباس أنه فسر به وهو ظاهر صنيع الترمذي ، إذ أخرج حديث شق الصدر الشريف في تفسير هذه السورة ، فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شق صدره - صلى الله عليه وسلم - شقا قدسيا ، وهو المروي بعض خبره في الصحيحين ، والمروي مطولا في السيرة والمسانيد ، فوقع في بعض الروايات في الصحيحين أنه كان في رؤيا النوم ورؤيا الأنبياء وحي ، وفي بعضها أنه كان يقظة ، وهو ظاهر ما في البخاري ، وفي صحيح مسلم أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه ، وفي حديث مسلم عن أنس بن مالك أنه قال : رأيت أثر الشق في جلد صدر النبيء صلى الله عليه وسلم . وفي بعض الروايات أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان بين النائم واليقظان ، والروايات مختلفة في زمانه ومكانه مع اتفاقها على أنه كان بمكة . واختلاف الروايات حمل بعض أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع ، منها حين كان عند حليمة . وفي حديث عبد الله بن أحمد بن حنبل أن الشق كان وعمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين .

والذي في الصحيح عن أبي ذر أنه كان عند المعراج به إلى السماء ، ولعل بعضها كان رؤيا وبعضها حسا . وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية ، وإذ قد كان ذلك الشق معجزة خارقة للعادة يجوز أن يكون مرادا ، وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في الأحكام ، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته وهو الباطن الحاوي للقلب ، ومن العلماء من فسر الصدر بالقلب ، حكاه عياض في الشفا ، يشير إلى ما جاء في خبر شق الصدر من إخراج قلبه وإزالة مقر الوسوسة منه ، وكلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم لنفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - إما مباشرة وإما باعتبار مغزاه كما لا يخفى .

واللام في قوله : ( لك ) لام التعليل ، وهو يفيد تكريما للنبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن الله فعل ذلك لأجله .

وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإبهام للتشويق فإنه لما ذكر فعل ( نشرح ) علم السامع أن ثم مشروحا ، فلما وقع قوله ( لك ) قوي الإبهام فزاد التشويق ; لأن ( لك ) يفيد معنى : شيئا لأجلك ، فلما وقع بعده قوله : [ ص: 410 ] ( صدرك ) تعين المشروح المترقب فتمكن في الذهن كمال تمكن ، وهذا ما أشار إليه في الكشاف وقفى عليه صاحب المفتاح في مبحث الإطناب .

والوزر : الحرج ، ووضعه : حطه عن حامله ، والكلام تمثيل لحال إزالة الشدائد والكروب بحال من يحط ثقلا عن حامله ليريحه من عناء الثقل .

والمعنى : أن الله أزال عنه كل ما كان يتحرج منه من عادات أهل الجاهلية التي لا تلائم ما فطر الله عليه نفسه من الزكاء والسمو ، ولا يجد بدا من مسايرتهم عليه ، فوضع عنه ذلك حين أوحى إليه بالرسالة ، وكذلك ما كان يجده في أول بعثته من ثقل الوحي فيسره الله عليه بقوله : ( سنقرئك فلا تنسى ) إلى قوله : ( ونيسرك لليسرى ) .

و ( أنقض ) : جعل الشيء ذا نقيض ، والنقيض : صوت صرير المحمل والرحل ، وصوت عظام المفاصل ، وفرقعة الأصابع ، وفعله القاصر من باب نصر ويعدى بالهمزة .

وإسناد ( أنقض ) إلى الوزر مجاز عقلي ، وتعديته إلى الظهر تبع لتشبيه المشقة بالحمل ، فالتركيب تمثيل لمتجشم المشاق الشديدة بالحمولة المثقلة بالإجمال تثقيلا شديدا حتى يسمع لعظام ظهرها فرقعة وصرير ، وهو تمثيل بديع لأنه تشبيه مركب قابل لتفريق التشبيه على أجزائه .

ووصف الوزر بهذا الوصف تكميل للتمثيل بأنه وزر عظيم .

واعلم أن في قوله : ( أنقض ظهرك ) اتصال حرفي الضاد والظاء وهما متقاربا المخرج ، فربما يحصل من النطق بهما شيء من الثقل على اللسان ولكنه لا ينافي الفصاحة ، إذ لا يبلغ مبلغ ما يسمى بتنافر الكلمات ، بل مثله مغتفر في كلام الفصحاء . والعرب فصحاء الألسن فإذا اقتضى نظم الكلام ورود مثل هذين الحرفين المتقاربين لم يعبأ البليغ بما يعرض عند اجتماعهما من بعض الثقل ، ومثل ذلك قوله تعالى : ( وسبحه ) في اجتماع الحاء مع الهاء ، وذلك حيث لا يصح الإدغام . وقد أوصى علماء التجويد بإظهار الضاد مع الظاء إذا تلاقيا كما في هذه الآية وقوله : ( ويوم يعض الظالم ) ولها نظائر في القرآن .

[ ص: 411 ] وهذه الآية هي المشتهرة ولم يزل الأيمة في المساجد يتوخون الحذر من إبدال أحد هذين الحرفين بالآخر للخلاف الواقع بين الفقهاء في بطلان صلاة اللحان ومن لا يحسن القراءة مطلقا ، أو إذا كان عامدا إذا كان فذا ، وفي بطلان صلاة من خلفه أيضا إذا كان اللاحن إماما .

ورفع الذكر : جعل ذكره بين الناس بصفات الكمال ، وذلك بما نزل من القرآن ثناء عليه وكرامة ، وبإلهام الناس التحدث بما جبله الله عليه من المحامد منذ نشأته .

وعطف ( ووضعنا ) ، ( ورفعنا ) بصيغة المضي على فعل ( نشرح ) بصيغة المضارع ; لأن ( لم ) قلبت زمن الحال إلى المضي فعطف عليه الفعلان بصيغة المضي لأنهما داخلان في حيز التقرير فلما لم يقترن بهما حرف ( لم ) صير بهما إلى ما تفيده ( لم ) من معنى المضي .

والآية تشير إلى أحوال كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - في حرج منها أو من شأنه أن يكون في حرج ، وأن الله كشف عنه ما به من حرج منها أو هيأ نفسه لعدم النوء بها .

وكان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يعلمها كما أشعر به إجمالها في الاستفهام التقريري المقتضي علم المقرر بما قرر عليه ، ولعل تفصيلها فيما سبق في سورة الضحى فلعلها كانت من أحوال كراهيته ما عليه أهل الجاهلية من نبذ توحيد الله ومن مساوي الأعمال .

وكان في حرج من كونه بينهم ولا يستطيع صرفهم عما هم فيه ، ولم يكن يترقب طريقا لأن يهديهم أو لم يصل إلى معرفة كنه الحق الذي يجب أن يكون قومه عليه ولم يطمع إلا في خويصة نفسه ، يود أن يجد لنفسه قبس نور يضيء له سبيل الحق مما كان باعثا له على التفكر والخلوة والالتجاء إلى الله ، فكان يتحنث في غار حراء ، فلما انتشله الله من تلك الوحلة بما أكرمه به من الوحي ، كان ذلك شرحا مما كان يضيق به صدره يومئذ ، فانجلى له النور وأمر بإنقاذ قومه ، وقد يظنهم طلاب حق وأزكياء نفوس ، فلما قابلوا إرشاده بالإعراض وملاطفته لهم بالامتعاض ، حدث في صدره ضيق آخر أشار إلى مثله قوله تعالى : ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) وذلك الذي لم يزل ينزل عليه في شأنه ربط جأشه بنحو قوله تعالى : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) فكلما نزل [ ص: 412 ] عليه وحي من هذا أكسبه شرحا لصدره ، وكان لحماية أبي طالب إياه وصده قريشا عن أذاه منفس عليه ، وأقوى مؤيد له لدعوته ينشرح له صدره . وكلما آمن أحد من الناس تزحزح بعض الضيق عن صدره ، وكانت شدة قريش على المؤمنين يضيق لها صدره ، فكلما خلص بعض المؤمنين من أذى قريش بنحو عتق الصديق بلالا وغيره ، وبما بشره الله من عاقبة النصر له وللمؤمنين تصريحا وتعريضا نحو قوله في السورة قبلها : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فذلك من الشرح المراد هنا . وجماع القول في ذلك أن تجليات هذا الشرح عديدة وأنها سر بين الله تعالى وبين رسوله - صلى الله عليه وسلم - المخاطب بهذه الآية .

وأما وضع الوزر عنه فحاصل بأمرين : بهدايته إلى الحق التي أزالت حيرته بالتفكر في حال قومه ، وهو ما أشار إليه قوله تعالى : ( ووجدك ضالا فهدى ) ، وبكفايته مؤنة كلف عيشه التي قد تشغله عما هو فيه من الأنس بالفكرة في صلاح نفسه ، وهو ما أشار إليه قوله : ( ووجدك عائلا فأغنى ) .

ورفع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير ، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس ، استعير الرفع لحسن الذكر ; لأن الرفع جعل الشيء عاليا لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل ، فقد فطر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - على مكارم يعز وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأو ما بلغه منها حتى لقب في قومه بالأمين . وقد قيل إن قوله تعالى : ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) مراد به النبيء صلى الله عليه وسلم .

ومن عظيم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم الله تعالى في كلمة الإسلام وهي كلمة الشهادة .

وروي هذا التفسير عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان وأبي يعلى ، قال السيوطي : وإسناده حسن ، وأخرجه عياض في الشفا بدون سند . والقول في ذكر كلمة ( لك ) مع ( ورفعنا ) كالقول في ذكر نظيرها مع قوله : ( ألم نشرح ) .

وإنما لم يذكر مع ( ووضعنا عنك وزرك ) للاستغناء بقوله : ( عنك ) فإنه في إفادة الإبهام ثم التفصيل مساو لكلمة ( لك ) [ ص: 413 ] وهي في إفادة العناية به تساوي كلمة ( لك ) ؛ لأن فعل الوضع المعدى إلى الوزر يدل على أن الوضع عنه فكانت زيادة ( عنك ) إطنابا يشير إلى أن ذلك عناية به نظير قوله ( لك ) الذي قبله ، فحصل بذكر ( عنك ) إيفاء إلى تعدية فعل ( وضعنا ) مع الإيفاء بحق الإبهام ثم البيان .


فإن مع العسر يسرا ( 5 ) إن مع العسر يسرا ( 6 )

الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا ، أي : إذا علمت هذا وتقرر ، تعلم أن اليسر مصاحب للعسر ، وإذ كان اليسر نقيض العسر كانت مصاحبة اليسر للعسر مقتضية نقض تأثير العسر ومبطلة لعمله ، فهو كناية رمزية عن إدراك العناية الإلهية به فيما سبق ، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك في كل أحواله .

وسياق الكلام وعد للنبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن ييسر الله له المصاعب كلما عرضت له ، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك المصاعب ، وذلك من خصائص كلمة ( مع ) الدالة على المصاحبة .

وكلمة ( مع ) هنا مستعملة في غير حقيقة معناها ; لأن العسر واليسر نقيضان فمقارنتهما معا مستحيلة ، فتعين أن المعية مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر أو ظهور بوادره ، بقرينة استحالة المعنى الحقيقي للمعية . وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى : ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) في سورة الطلاق .

فهذه الآية في عسر خاص يعرض للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وآية سورة الطلاق عامة ، وللبعدية فيها مراتب متفاوتة .

فالتعريف في " العسر " تعريف العهد ، أي : العسر الذي عهدته وعلمته ، وهو من قبيل ما يسميه نحاة الكوفة بأن ( أل ) فيه عوض عن المضاف إليه نحو قوله تعالى : ( فإن الجنة هي المأوى ) أي : فإن مع عسرك يسرا ، فتكون السورة كلها مقصورة على بيان كرامة النبيء - صلى الله عليه وسلم - عند ربه تعالى .

[ ص: 414 ] وعد الله تعالى نبيئه - صلى الله عليه وسلم - بأن الله جعل الأمور العسرة عليه يسرة له وهو ما سبق وعده له بقوله : ( ونيسرك لليسرى ) .

وحرف ( إن ) للاهتمام بالخبر .

وإنما لم يستغن بها عن الفاء كما يقول الشيخ عبد القاهر : ( إن ) تغني غناء فاء التسبب ; لأن الفاء هنا أريد بها الفصيحة مع التسبب فلو اقتصر على حرف ( إن ) لفات معنى الفصيحة .

وتنكير ( يسرا ) للتعظيم ، أي : مع العسر العارض لك تيسيرا عظيما يغلب العسر ، ويجوز أن يكون هذا وعدا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ولأمته ; لأن ما يعرض له من عسر إنما يعرض له في شئون دعوته للدين ولصالح المسلمين .

وروى ابن جرير عن يونس ومعمر عن الحسن عن النبيء أنه لما نزلت هذه الآية ( فإن مع العسر يسرا ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أبشروا أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين " فاقتضى أن الآية غير خاصة بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - بل تعمه وأمته . وفي الموطأ " أن أبا عبيدة بن الجراح كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم ، فكتب إليه عمر : أما بعد : فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا ، وإنه لن يغلب عسر يسرين " .

وروى ابن أبي حاتم والبزار في مسنده عن عائذ بن شريح قال : سمعت أنس بن مالك يقول : " كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - جالسا وحياله حجر ، فقال : لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه ، فأنزل الله عز وجل ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) قال البزار : لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح ، قال ابن كثير : وقد قال أبو حاتم الرازي : في حديث عائذ بن شريح ضعف .

وروى ابن جرير مثله عن ابن مسعود موقوفا . ويجوز أن تكون جملة ( فإن مع العسر يسرا ) معترضة بين جملة ( ورفعنا لك ذكرك ) وجملة ( فإذا فرغت فانصب ) تنبيها على أن الله لطيف بعباده ، فقدر أن لا يخلو عسر من مخالطة يسر وأنه لولا ذلك لهلك الناس ، قال تعالى : ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ) .

[ ص: 415 ] وروي عن ابن عباس يقول الله تعالى : " خلقت عسرا واحدا وخلقت يسرين ، ولن يغلب عسر يسرين " اهـ .

والعسر : المشقة في تحصيل المرغوب والعمل المقصود .

واليسر ضده وهو : سهولة تحصيل المرغوب وعدم التعب فيه .

وجملة ( إن مع العسر يسرا ) مؤكدة لجملة ( فإن مع العسر يسرا ) وفائدة هذا التأكيد تحقيق اطراد هذا الوعد وتعميمه ; لأنه خبر عجيب .

ومن المفسرين من جعل اليسر في الجملة الأولى يسر الدنيا ، وفي الجملة الثانية يسر الآخرة ، وأسلوب الكلام العربي لا يساعد عليه ; لأنه متمحض لكون الثانية تأكيدا .

هذا وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " لن يغلب عسر يسرين " قد ارتبط لفظه ومعناه بهذه الآية . وصرح في بعض رواياته بأنه قرأ هذه الآية حينئذ ، وتضافر المفسرون على انتزاع ذلك منها فوجب التعرض لذلك ، وشاع بين أهل العلم أن ذلك مستفاد من تعريف كلمة العسر وإعادتها معرفة ومن تنكير كلمة يسر وإعادتها منكرة ، وقالوا : إن اللفظ النكرة إذا أعيد نكرة فالثاني غير الأول ، وإذا أعيد اللفظ معرفة فالثاني عين الأول ، كقوله تعالى : ( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ) .

وبناء كلامهم على قاعدة إعادة النكرة معرفة خطأ ; لأن تلك القاعدة في إعادة النكرة معرفة لا في إعادة المعرفة معرفة ، وهي خاصة بالتعريف بلام العهد دون لام الجنس ، وهي أيضا في إعادة اللفظ في جملة أخرى ، والذي في الآية ليس بإعادة لفظ في كلام ثان ، بل هي تكرير للجملة الأولى ، فلا ينبغي الالتفات إلى هذا المأخذ ، وقد أبطله من قبل أبو علي الحسين الجرجاني في كتاب النظم كما في [ ص: 416 ] معالم التنزيل . وأبطله صاحب الكشاف أيضا ، وجعل ابن هشام في مغني اللبيب تلك القاعدة خطأ .

والذي يظهر في تقرير معنى قوله " لن يغلب عسر يسرين " أن جملة ( إن مع العسر يسرا ) تأكيد لجملة ( فإن مع العسر يسرا ) . ومن المقرر أن المقصود من تأكيد الجملة في مثله هو تأكيد الحكم الذي تضمنه الخبر . ولا شك أن الحكم المستفاد من هذه الجملة هو ثبوت التحاق اليسر بالعسر عند حصوله ، فكان التأكيد مفيدا ترجيح أثر اليسر على أثر العسر ، وذلك الترجيح عبر عنه بصيغة التثنية في قوله " يسرين " فالتثنية هنا كناية رمزية عن التغلب والرجحان ، فإن التثنية قد يكنى بها عن التكرير المراد منه التكثير كما في قوله تعالى : ( ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) أي : ارجع البصر كثيرا ; لأن البصر لا ينقلب حسيرا من رجعتين . ومن ذلك قول العرب : لبيك ، وسعديك ، ودواليك . والتكرير يستلزم قوة الشيء المكرر ، فكانت القوة لازم لازم التثنية ، وإذا تعددت اللوازم كانت الكناية رمزية .

وليس ذلك مستفادا من تعريف العسر باللام ولا من تنكير اليسر وإعادته منكرا .


فإذا فرغت فانصب ( 7 )

تفريع على ما تقرر من التذكير باللطف والعناية ووعده بتيسير ما هو عسير عليه في طاعته التي أعظمها تبليغ الرسالة دون ملل ولا ضجر .

والفراغ : خلو باطن الظرف أو الإناء ; لأن شأنه أن يظرف فيه .

وفعل ( فرغ ) يفيد أن فاعله كان مملوءا بشيء ، وفراغ الإنسان مجاز في إتمامه ما شأنه أن يعمله .

ولم يذكر هنا متعلق ( فرغت ) ، وسياق الكلام يقتضي أنه لازم أعمال يعملها الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما أن مساق السورة في تيسير مصاعب الدعوة وما يحف بها ، فالمعنى : إذا أتممت عملا من مهام الأعمال فأقبل على عمل آخر بحيث يعمر أوقاته [ ص: 417 ] كلها بالأعمال العظيمة . ومن هنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند قفوله من إحدى غزواته : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " ، فالمقصود بالأمر هو " فانصب " . وأما قوله : ( فإذا فرغت ) فتمهيد وإفادة لإيلاء العمل بعمل آخر في تقرير الدين ونفع الأمة . وهذا من صيغ الدلالة على تعاقب الأعمال . ومثله قول القائل : ما تأتيني من فلان صلة إلا أعقبتها أخرى .

واختلفت أقوال المفسرين من السلف في تعيين المفروغ منه ، وإنما هو اختلاف في الأمثلة ، فحذف المتعلق هنا لقصد العموم ، وهو عموم عرفي لنوع من الأعمال التي دل عليها السياق ليشمل كل متعلق عمله مما هو مهم كما علمت ، وهو أعلم بتقديم بعض الأعمال على بعض إذا لم يمكن اجتماع كثير منها بقدر الإمكان كما أقر الله بأداء الصلاة مع الشغل بالجهاد بقوله : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ) إلى قوله : ( كتابا موقوتا ) في سورة النساء .

وهذا الحكم ينسحب على كل عمل ممكن من أعماله الخاصة به ، مثل : قيام الليل ، والجهاد عند تقوي المسلمين ، وتدبير أمور الأمة .

وتقديم ( فإذا فرغت ) على ( فانصب ) للاهتمام بتعليق العمل بوقت الفراغ من غيره لتتعاقب الأعمال . وهذه الآية من جوامع الكلم القرآنية لما احتوت عليه من كثرة المعاني .


وإلى ربك فارغب ( 8 )

عطف على تفريع الأمر بالشكر على النعم أمر بطلب استمرار نعم الله عليه كما قال تعالى : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) .

والرغبة : طلب حصول ما هو محبوب ، وأصله أن يعدى إلى المطلوب منه بنفسه ويعدى إلى الشيء المطلوب بـ ( في ) . ويقال : رغب عن كذا ، بمعنى صرف رغبته عنه بأن رغب في غيره ، وجعل منه قوله تعالى : ( وترغبون أن تنكحوهن ) بتقدير حرف [ ص: 418 ] الجر المحذوف قبل حرف ( أن ) هو حرف ( عن ) . وذلك تأويل عائشة أم المؤمنين كما تقدم في سورة النساء .

وأما تعدية فعل ( فارغب ) هنا بحرف ( إلى ) فلتضمينه معنى الإقبال والتوجه تشبيها بسير السائر إلى من عنده حاجته كما قال تعالى عن إبراهيم : ( وقال إني ذاهب إلى ربي ) .

وتقديم ( إلى ربك ) على ( فارغب ) لإفادة الاختصاص ، أي : إليه لا إلى غيره تكون رغبتك ، فإن صفة الرسالة أعظم صفات الخلق ، فلا يليق بصاحبها أن يرغب غير الله تعالى .

وحذف مفعول ( ارغب ) ليعم كل ما يرغبه النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهل يرغب النبيء إلا في الكمال النفساني وانتشار الدين ونصر المسلمين .

واعلم أن الفاء في قوله : ( فانصب ) وقوله : ( فارغب ) رابطة للفعل ; لأن تقديم المعمول يتضمن معنى الاشتراط والتقييد ، فإن تقديم المعمول لما أفاد الاختصاص نشأ منه معنى الاشتراط ، وهو كثير في الكلام ، قال تعالى : ( بل الله فاعبد ) وقال : ( وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ) وفي تقديم المجرور قال تعالى : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) وقال النبيء - صلى الله عليه وسلم - لمن سأل منه أن يخرج للجهاد : " ألك أبوان ؟ قال : نعم . قال : ففيهما فجاهد " . بل قد يعامل معاملة الشرط في الإعراب كما روي قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - " كما تكونوا يول عليكم " بجزم الفعلين ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : ( فبذلك فليفرحوا ) في سورة يونس .

وذكر الطيبي عن أمالي السيد - يعني ابن الشجري - أن اجتماع الفاء والواو هنا من أعجب كلامهم ; لأن الفاء تعطف أو تدخل في الجواب وما أشبه الجواب بالاسم الناقص ، أو في صلة الموصول الفعلية لشبهها بالجواب ، وهي هنا خارجة عما وضعت له اهـ . ولا يبقى تعجب بعد ما قررناه .

EL Mister
19-06-09, 21:34
بسم الله الرحمن الرحيم

( والضحى ( 1 ) والليل إذا سجى ( 2 ) ما ودعك ربك وما قلى ( 3 ) وللآخرة خير لك من الأولى ( 4 ) ولسوف يعطيك ربك فترضى ( 5 ) ألم يجدك يتيما فآوى ( 6 ) ووجدك ضالا فهدى ( 7 ) ووجدك عائلا فأغنى ( 8 ) فأما اليتيم فلا تقهر ( 9 ) وأما السائل فلا تنهر ( 10 ) وأما بنعمة ربك فحدث ( 11 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في أكثر المصاحف وفي كثير من كتب التفسير وفي جامع الترمذي ( سورة الضحى ) بدون الواو .

وسميت في كثير من التفاسير وفي صحيح البخاري ( سورة والضحى ) بإثبات الواو .

ولم يبلغنا عن الصحابة خبر صحيح في تسميتها .

وهي مكية بالاتفاق .

وسبب نزولها ما ثبت في الصحيحين يزيد أحدهما على الآخر عن الأسود بن قيس عن جندب بن سفيان البجلي قال : " دميت إصبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتكى ، فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة وهي أم جميل بنت حرب زوج أبي لهب كما في رواية عن ابن عباس ذكرها ابن عطية فقالت : يا محمد ، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث . فأنزل الله ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ) .

وروى الترمذي عن ابن عيينة عن الأسود عن جندب البجلي قال : " كنت مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - في غار فدميت إصبعه فقال :

هل أنت إلا إصبع دميت ، وفي سبيل الله ما لقيت
. قال : فأبطأ عليه جبريل ، فقال المشركون : قد ودع محمد . فأنزل الله تعالى ( ما ودعك ربك وما قلى ) . وقال : حديث حسن صحيح .

ويظهر أن قول أم جميل لم يسمعه جندب ; لأن جندبا كان من صغار الصحابة ، وكان يروي عن أبي بن كعب وعن حذيفة كما قال ابن عبد البر . ولعله أسلم بعد الهجرة فلم يكن قوله : " كنت مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - في غار " مقارنا لقول المشركين : [ ص: 394 ] " وقد ودع محمد " . ولعل جندبا روى حديثين جمعهما ابن عيينة . وقيل : إن كلمة " في غار " تصحيف ، وأن أصلها : " كنت غازيا " . ويتعين حينئذ أن يكون حديثه جمع حديثين .

وعدت هذه السورة حادية عشرة في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة الفجر وقبل سورة الانشراح .

وعدد آيها إحدى عشرة آية .

وهي أول سورة في قصار المفصل .


أغراض السورة

إبطال قول المشركين إذ زعموا أن ما يأتي من الوحي للنبيء - صلى الله عليه وسلم - قد انقطع عنه .

وزاده بشارة بأن الآخرة خير له من الأولى على معنيين في الآخرة والأولى ، وأنه سيعطيه ربه ما فيه رضاه ، وذلك يغيظ المشركين .

ثم ذكره الله بما حفه به من ألطافه وعنايته في صباه وفي فتوته وفي وقت اكتهاله ، وأمره بالشكر على تلك النعم بما يناسبها من نفع لعبيده وثناء على الله بما هو أهله .


والضحى ( 1 ) والليل إذا سجى ( 2 ) ما ودعك ربك وما قلى ( 3 )

القسم لتأكيد الخبر ردا على زعم المشركين أن الوحي انقطع عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه لم يقم الليل بالقرآن بضع ليال ، فالتأكيد منصب على التعريض المعرض به لإبطال دعوى المشركين ، فالتأكيد تعريض بالمشركين ، وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يتردد في وقوع ما يخبره الله بوقوعه .

ومناسبة القسم بـ ( الضحى والليل ) أن الضحى وقت انبثاق نور الشمس فهو إيماء إلى تمثيل نزول الوحي وحصول الاهتداء به ، وأن الليل وقت قيام [ ص: 395 ] النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن وهو الوقت الذي كان يسمع فيه المشركون قراءته من بيوتهم القريبة من بيته أو من المسجد الحرام .

ولذلك قيد الليل بظرف ( إذا سجى ) . فلعل ذلك وقت قيام النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى : ( قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا ) .

والضحى تقدم بيانه عند قوله تعالى : ( والشمس وضحاها ) .

وكتب في المصحف ( والضحى ) بألف في صورة الياء مع أن أصل ألفه الواو ; لأنهم راعوا المناسبة مع أكثر الكلمات المختومة بألف في هذه السورة ، فإن أكثرها منقلبة الألف عن الياء ، ولأن الألف تجري فيها الإمالة في اللغات التي تميل الألف التي من شأنها أن لا تمال إذا وقعت مع ألف تمال للمناسبة كما قال ابن مالك في شرح كافيته .

ويقال : سجا الليل سجوا بفتح وسكون ، وسجوا بضمتين وتشديد الواو ، إذا امتد وطال مدة ظلامه مثل سجو المرء بالغطاء ، إذا غطي به جميع جسده ، وهو واوي ورسم في المصحف بألف في صورة الياء للوجه المتقدم في كتابة ( الضحى ) .

وجملة ( ما ودعك ربك ) إلخ ، جواب القسم ، وجواب القسم إذا كان جملة منفية لم تقترن باللام .

والتوديع : تحية من يريد السفر .

واستعير في الآية للمفارقة بعد الاتصال تشبيها بفراق المسافر في انقطاع الصلة حيث شبه انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة الإقامة ، والقرينة إسناد ذلك إلى الله الذي لا يتصل بالناس اتصالا معهودا .

وهذا نفي لأن يكون الله قطع عنه الوحي .

وقد عطف عليه ( وما قلى ) للإتيان على إبطال مقالتي المشركين إذ قال بعضهم : ودعه ربه ، وقال بعضهم : قلاه ربه ، يريدون التهكم .

وجملة ( وما قلى ) عطف على جملة جواب القسم ولها حكمها .

[ ص: 396 ] والقلي ( بفتح القاف مع سكون اللام ) والقلى ( بكسر القاف مع فتح اللام ) : البغض الشديد ، وسبب مقالة المشركين تقدم في صدر السورة .

والظاهر أن هذه السورة نزلت عقب فترة ثانية فتر فيها الوحي بعد الفترة التي نزلت إثرها سورة المدثر ، فعن ابن عباس وابن جريج " احتبس الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة عشر يوما أو نحوها ، فقال المشركون : إن محمدا قد ودعه ربه وقلاه ، فنزلت الآية " .

واحتباس الوحي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - وقع مرتين :

أولاهما قبل نزول سورة المدثر أو المزمل ، أي : بعد نزول سورتين من القرآن أو ثلاث على الخلاف في الأسبق من سورتي المزمل والمدثر ، وتلك الفترة هي التي خشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون قد انقطع عنه الوحي . وهي التي رأى عقبها جبريل على كرسي بين السماء والأرض كما تقدم في تفسير سورة المدثر ، وقد قيل : إن مدة انقطاع الوحي في الفترة الأولى كانت أربعين يوما ولم يشعر بها المشركون ; لأنها كانت في مبدأ نزول الوحي قبل أن يشيع الحديث بينهم فيه وقبل أن يقوم النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن ليلا .

وثانيتهما : فترة بعد نزول نحو من ثمان سور ، أي : السور التي نزلت بعد الفترة الأولى ، فتكون بعد تجمع عشر سور ، وبذلك تكون هذه السورة حادية عشرة فيتوافق ذلك مع عددها في ترتيب نزول السور .

والاختلاف في سبب نزول هذه السورة يدل على عدم وضوحه للرواة ، فالذي نظنه أن احتباس الوحي في هذه المرة كان لمدة نحو من اثني عشر يوما ، وأنه ما كان إلا للرفق بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - كي تستجم نفسه وتعتاد قوته تحمل أعباء الوحي ، إذ كانت الفترة الأولى أربعين يوما ثم كانت الثانية اثنى عشر يوما أو نحوها ، فيكون نزول سورة الضحى هو النزول الثالث ، وفي المرة الثالثة يحصل الارتياض في الأمور الشاقة ولذلك يكثر الأمر بتكرر بعض الأعمال ثلاثا ، وبهذا الوجه يجمع بين مختلف الأخبار في سبب نزول هذه السورة وسبب نزول سورة المدثر .

وحذف مفعول ( قلى ) لدلالة ( ودعك ) عليه كقوله تعالى : [ ص: 397 ] ( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) وهو إيجاز لفظي لظهور المحذوف ومثله قوله : ( فآوى ) ، ( فهدى ) ، ( فأغنى ) .


وللآخرة خير لك من الأولى ( 4 )

عطف على جملة ( والضحى ) فهذا كلام مبتدأ به ، والجملة معطوفة على الجمل الابتدائية ، وليست معطوفة على جملة جواب القسم بل هي ابتدائية فلما نفي القلى بشر بأن آخرته خير من أولاه ، وأن عاقبته أحسن من بدأته ، وأن الله خاتم

وما في تعريف ( الآخرة ) و ( الأولى ) من التعميم يجعل معنى هذه الجملة في معنى التذييل الشامل لاستمرار الوحي وغير ذلك من الخير .

والآخرة : مؤنث الآخر ، والأولى : مؤنث الأول ، وغلب لفظ الآخرة في اصطلاح القرآن على الحياة الآخرة وعلى الدار الآخرة كما غلب لفظ الأولى على حياة الناس التي قبل انخرام هذا العالم ، فيجوز أن يكون المراد هنا من كلا اللفظين كلا معنييه فيفيد أن الحياة الآخرة خير له من هذه الحياة العاجلة تبشيرا له بالخيرات الأبدية ، ويفيد أن حالاته تجري على الانتقال من حالة إلى أحسن منها ، فيكون تأنيث الوصفين جاريا على حالتي التغليب وحالتي التوصيف ، ويكون التأنيث في هذا المعنى الثاني لمراعاة معنى الحالة .

ويومئ ذلك إلى أن عودة نزول الوحي عليه هذه المرة خير من العودة التي سبقت ، أي : تكفل الله بأن لا ينقطع عنه نزول الوحي من بعد .

فاللام في ( الآخرة ) و ( الأولى ) لام الجنس ، أي : كل آجل أمره هو خير من عاجله في هذه الدنيا وفي الأخرى .

واللام في قوله : ( لك ) لام الاختصاص ، أي : خير مختص بك وهو شامل لكل ما له تعلق بنفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - في ذاته وفي دينه وفي أمته ، فهذا وعد من الله بأن ينشر دين الإسلام وأن يمكن أمته من الخيرات التي يأملها النبيء - صلى الله عليه وسلم - لهم . وقد [ ص: 398 ] روى الطبراني والبيهقي في دلائل النبوءة عن ابن عباس قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني ، فأنزل الله تعالى ( وللآخرة خير لك من الأولى ) .


ولسوف يعطيك ربك فترضى ( 5 )

هو كذلك عطف على جملة القسم كلها وحرف الاستقبال لإفادة أن هذا العطاء الموعود به مستمر لا ينقطع كما تقدم في قوله تعالى : ( قال سوف أستغفر لكم ربي ) في سورة يوسف ، وقوله : ( ولسوف يرضى ) في سورة الليل .

وحذف المفعول الثاني لـ ( يعطيك ) ليعم كل ما يرجوه - صلى الله عليه وسلم - من خير لنفسه ولأمته ، فكان مفاد هذه الجملة تعميم العطاء كما أفادت الجملة قبلها تعميم الأزمنة .

وجيء بفاء التعقيب في ( فترضى ) لإفادة كون العطاء عاجل النفع بحيث يحصل به رضى المعطى عند العطاء فلا يترقب أن يحصل نفعه بعد تربص .

وتعريف ( ربك ) بالإضافة دون اسم الله العلم لما يؤذن به لفظ ( رب ) من الرأفة واللطف ، وللتوسل إلى إضافته إلى ضمير المخاطب ؛ لما في ذلك من الإشعار بعنايته برسوله وتشريفه بإضافة ( رب ) إلى ضميره .

وهو وعد واسع الشمول لما أعطيه النبيء - صلى الله عليه وسلم - من النصر والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ، ودخول الناس في الدين أفواجا وما فتح على الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أقطار الأرض شرقا وغربا .

واعلم أن اللام في ( وللآخرة خير ) وفي ( ولسوف يعطيك ) جزم صاحب الكشاف بأنه لام الابتداء وقدر مبتدأ محذوفا . والتقدير : ولأنت سوف يعطيك ربك . وقال : إن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد ، وحيث تعين أن اللام لام الابتداء ولام الابتداء لا تدخل إلا على جملة من مبتدأ وخبر تعين تقدير المبتدأ . واختار ابن الحاجب أن اللام في ( ولسوف يعطيك ربك ) لام التوكيد ( يعني : لام وجوب القسم ) . ووافقه ابن هشام في مغني اللبيب . وأشعر كلامه [ ص: 399 ] أن وجود حرف التنفيس مانع من لحاق نون التوكيد ولذلك تجب اللام في الجملة . وأقول : في كون وجود حرف التنفيس يوجب كون اللام لام جواب قسم محل نظر .


ألم يجدك يتيما فآوى ( 6 ) ووجدك ضالا فهدى ( 7 ) ووجدك عائلا فأغنى ( 8 )

استئناف مسوق مساق الدليل على تحقق الوعد ، أي : هو وعد جار على سنن ما سبق من عناية الله بك من مبدأ نشأتك ولطفه في الشدائد باطراد بحيث لا يحتمل أن يكون ذلك من قبيل الصدف ; لأن شأن الصدف أن لا تتكرر فقد علم أن اطراد ذلك مراد لله تعالى .

والمقصود من هذا إيقاع اليقين في قلوب المشركين بأن ما وعده الله به محقق الوقوع قياسا على ما ذكره به من ملازمة لطفه به فيما مضى وهم لا يجهلون ذلك عسى أن يقلعوا عن العناد ويسرعوا إلى الإيمان ، وإلا فإن ذلك مساءة تبقى في نفوسهم وأشباح رعب تخالج خواطرهم . ويحصل مع ذلك المقصود امتنان على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتقوية لاطمئنان نفسه بوعد الله تعالى إياه .

والاستفهام تقريري ، وفعل ( يجدك ) مضارع ( وجد ) بمعنى ألفى وصادف ، وهو الذي يتعدى إلى مفعول واحد ومفعوله ضمير المخاطب . و ( يتيما ) حال ، وكذلك ( ضالا ) و ( عائلا ) . والكلام تمثيل لحالة تيسير المنافع للذي تعسرت عليه بحالة من وجد شخصا في شدة يتطلع إلى من يعينه أو يغيثه .

واليتيم : الصبي الذي مات أبوه ، وقد كان أبو النبيء - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو جنين أو في أول المدة من ولادته .

والإيواء : مصدر أوى إلى البيت ، إذا رجع إليه ، فالإيواء : الإرجاع إلى المسكن ، فهمزته الأولى همزة التعدية ، أي : جعله آويا ، وقد أطلق الإيواء على الكفالة وكفاية الحاجة مجازا أو استعارة ، فالمعنى : أنشأك على كمال الإدراك والاستقامة وكنت على تربية كاملة مع أن شأن الأيتام أن ينشئوا على نقائص لأنهم لا يجدون من يعنى بتهذيبهم وتعهد أحوالهم الخلقية . وفي الحديث : " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ، فكان تكوين نفسه الزكية على الكمال خيرا من تربية الأبوين .

[ ص: 400 ] والضلال : عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى المكان المقصود سواء سلك السائر طريقا آخر يبلغ إلى غير المقصود أم وقف حائرا لا يعرف أي طريق يسلك ، وهو المقصود هنا ; لأن المعنى : أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك ، فأراكه الله غير محمود وكرهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق ، فإن الله لما أنشأ رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما أراد من إعداده لتلقي الرسالة في الإبان ، ألهمه أن ما عليه قومه من الشرك خطأ وألقى في نفسه طلب الوصول إلى الحق ليتهيأ بذلك لقبول الرسالة عن الله تعالى .

وليس المراد بالضلال هنا اتباع الباطل ، فإن الأنبياء معصومون من الإشراك قبل النبوءة باتفاق علمائنا ، وإنما اختلفوا في عصمتهم من نوع الذنوب الفواحش التي لا تختلف الشرائع في كونها فواحش وبقطع النظر عن التنافي بين اعتبار الفعل فاحشة وبين الخلو عن وجود شريعة قبل النبوءة ، فإن المحققين من أصحابنا نزهوهم عن ذلك ، والمعتزلة منعوا ذلك بناء على اعتبار دليل العقل كافيا في قبح الفواحش على إرسال كلامهم في ضابط دلالة العقل . ولم يختلف أصحابنا أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - لم يصدر منه ما ينافي أصول الدين قبل رسالته ولم يزل علماؤنا يجعلون ما تواتر من حال استقامته ونزاهته عن الرذائل قبل نبوءته دليلا من جملة الأدلة على رسالته ، بل قد شافه القرآن به المشركين بقوله : ( فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) وقوله : ( أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ) ولأنه لم يؤثر أن المشركين أفحموا النبيء - صلى الله عليه وسلم - فيما أنكر عليهم من مساوي أعمالهم بأن يقولوا : فقد كنت تفعل ذلك معنا .

والعائل : الذي لا مال له ، والفقر يسمى عيلة ، قال تعالى : ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) وقد أغناه الله غناءين : أعظمهما غنى القلب إذ ألقى في قلبه قلة الاهتمام بالدنيا ، وغنى المال حين ألهم خديجة مقارضته في تجارتها .

وحذفت مفاعيل ( فآوى ، فهدى ، فأغنى ) للعلم بها من ضمائر الخطاب قبلها ، وحذفها إيجاز ، وفيه رعاية على الفواصل .


فأما اليتيم فلا تقهر ( 9 ) وأما السائل فلا تنهر ( 10 ) وأما بنعمة ربك فحدث ( 11 )

الفاء الأولى فصيحة .

و ( أما ) تفيد شرطا مقدرا تقديره : مهما يكن من شيء ، فكان مفادها مشعرا بشرط آخر مقدر هو الذي اجتلبت لأجله فاء الفصيحة ، وتقدير نظم الكلام : إذ كنت تعلم ذلك وأقررت به ، فعليك بشكر ربك ، وبين له الشكر بقوله : ( أما اليتيم فلا تقهر ) إلخ .

وقد جعل الشكر هنا مناسبا للنعمة المشكور عليها ، وإنما اعتبر تقدير : إذا أردت الشكر ; لأن شكر النعمة تنساق إليه النفوس بدافع المروءة في عرف الناس ، وصدر الكلام بـ ( أما ) التفصيلية لأنه تفصيل لمجمل الشكر على النعمة .

ولما كانت ( أما ) بمعنى : ومهما يكن شيء ، قرن جوابها بالفاء .

و ( اليتيم ) مفعول لفعل ( فلا تقهر ) . وقدم للاهتمام بشأنه ولهذا القصد لم يؤت به مرفوعا ، وقد حصل مع ذلك الوفاء باستعمال جواب ( أما ) أن يكون مفصولا عن ( أما ) بشيء كراهية موالاة فاء الجواب لحرف الشرط . ويظهر أنهم ما التزموا الفصل بين ( أما ) وجوابها بتقديم شيء من علائق الجواب إلا لإرادة الاهتمام بالمقدم ; لأن موقع ( أما ) لا يخلو عن اهتمام بالكلام اهتماما يرتكز في بعض أجزاء الكلام ، فاجتلاب ( أما ) في الكلام أثر للاهتمام وهو يقتضي أن مثار الاهتمام بعض متعلقات الجملة ، فذلك هو الذي يعتنون بتقديمه ، وكذلك القول في تقديم ( السائل ) وتقديم ( بنعمة ربك ) على فعليهما .

وقد قوبلت النعم الثلاث المتفرع عليها هذا التفصيل بثلاثة أعمال تقابلها .

فيجوز أن يكون هذا التفصيل على طريقة اللف والنشر المرتب ، وذلك ما درج عليه الطيبي ، ويجري على تفسير سفيان بن عيينة ( السائل ) بالسائل عن الدين والهدى ، فقوله : ( فأما اليتيم فلا تقهر ) مقابل لقوله : ( ألم يجدك يتيما فآوى ) لا محالة ، أي : فكما آواك ربك وحفظك من عوارض النقص المعتاد لليتم ، فكن أنت مكرما للأيتام رفيقا بهم ، فجمع ذلك في النهي عن قهره ; لأن أهل الجاهلية [ ص: 402 ] كانوا يقهرون الأيتام ، ولأنه إذا نهى عن قهر اليتيم مع كثرة الأسباب لقهره ; لأن القهر قد يصدر من جراء القلق من مطالب حاجاته ، فإن فلتات اللسان سريعة الحصول كما قال تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) وقال : ( وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ) .

والقهر : الغلبة والإذلال وهو المناسب هنا ، وتكون هذه المعاني بالفعل كالدع والتحقير بالفعل وتكون بالقول ، قال تعالى : ( وقولوا لهم قولا معروفا ) وتكون بالإشارة مثل عبوس الوجه ، فالقهر المنهي عنه هو القهر الذي لا يعامل به غير اليتيم في مثل ذلك ، فأما القهر لأجل الاستصلاح كضرب التأديب فهو من حقوق التربية ، قال تعالى : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) .

وقوله : ( وأما السائل فلا تنهر ) مقابل قوله : ( ووجدك ضالا فهدى ) ؛ لأن الضلال يستدعي السؤال عن الطريق فالضال معتبر من صنف السائلين ، والسائل عن الطريق قد يتعرض لحماقة المسئول كما قال كعب :


وقال كل خليل كنت آمله : لا ألهينك إني عنك مشغول


فجعل الله الشكر عن هدايته إلى طريق الخير أن يوسع باله للسائلين .

فلا يختص السائل بسائل العطاء بل يشمل كل سائل ، وأعظم تصرفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإرشاد المسترشدين ، وروي هذا التفسير عن سفيان بن عيينة . روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا " قال هارون العبدي : كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والتعريف في ( السائل ) تعريف الجنس فيعم كل سائل ، أي : عما يسأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن مثله .

ويكون النشر على ترتيب اللف .

فإن فسر ( السائل ) بسائل المعروف كان مقابل قوله : ( ووجدك عائلا فأغنى ) وكان من النشر المشوش ، أي : المخالف لترتيب اللف ، وهو ما درج عليه الكشاف .

[ ص: 403 ] والنهر : الزجر بالقول مثل أن يقول : إليك عني . ويستفاد من النهي عن القهر والنهر النهي عما هو أشد منهما في الأذى كالشتم والضرب والاستيلاء على المال وتركه محتاجا ، وليس من النهر نهي السائل عن مخالفة آداب السؤال في الإسلام .

وقوله : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) مقابل قوله : ( ووجدك عائلا فأغنى ) .

فإن الإغناء نعمة ، فأمره الله أن يظهر نعمة الله عليه بالحديث عنها وإعلان شكرها .

وليس المراد بنعمة ربك نعمة خاصة ، وإنما أريد الجنس فيفيد عموما في المقام الخطابي ، أي : حدث ما أنعم الله به عليك من النعم ، فحصل في ذلك الأمر شكر نعمة الإغناء ، وحصل الأمر بشكر جميع النعم لتكون الجملة تذييلا جامعا .

فإن جعل قوله : ( وأما السائل فلا تنهر ) مقابل قوله : ( ووجدك عائلا فأغنى ) على طريقة اللف والنشر المشوش كان قوله : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) مقابل قوله : ( ووجدك ضالا فهدى ) على طريقة اللف والنشر المشوش أيضا .

وكان المراد بنعمة ربه نعمة الهداية إلى الدين الحق .

والتحديث : الإخبار ، أي : أخبر بما أنعم الله عليك اعترافا بفضله ، وذلك من الشكر . والقول في تقديم المجرور وهو ( بنعمة ربك ) على متعلقه كالقول في تقديم ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) .

والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فمقتضى الأمر في المواضع الثلاثة أن تكون خاصة به ، وأصل الأمر الوجوب ، فيعلم أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - واجب عليه ما أمر به ، وأما مخاطبة أمته بذلك فتجري على أصل مساواة الأمة لنبيها فيما فرض عليه ما لم يدل دليل على الخصوصية ، فأما مساواة الأمة له في منع قهر اليتيم ونهر السائل فدلائله كثيرة مع ما يقتضيه أصل المساواة .

وأما مساواة الأمة في الأمر بالتحدث بنعمة الله فإن نعم الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - شتى منها ما لا مطمع لغيره من الأمة فيه ، مثل نعمة الرسالة ونعمة القرآن ونحو ذلك من مقتضيات الاصطفاء الأكبر ، ونعمة الرب في الآية مجملة .

[ ص: 404 ] فنعم الله التي أنعم بها على نبيه - صلى الله عليه وسلم - كثيرة منها ما يجب تحديثه به وهو تبليغه الناس أنه رسول من الله ، وأن الله أوحى إليه ، وذلك داخل في تبليغ الرسالة ، وقد كان يعلم الناس الإسلام فيقول لمن يخاطبه : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله .

ومنها تعريفه الناس ما يجب له من البر والطاعة كقوله لمن قال له : اعدل يا رسول الله . فقال : " أيأمنني الله على وحيه ولا تأمنوني ؟ ! " ، ومنه ما يدخل التحديث به في واجب الشكر على النعمة ، فهذا وجوبه على النبيء - صلى الله عليه وسلم - خالص من عروض المعارض ; لأن النبيء معصوم من عروض الرياء ولا يظن الناس به ذلك فوجوبه عليه ثابت .

وأما الأمة فقد يكون التحديث بالنعمة منهم محفوفا برياء أو تفاخر ، وقد ينكسر له خاطر من هو غير واجد مثل النعمة المتحدث بها . وهذا مجال للنظر في المعارضة بين المقتضي والمانع ، وطريقة الجمع بينهما إن أمكن أو الترجيح لأحدهما . وفي تفسير الفخر : سئل أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - عن الصحابة ، فأثنى عليهم فقالوا له : فحدثنا عن نفسك فقال : مهلا فقد نهى الله عن التزكية ، فقيل له : أليس الله تعالى يقول : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) فقال : فإني أحدث ، كنت إذا سئلت أعطيت . وإذا سكت ابتديت ، وبين الجوانح علم جم فاسألوني . فمن العلماء من خص النعمة في قوله : ( بنعمة ربك بنعمة القرآن ونعمة النبوءة ، وقاله مجاهد . ومن العلماء من رأى وجوب التحدث بالنعمة . رواه الطبري عن أبي نضرة .

وقال القرطبي : الخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - والحكم عام له ولغيره . قال عياض في الشفا : " وهذا خاص له عام لأمته " .

وعن عمرو بن ميمون : إذا لقي الرجل من إخوانه من يثق به يقول له : رزق الله من الصلاة البارحة كذا وكذا ، وعن عبد الله بن غالب : أنه كان إذا [ ص: 405 ] أصبح يقول : لقد رزقني الله البارحة كذا ، قرأت كذا ، صليت كذا ، ذكرت الله كذا ، فقلنا له : يا أبا فراس إن مثلك لا يقول هذا ، قال : يقول الله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) وتقولون أنتم : لا تحدث بنعمة الله . وذكر ابن العربي عن أيوب قال : دخلت على أبي رجاء العطاردي فقال : لقد رزق الله البارحة : صليت كذا وسبحت كذا ، قال أيوب : فاحتملت ذلك لأبي رجاء . وعن بعض السلف أن التحدث بالنعمة تكون للثقة من الإخوان ممن يثق به ، قال ابن العربي : إن التحدث بالعمل يكون بإخلاص من النية عند أهل الثقة ، فإنه ربما خرج إلى الرياء وإساءة الظن بصاحبه . وذكر الفخر والقرطبي عن الحسن بن علي : إذا أصبت خيرا أو عملت خيرا فحدث به الثقة من إخوانك . قال الفخر : إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياء وظن أن غيره يقتدي به .

EL Mister
19-06-09, 21:50
بسم الله الرحمن الرحيم

( والليل إذا يغشى ( 1 ) والنهار إذا تجلى ( 2 ) وما خلق الذكر والأنثى ( 3 ) إن سعيكم لشتى ( 4 ) فأما من أعطى واتقى ( 5 ) وصدق بالحسنى ( 6 ) فسنيسره لليسرى ( 7 ) وأما من بخل واستغنى ( 8 ) وكذب بالحسنى ( 9 ) فسنيسره للعسرى ( 10 ) وما يغني عنه ماله إذا تردى ( 11 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في معظم المصاحف وبعض كتب التفسير " سورة الليل " بدون واو ، وسميت في معظم كتب التفسير " سورة والليل " بإثبات الواو ، وعنونها البخاري والترمذي " سورة والليل إذا يغشى " .

وهي مكية في قول الجمهور ، واقتصر عليه كثير من المفسرين ، وحكى ابن عطية عن المهدوي أنه قيل : إنها مدنية ، وقيل : بعضها مدني ، وكذلك ذكر الأقوال في الإتقان ، وأشار إلى أن ذلك لما روي من سبب نزول قوله تعالى : ( فأما من أعطى واتقى ) إذ روي " أنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري في نخلة كان يأكل أيتام من ثمرها وكانت لرجل من المنافقين فمنعهم من ثمرها فاشتراها أبو الدحداح بنخيل وجعلها لهم " وسيأتي .

وعدت التاسعة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الأعلى وقبل سورة الفجر .

وعدد آيها عشرون .


أغراض السورة

احتوت على بيان شرف المؤمنين وفضائل أعمالهم ، ومذمة المشركين ومساويهم وجزاء كل .

وأن الله يهدي الناس إلى الخير ، فهو يجزي المهتدين بخير الحياتين والضالين بعكس ذلك .

وأنه أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - للتذكير بالله وما عنده فينتفع من يخشى فيفلح [ ص: 378 ] ويصدف عن الذكرى من كان شقيا فيكون جزاؤه النار الكبرى وأولئك هم الذين صدهم عن التذكر إيثار حب ما هم فيه في هذه الحياة .

وأدمج في ذلك الإشارة إلى دلائل قدرة الله تعالى وبديع صنعه .


والليل إذا يغشى ( 1 ) والنهار إذا تجلى ( 2 ) وما خلق الذكر والأنثى ( 3 ) إن سعيكم لشتى ( 4 )

افتتاح الكلام بالقسم جار على أسلوب السورتين قبل هذه ، وغرض ذلك ما تقدم آنفا .

ومناسبة المقسم به للمقسم عليه أن سعي الناس منه خير ومنه شر وهما يماثلان النور والظلمة ، وأن سعي الناس ينبثق عن نتائج منها النافع ومنها الضار كما ينتج الذكر والأنثى ذرية صالحة وغير صالحة .

وفي القسم بالليل والنهار التنبيه على الاعتبار بهما في الاستدلال على حكمة نظام الله في هذا الكون وبديع قدرته ، وخص بالذكر ما في الليل من الدلالة من حالة غشيانه الجانب الذي يغشاه من الأرض ويغشى فيه من الموجودات فتعمها ظلمته فلا تبدو للناظرين ; لأن ذلك أقوى أحواله ، وخص بالذكر من أحوال النهار حالة تجليته عن الموجودات وظهوره على الأرض كذلك .

وقد تقدم بيان الغشيان والتجلي في تفسير قوله : ( والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ) في سورة الشمس .

واختير القسم بالليل والنهار لمناسبته للمقام ; لأن غرض السورة بيان البون بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة .

وابتدئ في هذه السورة بذكر الليل ثم ذكر النهار عكس ما في سورة الشمس ; لأن هذه السورة نزلت قبل سورة الشمس بمدة وهي سادسة السور ، وأيامئذ كان الكفر مخيما على الناس إلا نفرا قليلا ، وكان الإسلام قد أخذ في التجلي فناسب تلك الحالة بإشارة إلى تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار ، ويتضح هذا في جواب القسم بقوله : ( إن سعيكم لشتى ) إلى قوله : ( إذا تردى ) .

[ ص: 379 ] وفي قوله : ( إن سعيكم لشتى ) إجمال يفيد التشويق إلى تفصيله بقوله : ( فأما من أعطى ) الآية ؛ ليتمكن تفصيله في الذهن .

وحذف مفعول ( يغشى ) لتنزيل الفعل منزلة اللازم ; لأن العبرة بغشيانه كل ما تغشاه ظلمته .

وأسند إلى النهار التجلي مدحا له بالاستنارة التي يراها كل أحد ويحس بها حتى البصراء .

والتجلي : الوضوح ، وتجلي النهار : وضوح ضيائه ، فهو بمعنى قوله : ( والشمس وضحاها ) وقوله : ( والضحى ) .

وأشير إلى أن ظلمة الليل كانت غالبة لضوء النهار وأن النهار يعقبها ، والظلمة هي أصل أحوال أهل الأرض وجميع العوالم المرتبطة بالنظام الشمسي ، وإنما أضاءت بعد أن خلق الله الشمس ، ولذلك اعتبر التاريخ في البدء بالليالي ثم طرأ عليه التاريخ بالأيام .

والقول في تقييد الليل بالظرف وتقييد النهار بمثله كالقول في قوله : ( والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها ) في السورة السابقة .

و ( ما ) في قوله : ( وما خلق الذكر والأنثى ) مصدرية ، أقسم الله بأثر من آثار قدرته وهو خلق الزوجين وما يقتضيه من التناسل .

والذكر والأنثى : صنفا أنواع الحيوان . والمراد : خصوص خلق الإنسان وتكونه من ذكر وأنثى كما قال تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) لأنه هو المخلوق الأرفع في عالم الماديات وهو الذي يدرك المخاطبون أكثر دقائقه لتكرره على أنفسهم ذكورهم وإناثهم بخلاف تكون نسل الحيوان ، فإن الإنسان يدرك بعض أحواله ولا يحصي كثيرا منها .

والمعنى : وذلك الخلق العجيب من اختلاف حالي الذكورة والأنوثة مع خروجهما من أصل واحد ، وتوقف التناسل على تزاوجهما ، فالقسم بتعلق من تعلق صفات الأفعال الإلهية وهي قسم من الصفات لا يختلف في ثبوته ، وإنما [ ص: 380 ] اختلف علماء أصول الدين في عد صفات الأفعال من الصفات ، فهي موصوفة بالقدم عند الماتريدي ، أو جعلها من تعلق صفة القدرة ، فهي حادثة عند الأشعري ، وهو آيل إلى الخلاف اللفظي .

وقد كان القسم في سورة الشمس بتسوية النفس ، أي : خلق العقل والمعرفة في الإنسان ، وأما القسم هنا فبخلق جسد الإنسان واختلاف صنفيه ، وجملة ( إن سعيكم لشتى ) جواب القسم . والمقصود من التأكيد بالقسم قوله : ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) .

والسعي حقيقته : المشي القوي الحثيث ، وهو مستعار هنا للعمل والكد .

وشتى : جمع شتيت على وزن فعلى مثل قتيل وقتلى ، مشتق من الشت وهو التفرق الشديد يقال : شت جمعهم ، إذا تفرقوا ، وأريد به هنا التنوع والاختلاف في الأحوال كما في قول تأبط شرا :


قليل التشكي للملم يصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك


وهو استعارة أو كناية عن الأعمال المتخالفة ; لأن التفرق يلزمه الاختلاف .

والخطاب في قوله : ( إن سعيكم ) لجميع الناس من مؤمن وكافر .

واعلم أنه قد روي في الصحيحين عن علقمة قال : " دخلت في نفر من أصحاب عبد الله - يعني ابن مسعود - الشام ، فسمع بنا أبو الدرداء ، فأتانا فقال : أيكم يقرأ على قراءة عبد الله ؟ فقلت : أنا . قال : كيف سمعته يقرأ ( والليل إذا يغشى ) ؟ قال : سمعته يقرأ : ( والليل إذا يغشى والنهار إذ تجلى والذكر والأنثى ) . قال : أشهد أني سمعت النبيء - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هكذا . وسماها في الكشاف : قراءة النبيء - صلى الله عليه وسلم - أي : ثبت أنه قرأ بها ، وتأويل ذلك : أنه أقرأها أبا الدرداء أيام كان القرآن مرخصا أن يقرأ على بعض اختلاف ، ثم نسخ ذلك الترخيص بما قرأ به النبيء - صلى الله عليه وسلم - في آخر حياته وهو الذي اتفق عليه قراء القرآن وكتب في المصحف في زمن أبي بكر - رضي الله عنه - وقد بينت في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير معنى قولهم : قراءة النبيء صلى الله عليه وسلم .


فأما من أعطى واتقى ( 5 ) وصدق بالحسنى ( 6 ) فسنيسره لليسرى ( 7 ) وأما من بخل واستغنى ( 8 ) وكذب بالحسنى ( 9 ) فسنيسره للعسرى ( 10 ) وما يغني عنه ماله إذا تردى ( 11 )

( فأما ) تفريع وتفصيل للإجمال في قوله : ( إن سعيكم لشتى ) فحرف ( أما ) يفيد الشرط والتفصيل وهو يتضمن أداة شرط وفعل شرط لأنه بمعنى : مهما يكن من شيء ، والتفصيل : التفكيك بين متعدد اشتركت آحاده في حالة وانفرد بعضها عن بعض بحالة هي التي يعتنى بتمييزها . وقد تقدم تحقيقه عند قوله تعالى : ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ) في سورة الفجر .

والمحتاج للتفصيل هنا هو السعي المذكور ، ولكن جعل التفصيل ببيان الساعين بقوله : ( فأما من أعطى ) لأن المهم هو اختلاف أحوال الساعين ويلازمهم السعي ، فإيقاعهم في التفصيل بحسب مساعيهم يساوي إيقاع المساعي في التفصيل ، وهذا تفنن من أفانين الكلام الفصيح يحصل منه معنيان ، كقول النابغة :


وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي على وعل في ذي المطارة عاقل


أي : على مخافة وعل .

ومنه قوله تعالى : ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) إلخ ، في سورة البقرة .

وقوله تعالى : ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ) الآية ، أي : كإيمان من آمن بالله .

وانحصر تفصيل ( شتى ) في فريقين : فريق ميسر لليسرى و فريق ميسر للعسرى ; لأن الحالين هما المهم في مقام الحث على الخير ، والتحذير من الشر ، ويندرج فيهما مختلف الأعمال كقوله تعالى : ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) في سورة الزلزلة . ويجوز أن يجعل تفصيل ( شتى ) هم من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى ، وذلك عدد يصح أن يكون بيانا لشتى .

[ ص: 382 ] و ( من ) في قوله : ( من أعطى ) إلخ ، وقوله ( من بخل ) إلخ ، يعم كل من يفعل الإعطاء ويتقي ويصدق بالحسنى . وروي أن هذا نزل بسبب أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف وأعتقه لينجيه من تعذيب أمية بن خلف ، ومن المفسرين من يذكر أبا سفيان بن حرب عوض أمية بن خلف ، وهو وهم .

وقيل : نزلت في قضية أبي الدحداح مع رجل منافق ستأتي . وهذا الأخير مقتض أن السورة مدنية ، وسبب النزول لا يخص العموم .

وحذف مفعول ( أعطى ) لأن فعل الإعطاء إذا أريد به إعطاء المال بدون عوض ، ينزل منزلة اللازم لاشتهار استعماله في إعطاء المال ولذلك يسمى المال الموهوب عطاء ، والمقصود إعطاء الزكاة .

وكذلك حذف مفعول اتقى لأنه يعلم أن المقدر اتقى الله .

وهذه الخلال الثلاث من خلال الإيمان ، فالمعنى : فأما من كان من المؤمنين كما في قوله تعالى : ( قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ) أي : لم نك من أهل الإيمان .

وكذلك فعل ( بخل ) لم يذكر متعلقه لأنه أريد به البخل بالمال .

و ( استغنى ) جعل مقابلا لـ ( اتقى ) فالمراد به الاستغناء عن امتثال أمر الله ودعوته ; لأن المصر على الكفر المعرض عن الدعوة يعد نفسه غنيا عن الله مكتفيا بولاية الأصنام وقومه ، فالسين والتاء للمبالغة في الفعل ، مثل سين استجاب بمعنى أجاب . وقد يراد به زيادة طلب الغنى بالبخل بالمال ، فتكون السين والتاء للطلب ، وهذه الخلال كناية عن كونه من المشركين .

والحسنى : تأنيث الأحسن فهي بالأصالة صفة لموصوف مقدر ، وتأنيثها مشعر بأن موصوفها المقدر يعتبر مؤنث اللفظ ، ويحتمل أمورا كثيرة مثل المثوبة أو النصر أو العدة أو العاقبة .

وقد يصير هذا الوصف علما بالغلبة ، فقيل : الحسنى الجنة ، وقيل : كلمة [ ص: 383 ] الشهادة ، وقيل : الصلاة ، وقيل : الزكاة . وعلى الوجوه كلها فالتصديق بها الاعتراف بوقوعها ويكنى به عن الرغبة في تحصيلها .

وحاصل الاحتمالات يحوم حول التصديق بوعد الله بما هو حسن من مثوبة أو نصر أو إخلاف ما تلف ، فيرجع هذا التصديق إلى الإيمان .

ويتضمن أنه يعمل الأعمال التي يحصل بها الفوز بالحسنى .

ولذلك قوبل في الشق الآخر بقوله : ( وكذب بالحسنى ) .

والتيسير : جعل شيء يسير الحصول ، ومفعول فعل التيسير هو الشيء الذي يجعل يسيرا ، أي غير شديد ، والمجرور باللام بعده هو الذي يسهل الشيء الصعب لأجله ، وهو الذي ينتفع بسهولة الأمر ، كما في قوله تعالى : ( ويسر لي أمري ) وقوله : ( ولقد يسرنا القرآن للذكر ) .

واليسرى في قوله : ( لليسرى ) هي ما لا مشقة فيه . وتأنيثها : إما بتأويل الحالة ، أي : الحالة التي لا تشق عليه في الآخرة ، وهي حالة النعيم ، أو على تأويلها بالمكانة . وقد فسرت اليسرى بالجنة عن زيد بن أسلم ومجاهد . ويحتمل اللفظ معاني كثيرة تندرج في معاني النافع الذي لا يشق على صاحبه ، أي : الملائم .

والعسرى : إما الحالة وهي حالة العسر والشدة ، وإما مكانته وهي جهنم ، لأنها مكان العسر والشدائد على أهلها ، قال تعالى : ( فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ) فمعنى ( نيسره ) : ندرجه في عملي السعادة والشقاوة ، وبه فسر ابن عطية ، فالأعمال اليسرى هي الصالحة ، وصفت باليسرى باعتبار عاقبتها لصاحبها ، وتكون العسرى الأعمال السيئة باعتبار عاقبتها على صاحبها ، فتأنيثهما باعتبار أن كلتيهما صفة طائفة من الأعمال .

وحرف التنفيس على هذا التفسير يكون مرادا منه الاستمرار من الآن إلى آخر الحياة كقوله تعالى : ( قال سوف أستغفر لكم ربي ) .

وحرف ( أل ) في ( اليسرى ) وفي ( العسرى ) لتعريف الجنس أو للعهد على اختلاف المعاني .

[ ص: 384 ] وإذ قد جاء ترتيب النظم في هذه الآية على عكس المتبادر ، إذ جعل ضمير الغيبة في ( نيسره لليسرى ) العائد إلى ( من أعطى واتقى ) هو الميسر ، وجعل ضمير الغيبة في ( نيسره للعسرى ) العائد إلى ( من بخل واستغنى ) هو الميسر ، أي : الذي صار الفعل صعب الحصول حاصلا له ، وإذ وقع المجروران باللام : ( اليسرى ) و ( العسرى ) ، وهما لا ينتفعان بسهولة من أعطى أو من بخل ، تعين تأويل نظم الآية بإحدى طريقتين :

الأولى : إبقاء فعل ( نيسر ) على حقيقته وجعل الكلام جاريا على خلاف مقتضى الظاهر بطريق القلب بأن يكون أصل الكلام : فسنيسر اليسرى له وسنيسر العسرى له ، ولا بد من مقتض للقلب ، فيصار إلى أن المقتضي إفادة المبالغة في هذا التيسير حتى جعل الميسر ميسرا له والميسر له ميسرا على نحو ما وجهوا به قول العرب : عرضت الناقة على الحوض .

والثانية : أن يكون التيسير مستعملا مجازا مرسلا في التهيئة والإعداد بعلاقة اللزوم بين إعداد الشيء للشيء وتيسره له ، وتكون اللام من قوله : ( لليسرى ) و ( للعسرى ) لام التعليل ، أي : نيسره لأجل اليسرى أو لأجل العسرى ، فالمراد باليسرى الجنة وبالعسرى جهنم ، على أن يكون الوصفان صارا علما بالغلبة على الجنة وعلى النار ، والتهيئة لا تكون لذات الجنة وذات النار فتعين تقدير مضاف بعد اللام يناسب التيسير فيقدر : لدخول اليسرى ولدخول العسرى ، أي : سنعجل له ذلك .

والمعنى : سنجعل دخول هذا الجنة سريعا ودخول الآخر النار سريعا ، بشبه الميسر من صعوبة ; لأن شأن الصعب الإبطاء وشأن السهل السرعة ، ومنه قوله تعالى : ( ذلك حشر علينا يسير ) أي : سريع عاجل . ويكون على هذا الوجه قوله : ( فسنيسره للعسرى ) مشاكلة بنيت على استعارة تهكمية قرينتها قوله : ( العسرى ) ، والذي يدعو إلى هذا أن فعل ( نيسر ) نصب ضمير من ( أعطى واتقى وصدق ) ، وضمير من ( بخل واستغنى وكذب ) فهو تيسير ناشئ عن حصول الأعمال التي يجمعها معنى ( اتقى ) أو معنى ( استغنى ) فالأعمال سابقة لا محالة . والتيسير مستقبل بعد حصولها فهو [ ص: 385 ] تيسير ما زاد على حصولها ، أي : تيسير الدوام عليها والاستزادة منها .

ويجوز أن يكون معنى الآية : أن يجعل التيسير على حقيقته ويجعل اليسرى وصفا أي : الحالة اليسرى ، والعسرى أي : الحالة غير اليسرى . وليس في التركيب قلب .

والتيسير بمعنى الدوام على العمل ، ففي صحيح البخاري عن علي قال : " كنا مع رسول الله في بقيع الغرقد في جنازة فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ، فقالوا : يا رسول الله أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء ، ثم قرأ ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) " اهـ .

فصدر الحديث لا علاقة له بما تضمنته هذه الآية ; لأن قوله : " ما من أحد إلا وقد كتب مقعده " إلخ ، معناه : قد علم الله أن أحدا سيعمل بعمل أهل الجنة حتى يوافي عليه ، أو سيعمل بعمل أهل النار حتى يوافي عليه ، فقوله : " وقد كتب مقعده " جعلت الكتابة تمثيلا لعلم الله بالمعلومات علما موافقا لما سيكون لا زيادة فيه ولا نقص ، كالشيء المكتوب إذ لا يقبل زيادة ولا نقصا دون المقول الذي لا يكتب فهو لا ينضبط .

فنشأ سؤال من سأل عن فائدة العمل الذي يعمله الناس ، ومعنى جوابه : أن فائدة العمل الصالح أنه عنوان على العاقبة الحسنة . وذكر مقابله وهو العمل السيئ إتماما للفائدة ولا علاقة له بالجواب .

وليس مجازه مماثلا لما استعمل في هذه الآية لأنه في الحديث علق به عمل أهل السعادة فتعين أن يكون تيسيرا للعمل ، أي : إعدادا وتهيئة للأعمال صالحها أو سيئها .

فالذي يرتبط بالآية من اللفظ النبوي هو أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أعقب كلامه بأن قرأ ( فأما من أعطى واتقى ) الآية ؛ لأنه قرأها تبيينا واستدلالا لكلامه ، فكان للآية تعلق بالكلام النبوي ، ومحل الاستدلال هو قوله تعالى : ( فسنيسره ) .

[ ص: 386 ] فالمقصود منه إثبات أن من شئون الله تعالى تيسرا للعبد أن يعمل بعمل السعادة أو عمل الشقاء ، سواء كان عمله أصلا للسعادة كالإيمان أو للشقاوة كالكفر ، أم كان العمل مما يزيد السعادة وينقص من الشقاوة وذلك بمقدار الأعمال الصالحة لمن كان مؤمنا ; لأن ثبوت أحد معنيي التيسير يدل على ثبوت جنسه فيصلح دليلا لثبوت التيسير من أصله .

أو يكون المقصود من سوق الآية الاستدلال على قوله : ( اعملوا ) ؛ لأن الآية ذكرت عملا وذكرت تيسيرا لليسرى وتيسيرا للعسرى ، فيكون الحديث إشارة إلى أن العمل هو علامة التيسير ، وتكون اليسرى معنيا بها السعادة والعسرى معنيا بها الشقاوة ، وماصدق السعادة الفوز بالجنة ، وماصدق الشقاوة الهوي في النار .

وإذ كان الوعد بتيسير اليسرى لصاحب تلك الصلات الدالة على أعمال الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى ، كان سلوك طريق الموصولية للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو التيسير ، فتعين أن التيسير مسبب عن تلك الصلات ، أي : جزاء عن فعلها . فالمتيسر : تيسير الدوام عليها ، وتكون اليسرى صفة للأعمال ، وذلك من الإظهار في مقام الإضمار . والأصل : مستيسر له أعماله ، وعدل عن الإضمار إلى وصف اليسرى للثناء على تلك الأعمال بأنها ميسرة من الله كقوله تعالى : ( ونيسرك لليسرى ) في سورة الأعلى .

وخلاصة الحديث أنه بيان للفرق بين تعلق علم الله بأعمال عباده قبل أن يعملوها ، وبين تعلق خطابه إياهم بشرائعه ، وأن ما يصدر عن الناس من أعمال ظاهرة وباطنة إلى خاتمة كل أحد وموافاته هو عنوان للناس على ما كان قد علمه الله ، ويلتقي المهيعان في أن العمل هو وسيلة الحصول على الجنة أو الوقوع في جهنم .

وإنما خص الإعطاء بالذكر في قوله : ( فأما من أعطى واتقى ) مع شمول ( اتقى ) لمفاده ، وخص البخل بالذكر في قوله : ( وأما من بخل واستغنى ) مع شمول ( استغنى ) له ، لتحريض المسلمين على الإعطاء ، فالإعطاء والتقوى شعار المسلمين مع التصديق بالحسنى ، وضد الثلاثة من شعار المشركين .

[ ص: 387 ] وفي الآية محسن الجمع مع التقسيم ، ومحسن الطباق ، أربع مرات بين ( أعطى ) و ( بخل ) ، وبين ( اتقى ) و ( استغنى ) ، وبين ( صدق ) و ( كذب ) ، وبين ( اليسرى ) و ( العسرى ) .

وجملة ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) عطف على جملة ( فسنيسره للعسرى ) أي : سنعجل به إلى جهنم . فالتقدير : إذا تردى فيها .

والتردي : السقوط من علو إلى سفل ، يعني : لا يغني عنه ماله الذي بخل به شيئا من عذاب النار .

و ( ما ) يجوز أن تكون نافية . والتقدير : وسوف لا يغني عنه ماله إذا سقط في جهنم ، وتحتمل أن تكون استفهامية وهو استفهام إنكار وتوبيخ . ويجوز على هذا الوجه أن تكون الواو للاستئناف . والمعنى : وما يغني عنه ماله الذي بخل به .

روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس " أنه كانت لرجل من المنافقين نخلة مائلة في دار رجل مسلم ذي عيال ، فإذا سقط منها ثمر أكله صبية لذلك المسلم ، فكان صاحب النخلة ينزع من أيديهم الثمرة ، فشكا المسلم ذلك إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فكلم النبيء - صلى الله عليه وسلم - صاحب النخلة أن يتركها لهم وله بها نخلة في الجنة ، فلم يفعل ، وسمع ذلك أبو الدحداح الأنصاري فاشترى تلك النخلة من صاحبها بحائط فيه أربعون نخلة ، وجاء إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، اشترها مني بنخلة في الجنة ، فقال : نعم والذي نفسي بيده ، فأعطاها الرجل صاحب الصبية ، قال عكرمة : قال ابن عباس : فأنزل الله تعالى ( والليل إذا يغشى ) إلى قوله : ( للعسرى ) وهو حديث غريب ، ومن أجل قول ابن عباس : فأنزل الله تعالى ( والليل إذا يغشى ) قال جماعة : السورة مدنية . وقد بينا في المقدمة الخامسة أنه كثيرا ما يقع في كلام المتقدمين قولهم : فأنزل الله في كذا قوله كذا ، أنهم يريدون [ ص: 388 ] به أن القصة مما تشمله الآية . وروي أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : " كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح . ولمح إليها بشار بن برد في قوله :


إن النحيلة إذ يميل بها الهوى كالعذق مال على أبي الدحداح


إن علينا للهدى ( 12 ) وإن لنا للآخرة والأولى ( 13 )


استئناف مقرر لمضمون الكلام السابق من قوله : ( فأما من أعطى ) إلى قوله : ( للعسرى ) ، وذلك لإلقاء التبعة على من صار إلى العسرى بأن الله أعذر إليه إذ هداه بدعوة الإسلام إلى الخير ، فأعرض عن الاهتداء باختياره اكتساب السيئات ، فإن التيسير لليسرى يحصل عند ميل العبد إلى عمل الحسنات ، والتيسير للعسرى يحصل عند ميله إلى عمل السيئات . وذلك الميل هو المعبر عنه بالكسب عند الأشعري ، وسماه المعتزلة : قدرة العبد ، وهو أيضا الذي اشتبه على الجبرية فسموه الجبر .

وتأكيد الخبر بـ ( إن ) ولام الابتداء يومئ إلى أن هذا كالجواب عما يجيش في نفوس أهل الضلال عند سماع الإنذار السابق من تكذيبه بأن الله لو شاء منهم ما دعاهم إليه لألجأهم إلى الإيمان . فقد حكي عنهم في الآية الأخرى : ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) .

وحرف ( على ) إذا وقع بين اسم وما يدل على فعل ، يفيد معنى اللزوم ، أي : لازم لنا هدى الناس ، وهذا التزام من الله اقتضاه فضله وحكمته فتولى إرشاد الناس إلى الخير قبل أن يؤاخذهم بسوء أعمالهم التي هي فساد فيما صنع الله من الأعيان والأنظمة التي أقام عليها فطرة نظام العالم ، فهدى الله الإنسان بأن خلقه قابلا للتمييز بين الصلاح والفساد ، ثم عزز ذلك بأن أرسل إليه رسلا مبينين لما قد يخفى أمره من الأفعال أو يشتبه على الناس فساده بصلاحه ، ومنبهين الناس لما قد يغفلون عنه من سابق ما عملوه .

وعطف ( وإن لنا للآخرة والأولى ) على جملة ( إن علينا للهدى ) تتميم وتنبيه على أن تعهد الله لعباده بالهدى فضل منه وإلا فإن الدار الآخرة ملكه [ ص: 389 ] والدار الأولى ملكه بما فيهما ، قال تعالى : ( له ملك السماوات والأرض وما بينهما ) فله التصرف فيهما كيف يشاء ، فلا يحسبوا أن عليهم حقا على الله تعالى إلا ما تفضل به .

وفي الآية إشارة عظيمة إلى أن أمور الجزاء في الأخرى تجري على ما رتبه الله وأعلم به عباده ، وأن نظام أمور الدنيا وترتيب مسبباته على أسبابه أمر قد وضعه الله تعالى وأمر بالحفاظ عليه وأرشد وهدى ، فمن فرط في شيء من ذلك فقد استحق ما تسبب فيه .


فأنذرتكم نارا تلظى ( 14 ) لا يصلاها إلا الأشقى ( 15 ) الذي كذب وتولى ( 16 ) وسيجنبها الأتقى ( 17 ) الذي يؤتي ماله يتزكى ( 18 ) وما لأحد عنده من نعمة تجزى ( 19 ) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ( 20 ) ولسوف يرضى ( 21 )

يجوز أن تكون الفاء لمجرد التفريع الذكري إذا كان فعل ( أنذرتكم ) مستعملا في ماضيه حقيقة وكان المراد الإنذار الذي اشتمل عليه قوله : ( وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) إلى قوله تعالى : ( تردى ) . وهذه الفاء يشبه معناها معنى فاء الفصيحة لأنها تدل على مراعاة مضمون الكلام الذي قبلها وهو تفريع إنذار مفصل على إنذار مجمل .

ويجوز أن تكون الفاء للتفريع المعنوي فيكون فعل ( أنذرتكم ) مرادا به الحال ، وإنما صيغ في صيغة المضي لتقريب زمان الماضي من الحال كما في : قد قامت الصلاة ، وقولهم : عزمت عليك إلا ما فعلت كذا ، أي : أعزم عليك ، ومثل ما في صيغ العقود : كبعت وهو تفريع على جملة ( إن علينا للهدى ) والمعنى : هديكم ، فأنذرتكم إبلاغا في الهدى .

وتنكير ( نارا ) للتهويل ، وجملة ( تلظى ) نعت . و ( تلظى ) : تلتهب من شدة الاشتعال . وهو مشتق من اللظى مصدر : لظيت النار كرضيت ، إذا التهبت ، وأصل ( تلظى ) : تتلظى بتاءين حذفت إحداهما للاختصار .

[ ص: 390 ] وجملة ( لا يصلاها إلا الأشقى ) صفة ثانية أو حال من ( نارا ) بعد أن وصفت . وهذه نار خاصة أعدت للكافرين فهي التي في قوله : ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) والقرينة على ذلك قوله : ( وسيجنبها الأتقى ) الآية .

وذكر القرطبي أن أبا إسحاق الزجاج قال : هذه الآية التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء فزعموا : أن لا يدخل النار إلا كافر ، وليس الأمر كما ظنوا : هذه نار موصوفة بعينها لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى ، ولأهل النار منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اهـ .

والمعنى : لا يصلاها إلا أنتم .

وقد أتبع ( الأشقى ) بصفة ( الذي كذب وتولى ) لزيادة التنصيص على أنهم المقصود بذلك ، فإنهم يعلمون أنهم كذبوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتولوا ، أي : أعرضوا عن القرآن ، وقد انحصر ذلك الوصف فيهم يومئذ ، فقد كان الناس في زمن ظهور الإسلام أحد فريقين : إما كافر ، وإما مؤمن تقي ، ولم يكن الذين أسلموا يغشون الكبائر لأنهم أقبلوا على الإسلام بشراشرهم ، ولذلك عطف ( وسيجنبها الأتقى ) إلخ ؛ تصريحا بمفهوم القصر وتكميلا للمقابلة .

والأشقى والأتقى مراد بهما : الشديد الشقاء والشديد التقوى ومثله كثير في الكلام .

وذكر القرطبي : أن مالكا قال : صلى بنا عمر بن عبد العزيز فقرأ ( والليل إذا يغشى ) فلما بلغ ( فأنذرتكم نارا تلظى ) وقع عليه البكاء فلم يقدر يتعداها من البكاء ، فتركها وقرأ سورة أخرى .

ووصف الأشقى بصلة ( الذي كذب وتولى ) ووصف الأتقى بصلة ( الذي يؤتي ماله يتزكى ) للإيذان بأن للصلة تسببا في الحكم .

وبين ( الأشقى ) و ( الأتقى ) محسن الجناس المضارع .

[ ص: 391 ] وجملة ( يتزكى ) حال من ضمير ( يؤتي ) ، وفائدة الحال التنبيه على أنه يؤتي ماله بقصد النفع والزيادة من الثواب تعريضا بالمشركين الذين يؤتون المال للفخر والرياء والمفاسد والفجور .

والتزكي : تكلف الزكاء ، وهو النماء من الخير .

والمال : اسم *** لما يختص به أحد الناس من أشياء ينتفع بذاتها أو بخراجها وغلتها مثل الأنعام والأرضين والآبار الخاصة والأشجار المختص به أربابها .

ويطلق عند بعض العرب مثل أهل يثرب على النخيل .

وليس في إضافة اسم الجنس ما يفيد العموم ، فلا تدل الآية على أنه آتى جميع ماله .

وقوله : ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) الآية ، اتفق أهل التأويل على أن أول مقصود بهذه الصلة أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما أعتق بلالا قال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده . وهو قول من بهتانهم يعللون به أنفسهم كراهية لأن يكون أبو بكر فعل ذلك محبة للمسلمين ، فأنزل الله تكذيبهم بقوله : ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) مرادا به بعض من شمله عموم ( الذي يؤتي ماله يتزكى ) وهذا شبيه بذكر بعض أفراد العام وهو لا يخصص العموم ، ولكن هذه لما كانت حالة غير كثيرة في أسباب إيتاء المال تعين أن المراد بها حالة خاصة معروفة بخلاف نحو قوله : ( وآتى المال على حبه ذوي القربى ) وقوله : ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) .

و ( عنده ) ظرف مكان وهو مستعمل هنا مجازا في تمكن المعنى من المضاف إليه عنه كتمكن الكائن في المكان القريب ، قال الحارث بن حلزة :


من لنا عنده من الخـير آيا ت ثلاث في كلهن القضاء


و ( من نعمة ) اسم ( ما ) النافية جر بـ ( من ) الزائدة التي تزاد في النفي لتأكيد النفي ، والاستثناء في ( إلا ابتغاء وجه ربه ) منقطع ، أي : لكن ابتغاء لوجه الله .

[ ص: 392 ] والابتغاء : الطلب بجد لأنه أبلغ من البغي .

والوجه مستعمل مرادا به الذات كقوله تعالى : ( ويبقى وجه ربك ) ومعنى ابتغاء الذات ابتغاء رضى الله .

وقوله : ( ولسوف يرضى ) وعد بالثواب الجزيل الذي يرضي صاحبه . وهذا تتميم لقوله : ( وسيجنبها الأتقى ) ؛ لأن ذلك ما أفاد إلا أنه ناج من عذاب النار لاقتضاء المقام الاقتصار على ذلك لقصد المقابلة مع قوله : ( لا يصلاها إلا الأشقى ) فتمم هنا بذكر ما أعد له من الخيرات .

وحرف ( سوف ) لتحقيق الوعد في المستقبل كقوله : ( قال سوف أستغفر لكم ربي ) أي : يتغلغل رضاه في أزمنة المستقبل المديد .

واللام لام الابتداء لتأكيد الخبر .

وهذه من جوامع الكلم ; لأنها يندرج تحتها كل ما يرغب فيه الراغبون . وبهذه السورة انتهت سور وسط المفصل .

EL Mister
19-06-09, 22:06
بسم الله الرحمن الرحيم

( والشمس وضحاها ( 1 ) والقمر إذا تلاها ( 2 ) والنهار إذا جلاها ( 3 ) والليل إذا يغشاها ( 4 ) والسماء وما بناها ( 5 ) والأرض وما طحاها ( 6 ) ونفس وما سواها ( 7 ) فألهمها فجورها وتقواها ( 8 ) قد أفلح من زكاها ( 9 ) وقد خاب من دساها ( 10 ) كذبت ثمود بطغواها ( 11 ) إذ انبعث أشقاها ( 12 ) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ( 13 ) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ( 14 ) ولا يخاف عقباها ( 15 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في المصاحف وفي معظم كتب التفسير ( سورة الشمس ) بدون واو ، وكذلك عنونها الترمذي في جامعه بدون واو في نسخ صحيحة من جامع الترمذي ومن عارضة الأحوذي لابن العربي .

وعنونها البخاري سورة ( والشمس وضحاها ) بحكاية لفظ الآية ، وكذلك سميت في بعض التفاسير وهو أولى أسمائها لئلا تلتبس على القارئ بسورة ( إذا الشمس كورت ) المسماة سورة التكوير .

ولم يذكرها في الإتقان مع السور التي لها أكثر من اسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت السادسة والعشرين في عدد نزول السور ، نزلت بعد سورة القدر ، وقبل سورة البروج .

وآياتها خمس عشرة آية في عدد جمهور الأمصار ، وعدها أهل مكة ست عشرة آية .


أغراض السورة

تهديد المشركين بأنهم يوشك أن يصيبهم عذاب بإشراكهم وتكذيبهم برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - كما أصاب ثمودا بإشراكهم وعتوهم على رسول الله إليهم الذي دعاهم إلى التوحيد .

وقدم لذلك تأكيد الخبر بالقسم بأشياء معظمة وذكر من أحوالها ما هو دليل [ ص: 366 ] على بديع صنع الله تعالى الذي لا يشاركه فيه غيره ، فهو دليل على أنه المنفرد بالإلهية والذي لا يستحق غيره الإلهية ، وخاصة أحوال النفوس ومراتبها في مسالك الهدى والضلال والسعادة والشقاء .


والشمس وضحاها ( 1 ) والقمر إذا تلاها ( 2 ) والنهار إذا جلاها ( 3 ) والليل إذا يغشاها ( 4 ) والسماء وما بناها ( 5 ) والأرض وما طحاها ( 6 ) ونفس وما سواها ( 7 ) فألهمها فجورها وتقواها ( 8 )

القسم لتأكيد الخبر ، والمقصود بالتأكيد هو ما في سوق الخبر من التعريض بالتهديد والوعيد بالاستئصال .

والواوات الواقعة بعد الفواصل واوات قسم .

وكل من الشمس والقمر والسماء والأرض ونفس الإنسان من أعظم مخلوقات الله ذاتا ومعنى ، الدالة على بديع حكمته وقوي قدرته .

وكذلك كل من الضحى ، وتلو القمر الشمس ، والنهار والليل ، من أدق النظام الذي جعله الله تعالى .

والضحى : وقت ارتفاع الشمس عن أفق مشرقها وظهور شعاعها ، وهو الوقت الذي ترتفع فيه الشمس متجاوزة مشرقها بمقدار ما يخيل للناظر أنه طول رمح .

ومهد لذلك بالتنبيه على أن تزكية النفس سبب الفلاح ، وأن التقصير في إصلاحها سبب الفجور والخسران .

والتلو : التبع ، وأريد به خلف ضوئه في الليل ضوء الشمس أي : إذا ظهر بعد مغيبها فكأنه يتبعها في مكانها ، وهذا تلو مجازي . والقمر يتبع الشمس في أحوال كثيرة منها استهلاله ، فالهلال يظهر للناظرين عقب غروب الشمس ثم يبقى كذلك ثلاث ليال ، وهو أيضا يتلو الشمس حين يقارب الابتدار وحين يصير [ ص: 367 ] بدرا ، فإذا صار بدرا صار تلوه الشمس حقيقة ; لأنه يظهر عندما تغرب الشمس ، وقريبا من غروبها قبله أو بعده ، وهو أيضا يضيء في أكثر ليالي الشهر ، جعله الله عوضا عن الشمس في عدة ليال في الإنارة ، ولذلك قيد القسم بحين تلوه ; لأن تلوه للشمس حينئذ تظهر منه مظاهر التلو للناظرين ، فهذا الزمان مثل زمان الضحى في القسم به ، فكان بمنزلة قسم بوقت تلوه الشمس ، فحصل القسم بذات القمر وبتلوه الشمس .

وفي الآية إشارة إلى أن نور القمر مستفاد من نور الشمس ، أي : من توجه أشعة الشمس إلى ما يقابل الأرض من القمر ، وليس نيرا بذاته ، وهذا إعجاز علمي من إعجاز القرآن ، وهو مما أشرت إليه في المقدمة العاشرة .

وابتدئ بالشمس لمناسبة المقام إيماء للتنويه بالإسلام ; لأن هديه كنور الشمس لا يترك للضلال مسلكا ، وفيه إشارة إلى الوعد بانتشاره في العالم كانتشار نور الشمس في الأفق ، وأتبع بالقمر لأنه ينير في الظلام كما أنار الإسلام في ابتداء ظهوره في ظلمة الشرك ، ثم ذكر النهار والليل معه لأنهما مثل لوضوح الإسلام بعد ضلالة الشرك ، وذلك عكس ما في سورة الليل ؛ لما يأتي .

ومناسبة استحضار السماء عقب ذكر الشمس والقمر ، واستحضار الأرض عقب ذكر النهار والليل ، واضحة ، ثم ذكرت النفس الإنسانية لأنها مظهر الهدى والضلال وهو المقصود .

والضمير المؤنث في قوله : ( جلاها ) ظاهره أنه عائد إلى الشمس ، فمعنى تجلية النهار الشمس : وقت ظهور الشمس .

فإسناد التجلية إلى النهار مجاز عقلي ، والقسم إنما هو بالنهار لأنه حالة دالة على دقيق نظام العالم الأرضي . وقيل : الضمير عائد إلى الأرض ، أي : أضاء الأرض فتجلت للناظرين لظهور المقصود ، كما يقال عند نزول المطر : أرسلت . يعنون : أرسلت السماء ماءها .

وقيد القسم بالنهار بقيد وقت التجلية إدماجا للمنة في القسم .

وابتدئ القسم بالشمس وأضوائها الثلاثة الأصلية والمنعكسة ; لأن الشمس [ ص: 368 ] أعظم النيرات التي يصل نور شديد منها للأرض ، ولما في حالها وحال أضوائها من الإيماء إلى أنها مثل لظهور الإيمان بعد الكفر وبث التقوى بعد الفجور ، فإن الكفر والمعاصي تمثل بالظلمة ، والإيمان والطاعات تمثل بالضياء ، قال تعالى : ( ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ) .

وأعقب القسم بالنهار بالقسم بالليل ; لأن الليل مقابل وقت النهار فهو وقت الإظلام .

والغشي : التغطية ، وليس الليل بمغط للشمس على الحقيقة ولكنه مسبب عن غشي نصف الكرة الأرضية لقرص الشمس ابتداء من وقت الغروب ، وهو زمن لذلك الغشي ، فإسناد الغشي إلى الليل مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى زمنه أو إلى مسببه ( بفتح الباء ) .

والغاشي في الحقيقة هو تكوير الأرض ودورانها تجاه مظهر الشمس وهي الدورة اليومية ، وقيل : ضمير المؤنث في ( يغشاها ) عائد إلى الأرض على نحو ما قيل في ( والنهار إذا جلاها ) .

و ( إذا ) في قوله : ( إذا تلاها ) وقوله : ( إذا جلاها ) وقوله : ( إذا يغشاها ) في محل نصب على الظرفية متعلقة بكون هو حال من القمر ومن النهار ومن الليل فهو ظرف مستقر ، أي : مقسما بكل واحد من هذه الثلاثة في الحالة الدالة على أعظم أحواله وأشدها دلالة على عظيم صنع الله تعالى .

وبناء السماء تشبيه لرفعها فوق الأرض بالبناء . والسماء آفاق الكواكب ، قال تعالى : ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ) وتقييد القسم بالليل بوقت تغشيته تذكيرا بالعبرة بحدوث حالة الظلمة بعد حالة النور .

وطحو الأرض : بسطها وتوطئتها للسير والجلوس والاضطجاع ، يقال : طحا يطحو ويطحي طحوا وطحيا ، وهو مرادف ( دحا ) في سورة النازعات .

والنفس : ذات الإنسان كما تقدم عند قوله تعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة ) وتنكير ( نفس ) للنوعية أي : *** النفس فيعم كل نفس عموما بالقرينة على نحو قوله تعالى : ( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) .

[ ص: 369 ] وتسوية النفس : خلقها سواء ، أي : غير متفاوتة الخلق ، وتقدم في سورة الانفطار عند قوله تعالى : ( الذي خلقك فسواك ) .

و ( ما ) في المواضع الثلاثة من قوله : ( وما بناها ) ، أو ( ما طحاها ) ، ( وما سواها ) ، إما مصدرية يؤول الفعل بعدها بمصدر ، فالقسم بأمور من آثار قدرة الله تعالى وهي صفات الفعل الإلهية وهي رفعه السماء وطحوه الأرض وتسويته الإنسان .

وعطف ( فألهمها فجورها وتقواها ) على ( سواها ) ، فهو مقسم به ، وفعل ( ألهمها ) في تأويل مصدر ؛ لأنه معطوف على صلة ( ما ) المصدرية ، وعطف بالفاء ; لأن الإلهام ناشئ عن التسوية ، فضمير الرفع في ( ألهمها ) عائد إلى التسوية وهي المصدر المأخوذ من ( سواها ) . ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة صادقة على فعل الله تعالى ، وجملة ( بناها ) صلة الموصول ، أي : والبناء الذي بنى السماء ، والطحو الذي طحا الأرض ، والتسوية التي سوت النفس .

فالتسوية حاصلة من وقت تمام خلقة الجنين من أول أطوار الصبا ، إذ التسوية تعديل الخلقة وإيجاد القوى الجسدية والعقلية ، ثم تزداد كيفية القوى فيحصل الإلهام .

والإلهام : مصدر ( ألهم ) ، وهو فعل متعد بالهمزة ، ولكن المجرد منه ممات ، والإلهام اسم قليل الورود في كلام العرب ولم يذكر أهل اللغة شاهدا له من كلام العرب .

ويطلق الإلهام إطلاقا خاصا على حدوث علم في النفس بدون تعليم ولا تجربة ولا تفكير ، فهو علم يحصل من غير دليل سواء ما كان منه وجدانيا كالانسياق إلى المعلومات الضرورية والوجدانية ، وما كان منه عن دليل كالتجريبيات والأمور الفكرية النظرية .

وإيثار الفعل هنا ليشمل جميع علوم الإنسان ، قال الراغب : " الإلهام : إيقاع الشيء في الروع ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى وجهة الملأ الأعلى " اهـ . ولذلك فهذا اللفظ إن لم يكن من مبتكرات القرآن يكن مما أحياه القرآن ; لأنه اسم دقيق الدلالة على المعاني النفسية وقليل رواج أمثال ذلك في اللغة [ ص: 370 ] قبل الإسلام لقلة خطور مثل تلك المعاني في مخاطبات عامة العرب ، وهو مشتق من اللهم وهو البلع دفعة ، يقال : لهم - كفرح - ، وأما إطلاق الإلهام على علم يحصل للنفس بدون مستند ، فهو إطلاق اصطلاحي للصوفية .

والمعنى هنا : أن من آثار تسوية النفس إدراك العلوم الأولية ، والإدراك الضروري المدرج ابتداء من الانسياق الجبلي نحو الأمور النافعة ، كطلب الرضيع الثدي أول مرة ، ومنه اتقاء الضار كالفرار مما يكره إلى أن يبلغ ذلك إلى أول مراتب الاكتساب بالنظر العقلي ، وكل ذلك إلهام .

وتعدية الإلهام إلى الفجور والتقوى في هذه الآية ، مع أن الله أعلم الناس بما هو فجور وما هو تقوى بواسطة الرسل ، باعتبار أنه لولا ما أودع الله في النفوس من إدراك المعلومات على اختلاف مراتبها لما فهموا ما تدعوهم إليه الشرائع الإلهية ، فلولا العقول لما تيسر إفهام الإنسان الفجور والتقوى ، والعقاب والثواب .

وتقديم الفجور على التقوى مراعى فيه أحوال المخاطبين بهذه السورة وهم المشركون ، وأكثر أعمالهم فجور ولا تقوى لهم ، والتقوى صفة أعمال المسلمين وهم قليل يومئذ .

ومجيء فعل ( ألهمها ) بصيغة الإسناد إلى ضمير مذكر باعتبار أن تأنيث مصدر التسوية تأنيث غير حقيقي ، أو لمراعاة لفظ ( ما ) إن جعلتها موصولة .


قد أفلح من زكاها ( 9 ) وقد خاب من دساها ( 10 )

يجوز أن تكون الجملة جواب القسم ، وأن المعنى تحقيق فلاح المؤمنين وخيبة المشركين كما جعل في سورة الليل جواب القسم قوله : ( إن سعيكم لشتى فأما من أعطى ) . . . إلخ .

ويجوز أن تكون جملة معترضة بين القسم والجواب لمناسبة ذكر إلهام الفجور والتقوى ، أي : أفلح من زكى نفسه واتبع ما ألهمه الله من التقوى ، وخاب من اختار الفجور بعد أن ألهم التمييز بين الأمرين بالإدراك والإرشاد الإلهي .

[ ص: 371 ] وهذه الجملة توطئة لجملة ( كذبت ثمود بطغواها ) فإن ما أصاب ثمودا كان من خيبتهم ; لأنهم دسوا أنفسهم بالطغوى .

وقدم الفلاح على الخيبة لمناسبته للتقوى ، وأردف بخيبة من دسى نفسه لتهيئة الانتقال إلى الموعظة بما حصل لثمود من عقاب على ما هو أثر التدسية .

و ( من ) صادقة على الإنسان ، أي : الذي زكى نفسه بأن اختار لها ما به كمالها ودفع الرذائل عنها ، فالإنسان والنفس شيء واحد ، ونزلا منزلة شيئين باختلاف الإرادة والاكتساب .

والتزكية : الزيادة من الخير .

ومعنى ( دساها ) : حال بينها وبين فعل الخير . وأصل فعل ( دسى ) : دس ، إذا أدخل شيئا تحت شيء فأخفاه ، فأبدلوا الحرف المضاعف ياء طلبا للتخفيف كما قالوا : تقضى البازي ، أي : تقضض ، وقالوا : تظنيت ، أي : من الظن .

وإن كانت جملة ( قد أفلح من زكاها ) جواب القسم ، فجملة ( كذبت ثمود بطغواها ) في موقع الدليل لمضمون جملة ( وقد خاب من دساها ) أي : خاب كخيبة ثمود .

والفلاح : النجاح بحصول المطلوب ، والخيبة ضده ، أي أن يحرم الطالب مما طلبه .

فالإنسان يرغب في الملائم النافع ، فمن الناس من يطلب ما به النفع والكمال الدائمان ، ومن الناس من يطلب ما فيه عاجل النفع والكمال الزائف ، فالأول قد نجح فيما طلبه فهو مفلح ، والثاني يحصل نفعا عارضا زائلا وكمالا موقتا ينقلب انحطاطا ، فذلك لم ينجح فيما طلبه فهو خائب ، وقد عبر عن ذلك هنا بالفلاح والخيبة كما عبر عنه في مواضع أخر بالربح والخسارة .

والمقصود هنا الفلاح في الآخرة والخيبة فيها .

وفي هذه الآيات محسن الطباق غير مرة ، فقد ذكرت أشياء متقابلة متضادة مثل الشمس والقمر لاختلاف وقت ظهورهما ، ومثل : النهار والليل ، والتجلية [ ص: 372 ] والغشي ، والسماء والأرض ، والبناء والطحو ، والفجور والتقوى ، والفلاح والخيبة ، والتزكية والتدسية .


كذبت ثمود بطغواها ( 11 ) إذ انبعث أشقاها ( 12 ) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ( 13 ) فكذبوه فعقروها


إن كانت جملة ( قد أفلح من زكاها ) . . . إلخ معترضة ، كانت هذه جوابا للقسم باعتبار ما فرع عليها بقوله : ( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ) أي : حقا لقد كان ذلك لذلك ، ولام الجواب محذوف تخفيفا لاستطالة القسم ، وقد مثلوا لحذف اللام بهذه الآية ، وهو نظير قوله تعالى : ( والسماء ذات البروج ) إلى قوله : ( قتل أصحاب الأخدود ) .

والمقصود : التعريض بتهديد المشركين الذين كذبوا الرسول طغيانا هم يعلمونه من أنفسهم كما كذبت ثمود رسولهم طغيانا ، وذلك هو المحتاج إلى التأكيد بالقسم ; لأن المشركين لم يهتدوا إلى أن ما حل بثمود من الاستئصال كان لأجل تكذيبهم رسول الله إليهم ، فنبههم الله بهذا ليتدبروا أو لتنزيل علم من علم ذلك منهم منزلة الإنكار لعدم جري أمرهم على موجب العلم ، فكأنه قيل : أقسم ليصيبنكم عذاب كما أصاب ثمود ، ولقد أصاب المشركين عذاب السيف بأيدي الذين عادوهم وآذوهم وأخرجوهم ، وذلك أقسى عليهم وأنكى .

فمفعول ( كذبت ) محذوف لدلالة قوله بعده : ( فقال لهم رسول الله ) والتقدير : كذبوا رسول الله .

وتقدم ذكر ثمود ورسولهم صالح - عليه السلام - في سورة الأعراف .

وباء ( بطغواها ) للسببية ، أي : كانت طغواها سبب تكذيبهم رسول الله إليهم .

والطغوى : اسم مصدر ، يقال : طغا طغوا وطغيانا ، والطغيان : فرط الكبر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) في سورة البقرة ، وفيه تعريض بتنظير مشركي قريش في تكذيبهم بثمود في أن سبب تكذيبهم هو [ ص: 373 ] الطغيان والتكبر عن اتباع من لا يرون له فضلا عليهم ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) .

و ( إذ ) ظرف للزمن الماضي يتعلق بـ ( طغواها ) لأن وقت انبعاث أشقاها لعقر الناقة هو الوقت الذي بدت فيه شدة طغواها فبعثوا أشقاهم لعقر الناقة التي جعلت لهم آية ، وذلك منتهى الجرأة .

و ( انبعث ) : مطاوع بعث ، فالمعنى : إذ بعثوا أشقاهم فانبعث وانتدب لذلك . و ( إذ ) مضاف إلى جملة ( انبعث ) أشقاها .

وقدم ذكر هذا الظرف عن موقعه بعد قوله : ( فقال لهم رسول الله ناقة الله ) لأن انبعاث أشقاها لعقر الناقة جزئي من جزئيات طغواهم ، فهو أشد تعلقا بالتكذيب المسبب عن الطغوى ، ففي تقديمه قضاء لحق هذا الاتصال ، ولإفادة أن انبعاث أشقاهم لعقر الناقة كان عن إغراء منهم إياه ، ولا يفوت مع ذلك أنه وقع بعد أن قال لهم رسول الله : ناقة الله ، ويستفاد أيضا من قوله : ( فعقروها ) .

و ( أشقاها ) : أشدها شقوة ، وعني به رجل منهم سماه المفسرون قدار ( بضم القاف وتخفيف الدال المهملة ) بن سالف ، وزيادته عليهم في الشقاوة بأنه الذي باشر الجريمة وإن كان عن ملأ منهم وإغراء .

والفاء من قوله : ( فقال لهم رسول الله ) عاطفة على ( كذبت ) فتفيد الترتيب والتعقيب كما هو الغالب فيها . ويكون معنى الكلام : كذبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحداهم بآية الناقة وحذرهم من التعرض لها بسوء ومن منعها شربها في نوبتها من السقيا ، وعطف على ( فكذبوه ) أي : فيما أنذرهم به فعقروها بالتكذيب المذكور أول مرة غير التكذيب المذكور ثانيا ، وهذا يقتضي أن آية الناقة أرسلت لهم بعد أن كذبوا ، وهو الشأن في آيات الرسل ، وهو ظاهر ما جاء في سورة هود .

ويجوز أن تكون الفاء للترتيب الذكري المجرد وهي تفيد عطف مفصل على مجمل ، مثل قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) فإن إزلالهما إبعادهما وهو يحصل بعد الإخراج لا قبله . وقوله : ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ) [ ص: 374 ] فيكون المعنى : ( كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها ) . ثم فصل ذلك بقوله : ( فقال لهم رسول الله ) إلى قوله : ( فعقروها ) والعقر عند انبعاث أشقاها ، وعليه فلا ضرورة إلى اعتبار الظرف وهو ( إذ انبعث أشقاها ) مقدما من تأخير .

وأعيدت عليهم ضمائر الجمع باعتبار أنهم جمع وإن كانت الضمائر قبله مراعى فيها أن ثمود اسم قبيلة .

وانتصب ( ناقة الله ) على التحذير ، والتقدير : احذروا ناقة الله . والمراد : التحذير من أن يؤذوها ، فالكلام من تعليق الحكم بالذوات ، والمراد : أحوالها .

وإضافة ( ناقة ) إلى اسم الجلالة لأنها آية جعلها الله على صدق رسالة صالح - عليه السلام - ولأن خروجها لهم كان خارقا للعادة .

والسقيا : اسم مصدر سقى ، وهو معطوف على التحذير ، أي : احذروا سقيها ، أي : احذروا غصب سقيها ، فالكلام على حذف مضاف ، أو أطلق السقيا على الماء الذي تسقى منه إطلاقا للمصدر على المفعول ، فيرجع إلى إضافة الحكم إلى الذات . والمراد : حالة تعرف من المقام ، فإن مادة سقيا تؤذن بأن المراد التحذير من أن يسقوا إبلهم من الماء الذي في يوم نوبتها .

والتكذيب المعقب به تحذيره إياهم بقوله : ( ناقة الله ) تكذيب ثان وهو تكذيبهم بما اقتضاه التحذير من الوعيد والإنذار بالعذاب إن لم يحذروا الاعتداء على تلك الناقة ، وهو المصرح به في آية سورة الأعراف في قوله : ( ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ) .

وبهذا الاعتبار استقام التعبير عن مقابلة التحذير بالتكذيب مع أن التحذير إنشاء ، فالتكذيب إنما يتوجه إلى ما في التحذير من الإنذار بالعذاب .

والعقر : جرح البعير في يديه ليبرك على الأرض من الألم فينحر في لبته ، فالعقر كناية مشهورة عن النحر لتلازمهما .


فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ( 14 ) ولا يخاف عقباها ( 15 )

أي : صاح عليهم ربهم صيحة غضب . والمراد بهذه الدمدمة صوت الصاعقة والرجفة التي أهلكوا بها ، قال تعالى : ( فأخذتهم الصيحة ) وإسناد ذلك إلى الله مجاز عقلي ; لأن الله هو خالق الصيحة وكيفياتها . فوزن ( دمدم ) فعلل ، وقال أكثر المفسرين : دمدم عليهم : أطبق عليهم الأرض ، يقال : دمم عليه القبر ، إذا أطبقه ودمدم مكرر دمم للمبالغة مثل كبكب ، وعليه فوزن دمدم : فعفل .

وفرع على ( دمدم عليهم ) ( فسواها ) أي : فاستووا في إصابتها لهم ، فضمير النصب عائد إلى الدمدمة المأخوذة من ( دمدم عليهم ) .

ومن فسروا ( دمدم ) بمعنى : أطبق عليهم الأرض قالوا : معنى ( سواها ) : جعل الأرض مستوية عليهم لا تظهر فيها أجسادهم ولا بلادهم ، وجعلوا ضمير المؤنث عائدا إلى الأرض المفهومة من فعل ( دمدم ) فيكون كقوله تعالى : ( لو تسوى بهم الأرض ) .

وبين ( فسواها ) هنا وقوله : ( وما سواها ) قبله محسن الجناس التام .

والعقبى : ما يحصل عقب فعل من الأفعال من تبعة لفاعله أو مثوبة ، ولما كان المذكور عقابا وغلبة وكان العرف أن المغلوب يكنى في نفسه الأخذ بالثأر من غالبه فلا يهدأ له بال حتى يثأر لنفسه ، ولذلك يقولون : الثار المنيم ، أي : الذي يزيل النوم عن صاحبه ، فكان الذي يغلب غيره يتقي حذرا من أن يتمكن مغلوبه من الثأر ، أخبر الله أنه الغالب الذي لا يقدر مغلوبه على أخذ الثأر منه ، وهذا كناية عن تمكن الله من عقاب المشركين وأن تأخير العذاب عنهم إمهال لهم وليس عن عجز ، فجملة ( فلا يخاف عقباها ) تذييل للكلام وإيذان بالختام .

ويجوز أن يكون قوله : ( فلا يخاف عقباها ) تمثيلا لحالهم في الاستئصال بحال من لم يترك من يثأر له فيكون المثل كناية عن هلاكهم عن بكرة أبيهم لم يبق منهم أحد .

[ ص: 376 ] وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ( فلا يخاف عقباها ) بفاء العطف تفريعا على ( فدمدم عليهم ربهم ) وهو مكتوب بالفاء في مصاحف المدينة ومصحف الشام . . . ومعنى التفريع بالفاء على هذه القراءة تفريع العلم بانتفاء خوف الله منهم مع قوتهم ليرتدع بهذا العلم أمثالهم من المشركين .

وقرأ الباقون من العشرة ( ولا يخاف عقباها ) بواو العطف أو الحال ، وهي كذلك في مصاحف أهل مكة وأهل البصرة والكوفة ، وهي رواية قرائها . وقال ابن القاسم وابن وهب : أخرج لنا مالك مصحفا لجده وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كتب المصاحف وفيه ( ولا يخاف ) بالواو ، وهذا يقتضي أن بعض مصاحف المدينة بالواو ولكنهم لم يقرءوا بذلك ; لمخالفته روايتهم.

EL Mister
22-06-09, 12:17
بسم الله الرحمن الرحيم

( لا أقسم بهذا البلد ( 1 ) وأنت حل بهذا البلد ( 2 ) ووالد وما ولد ( 3 ) لقد خلقنا الإنسان في كبد ( 4 ) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ( 5 ) يقول أهلكت مالا لبدا ( 6 ) أيحسب أن لم يره أحد ( 7 ) ألم نجعل له عينين ( 8 ) ولسانا وشفتين ( 9 ) وهديناه النجدين ( 10 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في ترجمتها عن صحيح البخاري ( سورة لا أقسم ) وسميت في المصاحف وكتب التفسير ( سورة البلد ) . وهو إما على حكاية اللفظ الواقع في أولها لإرادة البلد المعروف وهو مكة .

وهي مكية ، وحكى الزمخشري والقرطبي الاتفاق عليه ، واقتصر عليه معظم المفسرين ، وحكى ابن عطية عن قوم : أنها مدنية ، ولعل هذا قول من فسر قوله : ( وأنت حل بهذا البلد ) أن الحل الإذن له في القتال يوم الفتح ، وحمل ( وأنت حل ) على معنى : وأنت الآن حل ، وهو يرجع إلى ما روى القرطبي عن السدي وأبي صالح وعزي لابن عباس . وقد أشار في الكشاف إلى إبطاله بأن السورة نزلت بمكة بالاتفاق ، وفي رده بذلك مصادرة ، فالوجه أن يرد بأن في قوله : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) إلى قوله : ( فلا اقتحم العقبة ) ضمائر غيبة يتعين عودها إلى ( الإنسان ) في قوله : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) وإلا لخلت الضمائر عن معاد . وحكى في الإتقان قولا أنها مدنية إلا الآيات الأربع من أولها .

وقد عدت الخامسة والثلاثين في عدد نزول السور ، نزلت بعد سورة ( ق ) وقبل سورة الطارق .

وعدد آيها عشرون آية .


أغراض السورة

حوت من الأغراض التنويه بمكة ، وبمقام النبيء - صلى الله عليه وسلم - بها ، وبركته فيها وعلى أهلها .

[ ص: 346 ] والتنويه بأسلاف النبيء - صلى الله عليه وسلم - من سكانها الذين كانوا من الأنبياء ، مثل : إبراهيم وإسماعيل ، أو من أتباع الحنيفية مثل : عدنان ومضر كما سيأتي .

والتخلص إلى ذم سيرة أهل الشرك وإنكارهم البعث ، وما كانوا عليه من التفاخر المبالغ فيه ، وما أهملوه من شكر النعمة على الحواس ، ونعمة النطق ، ونعمة الفكر ، ونعمة الإرشاد ، فلم يشكروا ذلك بالبذل في سبل الخير ، وما فرطوا فيه من خصال الإيمان وأخلاقه .

ووعيد الكافرين وبشارة الموقنين .


لا أقسم بهذا البلد ( 1 ) وأنت حل بهذا البلد ( 2 ) ووالد وما ولد ( 3 ) لقد خلقنا الإنسان في كبد ( 4 )

ابتدئت بالقسم تشويقا لما يرد بعد وأطيلت جملة القسم زيادة في التشويق .

و ( لا أقسم ) معناه : ( أقسم ) . وقد تقدم ذلك غير مرة ، منها ما في سورة الحاقة .

وتقدم القول في : هل حرف النفي مزيد أو هو مستعمل في معناه كناية عن تعظيم أمر المقسم به .

والإشارة بـ ( هذا ) مع بيانه بالبلد ، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين كأنهم يرونه ; لأن رؤيته متكررة لهم وهو بلد مكة ، ومثله ما في قوله : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة ) . وفائدة الإتيان باسم الإشارة تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنويه به .

والبلد : جانب من متسع من أرض عامرة كانت - كما هو الشائع - أم غامرة كقول رؤبة بن العجاج :


بل بلد ملء الفجاج قتمه


وأطلق هنا على جانب من الأرض مجعولة فيه بيوت من بناء وهو بلدة مكة [ ص: 347 ] والقسم بالبلدة مع أنها لا تدل على صفة من صفات الذات الإلهية ولا من صفات أفعاله كناية عن تعظيم الله تعالى إياه وتفضيله .

وجملة ( وأنت حل بهذا البلد ) معترضة بين المتعاطفات المقسم بها ، والواو اعتراضية . والمقصود من الاعتراض يختلف باختلاف محمل معنى ( وأنت حل ) فيجوز أن يكون ( حل ) اسم مصدر ( أحل ) أي : أباح ، فالمعنى : وقد جعلك أهل مكة حلالا بهذا البلد الذي يحرم أذى صيده وعضد شجره ، وهم مع ذلك يحلون قتلك وإخراجك ، قال هذا شرحبيل بن سعد ، فيكون المقصود من هذا الاعتراض التعجيب من مضمون الجملة ، وعليه فالإخبار عن ذات الرسول - صلى الله عليه وسلم - بوصف ( حل ) يقدر فيه مضاف يعينه ما يصلح للمقام ، أي : وأنت حلال منك ما حرم من حق ساكن هذا البلد من الحرمة والأمن ، والمعنى التعريض بالمشركين في عدوانهم وظلمهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بلد لا يظلمون فيه أحدا . والمناسبة ابتداء القسم بمكة الذي هو إشعار بحرمتها المقتضية حرمة من يحل بها ، أي : فهم يحرمون أن يتعرضوا بأذى للدواب ويعتدون على رسول جاءهم برسالة من الله .

ويجوز أن يكون ( حل ) اسما مشتقا من الحل وهو ضد المنع ، أي : الذي لا تبعة عليه فيما يفعله . قال مجاهد والسدي : أي ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل ، أو أنت في حل ممن قاتلك أن تقاتله . وقريب منه عن ابن عباس : أي مهما تمكنت من ذلك . فيصدق بالحال والاستقبال . وقال في الكشاف : يعني : وأنت حل به في المستقبل ، ونظيره في الاستقبال قوله - عز وجل - : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ، تقول لمن تعده بالإكرام والحباء ، أنت مكرم محبو اهـ .

فهذا الاعتراض تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - قدمت له قبل ذكر إعراض المشركين عن الإسلام ، ووعد بأنه سيمكنه منهم .

وعلى كلا الوجهين في محمل صفة ( حل ) هو خصوصيته للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وقد خصصه النبيء - صلى الله عليه وسلم - بيوم الفتح فقال : " وإنما أحلت لي ساعة من نهار " [ ص: 348 ] الحديث . وفي الموطأ " قال مالك : ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، أي يوم الفتح محرما .

ويثار من هذه الآية على اختلاف المحامل النظر في جواز دخول مكة بغير إحرام لغير مريد الحج أو العمرة . قال الباجي في المنتقى وابن العربي في الأحكام : الداخل مكة غير مريد النسك لحاجة تتكرر ، كالحطابين وأصحاب الفواكه والمعاش ، هؤلاء يجوز دخولهم غير محرمين ; لأنهم لو كلفوا الإحرام لحقتهم مشقة ، وإن كان دخولها لحاجة لا تتكرر فالمشهور عن مالك أنه لا بد من الإحرام ، وروي عنه تركه ، والصحيح وجوبه ، فإن تركه قال الباجي : فالظاهر من المذهب أنه لا شيء عليه وقد أساء ، ولم يفصل أهل المذهب بين من كان من أهل داخل الميقات أو من خارجه .

والخلاف في ذلك أيضا بين فقهاء الأمصار ، فذهب أبو حنيفة أن من كان من أهل داخل المواقيت يجوز له دخول مكة بغير إحرام إن لم يرد نسكا من حج أو عمرة ، وأما من كان من أهل خارج المواقيت فالواجب عليه الإحرام لدخول مكة دون تفصيل بين الاحتياج إلى تكرر الدخول أو عدم الاحتياج . وذهب الشافعي إلى سقوط الإحرام عن غير قاصد النسك . ومذهب أحمد موافق مذهب مالك .

وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين : أن معنى ( وأنت حل بهذا البلد ) أنه حال ، أي : ساكن بهذا البلد اهـ . وجعله ابن العربي قولا ولم يعزه إلى قائل ، وحكاه القرطبي والبيضاوي كذلك ، وهو يقتضي أن تكون جملة ( وأنت حل ) في موضع الحال من ضمير ( أقسم ) فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار كونه بلد محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو تأويل جميل لو ساعد عليه ثبوت استعمال ( حل ) بمعنى : ( حال ) ، أي : مقيم في مكان ، فإن هذا لم يرد في كتب اللغة : الصحاح واللسان والقاموس ومفردات الراغب . ولم يعرج عليه صاحب الكشاف ، ولا أحسب إعراضه عنه إلا لعدم ثقته بصحة استعماله ، وقال الخفاجي : " والحل صفة أو مصدر بمعنى الحال هنا على هذا الوجه ، ولا عبرة لمن أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة " اهـ . وكيف يقال : لا عبرة بعدم ثبوته في كتب اللغة ، وهل المرجع في إثبات اللغة إلا كتب أيمتها ؟ !

[ ص: 349 ] وتكرير لفظ ( بهذا البلد ) إظهار في مقام الإضمار لقصد تجديد التعجيب ، ولقصد تأكيد فتح ذلك البلد العزيز عليه والشديد على المشركين أن يخرج عن حوزتهم .

و ( والد ) وقع منكرا فهو تنكير تعظيم ، إذ لا يحتمل غير ذلك في سياق القسم ، فتعين أن يكون المراد والدا عظيما ، والراجح عمل والد على المعنى الحقيقي بقرينة قوله : وما ولد .

والذي يناسب القسم بهذا البلد أن يكون المراد بـ ( والد ) إبراهيم - عليه السلام - فإنه الذي اتخذ ذلك البلد لإقامة ولده إسماعيل وزوجه هاجر ، قال تعالى : ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) ثم قال : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ) . وإبراهيم والد سكان ذلك البلد الأصليين ، قال تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم ) ولأنه والد محمد صلى الله عليه وسلم .

و ( ما ولد ) موصول وصلة ، والضمير المستتر في ( ولد ) عائد إلى ( والد ) . والمقصود : وما ولده إبراهيم من الأبناء والذرية . وذلك مخصوص بالذين اقتفوا هديه فيشمل محمدا صلى الله عليه وسلم .

وفي هذا تعريض للتنبيه بالمشركين من ذرية إبراهيم بأنهم حادوا عن طريقة أبيهم من التوحيد والصلاح والدعوة إلى الحق وعمارة المسجد الحرام ، قال تعالى : (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبيء والذين آمنوا ) .

وجيء باسم الموصول ( ما ) في قوله : ( وما ولد ) دون ( من ) مع أن ( من ) أكثر استعمالا في إرادة العاقل وهو مراد هنا ، فعدل عن ( من ) ؛ لأن ( ما ) أشد إبهاما ، فأريد تفخيم أصحاب هذه الصلة فجيء لهم بالموصول الشديد الإبهام لإرادة التفخيم ، ونظيره قوله تعالى : ( والله أعلم بما وضعت ) يعني : مولودا عجيب الشأن . ويوضح هذا أن ( ما ) تستعمل نكرة تامة باتفاق ، و ( من ) لا تستعمل نكرة تامة إلا عند الفارسي .

[ ص: 350 ] ولأن قوة الإبهام في ( ما ) أنسب بإرادة الجماعة دون واحد معين ، ألا ترى إلى قول الحكم الأصم الفزاري :


اللؤم أكرم من وبر ووالـده واللؤم أكرم من وبر وما ولدا


يريد : ومن أولاده ، لا ولدا معينا .

وجملة ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) جواب القسم وهو الغرض من السورة .

والإنسان يجوز أن يراد به الجنس وهو الأظهر وقول جمهور المفسرين ، فالتعريف فيه تعريف الجنس ، ويكون المراد به خصوص أهل الشرك ; لأن قوله : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) إلى آخر الآيات لا يليق إلا بأحوال غير المؤمنين ، فالعموم عموم عرفي ، أي : الإنسان في عرف الناس يومئذ ، ولم يكن المسلمون إلا نفرا قليلا ، ولذلك كثر في القرآن إطلاق الإنسان مرادا به الكافرون من الناس .

ويجوز أن يراد به إنسان معين ، فالتعريف تعريف العهد ، فعن الكلبي أنه أبو الأشد ، ويقال : أبو الأشدين واسمه أسيد بن كلدة الجمحي كان معروفا بالقوة والشدة يجعل الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول : من أزالني فله كذا . فيجذبه عشرة رجال حتى يمزق الأديم ولا تزول قدماه ، وكان شديد الكفر والعداوة للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فنزل فيه ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) . وقيل : هو الوليد بن المغيرة ، وقيل : هو أبو جهل . وعن مقاتل : نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل ، زعم أنه أنفق مالا على إفساد أمر النبيء صلى الله عليه وسلم . وقيل : هو عمرو بن عبد ود الذي اقتحم الخندق في يوم الأحزاب ليدخل المدينة ، فقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق .

وليس لهذه الأقوال شاهد من النقل الصحيح ، ولا يلائمها القسم ولا السياق .

والخلق : إيجاد ما لم يكن موجودا ، ويطلق على إيجاد حالة لها أثر قوي في الذات كقوله تعالى : ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ) وقوله : ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) فهو جعل يغير ذات الشيء .

[ ص: 351 ] والكبد بفتحتين : التعب والشدة ، وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكبد ، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسر به الكبد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار ، حتى كأنهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التئامه ، ويحق وئامه .

وقد غضوا النظر عن موقع فعل ( خلقنا ) على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل ( خلقنا ) كمعذرة للإنسان الكافر في ملازمة الكبد له إذ هو مخلوق فيه ، وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم ، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة . واضطراب رأيهم في الجمع بين ادعاء الشركاء لله تعالى وبين توجههم إلى الله بطلب الرزق وبطلب النجاة إذا أصابهم ضر ، ومن إحالتهم البعث بعد الموت مع اعترافهم بالخلق الأول ، فقوله : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) ليس مقصودا وحده ، بل هو توطئة لقوله : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) والمقصود إثبات إعادة خلق الإنسان بعد الموت للبعث والجزاء الذي أنكروه وابتدأهم القرآن بإثباته في سور كثيرة من السور الأولى .

فوزان هذا التمهيد وزان التمهيد بقوله : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ) بعد القسم بقوله : ( والتين والزيتون ) إلخ .

فمعنى ( أيحسب أن لن يقدر عليه ) : أيحسب أن لن نقدر عليه بعد اضمحلال جسده فنعيده خلقا آخر ، فهو في طريقة القسم والمقسم عليه بقوله تعالى : ( لا أقسم بيوم القيامة ) إلى قوله : ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) أي : كما خلقناه أول مرة في نصب من أطوار الحياة كذلك نخلقه خلقا ثانيا في كبد من العذاب في الآخرة لكفره .

وبذلك يظهر موقع إدماج قوله : ( في كبد ) لأن المقصود التنظير بين الخلقين الأول والثاني في أنهما من مقدور الله تعالى .

والظرفية من قوله : ( في كبد ) مستعملة مجازا في الملازمة فكأنه مظروف في الكبد ، ونظيره قوله : ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ) [ ص: 352 ] الآية ، فالمراد : عذاب الدنيا ، وهو مشقة اضطراب البال في التكذيب واختلاق المعاذير والحيرة من الأمر على أحد التفسيرين لتلك الآية .

فالمعنى أن الكبد ملازم للمشرك من حين اتصافه بالإشراك وهو حين تقوم العقل وكمال الإدراك .

ومن الجائز أن يجعل قوله : ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) من قبيل القلب المقبول لتضمنه اعتبارا لطيفا وهو شدة تلبس الكبد بالإنسان المشرك حتى كأنه خلق في الكبد .

والمعنى : لقد خلقنا الكبد في الإنسان الكافر .

وللمفسرين تأويلات أخرى في معنى الآية لا يساعد عليها السياق .


أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ( 5 )

هذه الجملة بدل اشتمال من جملة ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) .

والاستفهام مستعمل في التوبيخ والتخطئة .

وضمير ( أيحسب ) راجع إلى الإنسان لا محالة ، ومن آثار الحيرة في معنى ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) أن بعض المفسرين جعل ضمير ( أيحسب ) راجعا إلى بعض مما يعمه لفظ الإنسان ، مثل أبي الأشد الجمحي ، وهو ضعث على إبالة .

يقول أهلكت مالا لبدا ( 6 ) أيحسب أن لم يره أحد ( 7 )

أعقبت مساوي نفسه بمذام أقواله ، وهو التفخر الكاذب والتمدح بإتلاف المال في غير صلاح ، وقد كان أهل الجاهلية يتبجحون بإتلاف المال ويعدونه منقبة لإيذانه بقلة اكتراث صاحبه به ، قال عنترة :

[ ص: 353 ]

وإذا سكرت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندى
وكما علمت شمائلي وتكرمي


وجملة : ( يقول أهلكت مالا ) في موضع الحال من ( الإنسان ) . وذلك من الكبد .

وجملة ( أيحسب أن لم يره أحد ) بدل اشتمال من جملة ( يقول أهلكت مالا ) ; لأن قوله : ( أهلكت مالا لبدا ) يصدر منه وهو يحسب أنه راج كذبه على جميع الناس وهو لا يخلو من ناس يطلعون على كذبه ، قال زهير :


ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم


والاستفهام إنكار وتوبيخ وهو كناية عن علم الله تعالى بدخيلته وأن افتخاره بالكرم باطل .

و ( لبدا ) بضم اللام وفتح الموحدة في قراءة الجمهور ، وهو جمع لبدة بضم اللام ، وهي ما تلبد من صوف أو شعر ، أي : تجمع والتصق بعضه ببعض . وقرأه أبو جعفر ( لبدا ) بضم اللام وتشديد الباء على أنه جمع لابد بمعنى مجتمع بعضه إلى بعض مثل : صيم وقيم ، أو على أنه اسم على زنة فعل ، مثل : زمل للجبان ، وجبأ للضعيف .


ألم نجعل له عينين ( 8 ) ولسانا وشفتين ( 9 ) وهديناه النجدين ( 10 )

تعليل للإنكار والتوبيخ في قوله : ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) أو قوله : ( أيحسب أن لم يره أحد ) أي : هو غافل عن قدرة الله تعالى وعن علمه المحيط بجميع الكائنات الدال عليهما أنه خلق مشاعر الإدراك التي منها العينان ، وخلق آلات الإبانة وهي اللسان والشفتان ، فكيف يكون مفيض العلم على الناس غير قادر وغير عالم بأحوالهم ، قال تعالى : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) .

والاستفهام يجوز أن يكون تقريريا وأن يكون إنكاريا .

[ ص: 354 ] والاقتصار على العينين لأنهما أنفع المشاعر ، ولأن المعلل إنكار ظنه أن لم يره أحد ، وذكر الشفتين مع اللسان لأن الإبانة تحصل بهما معا فلا ينطق اللسان بدون الشفتين ولا تنطق الشفتان بدون اللسان .

ومن دقائق القرآن أنه لم يقتصر على اللسان ولا على الشفتين ، خلاف عادة كلام العرب أن يقتصروا عليه ، يقولون : ينطق بلسان فصيح ، ويقولون : لم ينطق ببنت شفة ، أو لم ينبس ببنت شفة ; لأن المقام مقام استدلال فجيء فيه بما له مزيد تصوير لخلق آلة النطق .

وأعقب ما به اكتساب العلم وما به الإبانة عن المعلومات ، بما يرشد الفكر إلى النظر والبحث وذلك قوله : ( وهديناه النجدين ) .

فاستكمل الكلام أصول التعلم والتعليم فإن الإنسان خلق محبا للمعرفة محبا للتعريف بمشاعر الإدراك يكتسب المشاهدات وهي أصول المعلومات اليقينية ، وبالنطق يفيد ما يعلمه لغيره ، وبالهدي إلى الخير والشر يميز بين معلوماته ويمحصها .

والشفتان هما الجلدتان اللتان تستران الفم وأسنانه وبهما يمتص الماء ، ومن انفتاحهما وانغلاقهما تتكيف أصوات الحروف التي بها النطق وهو المقصود هنا .

وأصل شفة شفو ، نقص منه الواو وعوض عنه هاء فيجمع على شفوات ، وقيل : أصله شفه بهاء هي لام الكلمة ، فعوض عنها هاء التأنيث فيجمع على شفهات وشفاه ، والذي يظهر أن الأصل شفه بهاء أصلية ثم عوملت الهاء معاملة هاء التأنيث تخفيفا في حالة الوصل ، فقالوا : شفة ، وتنوسي بكثرة الاستعمال ، فعومل معاملة هاء التأنيث كما في الآية وهو الذي تقتضيه تثنيته على شفتين دون أن يقولوا : شفوين ، فإنهم اتفقوا على أن التثنية ترد الاسم إلى أصله .

والهداية : الدلالة على الطريق المبلغة إلى المكان المقصود السير إليه .

والنجد : الأرض المرتفعة ارتفاعا دون الجبل . فالمراد هنا طريقان نجدان مرتفعان ، والطريق قد يكون منجدا مصعدا ، وقد يكون غورا منخفضا .

[ ص: 355 ] وقد استعيرت الهداية هنا للإلهام الذي جعله الله في الإنسان يدرك به الضار والنافع ، وهو أصل التمدن الإنساني وأصل العلوم ، والهداية بدين الإسلام إلى ما فيه الفوز .

واستعير النجدان للخير والشر ، وجعلا نجدين لصعوبة اتباع أحدهما وهو الخير فغلب على الطريقين ، أو لأن كل واحد صعب باعتبار ، فطريق الخير صعوبته في سلوكه ، وطريق الشر صعوبته في عواقبه ، ولذلك عبر عنه بعد هذا بالعقبة ، ويتضمن ذلك تشبيه إعمال الفكر لنوال المطلوب بالسير في الطريق الموصل إلى المكان المرغوب كما قال تعالى : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) وتشبيه الإقبال على تلقي دعوة الإسلام ، إذ شقت على نفوسهم كذلك .

وأدمج في هذا الاستدلال امتنان على الإنسان بما وهبه من وسائل العيش المستقيم .

ويجوز أن تكون الهداية هداية العقل للتفكير في دلائل وجود الله ووحدانيته ، بحيث لو تأمل لعرف وحدانية الله تعالى فيكون هذا دليلا على سبب مؤاخذة أهل الشرك والتعطيل بكفرهم في أزمان الخلو عن إرسال الرسل على أحد القولين في ذلك بين الأشاعرة من جهة ، وبين الماتريدية والمعتزلة من جهة أخرى .


فلا اقتحم العقبة ( 11 ) وما أدراك ما العقبة ( 12 ) فك رقبة ( 13 ) أو إطعام في يوم ذي مسغبة ( 14 ) يتيما ذا مقربة ( 15 ) أو مسكينا ذا متربة ( 16 ) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ( 17 )

يجوز أن يكون ( فلا اقتحم العقبة ) تفريع إدماج بمناسبة قوله : ( وهديناه النجدين ) أي : هديناه الطريقين فلم يسلك النجد الموصل إلى الخير .

ويجوز أن يكون تفريعا على جملة ( يقول أهلكت مالا لبدا ) وما بينهما اعتراضا ، وتكون ( لا اقتحم العقبة ) استفهاما حذف منه أداته . وهو استفهام إنكار ، والمعنى : أنه يدعي إهلاك مال كثير في الفساد من ميسر وخمر ونحو ذلك ، [ ص: 356 ] أفلا أهلكه في القرب والفضائل بفك الرقاب وإطعام المساكين في زمن المجاعة ، فإن الإنفاق في ذلك لا يخفى على الناس خلافا لما يدعيه من إنفاق .

وعلى هذا الوجه لا يعرض الإشكال بعدم تكرر ( لا ) فإن شأن ( لا ) النافية إذا دخلت على فعل المضي ولم تكرر أن تكون للدعاء إلا إذا تكررت معها مثلها معطوفة عليها ، نحو قوله : ( فلا صدق ولا صلى ) أو كانت ( لا ) معطوفة على نفي نحو : ما خرجت ولا ركبت . فهو في حكم تكرير ( لا ) . وقد جاءت هنا نافية في غير دعاء ، ولم تكرر استغناء عن تكريرها بكون ( ما ) بعدها ، وهو ( اقتحم العقبة ) يتضمن شيئين جاء بيانهما في قوله : ( فك رقبة أو إطعام ) فكأنه قال : فلا فك رقبة ولا أطعم يتيما أو مسكينا . ويجوز أن يكون عدم تكرير ( لا ) هنا استغناء بقوله : ( ثم كان من الذين آمنوا ) فكأنه قيل : فلا اقتحم العقبة ولا آمن . ويظهر أن كل ما يصرف عن التباس الكلام كاف عن تكرير ( لا ) كالاستثناء في قول الحريري في المقامة الثلاثين : " لا عقد هذا العقد المبجل في هذا اليوم الأغر المحجل إلا الذي جال وجاب ) إلخ . وأطلق ( العقبة ) على العمل الموصل للخير ; لأن عقبة النجد أعلى موضع فيه . ولكل نجد عقبة ينتهي بها . وفي العقبات تظهر مقدرة السابرة .

والاقتحام : الدخول العسير في مكان أو جماعة كثيرين ، يقال : اقتحم الصف ، وهو افتعال للدلالة على التكلف مثل اكتسب ، فشبه تكلف الأعمال الصالحة باقتحام العقبة في شدته على النفس ومشقته ، قال تعالى : ( وما يلقاها إلا الذين صبروا ) .

والاقتحام ترشيح لاستعارة العقبة لطريق الخير ، وهو مع ذلك استعارة ; لأن تزاحم الناس إنما يكون في طلب المنافع كما قال :


والمورد العذب كثير الزحام


وأفاد نفي الاقتحام أنه عدل عن الاهتداء إيثارا للعاجل على الآجل ، ولو عزم وصبر لاقتحم العقبة . وقد تتابعت الاستعارات الثلاث : النجدين ، والعقبة ، والاقتحام ، وبني بعضها على بعض ، وذلك من أحسن الاستعارة ، وهي مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس .

[ ص: 357 ] والكلام مسوق مساق التوبيخ على عدم اهتداء هؤلاء للأعمال الصالحة مع قيام أسباب الاهتداء من الإدراك والنطق .

وقوله : ( وما أدراك ما العقبة ) حال من ( العقبة ) في قوله : ( فلا اقتحم العقبة ) للتنويه بها وأنها لأهميتها يسأل عنها المخاطب هل أعلمه معلم ما هي ، أي : لم يقتحم العقبة في حال جدارتها بأن تقتحم ، وهذا التنويه يفيد التشويق إلى معرفة المراد من العقبة .

و ( ما ) الأولى استفهام . و ( ما ) الثانية مثلها . والتقدير : أي شيء أعلمك ما هي العقبة ، أي : أعلمك جواب هذا الاستفهام ، كناية عن كونه أمرا عزيزا يحتاج إلى من يعلمك به .

والخطاب في ( ما أدراك ) لغير معين ; لأن هذا بمنزلة المثل .

وفعل ( أدراك ) معلق عن العمل في المفعولين لوقوع الاستفهام بعده ، وقد تقدم نظيره في سورة الحاقة .

وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف ، ( فك رقبة ) برفع ( فك ) وإضافته إلى ( رقبة ) ورفع ( إطعام ) عطفا على ( فك ) .

وجملة ( فك رقبة ) بيان للعقبة ، والتقدير : هي فك رقبة ، فحذف المسند إليه حذفا لمتابعة الاستعمال . وتبيين العقبة بأنها : ( فك رقبة أو إطعام ) مبني على استعارة العقبة للأعمال الصالحة الشاقة على النفس . وقد علمت أن ذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس ، فلا وجه لتقدير من قدر مضافا فقال : أي : وما أدراك ما اقتحام العقبة .

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ( فك ) بفتح الكاف على صيغة فعل المضي ، وبنصب ( رقبة ) على المفعول لـ ( فك ) أو ( أطعم ) بدون ألف بعد عين ( إطعام ) على أنه فعل مضي عطفا على ( فك ) ، فتكون جملة ( فك رقبة ) بيانا لجملة ( فلا اقتحم العقبة ) وما بينهما اعتراضا ، أو تكون بدلا من جملة ( اقتحم العقبة ) أي : فلا اقتحم العقبة ولا فك رقبة أو أطعم . وما بينهما اعتراض كما تقرر آنفا .

[ ص: 358 ] والفك : أخذ الشيء من يد من احتاز به .

والرقبة مراد بها الإنسان ، من إطلاق اسم الجزء على كله ، مثل إطلاق رأس وعين ووجه ، وإيثار لفظ الرقبة هنا ; لأن المراد ذات الأسير أو العبد ، وأول ما يخطر بذهن الناظر لواحد من هؤلاء هو رقبته ; لأنه في الغالب يوثق من رقبته .

وأطلق الفك على تخليص المأخوذ في أسر أو ملك ، لمشابهة تخليص الأمر العسير بالنزع من يد القابض الممتنع .

وهذه الآية أصل من أصول التشريع الإسلامي وهو تشوف الشارع إلى الحرية ، وقد بسطنا القول في ذلك في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام .

والمسغبة : الجوع ، وهي مصدر على وزن المفعلة ، مثل : المحمدة والمرحمة ، من سغب كفرح سغبا إذا جاع .

والمراد بـ ( يوم ذي مسغبة ) : زمان ، لا النهار المعروف .

وإضافة ( ذي ) إلى ( مسغبة ) تفيد اختصاص ذلك اليوم بالمسغبة ، أي : يوم مجاعة . وذلك زمن البرد وزمن القحط .

ووجه تخصيص اليوم ذي المسغبة بالإطعام فيه ، أن الناس في زمن المجاعة يشتد شحهم بالمال خشية امتداد زمن المجاعة والاحتياج إلى الأقوات . فالإطعام في ذلك الزمن أفضل ، وهو العقبة ودون العقبة مصاعد متفاوتة .

وانتصب ( يتيما ) على المفعول به لـ ( إطعام ) الذي هو مصدر عامل عمل فعله ، وإعمال المصدر غير المضاف ولا المعرف باللام أقيس ، وإن كان إعمال المضاف أكثر ، ومنع الكوفيون إعمال المصدر غير المضاف . وما ورد بعده مرفوع أو منصوب حملوه على إضمار فعل من لفظ المصدر ، فيقدر في مثل هذه الآية عندهم ( يطعم يتيما ) .

واليتيم : الشخص الذي ليس له أب وهو دون البلوغ ، ووجه تخصيصه بالإطعام أنه مظنة قلة الشبع لصغر سنه وضعف عمله وفقد من يعوله ، ولحيائه من التعرض لطلب ما يحتاجه ; فلذلك رغب في إطعامه وإن لم يصل حد المسكنة [ ص: 359 ] والفقر ووصف بكونه ( ذا مقربة ) أي : مقربة من المطعم ; لأن هذا الوصف يؤكد إطعامه ; لأن في كونه يتيما إغاثة له بالإطعام ، وفي كونه ذا مقربة صلة للرحم .

والمقربة : قرابة النسب وهو مصدر بوزن مفعلة مثل ما تقدم في ( مسغبة ) .

والمسكين : الفقير ، وتقدم في سورة البقرة عند قوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) و ( ذا متربة ) صفة لمسكين ، جعلت المتربة علامة على الاحتياج بحسب العرف .

والمتربة مصدر بوزن مفعلة أيضا وفعله ( ترب ) ، يقال : ترب ، إذا نام على التراب أي : لم يكن له ما يفترشه على الأرض ، وهو في الأصل كناية عن العرو من الثياب التي تحول بين الجسد والأرض عند الجلوس والاضطجاع ، وقريب منه قولهم في الدعاء : تربت يمينك ، وتربت يداك .

و ( أو ) للتقسيم وهو معنى من معاني ( أو ) جاء من إفادة التخيير .

واعلم أنه إن كان المراد بالإنسان الجنس المخصوص ، أي : المشركين كان نفي فك الرقاب والإطعام كناية عن انتفاء تحليهم بشرائع الإسلام ; لأن فك الرقاب وإطعام الجياع من القربات التي جاء بها الإسلام من إطعام الجياع والمحاويج ، وفيه تعريض بتعيير المشركين بأنهم إنما يحبون التفاخر والسمعة وإرضاء أنفسهم بذلك ، أو لمؤانسة الأخلاء وذلك غالب أحوالهم ، أي : لم يطعموا يتيما ولا مسكينا في يوم مسغبة ، أي : هو الطعام الذي يرضاه الله ; لأن فيه نفع المحتاجين من عباده . وليس مثل إطعامكم في المآدب والولائم والمنادمة التي لا تعود بالنفع على المطعمين ; لأن تلك المطاعم كانوا يدعون لها أمثالهم من أهل الجدة دون حاجة إلى الطعام ، وإنما يريدون المؤانسة أو المفاخرة .

وفي حديث مسلم " شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها " ، وروى الطبراني : " شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الشبعان ويحبس عنه الجائع " .

وإن كان المراد من الإنسان واحدا معينا جاز أن يكون المعنى على نحو ما تقدم ، وجاز أن يكون ذما له باللؤم والتفاخر الكاذب ، وفضحا له بأنه لم يسبق [ ص: 360 ] منه عمل نافع لقومه قبل الإسلام ، فلم يغرم غرامة في فكاك أسير أو مأخوذ بدم أو من بحرية على عبد .

وأيا ما كان فليس في الآية دلالة على أن الله كلف المشركين بهذه القرب ولا أنه عاقبهم على تركهم هذه القربات ، حتى تفرض فيه مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة ، وهي مسألة قليلة الجدوى وفرضها هنا أقل إجداء .

وجملة ( ثم كان من الذين آمنوا ) عطف على جملة ( فلا اقتحم العقبة ) .

و ( ثم ) للتراخي الرتبي فتدل على أن مضمون الجملة المعطوفة بها أرقى رتبة في الغرض المسوق له الكلام من مضمون الكلام المعطوف عليه ، فيصير تقدير الكلام : فلا اقتحم العقبة بفك رقبة أو إطعام بعد كونه مؤمنا . وفي فعل ( كان ) إشعار بأن إيمانه سابق على اقتحام العقبة المطلوبة فيه بطريقة التوبيخ على انتفائها عنه .

فعطف ( ثم كان من الذين آمنوا ) على الجمل المسوقة للتوبيخ والذم يفيد أن هذا الصنف من الناس ، أو هذا الإنسان المعين لم يكن من المؤمنين ، وأنه ملوم على ما فرط فيه لانتفاء إيمانه ، وأنه لو فعل شيئا من هذه الأعمال الحسنة ولم يكن من الذين آمنوا ما نفعه عمله شيئا ; لأنه قد انتفى عنه الحظ الأعظم من الصالحات كما دلت عليه ( ثم ) من التراخي الرتبي ، فهو مؤذن بأنه شرط في الاعتداد بالأعمال .

وعن عائشة " أنها قالت : يا رسول الله ، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم الطعام ويفك العاني ويعتق الرقاب ويحمل على إبله لله - أي يريد التقرب - فهل ينفعه ذلك شيئا ؟ قال : لا ؛ إنه لم يقل يوما : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " . ويفهم من الآية بمفهوم صفة ( الذين آمنوا ) أنه لو عمل هذه القرب في الجاهلية وآمن بالله حين جاء الإسلام لكان عمله ذلك محمودا .

ومن يجعل ( ثم ) مفيدة للتراخي في الزمان يجعل المعنى : لا اقتحم العقبة وأتبعها بالإيمان . أي : اقتحم العقبة في الجاهلية وأسلم لما جاء الإسلام .

وقد جاء ذلك صريحا في حديث حكيم بن حزام في الصحيح " قال : قلت : يا رسول الله ، أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة وصلة [ ص: 361 ] رحم فهل فيها من أجر ؟ فقال لي النبي : أسلمت على ما سلف من خير " . والتحنث : التعبد ، يعني : أن دخوله في الإسلام أفاد إعطاء ثواب على أعماله كأنه عملها في الإسلام .

وقال : ( من الذين آمنوا ) دون أن يقول : ثم كان مؤمنا ; لأن كونه من الذين آمنوا أدل على ثبوت الإيمان من الوصف بمؤمن ; لأن صفة الجماعة أقوى من أجل كثرة الموصوفين بها ، فإن كثرة الخير خير ، كما تقدم في قوله تعالى : ( قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) في سورة البقرة ، ثم في هذه الآية تقوية أخرى للوصف ، وهو جعله بالموصول المشعر بأنهم عرفوا بالإيمان بين الفرق .

وحذف متعلق ( آمنوا ) للعلم به ، أي : آمنوا بالله وحده وبرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ودين الإسلام . فجعل الفعل كالمستغني عن المتعلق .

وأيضا ليتأتى من ذكر الذين آمنوا تخلص إلى الثناء عليهم بقوله : ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) ولبشارتهم بأنهم أصحاب الميمنة .

وخص بالذكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر وتواصيهم بالمرحمة ; لأن ذلك أشرف صفاتهم بعد الإيمان ، فإن الصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها ; لأنها لا تخلو من كبح الشهوة النفسانية ، وذلك من الصبر .

والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية ، قال تعالى : ( رحماء بينهم ) .

والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة ، وهو أيضا كناية عن اتصافهم بالمرحمة ; لأن من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها ، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها كما تقدم في قوله تعالى : ( ولا تحضون على طعام المسكين ) .

وفيه تعريض بأن أهل الشرك ليسوا من أهل الصبر ولا من أهل المرحمة ، وقد صرح بذلك في قوله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) إلى قوله : ( وما يلقاها إلا الذين صبروا ) وقوله : ( بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين ) .


أولئك أصحاب الميمنة ( 18 ) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة ( 19 ) عليهم نار مؤصدة ( 20 )

لما نوه بالذين آمنوا أعقب التنويه بالثناء عليهم وبشارتهم مفتتحا باسم الإشارة لتمييزهم أكمل تمييز ؛ لإحضارهم بصفاتهم في ذهن السامع ، مع ما في اسم الإشارة من إرادة التنويه والتعظيم .

والميمنة : جهة اليمين ، فهي مفعلة للمكان مأخوذة من فعل يمنه ( فعلا ماضيا ) إذا كان على يمينه ، أي : على جهة يده اليمنى ، أو مأخوذة من يمنه الله يمنا ، إذا باركه ، وإحدى المادتين مأخوذة من الأخرى ، قيل : سميت اليد اليمنى يمينا ويمنى لأنها أعود نفعا على صاحبها في يسر أعماله ، ولذلك سمي بلاد اليمن يمنا ; لأنها عن جهة يمين الواقف مستقبلا الكعبة من بابها ; لأن باب الكعبة شرقي ، فالجهة التي على يمين الداخل إلى الكعبة هي الجنوب وهي جهة بلاد اليمن ، وكانت بلاد اليمن مشهورة بالخيرات ، فهي ميمونة ، وكان جغرافيو اليونان يصفونها بالعربية السعيدة ، وتفرع على ذلك اعتبارهم ما جاء عن اليمين من الوحش والطير مبشرا بالخير في عقيدة أهل الزجر والعيافة ، فالأيامن الميمونة ، قال المرقش يفند ذلك :


فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم


ونشأ على اعتبار عكس ذلك تسمية بلاد الشام شأما بالهمز مشتقة من الشؤم ; لأن بلاد الشام من جهة شمال الداخل إلى الكعبة ، وقد أبطل الإسلام ذلك بقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم بارك لنا في شأمنا وفي يمننا " وما تسميتهم ضد اليد اليمنى يسارا إلا لإبطال ما يتوهم من الشؤم فيها .

ولما كانت جهة اليمين جهة مكرمة تعارفوا الجلوس على اليمين في المجامع كرامة للجالس ، وجعلوا ضدهم بعكس ذلك . وقد أبطله الإسلام فكان الناس يجلسون حين انتهى بهم المجلس .

وسمي أهل الجنة أصحاب الميمنة و أصحاب اليمين ، وسمي أهل النار " أصحاب المشأمة " و " أصحاب الشمال " في سورة الواقعة ، فقوله : ( أولئك أصحاب الميمنة ) أي : أصحاب الكرامة عند الله .

[ ص: 363 ] وقوله : ( هم أصحاب المشأمة ) أي : هم محقرون . وذلك كناية مبنية على عرف العرب يومئذ في مجالسهم ، ولا ميمنة ولا مشأمة على الحقيقة ; لأن حقيقة الميمنة والمشأمة تقتضيان حيزا لمن تنسب إليه الجهة .

وجملة ( والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة ) تتميم لما سيق من ذم الإنسان المذكور آنفا ، إذ لم يعقب ذمه هنالك بوعيده عناية بالأهم وهو ذكر حالة أضداده ووعدهم ، فلما قضي حق ذلك ثني العنان إلى ذلك الإنسان فحصل من هذا النظم البديع محسن رد العجز على الصدر ، ومحسن الطباق بين الميمنة والمشأمة .

وقد عرفت آنفا أن المشأمة منزلة الإهانة والغضب ، ولذلك أتبع بقوله : ( عليهم نار موصدة ) .

وضمير الفصل في قوله : ( هم أصحاب المشأمة ) لتقوية الحكم وليس للقصر ، إذ قد استفيد القصر من ذكر الجملة المضادة للتي قبلها وهي ( أولئك أصحاب الميمنة ) .

و ( موصدة ) اسم مفعول من أوصد الباب بالواو . ويقال : أأصد - بالهمز - وهما لغتان ، قيل : الهمز لغة قريش ، وقيل : معناه جعله وصيدة . والوصيدة : بيت يتخذ من الحجارة في الجبال لحفظ الإبل . فقرأ الجمهور ( موصدة ) بواو ساكنة بعد الميم من أوصد بالواو ، وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم من أأصد الباب ، بهمزتين بمعنى وصده .

وجملة ( عليهم نار موصدة ) بدل اشتمال من جملة ( هم أصحاب المشأمة ) أو استئناف بياني ناشئ عن الإخبار عنهم بأنهم أصحاب المشأمة .

و ( عليهم ) متعلق بـ ( موصدة ) وقدم على عامله للاهتمام بتعلق الغلق عليهم تعجيلا للترهيب .

وقد استتب بهذا التقديم رعاية الفواصل بالهاء ابتداء من قوله : ( فلا اقتحم العقبة ) .

[ ص: 364 ] وإسناد الموصدية إلى النار مجاز عقلي ، والموصد هو موضوع النار ، أي : جهنم .

EL Mister
22-06-09, 12:52
بسم الله الرحمن الرحيم

(والفجر ( 1 ) وليال عشر ( 2 ) والشفع والوتر ( 3 ) والليل إذا يسر ( 4 ) هل في ذلك قسم لذي حجر ( 5 ) ألم تر كيف فعل ربك بعاد ( 6 ) إرم ذات العماد ( 7 ) التي لم يخلق مثلها في البلاد ( 8 ) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ( 9 ) وفرعون ذي الأوتاد ( 10 ) الذين طغوا في البلاد ( 11 ) فأكثروا فيها الفساد ( 12 ) فصب عليهم ربك سوط عذاب ( 13 ) إن ربك لبالمرصاد ( 14 ) )


مقدمة


لم يختلف في تسمية هذه السورة ( سورة الفجر ) بدون الواو في المصاحف والتفاسير وكتب السنة .

وهي مكية باتفاق سوى ما حكى ابن عطية عن أبي عمرو الداني أنه حكى عن بعض العلماء أنها مدنية .

وقد عدت العاشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الليل وقبل سورة الضحى .

وعدد آيها اثنتان وثلاثون عند أهل العدد بالمدينة ومكة عدوا قوله : ( ونعمه ) منتهى آية ، وقوله : ( رزقه ) منتهى آية . ولم يعدها غيرهم منتهى آية ، وهي ثلاثون عند أهل العدد بالكوفة والشام وعند أهل البصرة تسع وعشرون .

فأهل الشام عدوا ( بجهنم ) منتهى آية . وأهل الكوفة عدوا في عبادي منتهى آية .


أغراض السورة

حوت من الأغراض ضرب المثل لمشركي أهل مكة في إعراضهم عن قبول رسالة ربهم بمثل عاد وثمود وقوم فرعون .

وإنذارهم بعذاب الآخرة .

وتثبيت النبيء صلى الله عليه وسلم مع وعده باضمحلال أعدائه .

وإبطال غرور المشركين من أهل مكة ، إذ يحسبون أن ما هم فيه من النعيم [ ص: 312 ] علامة على أن الله أكرمهم وأن ما فيه المؤمنون من الخصاصة علامة على أن الله أهانهم .

وأنهم أضاعوا شكر الله على النعمة فلم يواسوا ببعضها على الضعفاء وما زادتهم إلا حرصا على التكثر منها .

وأنهم يندمون يوم القيامة على أن لم يقدموا لأنفسهم من الأعمال ما ينتفعون به يوم لا ينفع نفس مالها ولا ينفعها إلا إيمانها وتصديقها بوعد ربها ، وذلك ينفع المؤمنين بمصيرهم إلى الجنة .


والفجر ( 1 ) وليال عشر ( 2 ) والشفع والوتر ( 3 ) والليل إذا يسر ( 4 )

القسم بهذه الأزمان من حيث إن بعضها دلائل بديع صنع الله وسعة قدرته فيما أوجد من نظام يظاهر بعضه بعضا ، من ذلك وقت الفجر الجامع بين انتهاء ظلمة الليل وابتداء نور النهار ، ووقت الليل الذي تمخضت فيه الظلمة ، وهي مع ذلك أوقات لأفعال من البر وعبادة الله وحده ، مثل الليالي العشر ، والليالي الشفع ، والليالي الوتر .

والمقصود من هذا القسم تحقيق المقسم عليه ; لأن القسم في الكلام من طرق تأكيد الخبر إذ القسم إشهاد المقسم ربه على ما تضمنه كلامه .

وقسم الله تعالى متمحض لقصد التأكيد .

والكلام موجه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم كما دل عليه قوله : ألم تر كيف فعل ربك بعاد وقوله : إن ربك لبالمرصاد .

ولذلك فالقسم تعريض بتحقيق حصول المقسم عليه بالنسبة للمنكرين .

والمقصد من تطويل القسم بأشياء ، التشويق إلى المقسم عليه .

والفجر : اسم لوقت ابتداء الضياء في أقصى المشرق من أوائل شعاع الشمس حين يتزحزح الإظلام عن أول خط يلوح للناظر من الخطوط الفرضية المعروفة في [ ص: 313 ] تخطيط الكرة الأرضية في الجغرافيا ، ثم يمتد فيضيء الأفق ثم تظهر الشمس عند الشروق وهو مظهر عظيم من مظاهر القدرة الإلهية وبديع الصنع .

فالفجر ابتداء ظهور النور بعد ما تأخذ ظلمة الليل في الانصرام وهو وقت مبارك للناس ، إذ عنده تنتهي الحالة الداعية إلى النوم الذي هو شبيه الموت ، ويأخذ الناس في ارتجاع شعورهم وإقبالهم على ما يألفونه من أعمالهم النافعة لهم .

فالتعريف في ( الفجر ) تعريف الجنس وهو الأظهر لمناسبة عطف ( والليل إذا يسر ) .

ويجوز أن يراد فجر معين : فقيل أريد وقت صلاة الصبح من كل يوم وهو عن قتادة . وقيل : فجر يوم النحر وهو الفجر الذي يكون فيه الحجيج بالمزدلفة وهذا عن ابن عباس وعطاء وعكرمة ، فيكون تعريف ( الفجر ) تعريف العهد .

وقوله : ( وليال عشر ) : هي ليال معلومة للسامعين موصوفة بأنها عشر واستغني عن تعريفها بتوصيفها بعشر وإذ قد وصفت بها العدد تعين أنها عشر متتابعة وعدل عن تعريفها مع أنها معروفة ليتوصل بترك التعريف إلى تنوينها المفيد للتعظيم وليس في ليالي السنة عشر ليال متتابعة عظيمة مثل عشر ذي الحجة التي هي وقت مناسك الحج ، ففيها يكون الإحرام ودخول مكة وأعمال الطواف ، وفي ثامنتها ليلة التروية ، وتاسعتها ليلة عرفة وعاشرتها ليلة النحر . فتعين أنها الليالي المرادة بليال عشر . وهو قول ابن عباس وابن الزبير وروى أحمد والنسائي عن أبي الزبير ( المكي ) عن جابر بن عبد الله عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال : إن العشر عشر الأضحى وقال ابن العربي : " ولم يصح وقال ابن عساكر رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة " اهـ .

ومناسبة عطف ليال عشر على الفجر أن الفجر وقت انتهاء الليل ، فبينه وبين الليل جامع المضادة ، والليل مظهر من مظاهر القدرة الإلهية فلما أريد عطفه على الفجر بقوله : والليل إذا يسر خصت قبل ذكره بالذكر ليال مباركة إذ هي من أفراد الليل .

وكانت الليالي العشر معينة من الله تعالى في شرع إبراهيم عليه السلام ، ثم غيرت [ ص: 314 ] مواقيتها بما أدخله أهل الجاهلية على السنة القمرية من النسيء ، فاضطربت السنين المقدسة التي أمر الله بها إبراهيم عليه السلام ولا يعرف متى بدأ ذلك الاضطراب ، ولا مقادير ما أدخل عليها من النسيء ، ولا ما يضبط أيام النسيء في كل عام لاختلاف اصطلاحهم في ذلك وعدم ضبطه فبذلك يتعذر تعيين الليالي العشر المأمور بها من جانب الله تعالى ، ولكننا نوقن بوجودها من خلال السنة إلى أن أوحى الله إلى نبيئه محمد صلى الله عليه وسلم في سنة عشر من الهجرة عام حجة الوداع ، بأن أشهر الحج في تلك السنة وافقت ما كانت عليه السنة في عهد إبراهيم عليه السلام فقال النبيء صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع : إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض .

وهذا التغيير لا يرفع بركة الأيام الجارية فيها المناسك قبل حجة الوداع ; لأن الله عظمها لأجل ما يقع فيها من مناسك الحج إذ هو عبادة لله خاصة .

فأوقات العبادات تعيين لإيقاع العبادة ، فلا شك أن للوقت المعين لإيقاعها حكمة علمها الله تعالى ; ولذلك غلب في عبارات الفقهاء وأهل الأصول إطلاق اسم السبب على الوقت ; لأنهم يريدون بالسبب المعرف بالحكم ولا يريدون به نفس الحكمة .

وتعيين الأوقات للعبادات مما انفرد الله به ، فلأوقات العبادات حرمات بالجعل الرباني ، ولكن إذا اختلفت أو اختلطت لم يكن اختلالها أو اختلاطها بقاض بسقوط العبادات المعينة لها .

فقسم الله تعالى بالليالي العشر في هذه الآية وهي مما نزل بمكة قسم بما في علمه من تعيينها في علمه .

والشفع : ما يكون ثانيا لغيره ، والوتر : الشيء المفرد ، وهما صفتان لمحذوف ، فعن جابر بن عبد الله عن النبيء صلى الله عليه وسلم أن الشفع يوم النحر ، ذلك لأنه عاشر ذي الحجة ، ومناسبة الابتداء بالشفع أنه اليوم العاشر فناسب قوله : وليال عشر ، وأن الوتر يوم عرفة رواه أحمد بن حنبل والنسائي وقد تقدم آنفا ، وعلى هذا التفسير فذكر الشفع والوتر تخصيص لهذين اليومين بالذكر للاهتمام ، بعد شمول الليالي العشر لهما .

[ ص: 315 ] وفي جامع الترمذي عن عمران بن حصين أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال : الشفع والوتر الصلاة منها شفع ومنها وتر . قال الترمذي : وهو حديث غريب ، وفي العارضة أن في سنده مجهولا ، قال ابن كثير : وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه .

وينبغي حمل الآية على كلا التفسيرين .

وقيل : الشفع يومان بعد يوم منى ، والوتر اليوم الثالث وهي الأيام المعدودات ، فتكون غير الليالي العشر .

وتنكير ليال وتعريف الشفع والوتر مشير إلى أن الليالي العشر ليال معينة وهي عشر ليال في كل عام ، وتعريف الشفع والوتر يؤذن بأنهما معروفان وبأنهما الشفع والوتر من الليالي العشر .

وفي تفسير الشفع والوتر أقوال ثمانية عشر وبعضها متداخل استقصاها القرطبي ، وأكثرها لا يحسن حمل الآية عليه ، إذ ليست فيها مناسبة للعطف على ليال عشر .

وقرأ الجمهور ( والوتر ) بفتح الواو وهي لغة قريش وأهل الحجاز . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بكسر الواو وهي لغة تميم وبكر بن سعد بن بكر وهم بنو سعد أظآر النبيء صلى الله عليه وسلم وهم أهل العالية ، فهما لغتان في الوتر . بمعنى الفرد .

والليل عطف على ليال عشر عطف الأعم على الأخص أو عطف على الفجر بجامع التضاد . وأقسم به لما أنه مظهر من مظاهر قدرة الله وبديع حكمته .

ومعنى يسري : يمضي سائرا في الظلام ، أي : إذا انقضى منه جزء كثير ، شبه تقضي الليل في ظلامه بسير السائر في الظلام وهو السرى كما شبه في قوله : والليل إذ أدبر وقال : والليل إذا سجى ، أي : تمكن ظلامه واشتد .

وتقييد الليل بظرف إذا يسر لأنه وقت تمكن ظلمة الليل فحينئذ يكون الناس أخذوا حظهم من النوم فاستطاعوا التهجد قال تعالى : إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا وقال : ومن الليل فاسجد له وسبحه .

[ ص: 316 ] وقرأ أبو نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب إذا يسري بياء بعد الراء في الوصل على الأصل وبحذفها في الوقف لرعي بقية الفواصل : الفجر ، عشر ، والوتر ، حجر ففواصل القرآن كالأسجاع في النثر والأسجاع تعامل معاملة القوافي ، قال أبو علي : وليس إثبات الياء في الوقف بأحسن من الحذف وجميع ما لا يحذف وما يختار فيه أن لا يحذف نحو القاض بالألف واللام يحذف إذا كان في قافية أو فاصلة ، فإن لم تكن فاصلة فالأحسن إثبات الياء . وقرأ ابن كثير ويعقوب بثبوت الياء بعد الراء في الوصل وفي الوقف على الأصل .

وقرأ الباقون بدون الياء وصلا ووقفا . وهذه الرواية يوافقها رسم المصحف إياها بدون ياء ، والذين أثبتوا الياء في الوصل والوقوف اعتمدوا الرواية واعتبروا رسم المصحف سنة أو اعتدادا بأن الرسم يكون باعتبار حالة الوقف .

وأما نافع وأبو عمرو وأبو جعفر فلا يوهن رسم المصحف روايتهم ; لأن رسم المصحف جاء على مراعاة حال الوقف ومراعاة الوقف تكثر في كيفيات الرسم .


هل في ذلك قسم لذي حجر ( 5 )

جملة معترضة بين القسم وبين ما بعده من جوابه أو دليل جوابه ، كما في قوله تعالى : وإنه لقسم لو تعلمون عظيم .

والاستفهام تقريري ، وكونه بحرف ( هل ) ; لأن أصل ( هل ) أن تدل على التحقيق إذ هي بمعنى ( قد ) .

واسم الإشارة عائد إلى المذكور مما أقسم به ، أي : هل بالقسم في ذلك قسم .

وتنكير ( قسم ) للتعظيم أي : قسم كاف ومقنع للمقسم له ، إذا كان عاقلا أن يتدبر بعقله .

فالمعنى : هل في ذلك تحقيق لما أقسم عليه للسامع الموصوف بأنه صاحب حجر .

والحجر : العقل ; لأنه يحجر صاحبه عن ارتكاب ما لا ينبغي ، كما سمي عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التهافت كما يعقل العقال البعير عن الضلال .

[ ص: 317 ] واللام في قوله : لذي حجر لام التعليل ، أي : قسم لأجل ذي عقل يمنعه من المكابرة فيعلم أن المقسم بهذا القسم صادق فيما أقسم عليه .


ألم تر كيف فعل ربك بعاد ( 6 ) إرم ذات العماد ( 7 ) التي لم يخلق مثلها في البلاد ( 8 ) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ( 9 ) وفرعون ذي الأوتاد ( 10 ) الذين طغوا في البلاد ( 11 ) فأكثروا فيها الفساد ( 12 ) فصب عليهم ربك سوط عذاب ( 13 ) إن ربك لبالمرصاد ( 14 )

لا يصلح هذا أن يكون جوابا للقسم ، ولكنه إما دليل الجواب إذ يدل على أن المقسم عليه من *** ما فعل بهذه الأمم الثلاث وهو الاستئصال الدال عليه قوله : فصب عليهم ربك سوط عذاب ، فتقدير الجواب ليصبن ربك على مكذبيك سوط عذاب كما صب على عاد وثمود وفرعون .

وإما تمهيد للجواب ومقدمة له إن جعلت الجواب قوله : إن ربك لبالمرصاد وما بينه وبين الآيات السابقة اعتراض جعل كمقدمة لجواب القسم .

والمعنى : أن ربك لبالمرصاد للمكذبين لا يخفى عليه أمرهم ، فيكون تثبيتا للنبيء صلى الله عليه وسلم كقوله : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون .

فالاستفهام في قوله : ألم تر تقريري ، والمخاطب به النبيء صلى الله عليه وسلم تثبيتا له ووعدا بالنصر ، وتعريضا للمعاندين بالإنذار بمثله ، فإن ما فعل بهذه الأمم الثلاث موعظة وإنذار للقوم الذين فعلوا مثل فعلهم من تكذيب رسل الله قصد منه تقريب وقوع ذلك وتوقع حلوله ; لأن التذكير بالنظائر واستحضار الأمثال يقرب إلى الأذهان الأمر الغريب الوقوع ; لأن بعد العهد بحدوث أمثاله ينسيه الناس ، وإذا نسي استبعد الناس وقوعه ، فالتذكير يزيل الاستبعاد .

فهذه العبر جزئيات من مضمون جواب القسم ، فإن كان محذوفا فذكرها دليله ، وإن كان الجواب قوله : إن ربك لبالمرصاد كان تقديمها على الجواب [ ص: 318 ] زيادة في التشويق إلى تلقيه ، وإيذانا بجنس الجواب من قبل ذكره ليحصل بعد ذكره مزيد تقرره في الأذهان .

والرؤية في ألم تر يجوز أن تكون رؤية علمية تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف ; لأن أخبار هذه الأمم شائعة مضروبة بها المثل فكأنها مشاهدة ، فتكون كيف استفهاما معلقا فعل الرؤية عن العمل في مفعولين .

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمعنى : ألم تر آثار ما فعل ربك بعاد ، وتكون كيف اسما مجردا عن الاستفهام في محل نصب على المفعولية لفعل الرؤية البصرية .

وعدل عن اسم الجلالة إلى التعريف بإضافة رب إلى ضمير المخاطب في قوله : فعل ربك لما في وصف رب من الإشعار بالولاية والتأييد ولما تؤذن به إضافته إلى ضمير المخاطب من إعزازه وتشريفه .

وقد ابتدئت الموعظة بذكر عاد وثمود لشهرتهما بين المخاطبين ، وذكر بعدهما قوم فرعون لشهرة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون بين أهل الكتاب ببلاد العرب وهم يحدثون العرب عنها .

وأريد بـ عاد الأمة لا محالة قال تعالى : وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم فوجه صرفه أنه اسم ثلاثي ساكن الوسط ، مثل : هند ، ونوح . وإرم بكسر الهمزة وفتح الراء اسم إرم بن سام بن نوح وهو جد عاد ; لأن عادا هو ابن عوص بن إرم ، وهو ممنوع من الصرف للعجمة ; لأن العرب البائدة يعتبرون خارجين عن أسماء اللغة العربية المستعملة ، فهو عطف بيان لـ عاد للإشارة إلى أن المراد بـ عاد القبيلة التي جدها الأدنى هو عاد بن عوص بن إرم ، وهو عاد الموصوفة بـ الأولى في قوله تعالى : وأنه أهلك عادا الأولى لئلا يتوهم أن المتحدث عنهم قبيلة أخرى تسمى عادا أيضا . كانت تنزل مكة مع العماليق يقال : إنهم بقية من عاد الأولى وإرم اسمان لقبيلة عاد الأولى .

ووصفت عاد بـ ذات العماد ، وذات وصف مؤنث ; لأن المراد بعاد القبيلة .

[ ص: 319 ] والعماد : عود غليظ طويل يقام عليه البيت يركز في الأرض تقام عليه أثواب الخيمة أو القبة ويسمى دعامة ، وهو هنا مستعار للقوة تشبيها للقبيلة القوية بالبيت ذات العماد .

وإطلاق العماد على القوة جاء في قول عمرو بن كلثوم :


ونحن إذا عماد الحي خرت على الأحفاض نمنع من يلينا


ويجوز أن يكون المراد بـ العماد الأعلام التي بنوها في طرقهم ليهتدي بها المسافرون المذكورة في قوله تعالى : أتبنون بكل ريع آية تعبثون .

ووصفت عاد بـ ذات العماد لقوتها وشدتها ، أي : قد أهلك الله قوما هم أشد من القوم الذين كذبوك قال تعالى : وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم وقال : أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة .

والتي : صادق على عاد بتأويل القبيلة كما وصفت بـ ذات العماد والعرب يقولون : تغلب ابنة وائل ، بتأويل تغلب بالقبيلة .

والبلاد : جمع بلد ، وبلدة وهي مساحة واسعة من الأرض معينة بحدود أو سكان .

والتعريف في البلاد للجنس والمعنى : التي لم يخلق مثل تلك الأمة في الأرض . وأريد بالخلق خلق أجسادهم ، فقد روي أنهم كانوا طوالا شدادا أقوياء ، وكانوا أهل عقل وتدبير ، والعرب تضرب المثل بأحلام عاد ، ثم فسدت طباعهم بالترف فبطروا النعمة .

والظاهر أن لام التعريف هنا للاستغراق العرفي ، أي : في بلدان العرب وقبائلهم .

وقد وضع القصاصون حول قوله تعالى : إرم ذات العماد قصة مكذوبة فزعموا أن إرم ذات العماد مركب جعل اسما لمدينة باليمن أو بالشام أو بمصر ، ووصفوا قصورها وبساتينها بأوصاف غير معتادة ، وتقولوا أن أعرابيا يقال له : عبد الله بن قلابة كان في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان تاه في ابتغاء إبل [ ص: 320 ] له ، فاطلع على هذه المدينة ، وأنه لما رجع أخبر الناس فذهبوا إلى المكان الذي زعم أنه وجد فيه المدينة فلم يجدوا شيئا . وهذه أكاذيب مخلوطة بجهالة ، إذ كيف يصح أن يكون اسمها إرم ويتبع بذات العماد بفتح ( إرم ) وكسر ( ذات ) فلو كان الاسم مركبا مزجيا لكان بناء جزأيه على الفتح ، وإن كان الاسم مفردا و ( ذات ) صفة له فلا وجه لكسر ( ذات ) ، على أن موقع هذا الاسم عقب قوله تعالى : بعاد يناكد ذلك كله .

ومنع ثمود من الصرف ; لأن المراد به الأمة المعروفة ، ووصف باسم الموصول لجمع المذكر في قوله : الذين جابوا دون أن يقول التي جابت الصخرة بتأويل القوم ، فلما وصف عدل عن تأنيثه تفننا في الأسلوب .

ومعنى جابوا قطعوا ، أي : نحتوا الصخر واتخذوا فيه بيوتا كما قال تعالى : وتنحتون من الجبال بيوتا وقد قيل : إن ثمود أول أمم البشر نحتوا الصخر والرخام . والصخر : الحجارة العظيمة .

والواد : اسم لأرض كائنة بين جبلين منخفضة ، ومنه سمي مجرى الماء الكثير وادا ، وفيه لغتان : أن يكون آخره دالا ، وأن يكون آخره ياء ساكنة بعد الدال .

وقرأ الجمهور بدون ياء ، وقرأه ابن كثير ويعقوب بياء في آخره وصلا ووقفا ، وقرأه ورش عن نافع بياء في الوصل وبدونها في الوقف وهي قراءة مبنية على مراعاة الفواصل ثم ما تقدم في قوله تعالى : والليل إذا يسر وهو مرسوم في المصحف بدون ياء ، والقراءات تعتمد الرواية بالسمع لا رسم المصحف ، إذ المقصود من كتابة المصاحف أن يتذكر بها الحفاظ ما عسى أن ينسوه .

والواد : علم بالغلبة على منازل ثمود ، ويقال له : وادي القرى ، بإضافته إلى القرى التي بنتها ثمود فيه ويسمى أيضا الحجر بكسر الحاء وسكون الجيم ، ويقال لها حجر ثمود وهو واد بين خيبر وتيماء في طريق الماشي من المدينة إلى الشام ، ونزله اليهود بعد ثمود لما نزلوا بلاد العرب ، ونزله من بلاد العرب قضاعة وجهينة ، وعذرة وبلي .

[ ص: 321 ] وكان غزاه النبيء - صلى الله عليه وسلم - وفتحه سنة سبع فأسلم من فيه من العرب وصولحت اليهود على جزية .

والباء في قوله : ( بالواد ) للظرفية .

والمراد بـ ( فرعون ) هو وقومه .

ووصف ( ذي الأوتاد ) لأن مملكته كانت تحتوي على الأهرام التي بناها أسلافه ؛ لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون ( الأوتاد ) مستعارا للتمكن والثبات ، أي : ذي قوة ، على نحو قوله : ( ذات العماد ) وقد تقدم عند قوله تعالى : ( كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ) في ص .

وقوله : ( الذين طغوا في البلاد ) يجوز أن يكون شاملا لجميع المذكورين : عاد وثمود وفرعون ، ويجوز أن يكون نعتا لفرعون لأن المراد هو وقومه .

والطغيان : شدة العصيان والظلم ، ومعنى طغيانهم في البلاد أن كل أمة من هؤلاء طغوا في بلدهم ، ولما كان بلدهم من جملة البلاد أي : أرض الأقوام ، كان طغيانهم في بلدهم قد أوقع الطغيان في البلاد ; لأن فساد البعض آئل إلى فساد الجميع بسن سنن السوء ، ولذلك تسبب عليه ما فرع عنه من قوله : ( فأكثروا فيها الفساد ) لأن الطغيان يجرئ صاحبه على دحض حقوق الناس ، فهو من جهة يكون قدوة سوء لأمثاله وملائه ، فكل واحد منهم يطغى على من هو دونه ، وذلك فساد عظيم ; لأن به اختلال الشرائع الإلاهية والقوانين الوضعية الصالحة ، وهو من جهة أخرى يثير الحفائظ والضغائن في المطغي عليه من الرعية فيضمرون السوء للطاغين وتنطوي نفوسهم على كراهية ولاة الأمور وتربص الدوائر بها ، فيكونون لها أعداء غير مخلصي الضمائر ويكون رجال الدولة متوجسين منهم خيفة فيظنون بهم السوء في كل حال ويحذرونهم ، فتتوزع قوة الأمة على أفرادها عوض أن تتحد على أعدائها ، فتصبح للأمة أعداء في الخارج وأعداء في الداخل ، وذلك يفضي إلى فساد عظيم ، فلا جرم كان الطغيان سببا لكثرة الفساد .

ويجوز أن يكون التعريف في ( البلاد ) تعريف العهد ، أي : في بلادهم ، والجمع على اعتبار التوزيع ، أي : طغت كل أمة في بلادها .

[ ص: 322 ] والفساد : سوء حال الشيء ولحاق الضر به ، قال تعالى : ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ) وضد الفساد الصلاح ، قال تعالى : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) وكان ما أكثروه من الفساد سببا في غضب الله عليهم ، والله لا يحب الفساد فصب عليهم العذاب .

والصب حقيقته : إفراغ ما في الظرف ، وهو هنا مستعار لحلول العذاب دفعة وإحاطته بهم كما يصب الماء على المغتسل أو يصب المطر على الأرض ، فوجه الشبه مركب من السرعة والكثرة ، ونظيره استعارة الإفراغ في قوله تعالى : ( ربنا أفرغ علينا صبرا ) ونظير الصب قولهم : شن عليهم الغارة .

وكان العذاب الذي أصاب هؤلاء عذابا مفاجئا قاضيا .

فأما عاد فرأوا عارض الريح فحسبوه عارض مطر فما لبثوا حتى أطارتهم الريح كل مطير .

وأما ثمود فقد أخذتهم الصيحة . وأما فرعون فحسبوا البحر منحسرا فما راعهم إلا وقد أحاط بهم .

والسوط : آلة ضرب تتخذ من جلود مضفورة تضرب بها الخيل للتأديب ولتحملها على المزيد في الجري .

وعن الفراء أن كلمة ( سوط عذاب ) يقولها العرب لكل عذاب يدخل فيه السوط ( أي يقع بالسوط ) ، يريد أن حقيقتها كذلك ولا يريد أنها في هذه الآية كذلك .

وإضافة " سوط " إلى " عذاب " من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي : صب عليهم عذابا سوطا ، أي : كالسوط في سرعة الإصابة فهو تشبيه بليغ .

وجملة ( إن ربك لبالمرصاد ) تذييل وتعليل لإصابتهم بسوط عذاب إذا قدر جواب القسم محذوفا . ويجوز أن تكون جواب القسم كما تقدم آنفا .

فعلى كون الجملة تذييلا تكون تعليلا لجملة ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) تثبيتا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن الله ينصر رسله ، وتصريحا للمعاندين بما عرض لهم به [ ص: 323 ] من توقع معاملته إياهم بمثل ما عامل به المكذبين الأولين ، أي أن الله بالمرصاد لكل طاغ مفسد .

وعلى كونها جواب القسم تكون كناية عن تسليط العذاب على المشركين ، إذ لا يراد من الرصد إلا دفع المعتدي من عدو ونحوه ، وهو المقسم عليه وما قبله اعتراضا تفننا في نظم الكلام ، إذ قدم على المقصود بالقسم ما هو استدلال عليه وتنظير بما سبق من عقاب أمثالهم من الأمم من قوله : ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد ) إلخ ، وهو أسلوب من أساليب الخطابة إذ يجعل البيان والتنظير بمنزلة المقدمة ، ويجعل الغرض المقصود بمنزلة النتيجة والعلة إذا كان الكلام صالحا للاعتبارين مع قصد الاهتمام بالمقدم والمبادرة به .

والعدول عن ضمير المتكلم أو اسم الجلالة إلى ( ربك ) في قوله : ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) وقوله : ( إن ربك لبالمرصاد ) إيماء إلى أن فاعل ذلك ربه الذي شأنه أن ينتصر له ، فهو مؤمل بأن يعذب الذين كذبوه انتصارا له انتصار المولى لوليه .

والمرصاد : المكان الذي يترقب فيه الرصد ، أي : الجماعة المراقبون شيئا ، وصيغة مفعال تأتي للمكان وللزمان كما تأتي للآلة ، فمعنى الآلة هنا غير محتمل ، فهو هنا إما للزمان أو المكان إذ الرصد الترقب .

وتعريف المرصاد تعريف الجنس وهو يفيد عموم المتعلق ، أي : بالمرصاد لكل فاعل ، فهو تمثيل لعموم علم الله بما يكون من أعمال العباد وحركاتهم ، بحال اطلاع الرصد على تحركات العدو والمغيرين ، وهذا المثل كناية عن مجازاة كل عامل بما عمله ويعمله ، إذ لا يقصد الرصد إلا للجزاء على العدوان ، وفي ما يفيده من التعليل إيماء إلى أن الله لم يظلمهم فيما أصابهم به .

والباء في قوله : ( بالمرصاد ) للظرفية .

EL Mister
22-06-09, 12:55
فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ( 16 ) كَلَّا

دلت الفاء على أن الكلام الواقع بعدها متصل بما قبلها ومتفرع عليه لا محالة .

ودلت ( أما ) على معنى : مهما يكن من شيء ، وذلك أصل معناها ومقتضى استعمالها ، فقوي بها ارتباط جوابها بما قبلها وقبل الفاء المتصلة بها ، فلاح ذلك برقا وامضا ، وانجلى بلمعه ما كان غامضا ، إذ كان تفريع ما بعد هذه الفاء على ما قبلها خفيا ، فلنبينه بيانا جليا ، ذلك أن الكلام السابق اشتمل على وصف ما كانت تتمتع به الأمم الممثل بها مما أنعم الله عليها به من النعم وهم لاهون عن دعوة رسل الله ، ومعرضون عن طلب مرضاة ربهم ، مقتحمون المناكر التي نهوا عنها ، بطرون بالنعمة ، معجبون بعظمتهم ، فعقب ذكر ما كانوا عليه وما جازاهم الله به عليه من عذاب في الدنيا باستخلاص العبرة ، وهو تذكير المشركين بأن حالهم مماثل لحال أولئك ترفا وطغيانا وبطرا ، وتنبيههم على خطاهم ، إذ كانت لهم من حال الترف والنعمة شبهة توهموا بها أن الله جعلهم محل كرامة ، فحسبوا أن إنذار الرسول - صلى الله عليه وسلم - إياهم بالعذاب ليس بصدق لأنه يخالف ما هو واقع لهم من النعمة ، فتوهموا أن فعل الله بهم أدل على كرامتهم عنده مما يخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الله أمرهم بخلاف ما هم عليه ، ونفوا أن يكون بعد هذا العالم عالم آخر يضاده ، وقصروا عطاء الله على ما عليه عباده في هذه الحياة الدنيا ، فكان هذا الوهم مسولا لهم التكذيب بما أنذروا به من وعيد ، وبما يسر المؤمنون من ثواب في الآخرة ، فحصروا جزاء الخير في الثروة والنعمة ، وقصروا جزاء السوء على الخصاصة وقتر الرزق . وقد تكرر في القرآن التعرض لإبطال ذلك كقوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) .

وقد تضمن هذا الوهم أصولا انبنى عليها إنكار الجزاء في الآخرة ، وإنكار الحياة الثانية ، وتوهم دوام الأحوال .

[ ص: 325 ] ففاء التفريع مرتبطة بجملة ( إن ربك لبالمرصاد ) بما فيها من العموم الذي اقتضاه كونها تذييلا .

والمعنى : هذا شأن ربك الجاري على وفق علمه وحكمته .

فأما الإنسان الكافر فيتوهم خلاف ذلك إذ يحسب أن ما يناله من نعمة وسعة في الدنيا تكريم من الله له ، وما يناله من ضيق عيش إهانة أهانه الله بها .

وهذا التوهم يستلزم ظنهم أفعال الله تعالى جارية على غير حكمة ، قال تعالى : ( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) .

فأعلم الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالحقيقة الحق ، ونبههم لتجنب تخليط الدلائل الدقيقة السامية ، وتجنب تحكيم الواهمة والشاهية ، وذكرهم بأن الأحوال الدنيوية أعراض زائلة ومتفاوتة الطول والقصر ، وفي ذلك كله إبطال لمعتقد أهل الشرك وضلالهم الذي كان غالبا على أهل الجاهلية ، ولذلك قال النابغة في آل غسان الذين لم يكونوا مشركين وكانوا متدينين بالنصرانية :


مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب ولا يحسبون الخير لا شر بعده
ولا يحسبون الشر ضربة لازب


وقد أعقب الله ذلك بالردع والإبطال بقوله : ( كلا ) فمناط الردع والإبطال كلا القولين ; لأنهما صادران عن تأويل باطل وشبهة ضالة كما ستعرفه عند قوله تعالى : ( فأكرمه ونعمه ) .

واقتصار الآية على تقتير الرزق في مقابلة النعمة دون غير ذلك من العلل والآفات ; لأن غالب أحوال المشركين المتحدث عنهم صحة المزاج وقوة الأبدان فلا يهلكون إلا بقتل أو هرم فيهم وفي ذويهم ، قال النابغة :


تغشى متالف لا ينظرنك الهرما


[ ص: 326 ] ولم يعرج أكثر المفسرين على بيان نظم الآية واتصالها بما قبلها عدا الزمخشري وابن عطية .

وقد عرف هذا الاعتقاد الضال من كلام أهل الجاهلية ، قال طرفة :


فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي بنون كرام سادة لمسود


وجعلوا هذا الغرور مقياسا لمراتب الناس ، فجعلوا أصحاب الكمال أهل المظاهر الفاخرة ، ووصموا بالنقص أهل الخصاصة وضعفاء الناس ، لذلك لما أتى الملأ من قريش ومن بني تميم وفزارة للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وعنده عمار ، وبلال ، وخباب ، وسالم ، مولى أبي حذيفة ، وصبيح مولى أسيد ، وصهيب ، في أناس آخرين من ضعفاء المؤمنين قالوا للنبيء : اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك . وقالوا لأبي طالب : لو أن ابن أخيك طرد هؤلاء الأعبد والحلفاء ، كان أعظم له في صدورنا وأدلى لاتباعنا إياه . وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) الآية كما تقدم في سورة الأنعام .

فنبه الله على خطأ اعتقادهم بمناسبة ذكر مماثله مما اعتقده الأمم قبلهم الذي كان موجبا صب العذاب عليهم ، وأعلمهم أن أحوال الدنيا تتخذ أصلا في اعتبار الجزاء على العمل ، وأن الجزاء المطرد هو جزاء يوم القيامة .

والمراد بالإنسان الجنس وتعريفه تعريف الجنس فيستغرق أفراد الجنس ، ولكنه استغراق عرفي مراد به الناس المشركون لأنهم الغالب على الناس المتحدث عنهم ، وذلك الغالب في إطلاق لفظ الإنسان في القرآن النازل بمكة كقوله : ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ) ( لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) ونحو ذلك . ويدل لذلك قوله تعالى : ( يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ) الآية .

وقيل : أريد إنسان معين ، فقيل : عتبة بن ربيعة ، أو أبو حذيفة بن المغيرة عن ابن عباس ، وقيل : أمية بن خلف عن مقاتل والكلبي ، وقيل : أبي بن خلف عن الكلبي أيضا . وإنما هؤلاء المسمون أعلام التضليل . قال ابن عطية : ومن [ ص: 327 ] حيث كان هذا غالبا على الكفار جاء التوبيخ في هذه الآية باسم الجنس إذ يقع ( كذا ) بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع اهـ .

واعلم أن من ضلال أهل الشرك ومن فتنة الشيطان لبعض جهلة المؤمنين أن يخيل إليهم ما يحصل لأحد بجعل الله من ارتباط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها ، فيضعوا ما يصادف نفع أحدهم من الحوادث موضع كرامة من الله للذي صادفته منافع ذلك ، تحكيما للشاهية ومحبة النفس ورجما بالغيب وافتياتا على الله ، وإذا صادف أحدهم من الحوادث ما جلب له ضرا تخيله بأوهامه انتقاما من الله قصده به ، تشاؤما منهم .

فهؤلاء الذين زعموا ما نالهم من نعمة الله إكراما من الله لهم ليسوا أهلا لكرامة الله .

وهؤلاء الذين توهموا ما صادفهم من فتور الرزق إهانة من الله لهم ليسوا بأحط عند الله من الذين زعموا أن الله أكرمهم بما هم فيه من نعمة .

فذلك الاعتقاد أوجب تغلغل أهل الشرك في إشراكهم وصرف أنظارهم عن التدبر فيما يخالف ذلك ، وربما جرت الوساوس الشيطانية فتنة من ذلك لبعض ضعفاء الإيمان وقصار الأنظار والجهال بالعقيدة الحق كما أفصح أحمد بن الراوندي عن تزلزل فهمهم وقلة علمهم بقوله :


كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأفهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا


وذلك ما صرف الضالين عن تطلب الحقائق من دلائلها ، وصرفهم عن التدبر فيما ينيل صاحبه رضى الله وما يوقع في غضبه ، وعلم الله واسع وتصرفاته شتى ، وكلها صادرة عن حكمة ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) فقد يأتي الضر للعبد من عدة أسباب ، وقد يأتي النفع من أخرى . وبعض ذلك جار في [ ص: 328 ] الظاهر على المعتاد ، ومنه ما فيه سمة خرق العادة ، فربما أتت الرزايا من وجوه الفوائد ، والموفق يتيقظ للأمارات ، قال تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) وقال : ( وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) وقال : ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) .

وتصرفات الله متشابهة ، بعضها يدل على مراده من الناس ، وبعضها جار على ما قدره من نظام العالم ، وكل قد قضاه وقدره وسبق علمه به وربط مسبباته بأسبابه مباشرة أو بواسطة أو وسائط ، والمتبصر يأخذ بالحيطة لنفسه وقومه ، ولا يقول على الله ما يمليه عليه وهمه ولم تنهض دلائله ، ويفوض ما أشكل عليه إلى علم الله . وليس مثل هذا المحكي عنهم من شأن المسلمين المهتدين بهدي النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمتبصرين في مجاري التصرفات الربانية . وقد نجد في بعض العوام ومن يشبههم من الغافلين بقايا من اعتقاد أهل الجاهلية لإيجاد التخيلات التي تمليها على عقولهم ، فالواجب عليهم أن يتعظوا بموعظة الله في هذه الآية .

لا جرم أن الله قد يعجل جزاء الخير لبعض الصالحين من عباده كما قال : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) . وقد يعجل العقاب لمن يغضب عليه من عباده . وقد حكى عن نوح قوله لقومه : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ) وقال تعالى : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) . ولهذه المعاملة علامات أظهرها أن تجري على خلاف المألوف كما نرى في نصر النبيء - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء على الأمم العظيمة القاهرة ، وتلك مواعيد من الله يحققها أو وعيد منه يحيق بمستحقيه .

وحرف ( أما ) يفيد تفصيلا في الغالب ، أي : يدل على تقابل بين شيئين من ذوات وأحوال . ولذلك قد تكرر في الكلام ، فليس التفصيل المستفاد منها بمعنى تبيين مجمل قبلها ، بل هو تفصيل وتقابل وتوازن ، وهو ضرب من ضروب [ ص: 329 ] التفصيل الذي تأتي له ( أما ) ، فارتباط التفصيل بالكلام السابق مستفاد من الفاء الداخلة على ( أما ) ، وإنما تعلقه بما قبله تعلق المفرع بمنشئه لا تفصيل بيان على مجمل .

فالمفصل هنا أحوال الإنسان الجاهل فصلت إلى حاله في الخفض والدعة ، وحاله في الضنك والشدة ، فالتوازن بين الحالين المعبر عنهما بالظرفين في قوله : ( إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ) إلخ ، وفي قوله : ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) إلخ . وهذا التفصيل ليس من قبيل تبيين المجمل ، ولكنه تمييز وفصل بين شيئين أو أشياء تشتبه أو تختلط .

وقد تقدم ذكر ( أما ) عند قوله تعالى : ( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) الآية في سورة البقرة .

والابتلاء : الاختبار ويكون بالخير وبالضر ; لأن في كليهما اختبارا لثبات النفس وخلق الأناة والصبر ، قال تعالى : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) وبذكر الابتلاء ظهر أن إكرام الله إياه إكرام ابتلاء فيقع على حالين ، حال مرضية وحال غير مرضية ، وكذلك تقتير الرزق تقتير ابتلاء يقتضي حالين أيضا . قال تعالى : ( ليبلوني أأشكر أم أكفر ) وقال : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) والأشهر أنه الاختبار بالضر ، وقد استعمل في هذه الآية في المعنيين .

والمعنى : إذا جعل ربه ما يناله من النعمة أو من التقتير مظهرا لحاله في الشكر والكفر ، وفي الصبر والجزع ، توهم أن الله أكرمه بذلك أو أهانه بهذا .

والإكرام : قال الراغب : " أن يوصل إلى الإنسان كرامة ، وهي نفع لا تلحق فيه غضاضة ولا مذلة ، وأن يجعل ما يوصل إليه شيئا كريما ، أي : شريفا ، قال تعالى : ( بل عباد مكرمون ) ، أي : جعلهم كراما " . اهـ . يريد أن الإكرام يطلق على إعطاء المكرمة ويطلق على جعل الشيء كريما في صنفه فيصدق قوله تعالى : ( فأكرمه ) بأن يصيب الإنسان ما هو نفع لا غضاضة فيه ، أو بأن جعل كريما سيدا شريفا . وقوله : ( فأكرمه ) من المعنى الأول للإكرام ، وقوله : ( فيقول ربي أكرمن ) من المعنى الثاني له في كلام الراغب ، واعلم أن قوله : ( ونعمه ) صريح في أن الله ينعم على الكافرين إيقاظا لهم ومعاملة بالرحمة ، والذي عليه المحققون من [ ص: 330 ] المتكلمين أن الكافر منعم عليه في الدنيا ، وهو قول الماتريدي والباقلاني . وهذا مما اختلف فيه الأشعري والماتريدي ، والخلف لفظي .

ومعنى ( نعمه ) جعله في نعمة ، أي : في طيب عيش .

ومعنى ( فقدر عليه رزقه ) أعطاه بقدر محدود ، ومنه التقتير بالتاء الفوقية عوضا عن الدال ، وكل ذلك كناية عن القلة ويقابله بسط الرزق ، قال تعالى : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) .

والهاء في ( رزقه ) يجوز أن تعود إلى الإنسان من إضافة المصدر إلى المفعول ، ويجوز أن تعود إلى ( ربه ) من إضافة المصدر إلى فاعله .

والإهانة : المعاملة بالهون وهو الذل .

وإسناد ( فأكرمه ونعمه ) و ( فقدر عليه رزقه ) إلى الرب تعالى ؛ لأن الكرامة والنعمة انساقت إلى الإنسان أو انساق له قدر الرزق بأسباب من جعل الله وسننه في هذه الحياة الدنيا بما يصادف بعض الحوادث بعضا ، وأسباب المقارنة بين حصول هذه المعاني وبين من تقع به من الناس في فرصها ومناسباتها .

والقول مستعمل في حقيقته وهو التكلم ، وإنما يتكلم الإنسان عن اعتقاد . فالمعنى : فيقول ربي أكرمني ، معتقدا ذلك ، ويقول : ربي أهانني ، معتقدا ذلك ؛ لأنهم لا يخلون عن أن يفتخروا بالنعمة ، أو يتذمروا من الضيق والحاجة ، ونظير استعمال القول هذا الاستعمال ما وقع في قوله تعالى : ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) أي : اعتقدوا ذلك فقالوه واعتذروا به لأنفسهم بين أهل ملتهم .

وتقديم ( ربي ) على فعل ( أكرمني ) وفعل ( أهانني ) ، دون أن يقول : أكرمني ربي أو أهانني ربي ، لقصد تقوي الحكم ، أي : يقول ذلك جازما به غير متردد .

وجملتا ( فيقول ) في الموضعين جوابان لـ ( أما ) الأولى والثانية ، أي : يطرد قول الإنسان هذه المقالة كلما حصلت له نعمة وكلما حصل له تقتير رزق .

[ ص: 331 ] وأوثر الفعل المضارع في الجوابين لإفادة تكرر ذلك القول وتجدده كلما حصل مضمون الشرطين .

وحرف ( كلا ) زجر عن قول الإنسان ( ربي أكرمن ) عند حصول النعمة ، وقوله : ( ربي أهانني ) عندما يناله تقتير ، فهو ردع عن اعتقاد ذلك ، فمناط الردع كلا القولين ؛ لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل ، أي : ليست حالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا دليلا على منزلته عند الله تعالى ، وإنما يعرف مراد الله بالطرق التي أرشد الله إليها بواسطة رسله وشرائعه ، قال تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) إلى قوله : ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) في سورة الكهف . فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه ، ورب أشعث أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على الله لأبره .

فمناط الردع جعل الإنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعم عليه وجعل التقتير علامة على إرادة الإهانة ، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإهانة ؛ لأن الله أهان الكافر بعذاب الآخرة ، ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق .

وبهذا ظهر أن لا تنافي بين إثبات إكرام الله تعالى الإنسان بقوله : ( فأكرمه ) وبين إبطال ذلك بقوله : ( كلا ) ؛ لأن الإبطال وارد على ما قصده الإنسان بقوله : ( ربي أكرمن ) أن ما ناله من النعمة علامة على رضى الله عنه .

فالمعنى أن لشأن الله في معاملته الناس في هذا العالم أسرارا وعللا لا يحاط بها ، وأن أهل الجهالة بمعزل عن إدراك سرها بأقيسة وهمية ، والاستناد لمألوفات عادية ، وأن الأولى لهم أن يتطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية ، وأن يعرفوا مراد الله من وحيه إلى رسله . وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة عن مدلولها ، وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها .

وأما أهل العلم فهم يضعون الأشياء مواضعها ، ويتوسمون التوسم المستند إلى الهدي ولا يخلطون ولا يخبطون .

[ ص: 332 ] وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( ربي ) في الموضعين بفتح الياء ، وقرأ الباقون بسكونها .

وقرأ الجمهور ( فقدر عليه ) بتخفيف الدال ، وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الدال .

وقرأ نافع ( أكرمن ، وأهانن ) بياء بعد النون في الوصل وبحذفها في الوقف . وقرأهما ابن كثير بالياء في الوصل والوقف ، وقرأهما ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب بدون ياء في الوصل والوقف ، وهو مرسوم في المصحف بدون ياء بعد النونين ، ولا منافاة بين الرواية ورسم المصحف . و ( كلا ) ردع عن هذا القول أي : ليس ابتلاء الله الإنسان بالنعيم وبتقتير الرزق مسببا على إرادة الله تكريم الإنسان ولا على إرادته إهانته . وهذا ردع مجمل لم يتعرض القرآن لتبيينه اكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث في نعمتهم بقوله : ( إن ربك لبالمرصاد ) بعد قوله : ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) .


بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 )

( بل ) إضراب انتقالي ، والمناسبة بين الغرضين المنتقل منه والمنتقل إليه مناسبة المقابلة لمضمون ( فأكرمه ونعمه ) من جهة ما توهموه أن نعمة مالهم وسعة عيشهم تكريم من الله لهم ، فنبههم الله على أنهم إن أكرمهم الله فإنهم لم يكرموا عبيده شحا بالنعمة ، إذ حرموا أهل الحاجة من فضول أموالهم وإذ يستزيدون من المال ما لا يحتاجون إليه وذلك دحض لتفخرهم بالكرم والبذل .

فجملة ( لا تكرمون اليتيم ) استئناف كما يقتضيه الإضراب ، فهو إما استئناف ابتداء كلام وإما اعتراض بين ( كلا ) وأختها كما سيأتي . وإكرام اليتيم : سد خلته وحسن معاملته لأنه مظنة الحاجة لفقد عائله ، ولاستيلائهم على الأموال التي يتركها الآباء لأبنائهم الصغار . وقد كانت الأموال في الجاهلية يتداولها رؤساء العائلات .

[ ص: 333 ] والبر لأنه مظنة انكسار الخاطر لشعوره بفقد من يدل هو عليه .

واليتيم : الصبي الذي مات أبوه ، وتقدم في سورة النساء ، وتعريفه للجنس ، أي : لا تكرمون اليتامى ، وكذلك تعريف المسكين .

ونفي الحض على طعام المسكين نفي لإطعامه بطريق الأولى ، وهي دلالة فحوى الخطاب ، أي : لقلة الاكتراث بالمساكين لا ينفعونهم ولو نفع وساطة ، بله أن ينفعوهم بالبذل من أموالهم .

و ( طعام ) يجوز أن يكون اسما بمعنى المطعوم ، بالتقدير : ولا يحضون على إعطاء طعام المسكين ، فإضافته إلى المسكين على معنى لام الاستحقاق ، ويجوز أن يكون اسم مصدر أطعم ، والمعنى : ولا تحضون على إطعام الأغنياء المساكين ، فإضافته إلى المسكين من إضافة المصدر إلى مفعوله .

والمسكين : الفقير ، وتقدم في سورة براءة .

وقد حصل في الآية احتباك لأنهم لما نفي إكرامهم اليتيم وقوبل بنفي أن يحضوا على طعام المسكين ، علم أنهم لا يحضون على إكرام أيتامهم ، أي : لا يحضون أولياء الأيتام على ذلك ، وعلم أنهم لا يطعمون المساكين من أموالهم .

ويجوز أن يكون الحض على الطعام كناية عن الإطعام ؛ لأن من يحض على فعل شيء يكون راغبا في التلبس به ، فإذا تمكن أن يفعله فعله ، ومنه قوله تعالى : ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) أي : عملوا بالحق وصبروا وتواصوا بهما .

وقرأ الجمهور ( لا تكرمون ، ولا تحضون ، وتأكلون ، وتحبون ) بالمثناة الفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات من الغيبة في قوله : ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ) الآيات لقصد مواجهتهم بالتوبيخ ، وهو بالمواجهة أوقع منه بالغيبة . وقرأها أبو عمرو ويعقوب بالمثناة التحتية على الغيبة لتعريف النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين بذلك فضحا لدخائلهم على نحو قوله تعالى : ( يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ) .

وقرأ الجمهور : ( ولا تحضون ) بضم الحاء مضارع حض ، وقرأه عاصم وحمزة [ ص: 334 ] والكسائي وأبو جعفر وخلف ( تحاضون ) بفتح الحاء وألف بعدها ، مضارع حاض بعضهم بعضا ، وأصله ( تتحاضون ) فحذفت إحدى التاءين اختصارا للتخفيف أي : تتمالئون على ترك الحض على الإطعام .

والتراث : المال الموروث ، أي : الذي يخلفه الرجل بعد موته لوارثه ، وأصله : وراث بواو في أوله بوزن فعال من مادة ورث بمعنى مفعول مثل الدقاق ، والحطام ، أبدلت واوه تاء على غير قياس كما فعلوا في تجاه ، وتخمة ، وتهمة ، وتقاة وأشباهها .

والأكل : مستعار للانتفاع بالشيء انتفاعا لا يبقي منه شيئا ، وأحسب أن هذه الاستعارة من مبتكرات القرآن ، إذ لم أقف على مثلها في كلام العرب .

وتعريف التراث عوض عن المضاف إليه . أي : تراث اليتامى وكذلك كان أهل الجاهلية يمنعون النساء والصبيان من أموال مورثيهم .

وأشعر قوله : ( تأكلون ) بأن المراد التراث الذي لا حق لهم فيه ، ومنه يظهر وجه إيثار لفظ التراث دون أن يقال : وتأكلون المال ؛ لأن التراث مال مات صاحبه وأكله يقتضي أن يستحق ذلك المال عاجز عن الذب عن ماله لصغر أو أنوثة .

واللم : الجمع ، ووصف الأكل به وصف بالمصدر للمبالغة ، أي : أكلا جامعا مال الوارثين إلى مال الآكل ، كقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم .

والجم : الكثير ، يقال : جم الماء في الحوض ، إذا كثر ، وبئر جموم بفتح الجيم : كثيرة الماء ، أي : حبا كثيرا ، ووصف الحب بالكثرة مراد به الشدة ؛ لأن الحب معنى من المعاني النفسية لا يوصف بالكثرة التي هي وفرة عدد أفراد الجنس .

فالجم مستعار لمعنى القوي الشديد ، أي : حبا مفرطا ، وذلك محل ذم حب المال ؛ لأن إفراد حبه يوقع في الحرص على اكتسابه بالوسائل غير الحق ، كالغصب والاختلاس والسرقة وأكل الأمانات .


كلا

زجر وردع عن الأعمال المعدودة قبله ، وهي عدم إكرامهم اليتيم وعدم حضهم على طعام المسكين ، وأكلهم التراث الذي هو مال غير آكله ، وعن حب المال حبا جما .


إذا دكت الأرض دكا دكا ( 21 ) وجاء ربك والملك صفا صفا ( 22 ) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ( 23 ) يقول ياليتني قدمت لحياتي ( 24 ) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ( 25 ) ولا يوثق وثاقه أحد ( 26 )

استئناف ابتدائي انتقل به من تهديدهم بعذاب الدنيا الذي في قوله : ألم تر كيف فعل ربك بعاد الآيات ، إلى الوعيد بعذاب الآخرة ، فإن استخفوا بما حل بالأمم قبلهم أو أمهلوا فأخر عنهم العذاب في الدنيا ، فإن عذابا لا محيص لهم عنه ينتظرهم يوم القيامة حين يتذكرون قسرا فلا ينفعهم التذكر ، ويندمون ولات ساعة مندم .

فحاصل الكلام السابق أن الإنسان الكافر مغرور ينوط الحوادث بغير أسبابها ، ويتوهمها على غير ما بها ولا يصغي إلى دعوة الرسل فيستمر طول حياته في عماية ، وقد زجروا عن ذلك زجرا مؤكدا .

وأتبع زجرهم إنذارا بأنهم يحين لهم يوم يفيقون فيه من غفلتهم حين لا تنفع الإفاقة .

والمقصود من هذا الكلام هو قوله : ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ) وقوله : ( يا أيتها النفس المطمئنة ) وأما ما سبق من قوله : ( إذا دكت الأرض ) إلى قوله : ( وجيء يومئذ بجهنم ) فهو توطئة وتشويق لسماع ما يجيء بعده وتهويل لشأن ذلك اليوم ، وهو الوقت الذي عرف بإضافة جملة ( دكت الأرض ) وما بعدها من الجمل ، وقد عرف بأشراط حلوله وبما يقع فيه من هول العقاب .

[ ص: 336 ] والدك : الحطم والكسر .

والمراد بالأرض الكرة التي عليها الناس ، ودكها حطمها وتفرق أجزائها الناشئ عن فساد الكون الكائنة عليه الآن ، وذلك بما يحدثه الله فيها من زلازل كما في قوله : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) الآية .

و ( دكا دكا ) يجوز أن يكون أولهما منصوبا على المفعول المطلق المؤكد لفعله . ولعل تأكيده هنا ؛ لأن هذه الآية أول آية ذكر فيها دك الجبال ، وإذ قد كان أمرا خارقا للعادة كان المقام مقتضيا تحقيق وقوعه حقيقة دون مجاز ولا مبالغة ، فأكد مرتين هنا ولم يؤكد نظيره في قوله : ( فدكتا دكة واحدة ) في سورة الحاقة فـ ( دكا ) الأول مقصود به رفع احتمال المجاز عن ( دكتا ) الدك أي : هو دك حقيقي ، و ( دكا ) الثاني منصوبا على التوكيد اللفظي لـ ( دكا ) الأول لزيادة تحقيق إرادة مدلول الدك الحقيقي ؛ لأن دك الأرض العظيمة أمر عجيب ، فلغرابته اقتضى إثباته زيادة تحقيق لمعناه الحقيقي .

وعلى هذا درج الرضي ، قال : " ويستثنى من منع تأكيد النكرات ( أي تأكيدا لفظيا ) شيء واحد وهو جواز تأكيدها إذا كانت النكرة حكما لا محكوما عليه ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : " فنكاحها باطل باطل باطل " . ومثله قوله تعالى : ( دكت الأرض دكا دكا ) فهو مثل : ضرب ضرب زيد " اهـ .

وهذا يلائم ما في وصف دك الأرض في سورة الحاقة بقوله تعالى : ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) ودفع المنافاة بين هذا وبين ما في سورة الحاقة .

ويجوز أن يكون مجموع المصدرين في تأويل مفرد منصوب على المفعول المطلق المبين للنوع . وتأويله أنه دك يعقب بعضه بعضا ، كما تقول : قرأت الكتاب بابا بابا ، وبهذا المعنى فسر صاحب الكشاف وجمهور المفسرين من بعده ، وبعض المفسرين سكت عن بيانه ، قال الطيبي : " قال ابن الحاجب : لعله قاله في أماليه على المقدمة الكافية - وفي نسختي منها نقص ولا أعرف غيرها بتونس ولا يوجد هذا الكلام في إيضاح المفصل - : بينت له حسابه بابا بابا ، أي : مفصلا . والعرب تكرر [ ص: 337 ] الشيء مرتين فتستوعب تفصيل جنسه باعتبار المعنى الذي دل عليه لفظ المكرر ، فإذا قلت : بينت له الكتاب بابا بابا ، فمعناه : بينته له مفصلا باعتبار أبوابه اهـ .

قلت : هذا الوجه أوفى بحق البلاغة ، فإنه معنى زائد على التوكيد ، والتوكيد حاصل بالمصدر الأول .

وفي تفسير الفخر : وقيل : فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضا لا ترى فيها أمتا ، وتبعه البيضاوي يعني أن الدك كناية عن التسوية ؛ لأن التسوية من لوازم الدك ، أي : صارت الجبال مع الأرض مستويات لم يبق فيها نتوء .

ولك أن تجعل صفة ( واحدة ) مجازا في تفرد الدكة بالشدة التي لا ثاني مثلها ، أي : دكة لا نظير لها بين الدكات في الشدة من باب قولهم : هو وحيد قومه ، ووحيد دهره ، فلا يعارض قوله : ( دكا دكا ) بهذا التفسير . وفيه تكلف إذ لم يسمع بصيغة فاعل فلم يسمع : هو واحد قومه .

وأما قوله تعالى : ( والملك صفا صفا ) فـ ( صفا ) الأول حال من ( الملك ) .

و ( صفا ) الثاني لم يختلف المفسرون في أنه من التكرير المراد به الترتيب والتصنيف ، أي : صفا بعد صف ، أو خلف صف ، أو صنفا من الملائكة دون صنف ، قيل : ملائكة كل سماء يكونون صفا حول الأرض على حدة .

قال الرضي : " وأما تكرير المنكر في قولك : قرأت الكتاب سورة سورة ، وقوله تعالى : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) فليس في الحقيقة تأكيدا ، إذ ليس الثاني لتقرير ما سبق ، بل هو لتكرير المعنى ؛ لأن الثاني غير الأول معنى . والمعنى : جميع السور وصفوفا مختلفة " اهـ . وشذ من المفسرين من سكت عنه ، ولا يحتمل حمله على أنه مفعول مؤكد لعامله إذ لا معنى للتأكيد .

وإسناد المجيء إلى الله إما مجاز عقلي ، أي : جاء قضاؤه ، وإما استعارة بتشبيه ابتداء حسابه بالمجيء .

[ ص: 338 ] وأما إسناده إلى الملك فإما حقيقة أو على معنى الحضور ، وأيا ما كان فاستعمال ( جاء ) من استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته ، أو في مجازيه .

والملك : اسم *** وتعريفه تعريف الجنس فيرادفه الاستغراق ، أي : والملائكة .

والصف : مصدر صف الأشياء إذا جعل الواحد حذو الآخر ، ويطلق على الأشياء المصفوفة ، ومنه قوله تعالى : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) وقوله : ( فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا ) في سورة طه .

واستعمال ( وجيء يومئذ بجهنم ) كاستعمال مجيء الملك ، أي : أحضرت جهنم وفتحت أبوابها فكأنها جاء بها جاء ، والمعنى : أظهرت لهم جهنم ، قال تعالى : ( حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ) وقال : ( وبرزت الجحيم لمن يرى وورد في حديث مسلم عن ابن مسعود يرفعه " أن لجهنم سبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " وهو تفسير لمعنى ( وجيء يومئذ بجهنم ) . وأمور الآخرة من خوارق العادات .

وإنما اقتصر على ذكر جهنم ؛ لأن المقصود في هذه السورة وعيد الذين لم يتذكروا ، وإلا فإن الجنة أيضا محضرة يومئذ ، قال تعالى : ( وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين .

و ( يومئذ ) الأول متعلق بفعل ( جيء ) . والتقدير : وجيء يوم تدك الأرض دكا دكا . . . إلى آخره .

و ( يومئذ ) الثاني بدل من ( إذا دكت الأرض ) والمعنى : يوم تدك الأرض دكا . . . إلى آخره يتذكر الإنسان . والعامل في البدل والمبدل منه معا فعل ( يتذكر ) . وتقديمه للاهتمام مع ما في الإطناب من التشويق ليحصل الإجمال ثم التفصيل مع حسن إعادة ما هو بمعنى ( إذا ) لزيادة الربط لطول الفصل بالجمل التي أضيف إليها ( إذا ) .

والإنسان : هو الإنسان الكافر ، وهو الذي تقدم ذكره في قوله تعالى : ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ) الآية ، فهو إظهار في مقام الإضمار لبعد معاد الضمير .

[ ص: 339 ] وجملة ( وأنى له الذكرى ) معترضة بين جملة ( يتذكر الإنسان ) وجملة ( يقول ) إلخ .

و ( أنى ) اسم استفهام بمعنى أين له الذكرى ، وهو استفهام مستعمل في الإنكار والنفي ، والكلام على حذف مضاف ، والتقدير : وأين له نفع الذكرى .

وجملة ( يقول يا ليتني ) إلخ ، يجوز أن يكون قولا باللسان تحسرا وتندما ، فتكون الجملة حالا من ( الإنسان ) أو بدل اشتمال من جملة ( يتذكر ) فإن تذكره مشتمل على تحسر وندامة . ويجوز أن يكون قوله في نفسه فتكون الجملة بيانا لجملة ( يتذكر ) .

ومفعول ( قدمت ) محذوف للإيجاز .

واللام في قوله : ( لحياتي ) تحتمل معنى التوقيت ، أي : قدمت عند أزمان حياتي ، فيكون المراد الحياة الأولى التي قبل الموت ، وتحتمل أن يكون اللام للعلة ، أي : قدمت الأعمال الصالحة لأجل أن أحيا في هذه الدار . والمراد : الحياة الكاملة السالمة من العذاب ؛ لأن حياتهم في العذاب حياة غشاوة وغياب ، قال تعالى : ( ثم لا يموت فيها ولا يحيى ) .

وحرف النداء في قوله : ( يا ليتني ) للتنبيه اهتماما بهذا التمني في يوم وقوع .

والفاء في قوله : ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ) رابطة لجملة ( لا يعذب ) إلخ ، بجملة ( دكت الأرض ) لما في ( إذا ) من معنى الشرط .

والعذاب : اسم مصدر ( عذب ) .

والوثاق : اسم مصدر ( أوثق ) .

وقرأ الجمهور ( يعذب ) بكسر الذال و ( يوثق ) بكسر الثاء على أن ( أحد ) في الموضعين فاعل ( يعذب ، ويوثق ) ، وأن ( عذابه ) من إضافة المصدر إلى مفعوله فضمير ( عذابه ) عائد إلى الإنسان في قوله : ( يتذكر الإنسان ) وهو مفعول مطلق مبين للنوع على معنى التشبيه البليغ ، أي : عذابا مثل عذابه ، وانتفاء المماثلة في الشدة ، أي : يعذب عذابا هو أشد عذاب يعذبه العصاة ، أي : [ ص: 340 ] عذابا لا نظير له في أصناف عذاب المعذبين ، على معنى قوله تعالى : ( فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) والمراد : في شدته .

وهذا بالنسبة لبني الإنسان ، وأما عذاب الشياطين فهو أشد لأنهم أشد كفرا ، و ( أحد ) يستعمل في النفي لاستغراق *** الإنسان فـ ( أحد ) في سياق النفي يعم كل أحد ، قال تعالى : ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) فانحصر الأحد المعذب بكسر الذال في فرد وهو الله تعالى .

وقرأه الكسائي ويعقوب بفتح ذال ( يعذب ) وفتح ثاء ( يوثق ) مبنيين للنائب . وعن أبي قلابة قال : " حدثني من أقرأه النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ ( يعذب ، ويوثق ) بفتح الذال وفتح الثاء " . قال الطبري : وإسناده واه ، وأقول : أغنى عن تصحيح إسناده تواتر القراءة به في بعض الروايات العشر وكلها متواتر .

والمعنى : لا يعذب أحد مثل عذاب ما يعذب به ذلك الإنسان المتحسر يومئذ ، ولا يوثق أحد مثل وثاقه . فـ ( أحد ) هنا بمنزلة ( أحدا ) في قوله تعالى : ( فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) .

والوثاق بفتح الواو : اسم مصدر أوثق ، وهو الربط ويجعل للأسير والمقود إلى القتل . فيجعل لأهل النار وثاق يساقون به إلى النار ، قال تعالى : ( إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ) الآية .

وانتصاب ( وثاقه ) كانتصاب ( عذابه ) على المفعولية المطلقة لمعنى التشبيه .


يا أيتها النفس المطمئنة ( 27 ) ارجعي إلى ربك راضية مرضية ( 28 ) فادخلي في عبادي ( 29 ) وادخلي جنتي ( 30 )

لما استوعب ما اقتضاه المقام من الوعيد والتهديد والإنذار ختم الكلام بالبشارة للمؤمنين الذين تذكروا بالقرآن واتبعوا هديه ، على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالبشارة والعكس ، فإن ذلك يزيد رغبة الناس في فعل الخير ورهبتهم من أفعال الشر .

[ ص: 341 ] واتصال هذه الآية بالآيات التي قبلها في التلاوة ، وكتابة المصحف الأصل فيه أن تكون نزلت مع الآيات التي قبلها في نسق واحد ، وذلك يقتضي أن هذا الكلام يقال في الآخرة ، فيجوز أن يقال يوم الجزاء ، فهو مقول قول محذوف هو جواب " إذا " ( إذا دكت الأرض ) الآية ، وما بينهما مستطرد واعتراض .

فهذا قول يصدر يوم القيامة من جانب القدس من كلام الله تعالى أو من كلام الملائكة ، فإن كان من كلام الله تعالى كان قوله : ( إلى ربك ) إظهارا في مقام الإضمار بقرينة تفريع ( ( فادخلي في عبادي ) عليه . ونكتة هذا الإظهار ما في وصف ( رب ) من الولاء والاختصاص ، وما في إضافته إلى ضمير النفس المخاطبة من التشريف لها .

وإن كان من قول الملائكة فلفظ ( ربك ) جرى على مقتضى الظاهر ، وعطف ( فادخلي في عبادي ) عطف تلقين يصدر من كلام الله تعالى تحقيقا لقول الملائكة ( ارجعي إلى ربك ) .

والرجوع إلى الله مستعار للكون في نعيم الجنة التي هي دار الكرامة عند الله بمنزلة دار المضيف ، قال تعالى : ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) بحيث شبهت الجنة بمنزل للنفس المخاطبة ؛ لأنها استحقته بوعد الله على أعمالها الصالحة ، فكأنها كانت مغتربة عنه في الدنيا فقيل لها : ارجعي إليه ، وهذا الرجوع خاص غير مطلق الحلول في الآخرة .

ويجوز أن تكون الآية استئنافا ابتدائيا جرى على مناسبة ذكر عذاب الإنسان المشرك ، فتكون خطابا من الله تعالى لنفوس المؤمنين المطمئنة .

والأمر في ( ارجعي إلى ربك ) مراد منه تقييده بالحالين بعده وهما ( راضية مرضية ) وهو من استعمال الأمر في الوعد ، والرجوع مجاز أيضا ، والإضمار في قوله : ( في عبادي ) وقوله : ( جنتي ) التفات من الغيبة إلى التكلم .

وقال بعض أهل التأويل : نزلت في معين . فعن الضحاك : أنها نزلت في عثمان بن عفان لما تصدق ببئر رومة . وعن بريدة : أنها نزلت في حمزة حين قتل . وقيل : نزلت في خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة . وهذه الأقوال تقتضي أن هذه الآية [ ص: 342 ] مدنية ، والاتفاق على أن السورة مكية إلا ما رواه الداني عن بعض العلماء أنها مدنية ، وهي - على هذا - منفصلة عما قبلها كتبت هنا بتوقيف خاص أو نزلت عقب ما قبلها للمناسبة .

وعن ابن عباس وزيد بن حارثة وأبي بن كعب وابن مسعود : أن هذا يقال عند البعث لترجع الأرواح في الأجساد ، وعلى هذا فهي متصلة بقوله : ( إذا دكت الأرض ) إلخ كالوجه الذي قبل هذا ، والرجوع على هذا حقيقة ، والرب مراد به صاحب النفس وهو الجسد .

وعن زيد بن حارثة وأبي صالح : يقال هذا للنفس عند الموت . وقد روى الطبري عن سعيد بن جبير قال : قرأ رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) فقال أبو بكر : ما أحسن هذا ! فقال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " أما إن الملك سيقولها لك عند الموت " . وعن زيد بن حارثة أن هذا يقال لنفس المؤمن عند الموت تبشر بالجنة .

والنفس : تطلق على الذات كلها كما في قوله تعالى : ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ) وقوله : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) وتطلق على الروح التي بها حياة الجسد كما في قوله : ( إن النفس لأمارة بالسوء ) .

وعلى الإطلاقين توزع المعاني المتقدمة كما لا يخفى .

والمطمئنة : اسم فاعل من ( اطمأن ) إذا كان هادئا غير مضطرب ولا منزعج ، فيجوز أن يكون من سكون النفس بالتصديق لما جاء به القرآن دون تردد ولا اضطراب بال فيكون ثناء على هذه النفس ، ويجوز أن يكون من هدوء النفس بدون خوف ولا فتنة في الآخرة .

وفعله من الرباعي المزيد وهو بوزن افعلل ، والأصح أنه مهموز اللام الأولى وأن الميم عين الكلمة كما ينطق به وهذا قول أبي عمرو . وقال سيبويه : أصل الفعل : ( طأمن ) فوقع فيه قلب مكاني فقدمت الميم على الهمزة ، فيكون أصل " مطمئنة " عنده " مطأمنة " ومصدره اطئمنان ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ( ولكن ليطمئن قلبي ) في سورة البقرة ، وقوله : ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ) في سورة النساء .

[ ص: 343 ] ووصف النفس بـ ( المطمئنة ) ليس وصفا للتعريف ولا للتخصيص ، أي : لتمييز المخاطبين بالوصف الذي يميزهم عمن عداهم فيعرفون أنهم المخاطبون المأذونون بدخول الجنة ؛ لأنهم لا يعرفون أنهم مطمئنون إلا بعد الإذن لهم بدخول الجنة ، فالوصف مراد به الثناء والإيماء إلى وجه بناء الخبر ، وتبشير من وجه الخطاب إليهم بأنهم مطمئنون آمنون ، ويجوز أن يكون للتعريف أو التخصيص بأن يجعل الله إلهاما في قلوبهم يعرفون به أنهم مطمئنون . والاطمئنان : مجاز في طيب النفس وعدم ترددها في مصيرها بالاعتقاد الصحيح فيهم حين أيقنوا في الدنيا بأن ما جاءت به الرسل حق ، فذلك اطمئنان في الدنيا ومن أثره اطمئنانهم يوم القيامة حين يرون مخائل الرضى والسعادة نحوهم ويرون ضد ذلك نحو أهل الشقاء .

وقد فسر الاطمئنان : بيقين وجود الله ووحدانيته ، وفسر باليقين بوعد الله ، وبالإخلاص في العمل ، ولا جرم أن ذلك كله من مقومات الاطمئنان المقصود ، فمجموعه مراد وأجزاؤه مقصودة ، وفسر بتبشيرهم بالجنة ، أي قبل ندائهم ثم نودوا بأن يدخلوا الجنة .

والرجوع يحتمل الحقيقة والمجاز كما علمت من الوجوه المتقدمة في معنى الآية .

والراضية : التي رضيت بما أعطيته من كرامة ، وهو كناية عن إعطائها كل ما تطمح إليه .

والمرضية : اسم مفعول ، وأصله : مرضيا عنها ، فوقع فيه الحذف والإيصال ، فصار نائب فاعل بدون حرف الجر ، والمقصود من هذا الوصف زيادة الثناء مع الكناية عن الزيادة في إفاضة الإنعام ; لأن المرضي عنه يزيده الراضي عنه من الهبات والعطايا فوق ما رضي به هو .

وفرع على هذه البشرى الإجمالية تفصيل ذلك بقوله : ( فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) فهو تفصيل بعد الإجمال لتكرير إدخال السرور على أهلها .

والمعنى : ادخلي في زمرة عبادي . والمراد العباد الصالحون بقرينة مقام الإضافة مع قرنه بقوله : ( جنتي ) . ومعنى هذا كقوله تعالى : ( لندخلنهم في الصالحين ) .

[ ص: 344 ] فالظرفية حقيقة وتئول إلى معنى المعية كقوله تعالى : ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) .

وإضافة جنة إلى ضمير الجلالة إضافة تشريف كقوله : ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) .

وهذه الإضافة هي مما يزيد الالتفات إلى ضمير التكلم حسنا بعد طريقة الغيبة بقوله : ( ارجعي إلى ربك ) .

وتكرير فعل ( وادخلي ) فلم يقل : فادخلي جنتي في عبادي ؛ للاهتمام بالدخول بخصوصه تحقيقا للمسرة لهم .

EL Mister
22-06-09, 15:04
بسم الله الرحمن الرحيم

( هل أتاك حديث الغاشية ( 1 ) وجوه يومئذ خاشعة ( 2 ) عاملة ناصبة ( 3 ) تصلى نارا حامية ( 4 ) تسقى من عين آنية ( 5 ) ليس لهم طعام إلا من ضريع ( 6 ) لا يسمن ولا يغني من جوع ( 7 ) وجوه يومئذ ناعمة ( 8 ) لسعيها راضية ( 9 ) في جنة عالية ( 10 ) لا تسمع فيها لاغية ( 11 ) فيها عين جارية ( 12 ) فيها سرر مرفوعة ( 13 ) وأكواب موضوعة ( 14 ) ونمارق مصفوفة ( 15 ) وزرابي مبثوثة ( 16 ) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ( 17 ) وإلى السماء كيف رفعت ( 18 ) وإلى الجبال كيف نصبت ( 19 ) وإلى الأرض كيف سطحت ( 20 ) فذكر إنما أنت مذكر ( 21 ) لست عليهم بمسيطر ( 22 ) إلا من تولى وكفر ( 23 ) فيعذبه الله العذاب الأكبر ( 24 ) إن إلينا إيابهم ( 25 ) ثم إن علينا حسابهم ( 26 ) )



مقدمة

سميت في المصاحف والتفاسير ( سورة الغاشية ) . وكذلك عنونها الترمذي في كتاب التفسير من جامعه ، لوقوع لفظ ( الغاشية ) في أولها .

وثبت في السنة تسميتها ( هل أتاك حديث الغاشية ) ، ففي الموطأ أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير : بم كان رسول الله يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة ؟ قال : هل أتاك حديث الغاشية . وهذا ظاهر في التسمية ; لأن السائل سأل عما يقرأ مع سورة الجمعة ، فالمسئول عنه السورة الثانية ، وبذلك عنونها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه .

وربما سميت ( سورة هل أتاك ) بدون كلمة ( حديث الغاشية ) . وبذلك عنونها ابن عطية في تفسيره وهو اختصار .

وهي مكية بالاتفاق .

وهي معدودة السابعة والستين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الذاريات وقبل سورة الكهف .

وآياتها ست وعشرون .


أغراض السورة

اشتملت هذه السورة على تهويل يوم القيامة وما فيه من عقاب قوم مشوهة حالتهم ، ومن ثواب قوم ناعمة حالتهم وعلى وجه الإجمال المرهب أو المرغب .

والإيماء إلى ما يبين ذلك الإجمال كله بالإنكار على قوم لم يهتدوا بدلالة [ ص: 294 ] مخلوقات من خلق الله وهي نصب أعينهم ، على تفرده بالإلهية ، فيعلم السامعون أن الفريق المهدد هم المشركون .

وعلى إمكان إعادته بعض مخلوقاته خلقا جديدا بعد الموت يوم البعث .

وتثبيت النبيء صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الإسلام وأن لا يعبأ بإعراضهم .

وأن وراءهم البعث فهم راجعون إلى الله فهو مجازيهم على كفرهم وإعراضهم .


هل أتاك حديث الغاشية ( 1 )


الافتتاح بالاستفهام عن بلوغ خبر الغاشية مستعمل في التشويق إلى معرفة هذا الخبر لما يترتب عليه من الموعظة .

وكون الاستفهام بـ هل المفيدة معنى قد فيه مزيد تشويق فهو استفهام صوري يكنى به عن أهمية الخبر بحيث شأنه أن يكون بلغ السامع ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : هل أتاك نبأ الخصم في سورة ص . وقوله : هل أتاك حديث موسى في سورة النازعات .

وتقدم هنالك إطلاق فعل الإتيان على فشو الحديث .

وتعريف ما أضيف إليه ( حديث ) بوصفه ( الغاشية ) الذي يقتضي موصوفا لم يذكر هو إبهام لزيادة التشويق إلى بيانه الآتي ليتمكن الخبر في الذهن كمال تمكن .

والحديث : الخبر المتحدث به وهو فعيل بمعنى مفعول ، أو الخبر الحاصل بحدثان ، أي : ما حدث من أحوال . وتقدم في سورة النازعات .

والغاشية : مشتقة من الغشيان وهو تغطية متمكنة وهي صفة أريد بها حادثة القيامة ، سميت غاشية على وجه الاستعارة لأنها إذا حصلت لم يجد الناس مفرا من أهوالها ، فكأنها غاش يغشى على عقولهم . ويطلق الغشيان على غيبوبة العقل ، فيجوز أن يكون وصف الغاشية مشتقا منه ، ففهم من هذا أن الغاشية صفة لمحذوف يدل عليه السياق وتأنيث الغاشية لتأويلها بالحادثة ولم يستعملوها إلا مؤنثة اللفظ [ ص: 295 ] والتأنيث كثير في نقل الأوصاف إلى الاسمية مثل الداهية والطامة والصاخة والقارعة والآزفة .

والغاشية هنا : علم بالغلبة على ساعة القيامة كما يؤذن بذلك قوله عقبه وجوه يومئذ أي : يوم الغاشية .


وجوه يومئذ خاشعة ( 2 ) عاملة ناصبة ( 3 ) تصلى نارا حامية ( 4 ) تسقى من عين آنية ( 5 ) ليس لهم طعام إلا من ضريع ( 6 ) لا يسمن ولا يغني من جوع ( 7 )

وجوه مبتدأ وخاشعة خبر والجملة بيان لحديث الغاشية كما يفيده الظرف من قوله : يومئذ فإن ما صدقه هو يوم الغاشية . ويكون تنكير وجوه مبتدأ قصد منه النوع .

و ( خاشعة ، عاملة ، ناصبة ) أخبار ثلاثة عن وجوه ، والمعنى : أناس خاشعون إلخ .

فالوجوه كناية عن أصحابها ، إذ يكنى بالوجه عن الذات كقوله تعالى : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . وقرينة ذلك هنا قوله بعده ليس لهم طعام إلا من ضريع إذ جعل ضمير الوجوه جماعة العقلاء .

وأوثرت الوجوه بالكناية عن أصحابها هنا وفي مثل هذا المقام ; لأن حالة الوجوه تنبئ عن حالة أصحابها ، إذ الوجه عنوان عما يجده صاحبه من نعيم أو شقوة ، كما يقال : خرج بوجه غير الوجه الذي دخل به .

وتقدم في قوله تعالى : وجوه يومئذ مسفرة الآية في سورة عبس .

ويجوز أن يجعل إسناد الخشوع والعمل والنصب إلى وجوه من قبيل المجاز العقلي ، أي : أصحاب وجوه .

ويتعلق يومئذ بـ ( خاشعة ) قدم على متعلقه للاهتمام بذلك اليوم ولما كانت إذ من الأسماء التي تلزم الإضافة إلى جملة فالجملة المضاف إليها إذ [ ص: 296 ] محذوفة عوض عنها التنوين ، ويدل عليها ما في اسم الغاشية من لمح أصل الوصفية ; لأنها بمعنى التي تغشى الناس فتقدير الجملة المحذوفة يوم إذ تغشى الغاشية .

أو يدل على الجملة سياق الكلام فتقدر الجملة : يوم إذ تحدث أو تقع .

وخاشعة : ذليلة يطلق الخشوع على المذلة قال تعالى : وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل وقال : خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة .

والعاملة : المكلفة العمل من المشاق يومئذ . وناصبة : من النصب وهو التعب .

وأوثر وصف خاشعة وعاملة وناصبة تعريضا بأهل الشقاء بتذكيرهم بأنهم تركوا الخشوع لله والعمل بما أمر به والنصب في القيام بطاعته ، فجزائهم خشوع ومذلة ، وعمل مشقة ، ونصب إرهاق .

وجملة تصلى نارا حامية خبر رابع عن وجوه . ويجوز أن تكون حالا ، يقال : صلي يصلى ، إذ أصابه حر النار ، وعليه فذكر نارا بعد تصلى لزيادة التهويل والإرهاب وليجرى على نارا وصف حامية .

وقرأ الجمهور تصلى بفتح التاء أي : يصيبها صلي النار . وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب تصلى بضم التاء من أصلاه النار بهمزة التعدية إذا أناله حرها .

ووصف النار بـ حامية لإفادة تجاوز حرها المقدار المعروف ; لأن الحمي من لوازم ماهية النار فلما وصفت بـ حامية كان دالا على شدة الحمى قال تعالى : نار الله الموقدة .

وأخبر عن وجوه خبرا خامسا بجملة تسقى من عين آنية أو هو حال من ضمير تصلى ; لأن ذكر الاحتراق بالنار يحضر في الذهن تطلب إطفاء حرارتها بالشراب فجعل شرابهم من عين آنية .

[ ص: 297 ] يقال : أنى إذا بلغ شدة الحرارة ، ومنه قوله تعالى : يطوفون بينها وبين حميم آن في سورة الرحمن .

وذكر السقي يخطر في الذهن تطلب معرفة ما يطعمونه فجيء به خبرا سادسا أو حالا من ضمير تسقى بجملة ليس لهم طعام إلا من ضريع ، أي : يطعمون طعام إيلام وتعذيب لا نفع فيه لهم ولا يدفع عنهم ألما .

وجملة ليس لهم طعام إلخ خبر سادس عن وجوه .

وضمير لهم عائد إلى وجوه باعتبار تأويله بأصحاب الوجوه ولذلك جيء به ضمير جماعة المذكر . والتذكير تغليب للذكور على الإناث .

والضريع : يابس الشبرق بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة وكسر الراء وهو نبت ذو شوك إذا كان رطبا ، فإذا يبس سمي ضريعا وحينئذ يصير مسموما وهو مرعى للإبل ولحمر الوحش إذا كان رطبا ، فما يعذب بأهل النار بأكله شبه بالضريع في سوء طعمه وسوء مغبته .

وقيل : الضريع اسم سمى القرآن به شجرا في جهنم وأن هذا الشجر هو الذي يسيل منه الغسلين الوارد في قوله تعالى : فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين وعليه فحرف من للابتداء ، أي : ليس لهم طعام إلا ما يخرج من الضريع والخارج هو الغسلين وقد حصل الجمع بين الآيتين : ووصف ضريع بأنه لا يسمن ولا يغني من جوع لتشويهه وأنه تمحض للضر فلا يعود على آكليه بسمن يصلح بعض ما التفح من أجسادهم ، ولا يغني عنهم دفع ألم الجوع ، ولعل الجوع من ضروب تعذيبهم فيسألون الطعام فيطعمون الضريع فلا يدفع عنهم ألم الجوع .

والسمن ، بكسر السين وفتح الميم : وفرة اللحم والشحم للحيوان يقال : أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن .

والإغناء : الإكفاء ودفع الحاجة . ومن جوع متعلق بـ يغني وحرف من لمعنى البدلية ، أي : غناء بدلا عن الجوع .

[ ص: 298 ] والقصر المستفاد من قوله : ليس لهم طعام إلا من ضريع مع قوله تعالى : ولا طعام إلا من غسلين يؤيد أن الضريع اسم شجر جهنم يسيل منه الغسلين .


وجوه يومئذ ناعمة ( 8 ) لسعيها راضية ( 9 ) في جنة عالية ( 10 )

يتبادر في بادئ الرأي أن حق هذه الجملة أن تعطف على جملة وجوه يومئذ خاشعة بالواو لأنها مشاركة لها في حكم البيان لحديث الغاشية كما عطفت جملة ووجوه يومئذ عليها غبرة على جملة وجوه يومئذ مسفرة في سورة عبس . فيتجه أن يسأل عن وجه فصلها عن التي قبلها ، ووجه الفصل التنبيه على أن المقصود من الاستفهام في هل أتاك حديث الغاشية الإعلام بحال المعرض بتهديدهم وهم أصحاب الوجوه الخاشعة ، فلما حصل ذلك الإعلام بجملة وجوه يومئذ خاشعة إلى آخرها تم المقصود ، فجاءت الجملة بعدها مفصولة ; لأنها جعلت استئنافا بيانيا جوابا عن سؤال مقدر تثيره الجملة السابقة فيتساءل السامع : هل من حديث الغاشية ما هو مغاير لهذا الهول ؟ أي : ما هو أنس ونعيم لقوم آخرين .

ولهذا النظم صارت هذه الجملة بمنزلة الاستطراد والتتميم ، لإظهار الفرق بين حالي الفريقين ولتعقيب النذارة بالبشارة فموقع هذه الجملة المستأنفة موقع الاعتراض ولا تنافي بين الاستئناف والاعتراض وذلك موجب لفصلها عما قبلها . وفيه جري القرآن على سننه من تعقيب الترهيب والترغيب .

فأما الجملتان اللتان في سورة عبس فلم يتقدمهما إبهام لأنهما متصلتان معا بالظرف وهو فإذا جاءت الصاخة .

وقد علم من سياق توجيه الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الوجوه الأولى وجوه المكذبين بالرسول والوجوه المذكورة بعدها وجوه المؤمنين المصدقين بما جاء به .

[ ص: 299 ] والقول في تنكير ( وجوه ) ، والمراد بها ، والإخبار عنها بما بعدها ، كالقول في الآيات التي سبقتها .

وناعمة : خبر عن وجوه . يجوز أن يكون مشتقا من نعم بضم العين ينعم بضمها الذي مصدره نعومة وهي اللين وبهجة المرأى وحسن المنظر . ويجوز أن يكون مشتقا من نعم بكسر العين ينعم مثل حذر ، إذا كان ذا نعمة ، أي : حسن العيش والترف .

ويتعلق لسعيها بقوله : راضية ، وراضية خبر ثان عن وجوه .

والمراد بالسعي : العمل الذي يسعاه المرء ليستفيد منه . وعبر به هنا مقابل قوله في ضده عاملة .

والرضى : ضد السخط ، أي : هي حامدة ما سعته في الدنيا من العمل الذي هو امتثال ما أمر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .

والمجرور في قوله : في جنة عالية خبر ثالث عن وجوه .

والجنة أريد به مجموع دار الثواب الصادق بجنات كثيرة أو أريد به الجنس مثل علمت نفس .

ووصف الجنة بـ عالية لزيادة الحسن ; لأن أحسن الجنات ما كان في المرتفعات ، قال تعالى : كمثل جنة بربوة فذلك يزيد حسن باطنها بحسن ما يشاهده الكائن فيها من مناظر ، وهذا وصف شامل لحسن موقع الجنة .


لا تسمع فيها لاغية ( 11 )

اللاغية : مصدر بمعنى اللغو مثل الكاذبة للكذب . والخائنة والعافية ، أي : لا يسمع فيها لغو ، أو هو وصف لموصوف مقدر التأنيث ، أي : كلمة لاغية لما دل عليه لاغية من أنها كلمات ، ووصف الكلمة بذلك مجاز عقلي ; لأن اللاغي صاحبها .

[ ص: 300 ] ونفي سماع لاغية مكنى به عن انتفاء اللغو في الجنة من باب :


ولا ترى الضب بها ينجحر


أي : لا ضب بها ، إذ الضب لا يخلو من الانجحار .

واللغو : الكلام الذي لا فائدة له ، وهذا تنبيه على أن الجنة دار جد وحقيقة فلا كلام فيها إلا لفائدة ; لأن النفوس فيها تخلصت من النقائص كلها فلا يلذ لها إلا الحقائق والسمو العقلي والخلقي ، ولا ينطقون إلا ما يزيد النفوس تزكية .

وجملة لا تسمع فيها لاغية صفة ثانية لـ جنة ترك عطفها على الصفة التي قبلها ; لأن النعوت المتعددة يجوز أن تعطف ويجوز أن تفصل دون عطف قال في التسهيل : ويجوز عطف بعض النعوت على بعض وقال المرادي في شرحه نحو قوله تعالى : الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى . وقال : ولا يعطف إلا بالواو ما لم يكن ترتيب : فبالفاء كقوله :


يا لهف زيابة للحارب ال صابح فالغانـم فـالآيب


قال السهيلي : والعطف بـ ثم جوازه بعيد . اهـ . قال الدماميني : وكذا في الجمل مررت برجل يحفظ القرآن ويعرف الفقه ويتقي إلى الله ، قال : ونص الواحدي في قوله تعالى : لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم . أن لا يألونكم وما بعده من الجمل أي : الثلاث لا يكون صفات ، لعدم العاطف ، لكن ظاهر سكوت الجمهور عن وجوب العطف يشعر بجوازه فيها أي : الجمل كالمفردات اهـ .

ابتدئ في تعداد صفات الجنة بصفتها الذاتية وهو كونها عالية ، وثني بصفة تنزيهها عما يعد من نقائص مجامع الناس ومساكن الجماعات وهو الغوغاء واللغو ، وقد جردت هذه الجملة من أن تعطف على عالية مراعاة لعدم التناسب بين المفردات والجمل وذلك حقيق بعدم العطف ; لأنه أشد من كمال الانقطاع في عطف الجمل .

وهذا وصف للجنة بحسن سكانها .

[ ص: 301 ] وقرأ نافع لا تسمع بمثناة فوقية مضمومة ولاغية نائب فاعل ، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بمثناة تحتية مضمومة وبرفع لاغية أيضا فأجري الفعل على التذكير ; لأن لاغية ليس حقيقي التأنيث وحسنه وقوع الفصل بين الفعل وبين المسند إليه ، وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وروح عن يعقوب بفتح المثناة الفوقية وبنصب ( لاغية ) ، والتاء لخطاب غير المعين .



فيها عين جارية ( 12 )

صفة ثالثة لـ جنة . فالمراد *** العيون كقوله تعالى : علمت نفس ما أحضرت ، أي : علمت النفوس ، وهذا وصف للجنة باستكمالها محاسن الجنات قال تعالى : أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا .

وإنما لم تعطف على الجملة التي قبلها لاختلافهما بالفعلية في الأولى والاسمية في الثانية ، وذلك الاختلاف من محسنات الفصل ولأن جملة لا تسمع فيها لاغية مقصود منها التنزه عن النقائص وجملة فيها عين جارية مقصود منها إثبات بعض محاسنها .


فيها سرر مرفوعة ( 13 ) وأكواب موضوعة ( 14 ) ونمارق مصفوفة ( 15 ) وزرابي مبثوثة ( 16 )

صفة رابعة لجنة .

وأعيد قوله : فيها دون أن يعطف سرر على عين عطف المفردات ; لأن عطف السرر على عين يبدو نابيا عن الذوق لعد الجامع بين عين الماء والسرر في الذهن لولا أن جمعها الكون في الجنة ، فلذلك كرر ظرف فيها تصريحا بأن تلك الظرفية هي الجامع ، ولأن بين ظرفية العين الجارية في الجنة وبين ظرفية السرر وما عطف عليه من متاع القصور والأثاث تفاوتا ولذلك عطف وأكواب ، ونمارق ، وزرابي ، لأنها متماثلة في أنها من متاع المساكن الفائقة .

[ ص: 302 ] وهذا وصف لمحاسن الجنة بمحاسن أثاث قصورها ، فضمير " فيها " عائد للجنة باعتبار أن ما في قصورها هو مظروف فيها بواسطة .

وسرر : جمع سرير ، وهو ما يجلس عليه ويضطجع فيسع الإنسان المضطجع . ويتخذ من خشب أو حديد له قوائم ليكون مرتفعا عن الأرض . ولما كان الارتفاع عن الأرض مأخوذا في مفهوم السرر كان وصفها بـ مرفوعة لتصوير حسنها .

والأكواب : جمع كوب بضم الكاف ، وهو إناء للخمر له ساق ولا عروة له . وموضوعة ، أي : لا ترفع من بين أيديهم كما ترفع آنية الشراب في الدنيا إذا بلغ الشاربون حد الاستطالة من تناول الخمر ، كني بـ موضوعة عن عدم انقطاع لذة الشراب طعما ونشوة ، أي : موضوعة بما فيها من أشربة .

وبين مرفوعة وموضوعة إيهام الطباق ; لأن حقيقة معنى الرفع ضد حقيقة معنى الوضع ، ولا تضاد بين مجاز الأول وحقيقة الثاني ولكنه إيهام التضاد .

والنمارق : جمع نمرقة بضم النون وسكون ميم بعدها راء مضمومة وهي الوسادة التي يتكئ عليها الجالس والمضطجع .

ومصفوفة : أي : جعل بعضها قريبا من بعض صفا ، أي : أينما أراد الجالس أن يجلس وجدها .

وزرابي : جمع زربية بفتح الزاي وسكون الراء وكسر الموحدة وتشديد الياء ، وهي البساط أو الطنفسة ( بضم الطاء ) المنسوج من الصوف الملون الناعم يفرش في الأرض للزينة والجلوس عليه لأهل الترف واليسار .

والزربية نسبة إلى ( أذربيجان ) بلد من بلاد فارس وبخارى ، فأصل زربية أذربية ، حذفت همزتها للتخفيف لثقل الاسم لعجمته واتصال ياء النسب به ، وذالها مبدلة عن الزاي في كلام العرب ; لأن اسم البلد في لسان الفرس أزربيجان بالزاي المعجمة بعدها راء مهملة وليس في الكلام الفارسي حرف الذال ، وبلد ( أذربيجان ) مشهور بنعومة صوف أغنامه . واشتهر أيضا بدقة صنع البسط والطنافس ورقة خملها .

[ ص: 303 ] والمبثوثة : المنتشرة على الأرض بكثرة وذلك يفيد كناية عن الكثرة .

وقد قوبلت صفات وجوه أهل النار بصفات وجوه أهل الجنة فقوبلت صفات ( خاشعة ، عاملة ، ناصبة ) بصفات ناعمة لسعيها راضية وقوبل قوله : تصلى نارا حامية بقوله في جنة عالية . وقوبل تسقى من عين آنية بقوله : فيها عين جارية ، وقوبل شقاء عيش أهل النار الذي أفاده قوله : ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع بمقاعد أهل الجنة المشعرة بترف العيش من شراب ومتاع .

وهذا وعد للمؤمنين بأن لهم في الجنة ما يعرفون من النعيم في الدنيا وقد علموا أن ترف الجنة لا يبلغه الوصف بالكلام وجمع ذلك بوجه الإجمال في قوله تعالى : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ولكن الأرواح ترتاح بمألوفاتها فتعطاها فتكون نعيم أرواح الناس في كل عصر ومن كل مصر في الدرجة القصوى مما ألفوه ولا سيما ما هو مألوف لجميع أهل الحضارة والترف وكانوا يتمنونه في الدنيا ثم يزادون من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .


أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ( 17 ) وإلى السماء كيف رفعت ( 18 ) وإلى الجبال كيف نصبت ( 19 ) وإلى الأرض كيف سطحت ( 20 )


لما تقدم التذكير بيوم القيامة ووصف حال أهل الشقاء بما وصفوا به ، وكان قد تقرر فيما نزل من القرآن أن أهل الشقاء هم أهل الإشراك بالله ، فرع على ذلك إنكار عليهم إعراضهم عن النظر في دلائل الوحدانية ، فالفاء في قوله : أفلا ينظرون تفريع التعليل على المعلل ; لأن فظاعة ذلك الوعيد تجعل المقام مقام استدلال على أنهم محقوقون بوجوبالنظر في دلائل الوحدانية التي هي أصل الاهتداء إلى تصديق ما أخبرهم به القرآن من البعث والجزاء ، وإلى الاهتداء إلى أن منشئ النشأة الأولى عن عدم بما فيها من عظيم الموجودات كالجبال والسماء ، لا يستبعد في جانب قدرته إعادة إنشاء الإنسان بعد فنائه عن عدم ، وهو دون [ ص: 304 ] تلك الموجودات العظيمة الأحجام ، فكان إعراضهم عن النظر مجلبة لما يجشمهم من الشقاوة وما وقع بين هذا التفريع وبين المفرع عنه من جملة وجوه يومئذ ناعمة كان في موقع الاعتراض كما علمت .

فضمير ينظرون عائد إلى معلوم من سياق الكلام .

والهمزة للاستفهام الإنكاري إنكارا عليهم إهمال النظر في الحال إلى دقائق صنع الله في بعض مخلوقاته .

والنظر : نظر العين المفيد الاعتبار بدقائق المنظور ، وتعديته بحرف ( إلى ) تنبيه على إمعان النظر ليشعر الناظر مما في المنظور من الدقائق ، فإن قولهم نظر إلى كذا أشد في توجيه النظر من نظر كذا ، لما في ( إلى ) من معنى الانتهاء حتى كأن النظر انتهى عند المجرور بـ ( إلى ) انتهاء تمكن واستقرار كما قال تعالى : فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك وقوله : إلى ربها ناظرة .

ولزيادة التنبيه على إنكار هذا الإهمال قيد فعل ينظرون بالكيفيات المعدودة في قوله : كيف خلقت ، كيف رفعت ، كيف نصبت ، كيف سطحت أي : لم ينظروا إلى دقائق هيئات خلقها .

وجملة كيف خلقت بدل اشتمال من الإبل والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو فعل ينظرون لا حرف الجر ، فإن حرف الجر آلة لتعدية الفعل إلى مفعوله فالفعل إن احتاج إلى حرف الجر في التعدية إلى المفعول لا يحتاج إليه في العمل في البدل ، وشتان بين ما يقتضيه إعمال المتبوع وما يقتضيه إعمال التابع فكل على ما يقتضيه معناه وموقعه ، فكيف منصوب على الحال بالفعل الذي يليه .

والمعنى والتقدير : أفلا ينظرون إلى الإبل هيئة خلقها .

وقد عدت أشياء أربعة هي من الناظرين ، عن كثب لا تغيب عن أنظارهم ، وعطف بعضها على بعض ، فكان اشتراكها في مرآهم جهة جامعة بينها بالنسبة إليهم ، فإنهم المقصودون بهذا الإنكار والتوبيخ ، فالذي حسن اقتران الإبل مع [ ص: 305 ] السماء والجبال والأرض في الذكر هنا ، هو أنها تنتظم في نظر جمهور العرب من أهل تهامة والحجاز ونجد وأمثالها من بلاد أهل الوبر والانتجاع .

فالإبل أموالهم ورواحلهم ، ومنها عيشهم ولباسهم ونسج بيوتهم وهي حمالة أثقالهم ، وقد خلقها الله خلقا عجيبا بقوة قوائمها ويسر بروكها لتيسير حمل الأمتعة عليها ، وجعل أعناقها طويلة قوية ليمكنها النهوض بما عليها من الأثقال بعد تحميلها أو بعد استراحتها في المنازل والمبارك ، وجعل في بطونها أمعاء تختزن الطعام والماء بحيث تصبر على العطش إلى عشرة أيام في السير في المفاوز مما يهلك فيما دونه غيرها من الحيوان .

وكم قد جرى ذكر الرواحل وصفاتها وحمدها في شعر العرب ولا تكاد تخلو قصيدة من طوالها عن وصف الرواحل ومزاياها . وناهيك بما في المعلقات وما في قصيدة كعب بن زهير .

والإبل : اسم جمع للبعران لا واحد له من لفظه ، وقد تقدم في قوله تعالى : ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما في سورة الأنعام .

وعن المبرد أنه فسر الإبل في هذه الآية بالأسحبة وتأوله الزمخشري بأنه لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب ، ولكنه أراد أنه من قبيل التشبيه ، أي : هو على نحو قول عنترة :


جادت عليه كل بكرة حرة فتركن كل قرارة كالدرهم


ونقل بهم إلى التدبر في عظيم خلق السماء إذ هم ينظرونها نهارهم وليلهم في إقامتهم وظعنهم ، يرقبون أنواء المطر ويشيمون لمع البروق ، فقد عرف العرب بأنهم بنو ماء السماء ، قال زيادة الحارثي ( على تردد لشراح الحماسة في تأويل قوله بنو ماء السماء ) :


ونحن بنو ماء السماء فلا نرى لأنفسنا من دون مملكة قصر


وفي كلام أبي هريرة وقد ذكر قصة هاجر ، فقال أبو هريرة في آخرها : " إنها لأمكم يا بني ماء السماء " ويتعرفون من النجوم ومنازل الشمس أوقات الليل والنهار ووجهة السير .

[ ص: 306 ] وأتبع ذكر السماء بذكر الجبال وكانت الجبال منازل لكثير منهم مثل جبلي أجأ وسلمى لطي . وينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف ويتخذون فيها مراقب للحراسة .

والنصب : الرفع أي : كيف رفعت وهي مع ارتفاعها ثابتة راسخة لا تميل .

ثم نزل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم ، وقد سطحها الله ، أي : خلقها ممهدة للمشي والجلوس والاضطجاع . ومعنى سطحت : يقال سطح الشيء إذا سواه ومنه سطح الدار .

والمراد بالأرض أرض كل قوم لا مجموع الكرة الأرضية .

وبنيت الأفعال الأربعة إلى المجهول للعلم بفاعل ذلك .


فذكر إنما أنت مذكر ( 21 ) لست عليهم بمسيطر ( 22 ) إلا من تولى وكفر ( 23 ) فيعذبه الله العذاب الأكبر ( 24 )

الفاء فصيحة تفريع على محصل ما سبق من أول السورة الذي هو التذكير بالغاشية وما اتصل به من ذكر إعراضهم وإنذارهم ، رتب على ذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدوام على تذكيرهم ، وأنه لا يؤيسه إصرارهم على الإعراض وعدم ادكارهم بما ألقى إليهم من المواعظ ، وتثبيته بأنه لا تبعة عليه من عدم إصغائهم إذ لم يبعث ملجئا لهم على الإيمان .

فالأمر مستعمل في طلب الاستمرار والدوام .

ومفعول ذكر محذوف هو ضمير يدل عليه قوله بعده لست عليهم بمصيطر .

وجملة إنما أنت مذكر تعليل للأمر بالدوام على التذكير مع عدم إصغائهم ; لأن إنما مركبة من إن وما وشأن إن إذا وردت بعد جملة أن تفيد التعليل وتغني غناء فاء التسبب ، واتصال ما الكافة بها لا يخرجها عن مهيعها .

والقصر المستفاد بـ إنما قصر إضافي ، أي : أنت مذكر لست وكيلا على [ ص: 307 ] تحصيل تذكرهم فلا تتحرج من عدم تذكرهم ، فأنت غير مقصر في تذكيرهم ، وهذا تطمين لنفسه الزكية .

وجملة لست عليهم بمصيطر بدل اشتمال من جملة القصر باعتبار جانب النفي الذي يفيده القصر .

والمصيطر : المجبر المكره .

يقال : صيطر بصاد في أوله ، ويقال : سيطر بسين في أوله والأشهر بالصاد . وتقدم في سورة الطور أم هم المسيطرون وقرأ بها الجمهور وقرأ هشام عن ابن عامر بالسين وقرأه حمزة بإشمام الصاد صوت الزاي .

ونفي كونه مصيطرا عليهم خبر مستعمل في غير الإخبار ; لأن النبيء صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لم يكلف بإكراههم على الإيمان ، فالخبر بهذا النفي مستعمل كناية عن التطمين برفع التبعة عنه من جراء استمرار أكثرهم على الكفر ، فلا نسخ لحكم هذه الآية بآيات الأمر بقتالهم .

ثم جاء وجوب القتال بتسلسل حوادث كان المشركون هم البادئين فيها بالعدوان على المسلمين ، إذ أخرجوهم من ديارهم ، فشرع قتال المشركين لخضد شوكتهم وتأمين المسلمين من طغيانهم .

ومن الجهلة من يضع قوله : لست عليهم بمصيطر في غير موضعه ويحيد به عن مهيعه فيريد أن يتخذه حجة على حرية التدين بين جماعات المسلمين ، وشتان بين أحوال أهل الشرك وأحوال جامعة المسلمين ، فمن يلحد في الإسلام بعد الدخول فيه يستتاب ثلاثا فإن لم يتب قتل ، وإن لم يقدر عليه فعلى المسلمين أن ينبذوه من جامعتهم ويعاملوه معاملة المحارب ، وكذلك من جاء بقول أو عمل يقتضي نبذ الإسلام أو إنكار ما هو من أصول الدين بالضرورة بعد أن يوقف على مآل قوله أو عمله فيلتزمه ولا يتأوله بتأويل مقبول ويأبى الانكفاف .

وتقديم عليهم على متعلقه وهو مسيطر للرعاية على الفاصلة .

وقوله : إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر معترض بين جملة لست عليهم بمصيطر وجملة إن إلينا إيابهم [ ص: 308 ] والمقصود من هذا الاعتراض الاحتراس من توهمهم أنهم أصبحوا آمنين من المؤاخذة على عدم التذكر .

فحرف إلا للاستثناء المنقطع وهو بمعنى الاستدراك .

والمعنى : لكن من تولى عن التذكر ودام على كفره يعذبه الله العذاب الشديد .

ودخلت الفاء في الخبر وهو فيعذبه الله إذ كان الكلام استدراكا وكان المبتدأ موصولا ، فأشبه بموقعه وبعمومه الشروط فأدخلت الفاء في جوابه ومثله كثير كقوله تعالى : والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم . والأكبر : مستعار للقوي المتجاوز حد أنواعه .


إن إلينا إيابهم ( 25 ) ثم إن علينا حسابهم ( 26 )


تعليل لجملة لست عليهم بمصيطر أي : لست مكلفا بجبرهم على التذكر والإيمان لأنا نحاسبهم حين رجوعهم إلينا في دار البقاء . وقد جاء حرف ( إن ) على استعماله المشهور ، إذا جيء به لمجرد الاهتمام دون رد إنكار ، فإنه يفيد مع ذلك تعليلا وتسببا كما تقدم غير مرة ، وتقدم عند قوله : إنك أنت العليم الحكيم في سورة البقرة .

والإياب : بتخفيف الياء الأوب ، أي : الرجوع إلى المكان الذي صدر عنه . أطلق على الحضور في حضرة القدس يوم الحشر تشبيها له بالرجوع إلى المكان الذي خرج منه بملاحظة أن الله خالق الناس خلقهم الأول ، فشبهت إعادة خلقهم وإحضارهم لديه برجوع المسافر إلى مقره كما قال تعالى : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك .

وتقديم خبر ( إن ) على اسمها يظهر أنه لمجرد الاهتمام تحقيقا لهذا الرجوع لأنهم ينكرونه ، وتنبيها على إمكانه بأنه رجوع إلى الذي أنشأهم أول مرة .

ونقل الكلام من أسلوب الغيبة في قوله : فيعذبه الله إلى أسلوب التكلم بقوله : إلينا على طريقة الالتفات .

[ ص: 309 ] وقرأ أبو جعفر إيابهم بتشديد الياء . فعن ابن جني هو مصدر على وزن فيعال مصدر : أيب بوزن فيعل من الأوب مثل حوقل ، فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فقيل : إياب .

وعطفت جملة إن علينا حسابهم بحرف ثم لإفادة التراخي الرتبي فإن حسابهم هو الغرض من إيابهم وهو أوقع في تهديدهم على التولي .

ومعنى على من قوله : علينا حسابهم أن حسابهم لتأكده في حكمة الله يشبه الحق الذي فرضه الله على نفسه .

وهذه الجملة هي المقصود من التعليل التي قبلها بمعنى التمهيد لها والإدماج لإثبات البعث ، وفي ذلك إيذان بأن تأخير عقابهم إمهال فلا يحسبوه انفلاتا من العقاب .

EL Mister
22-06-09, 16:02
بسم الله الرحمن الرحيم

سبح اسم ربك الأعلى ( 1 ) الذي خلق فسوى ( 2 ) والذي قدر فهدى ( 3 ) والذي أخرج المرعى ( 4 ) فجعله غثاء أحوى ( 5 ) سنقرئك فلا تنسى ( 6 ) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ( 7 ) ونيسرك لليسرى ( 8 ) فذكر إن نفعت الذكرى ( 9 ) سيذكر من يخشى ( 10 ) ويتجنبها الأشقى ( 11 ) الذي يصلى النار الكبرى ( 12 ) ثم لا يموت فيها ولا يحيا ( 13 ) قد أفلح من تزكى ( 14 ) وذكر اسم ربه فصلى ( 15 ) بل تؤثرون الحياة الدنيا ( 16 ) والآخرة خير وأبقى ( 17 ) إن هذا لفي الصحف الأولى ( 18 ) صحف إبراهيم وموسى ( 19 ) )


مقدمة

هذه السورة وردت تسميتها في السنة سورة ( سبح اسم ربك الأعلى ) ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال : قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول ، فشكاه بعض من صلى خلفه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم ، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم : أفتان أنت يا معاذ أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى والضحى اهـ .

وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال : ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور مثلها .

وروى الترمذي عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد ويوم الجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية .

وسمتها عائشة ( سبح ) . روى أبو داود والترمذي عنها : كان النبيء يقرأ في الوتر في الركعة الأولى ( سبح ) الحديث . فهذا ظاهر في أنها أرادت التسمية لأنها لم تأت بالجملة القرآنية كاملة ، وكذلك سماها البيضاوي وابن كثير ; لأنها اختصت بالافتتاح بكلمة سبح بصيغة الأمر .

وسماها أكثر المفسرين وكتاب المصاحف ( سورة الأعلى ) لوقوع صفة الأعلى فيها دون غيرها .

وهي مكية في قول الجمهور وحديث البراء بن عازب الذي ذكرناه آنفا يدل عليه ، وعن ابن عمر وابن عباس أن قوله تعالى : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى نزل في صلاة العيد وصدقة الفطر ، أي : فهما مدنيتان فتكون السورة بعضها مكي وبعضها مدني .

وعن الضحاك أن السورة كلها مدنية .

[ ص: 272 ] وما اشتملت عليه من المعاني يشهد لكونها مكية ، وحسبك بقوله تعالى : سنقرئك فلا تنسى .

وهي معدودة ثامنة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد نزلت بعد سورة التكوير وقبل سورة الليل . وروي عن ابن عباس وعكرمة والحسن أنها سابعة ، قالوا : أول ما نزل من القرآن : اقرأ باسم ربك ، ثم ن ، ثم المزمل ، ثم تبت ، ثم إذا الشمس كورت ، ثم سبح اسم ربك . وأما جابر بن زيد فعد الفاتحة بعد المدثر ، ثم عد البقية ، فهي عنده الثامنة ، فهي من أوائل السور وقوله تعالى : سنقرئك فلا تنسى ينادي على ذلك .

وعدد آيها تسع عشرة آية باتفاق أهل العدد .


أغراض السورة

اشتملت على تنزيه الله تعالى والإشارة إلى وحدانيته لانفراده بخلق الإنسان وخلق ما في الأرض مما فيه بقاؤه .

وعلى تأييد النبيء صلى الله عليه وسلم وتثبيته على تلقي الوحي .

وأن الله معطيه شريعة سمحة وكتابا يتذكر به أهل النفوس الزكية الذين يخشون ربهم ، ويعرض عنهم أهل الشقاوة الذين يؤثرون الحياة الدنيا ولا يعبئون بالحياة الأبدية .

وأن ما أوحي إليه يصدقه ما في كتب الرسل من قبله وذلك كله تهوين لما يلقاه من إعراض المشركين .


سبح اسم ربك الأعلى ( 1 ) الذي خلق فسوى ( 2 ) والذي قدر فهدى ( 3 ) والذي أخرج المرعى ( 4 ) فجعله غثاء أحوى ( 5 )

الافتتاح بأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بأن يسبح اسم ربه بالقول ، يؤذن بأنه سيلقي إليه عقبه بشارة وخيرا له ، وذلك قوله : سنقرئك فلا تنسى الآيات كما سيأتي ففيه براعة استهلال .

[ ص: 273 ] والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم .

والتسبيح : التنزيه عن النقائص ، وهو من الأسماء التي لا تضاف لغير اسم الله تعالى ، وكذلك الأفعال المشتقة منه لا ترفع ولا تنصب على المفعولية إلا ما هو اسم لله ، وكذلك أسماء المصدر منه نحو : سبحان الله . وهو من المعاني الدينية ، فأشبه أنه منقول إلى العربية من العبرانية وقد تقدم عند قوله تعالى : ونحن نسبح بحمدك في سورة البقرة .

وإذ عدي فعل الأمر بالتسبيح هنا إلى اسم فقد تعين أن المأمور به قول دال على تنزيه الله بطريقة إجراء الأخبار الطيبة ، أو التوصيف بالأوصاف المقدسة لإثباتها إلى ما يدل على ذاته تعالى من الأسماء والمعاني ، ولما كان أقوالا كانت متعلقة باسم الله باعتبار دلالته على الذات ، فالمأمور به إجراء الأخبار الشريفة والصفات الرفيعة على الأسماء الدالة على الله تعالى من أعلام وصفات ونحوها ، وذلك آيل إلى تنزيه المسمى بتلك الأسماء . ولهذا يكثر في القرآن إناطة التسبيح بلفظ اسم الله ، نحو قوله : فسبح باسم ربك العظيم وقد تقدم ذلك في مبحث الكلام على البسملة في أول هذا التفسير .

فتسبيح اسم الله النطق بتنزيهه في الخويصة ، وبين الناس بذكر يليق بجلاله من العقائد والأعمال كالسجود والحمد . ويشمل ذلك استحضار الناطق بألفاظ التسبيح معاني تلك الألفاظ إذ المقصود من الكلام معناه . وبتظاهر النطق مع استحضار المعنى يتكرر المعنى على ذهن المتكلم ويتجدد ما في نفسه من تعظيم الله تعالى .

وأما تفكر العبد في عظمة الله تعالى وترديد تنزيهه في ذهنه فهو تسبيح لذات الله ومسمى اسمه ، ولا يسمى تسبيح اسم الله ; لأن ذلك لا يجري على لفظ من أسماء الله تعالى ، فهذا تسبيح ذات الله وليس تسبيحا لاسمه .

وهذا ملاك التفرقة بين تعلق لفظ التسبيح بلفظ اسم الله نحو سبح اسم ربك ، وبين تعلقه بدون اسم نحو ومن الليل فاسجد له وسبحه ونحو ويسبحونه وله يسجدون فإذا قلنا الله أحد أو قلنا هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام إلى آخر السورة كان ذلك تسبيحا لاسمه [ ص: 274 ] تعالى ، وإذا نفينا الإلاهية عن الأصنام لأنها لا تخلق كما في قوله تعالى : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له كان ذلك تسبيحا لذات الله لا لاسمه ; لأن اسمه لم يجر عليه في هذا الكلام إخبار ولا توصيف .

فهذا مناط الفرق بين استعمال سبح اسم ربك واستعمال وسبحه ومآل الإطلاقين في المعنى واحد ; لأن كلا الإطلاقين مراد به الإرشاد إلى معرفة أن الله منزه عن النقائص .

واعلم أن مما يدل على إرادة التسبيح بالقول وجود قرينة في الكلام تقتضيه ، مثل التوقيت بالوقت في قوله تعالى : وسبحوه بكرة وأصيلا فإن الذي يكلف بتوقيته هو الأقوال والأفعال دون العقائد ، ومثل تعدية الفعل بالباء مثل قوله تعالى : وسبحوا بحمد ربهم فإن الحمد قول فلا يصاحب إلا قولا مثله .

وتعريف اسم بطريقة الإضافة إلى ربك دون تعريفه بالإضافة إلى علم الجلالة نحو : سبح اسم الله ، لما يشعر به وصف رب من أنه الخالق المدبر . وأما إضافة رب إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم فلتشريفه بهذه الإضافة وأن يكون له حظ زائد على التكليف بالتسبيح .

ثم أجري على لفظ ربك صفة الأعلى وما بعدها من الصلات الدالة على تصرفات قدرته ، فهو مستحق للتنزيه لصفات ذاته ولصفات إنعامه على الناس بخلقهم في أحسن تقويم ، وهدايتهم ، ورزقهم ، ورزق أنعامهم ، للإيماء إلى موجب الأمر بتسبيح اسمه بأنه حقيق بالتنزيه استحقاقا لذاته ولوصفه بصفة أنه خالق المخلوقات خلقا يدل على العلم والحكمة وإتقان الصنع ، وبأنه أنعم بالهدى والرزق اللذين بهما استقامة حال البشر في النفس والجسد وأوثرت الصفات الثلاث الأول لما لها من المناسبة لغرض السورة كما سنبينه .

فلفظ الأعلى اسم يفيد الزيادة في صفة العلو ، أي : الارتفاع . والارتفاع معدود في عرف الناس من الكمال ، فلا ينسب العلو بدون تقييد إلا إلى شيء غير مذموم في العرف ، ولذلك إذا لم يذكر مع وصف الأعلى مفضل عليه أفاد التفضيل المطلق كما في وصفه تعالى هنا ، ولهذا حكي عن فرعون أنه قال : أنا ربكم الأعلى .

[ ص: 275 ] والعلو المشتق منه وصفه تعالى الأعلى علو مجازي ، وهو الكمال التام الدائم .

ولم يعد وصفه تعالى الأعلى في عداد الأسماء الحسنى استغناء عن اسمه العلي لأن أسماء الله توقيفية فلا يعد من صفات الله تعالى بمنزلة الاسم إلا ما كثر إطلاقه إطلاق الأسماء ، وهو أوغل من الصفات ، قال الغزالي : والعلو في الرتبة العقلية مثل العلو في التدريجات الحسية ، ومثال الدرجة العقلية ، كالتفاوت بين السبب والمسبب والعلة والمعلول والفاعل والقابل والكامل والناقص اهـ .

وإيثار هذا الوصف في هذه السورة لأنها تضمنت التنويه بالقرآن والتثبيت على تلقيه وما تضمنه من التذكير وذلك لعلو شأنه فهو من متعلقات وصف العلو الإلهي إذ هو كلامه .

وهذا الوصف هو ملاك القانون في تفسير صفات الله تعالى ومحاملها على ما يليق بوصف الأعلى ، فلذلك وجب تأويل المتشابهات من الصفات .

وقد جعل من قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى دعاء السجود في الصلاة إذ ورد أن يقول الساجد : سبحان ربي الأعلى ، ليقرن أثر التنزيه الفعلي بأثر التنزيه القولي .

وجملة الذي خلق فسوى اشتملت على وصفين وصف الخلق ووصف تسوية الخلق ، وحذف مفعول خلق فيجوز أن يقدر عاما ، وهو ما قدره جمهور المفسرين ، وروي عن عطاء ، وهو شأن حذف المفعول إذا لم يدل عليه دليل ، أي : خلق كل مخلوق ، فيكون كقوله تعالى حكاية عن قول موسى ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .

ويجوز أن يقدر خاصا ، أي : خلق الإنسان كما قدره الزجاج ، أو خلق آدم كما روي عن الضحاك ، أي : بقرينة قرن فعل خلق بفعل سوى قال تعالى : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي الآية .

وعطف جملة فسوى بالفاء دون الواو للإشارة إلى أن مضمونها هو المقصود من الصلة وأن ما قبله توطئة له كما في قول ابن زيابة :

[ ص: 276 ]

يا لهف زيابة للحارث الصـ ـابح فالـغـانـم فـالآيب


لأن التلهف يحق إذا صبحهم ، فغنم أموالهم وآب بها ولم يستطيعوا دفاعه ولا استرجاعه .

فالفاء من قوله : فسوى للتفريع في الذكر باعتبار أن الخلق مقدم من اعتبار المعتبر على التسوية ، وإن كان حصول التسوية مقارنا لحصول الخلق .

والتسوية : تسوية ما خلقه فإن حمل على العموم ، فالتسوية أن جعل كل *** ونوع من الموجودات معادلا ، أي : مناسبا للأعمال التي في جبلته فاعوجاج زبانى العقرب من تسوية خلقها لتدفع عن نفسها به بسهولة .

ولكونه مقارنا للخلقة عطف على فعل خلق بالفاء المفيدة للتسبب ، أي : ترتب على الخلق تسويته .

والتقدير : وضع المقدار وإيجاده في الأشياء في ذواتها وقواها ، يقال : قدر بالتضعيف وقدر بالتخفيف بمعنى .

وقرأ الجمهور بالتشديد وقرأها الكسائي وحده بالتخفيف .

والمقدار : أصله كمية الشيء التي تضبط بالذرع أو الكيل أو الوزن أو العد ، وأطلق هنا على تكوين المخلوقات على كيفيات منظمة مطردة من تركيب الأجزاء الجسدية الظاهرة ، مثل اليدين ، والباطنة مثل القلب ، ومن إيداع القوى العقلية كالحس والاستطاعة وحيل الصناعة .

وإعادة اسم الموصول في قوله : والذي قدر وقوله : والذي أخرج المرعى مع إغناء حرف العطف عن تكريره ، للاهتمام بكل صلة من هذه الصلات وإثباتها لمدلول الموصول وهذا من مقتضيات الإطناب .

وعطف قوله : فهدى مثل عطف فسوى ، فإن حمل خلق وقدر على عموم المفعول كانت الهداية عامة .

والقول في وجه عطف فهدى بالفاء مثل القول في عطف فسوى .

وعطف فهدى على قدر عطف المسبب على السبب أي فهدى كل [ ص: 277 ] مقدر إلى ما قدر له ، فهداية الإنسان وأنواع جنسه من الحيوان الذي له الإدراك والإرادة هي هداية الإلهام إلى كيفية استعمال ما قدر فيه من المقادير والقوى فيما يناسب استعماله فيه فكلما حصل شيء من آثار ذلك التقدير حصل بأثره الاهتداء إلى تنفيذه .

والمعنى : قدر الأشياء كلها فهداها إلى أداء وظائفها كما قدر لها ، فالله لما قدر للإنسان أن يكون قابلا للنطق والعلم والصناعة بما وهبه من العقل وآلات الجسد هداه لاستعمال فكره لما يحصل ما خلق له ، ولما قدر البقرة للدر ، ألهمها الرعي ورثمان ولدها لتدر بذلك للحالب ، ولما قدر النحل لإنتاج العسل ألهمها أن ترعى النور والثمار ، وألهمها بناء الجبح وخلاياه المسدسة التي تضع فيها العسل .

ومن أجل مظاهر التقدير والهداية تقدير قوى التناسل للحيوان لبقاء النوع . فمفعول هدى محذوف لإفادة العموم وهو عام مخصوص بما فيه قابلية الهدي فهو مخصوص بذوات الإدراك والإرادة وهي أنواع الحيوان ، فإن الأنواع التي خلقها الله وقدر نظامها ولم يقدر لها الإدراك مثل تقدير الإثمار للشجر ، وإنتاج الزريعة لتجدد الإنبات ، فذلك غير مراد من قوله : فهدى لأنها مخلوقة ومقدرة ولكنها غير مهدية لعدم صلاحها للاهتداء ، وإن جعل مفعول خلق خاصا وهو الإنسان كان مفعول قدر على وزانه ، أي : تقدير كمال قوى الإنسان ، وكانت الهداية هداية خاصة وهي دلالة الإدراك والعقل .

وأوثر وصفا التسوية والهداية من بين صفات الأفعال التي هي نعم على الناس ودالة على استحقاق الله تعالى للتنزيه ; لأن لهذين الوصفين مناسبة بما اشتملت عليه من السورة فإن الذي يسوي خلق النبيء صلى الله عليه وسلم تسوية تلائم ما خلقه لأجله من تحمل أعباء الرسالة لا يفوته أن يهيئه لحفظ ما يوحيه إليه وتيسيره عليه وإعطائه شريعة مناسبة لذلك التيسير قال تعالى : سنقرئك فلا تنسى وقال : ونيسرك لليسرى .

وقوله : والذي أخرج المرعى تذكير لخلق *** النبات من شجر وغيره . واقتصر على بعض أنواعه وهو الكلأ ; لأنه معاش السوائم التي ينتفع الناس بها .

[ ص: 278 ] والمراد : إخراجه من الأرض وهو إنباته .

والمرعى : النبت الذي ترعاه السوائم ، وأصله : إما مصدر ميمي أطلق على الشيء المرعي من إطلاق المصدر على المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق ، وإما اسم مكان الرعي أطلق على ما ينبت فيه ويرعى إطلاقا مجازيا بعلاقة الحلول كما أطلق اسم الوادي على الماء الجاري فيه .

والقرينة جعله مفعولا لـ أخرج ، وإيثار كلمة المرعى دون لفظ النبات ، لما يشعر به مادة الرعي من نفع الأنعام به ونفعها للناس الذين يتخذونها مع رعاية الفاصلة .

والغثاء : بضم الغين المعجمة وتخفيف المثلثة ، ويقال بتشديد المثلثة وهو اليابس من النبت .

والأحوى : الموصوف بالحوة بضم الحاء وتشديد الواو ، وهي من الألوان : سمرة تقرب من السواد . وهو صفة غثاء لأن الغثاء يابس فتصير خضرته حوة .

وهذا الوصف أحوى لاستحضار تغير لونه بعد أن كان أخضر يانعا ، وذلك دليل على تصرفه تعالى بالإنشاء وبالإنهاء .

وفي وصف إخراج الله المرعى وجعله غثاء أحوى مع ما سبقه من الأوصاف في سياق المناسبة بينها وبين الغرض المسوق له الكلام إيماء إلى تمثيل حال القرآن وهدايته وما اشتمل عليه من الشريعة التي تنفع الناس بحال الغيث الذي ينبت به المرعى فتنتفع به الدواب والأنعام ، وإلى أن هذه الشريعة تكمل ويبلغ ما أراد الله فيها كما يكمل المرعى ويبلغ نضجه حين يصير غثاء أحوى ، على طريقة تمثيلية مكنية رمز إليها بذكر لازم الغيث وهو المرعى . وقد جاء بيان هذا الإيماء وتفصيله بقول النبيء صلى الله عليه وسلم : مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا الحديث .

[ ص: 279 ] ويجوز أن يكون المقصود من جملة فجعله غثاء أحوى إدماج العبرة بتصاريف ما أودع الله في المخلوقات من مختلف الأطوار من الشيء إلى ضده للتذكير بالفناء بعد الحياة كما قال تعالى : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير للإشارة إلى أن مدة نضارة الحياة للأشياء تشبه المدة القصيرة ، فاستعير لعطف جعله غثاء الحرف الموضوع لعطف ما يحصل فيه حكم المعطوف عليه ، ويكون ذلك من قبيل قوله تعالى : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام إلى قوله : فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس .


سنقرئك فلا تنسى ( 6 ) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ( 7 )

قد عرفت أن الأمر بالتسبيح في قوله : سبح اسم ربك الأعلى بشارة إجمالية للنبيء صلى الله عليه وسلم بخير يحصل له ، فهذا موقع البيان الصريح بوعده بأنه سيعصمه من نسيان ما يقرئه فيبلغه كما أوحى إليه ويحفظه من التفلت عليه ، ولهذا تكون هذه الجملة استئنافا بيانيا ; لأن البشارة تنشئ في نفس النبيء صلى الله عليه وسلم ترقبا لوعد بخير يأتيه فبشره بأنه سيزيده من الوحي ، مع ما فرع على قوله : سنقرئك من قوله : فلا تنسى .

وإذا قد كانت هذه السورة من أوائل السور نزولا . وقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان يعالج من التنزيل شدة إذا نزل جبريل ، وكان مما يحرك شفتيه ولسانه ، يريد أن يحفظه ويخشى أن يتفلت عليه فقيل له : لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه إن علينا أن نجمعه في صدرك ، وقرآنه أن تقرأه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه يقول : إذا أنزل عليك فاستمع ، قال : فكان إذا أتاه جبريل أطرق ، فإذا ذهب قرأه كما قرأ جبريل كما وعده الله وسورة القيامة التي منها لا تحرك به لسانك نزلت بعد سورة الأعلى فقد تعين أن قوله : سنقرئك فلا تنسى وعد من الله بعونه على حفظ جميع ما يوحى إليه .

[ ص: 280 ] وإنما ابتدئ بقوله : سنقرئك تمهيدا للمقصود الذي هو فلا تنسى وإدماجا للإعلام بأن القرآن في تزايد مستمر ، فإذا كان قد خاف من نسيان بعض ما أوحي إليه على حين قلته فإنه سيتتابع ويتكاثر فلا يخش نسيانه فقد تكفل له عدم نسيانه مع تزايده .

والسين علامة على استقبال مدخولها ، وهي تفيد تأكيد حصول الفعل وخاصة إذا اقترنت بفعل حاصل في وقت التكلم ، فإنها تقتضي أنه يستمر ويتجدد وذلك تأكيد لحصوله وإذا قد كان قوله : سنقرئك فلا تنسى إقراء ، فالسين دالة على أن الإقراء يستمر ويتجدد .

والالتفات بضمير المتكلم المعظم ; لأن التكلم أنسب بالإقبال على المبشر .

وإسناد الإقراء إلى الله مجاز عقلي ; لأنه جاعل الكلام المقروء وآمر بإقرائه .

فقوله : فلا تنسى خبر مراد به الوعد والتكفل له بذلك .

والنسيان : عدم خطور المعلوم السابق في حافظة الإنسان برهة أو زمانا طويلا .

والاستثناء في قوله : إلا ما شاء الله مفرغ من فعل تنسى ، وما موصولة هي المستثنى . والتقدير : إلا الذي شاء الله أن تنساه ، فحذف مفعول فعل المشيئة جريا على غالب استعماله في كلام العرب . وانظر ما تقدم في قوله : ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم في سورة البقرة .

والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه النبيء صلى الله عليه وسلم إذا شاء الله أن ينساه . وذلك نوعان :

أحدهما وهو أظهرهما : أن الله إذا شاء نسخ تلاوة بعض ما أنزل على النبيء صلى الله عليه وسلم أمره بأن يترك قراءته ، فأمر النبيء صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن لا يقرءوه حتى ينساه النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمون . وهذا مثلما روي عن عمر أنه قال : " كان فيما أنزل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما " قال عمر : لقد قرأناها ، وأنه كان فيما أنزل " لا ترغبوا عن آبائكم فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم " . وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى : أو ننسها في قراءة من قرأ ننسها في سورة البقرة .

[ ص: 281 ] النوع الثاني ما يعرض نسيانه للنبيء صلى الله عليه وسلم نسيانا مؤقتا ، كشأن عوارض الحافظة البشرية ثم يقيض الله له ما يذكره به . ففي صحيح البخاري عن عائشة قالت : سمع النبيء صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ من الليل بالمسجد فقال : يرحمه الله ، فقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن أو كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة فسأله أبي بن كعب أنسخت ؟ فقال : نسيتها .

وليس قوله : فلا تنسى من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان ; لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف ، أما إنه ليست لا فيه ناهية فظاهر ومن زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره .

وجملة إنه يعلم الجهر وما يخفى معترضة وهي تعليل لجملة فلا تنسى إلا ما شاء الله فإن مضمون تلك الجملة ضمان الله لرسوله صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن من النقص العارض .

ومناسبة ( الجهر وما يخفى ) أن ما يقرؤه الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن هو من قبيل الجهر فالله يعلمه ، وما ينساه فيسقطه من القرآن وهو من قبيل الخفي فيعلم الله أنه اختفى في حافظته حين القراءة فلم يبرز إلى النطق به .


ونيسرك لليسرى ( 8 )

عطف على سنقرئك فلا تنسى . وجملة إنه يعلم الجهر وما يخفى معترضة كما علمت . وهذا العطف من عطف الأعم على الأخص في المآل وإن كان مفهوم الجملة السابقة مغايرا لمفهوم التيسير ; لأن مفهومها الحفظ والصيانة ومفهوم المعطوفة تيسير الخير له .

والتيسير : جعل العمل يسيرا على عامله .

ومفعول فعل التيسير هو الشيء الذي يجعل يسيرا ، أي : غير صعب ويذكر مع المفعول الشيء المجعول الفعل يسيرا لأجله مجرورا باللام كقوله تعالى : ويسر لي أمري .

[ ص: 282 ] واليسرى : مؤنث الأيسر ، وصيغة فعلى تدل على قوة الوصف لأنها مؤنث أفعل .

والموصوف محذوف ، وتأنيث الوصف مشعر بأن الموصوف المحذوف مما يجري في الكلام على اعتبار اسمه مؤنثا بأن يكون مفردا فيه علامة تأنيث أو يكون جمعا إذ المجموع تعامل معاملة المؤنث . فكان الوصف المؤنث مناديا على تقدير موصوف مناسب للتأنيث في لفظه ، وسياق الكلام الذي قبله يهدي إلى أن يكون الموصوف المقدر معنى الشريعة ، فإن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن مراعى فيه وصفه العنواني وهو أنه رسول ، فلا جرم أن يكون أول شئونه هو ما أرسل به وهو الشريعة .

وقوله : ونيسرك لليسرى إن حمل على ظاهر نظم الكلام وهو ما جرى عليه المفسرون ، فالتيسير مستعار للتهيئة والتسخير ، أي : قوة تمكينه صلى الله عليه وسلم من اليسرى وتصرفه فيها بما يأمر الله به ، أي : نهيئك للأمور اليسرى في أمر الدين وعواقبه من تيسير حفظ القرآن لك ، وتيسير الشريعة التي أرسلت بها ، وتيسير الخير لك في الدنيا والآخرة . وهذه الاستعارة تحسنها المشاكلة .

ومعنى اللام في قوله : لليسرى العلة ، أي : لأجل اليسرى ، أي : لقبولها ، ونحوه قول النبيء صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له وتكون هذه الآية على مهيع قوله تعالى : فسنيسره لليسرى وقوله : فسنيسره للعسرى في سورة الليل .

ويجوز أن يجعل الكلام جاريا على خلاف مقتضى الظاهر بسلوك أسلوب القلب وأن الأصل : ونيسر لك اليسرى ، أي : نجعلها سهلة لك فلا تشق عليك فيبقى فعل نيسرك على حقيقته ، وإنما خولف عمله في مفعوله والمجرور المتعلق به على عكس الشائع في مفعوله والمجرور المتعلق به .

وفي وصفها بـ اليسرى إيماء إلى استتباب تيسره لها بما أنها جعلت يسرى ، فلم يبق إلا حفظه من الموانع التي يشق معها تلقي اليسرى .

فاشتمل الكلام على تيسيرين : تيسير ما كلف به النبيء صلى الله عليه وسلم ، أي : جعله يسيرا مع وفائه بالمقصود منه ، وتيسير النبيء صلى الله عليه وسلم للقيام بما كلف به .

[ ص: 283 ] ويوجه العدول على مقتضى ظاهر النظم إلى ما جاء النظم عليه ، بأن فيه تنزيل الشيء الميسر منزلة الشيء الميسر له والعكس للمبالغة في ثبوت الفعل للمفعول على طريقة القلب المقبول ، كقول العرب : عرضت الناقة على الحوض ، وقول العجاج :


ومهمه مغبرة أرجـاؤه كأن لون أرضه سماؤه


وقد ورد القلب في آيات من القرآن ومنها قوله تعالى : ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ومنه القلب التشبيه المقلوب .

والمعنى : وعد الله إياه بأنه يسره لتلقي أعباء الرسالة فلا تشق عليه ولا تحرجه تطمينا له ، إذ كان في أول أمر إرساله مشفقا أن لا يفي بواجباتها ، أي أن الله جعله قابلا لتلقي الكمالات وعظائم تدبير الأمة التي من شأنها أن تشق على القائمين بأمثالها .

ومن آثار هذا التيسير ما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرها ، وقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه إنما بعثتم ميسرين لا معسرين .


فذكر إن نفعت الذكرى ( 9 ) سيذكر من يخشى ( 10 ) ويتجنبها الأشقى ( 11 ) الذي يصلى النار الكبرى ( 12 ) ثم لا يموت فيها ولا يحيا ( 13 )


بعد أن ثبت الله رسوله صلى الله عليه وسلم تكفل له ما أزال فرقه من أعباء الرسالة وما اطمأنت به نفسه من دفع ما خافه من ضعف عن أدائه الرسالة على وجهها وتكفل له دفع نسيان ما يوحى إليه إلا ما كان إنساؤه مرادا لله تعالى . ووعده بأنه وفقه وهيأه لذلك ويسره عليه ، إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مبدأ عهده بالرسالة إذ كانت هذه السورة ثامنة السور لا يعلم ما سيتعهد الله به فيخشى أن يقصر عن مراد الله فيلحقه غضب منه أو ملام . أعقب ذلك بأن أمره بالتذكير ، أي : التبليغ ، أي : بالاستمرار عليه ، إرهافا لعزمه ، وشحذا لنشاطه ليكون إقباله على [ ص: 284 ] التذكير بشراشره ، فإن امتثال الأمر إذا عاضده إقبال النفس على فعل المأمور به كان فيه مسرة للمأمور ، فجمع بين أداء الواجب وإرضاء الخاطر .

فالفاء للتفريع على ما تقدم تفريع النتيجة على المقدمات .

والأمر : مستعمل في طلب الدوام .

والتذكير : تبليغ الذكر وهو القرآن .

والذكرى : اسم مصدر التذكير وقد تقدم في سورة عبس .

ومفعول فذكر محذوف لقصد التعميم ، أي : فذكر الناس ودل عليه قوله : سيذكر من يخشى الآيتين .

وجملة إن نفعت الذكرى معترضة بين الجملتين المعللة وعلتها ، وهذا الاعتراض منظور فيه إلى العموم الذي اقتضاه حذف مفعول فذكر ، أي : فدم على تذكير الناس كلهم إن نفعت الذكرى جميعهم ، أي : وهي لا تنفع إلا البعض وهو الذي يؤخذ من قوله : سيذكر من يخشى الآية .

فالشرط في قوله : إن نفعت الذكرى جملة معترضة وليس متعلقا بالجملة ولا تقييدا لمضمونها ، إذ ليس المعنى : فذكر إذا كان للذكرى نفع ، حتى يفهم منه بطريق مفهوم المخالفة أن لا تذكر إذا لم تنفع الذكرى ، إذ لا وجه لتقييد التذكير بما إذا كانت الذكرى نافعة إذ لا سبيل إلى تعرف مواقع نفع الذكرى ، ولذلك كان قوله تعالى : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد مؤولا بأن المعنى فذكر بالقرآن فيتذكر من يخاف وعيد ، بل المراد فذكر الناس كافة إن كانت الذكرى تنفع جميعهم ، فالشرط مستعمل في التشكيك ; لأن أصل الشرط بـ إن أن يكون غير مقطوع بوقوعه ، فالدعوة عامة وما يعلمه الله من أحوال الناس في قبول الهدى وعدمه أمر استأثر الله بعلمه ، فأبو جهل مدعو للإيمان والله يعلم أنه لا يؤمن لكن الله لم يخص بالدعوة من يرجى منهم الإيمان دون غيرهم ، والواقع يكشف المقدور .

وهذا تعريض بأن في القوم من لا تنفعه الذكرى وذلك يفهم من اجتلاب حرف إن المقتضي عدم احتمال وقوع الشرط أو ندرة وقوعه ، ولذلك جاء بعده بقوله : [ ص: 285 ] سيذكر من يخشى فهو استئناف بياني ناشئ عن قوله : فذكر وما لحقه من الاعتراض بقوله : إن نفعت الذكرى المشعر بأن التذكير لا ينتفع به جميع المذكرين .

وهذا معنى قول ابن عباس : تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي ، وفي هذا ما يريك معنى الآية واضحا لا غبار عليه ويدفع حيرة كثير من المفسرين في تأويل معنى إن ، ولا حاجة إلى تقدير الفراء والنحاس : إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع ، وأنه اقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني .

ويذكر : مطاوع ذكره . وأصله : يتذكر ، فقلبت التاء ذالا لقرب مخرجيهما ليأتي إدغامها في الذال الأخرى .

و من يخشى : *** لا فرد معين أي : سيتذكر الذين يخشون . والضمير المستتر في يخشى مراعى فيه لفظ من فإنه لفظ مفرد .

وقد نزل فعل يخشى منزلة اللازم فلم يقدر له المفعول ، أي : يتذكر من الخشية فكرته وجبلته ، أي : من يتوقع حصول الضر والنفع فينظر في مظان كل ويتدبر في الدلائل ; لأنه يخشى أن يحق عليه ما أنذر به .

والخشية : الخوف ، وتقدم في قوله تعالى : لعله يتذكر أو يخشى في سورة طه ، والخشية ذات مراتب وفي درجاتها يتفاضل المؤمنون .

والتجنب : التباعد ، وأصله تفعل لتكلف الكينونة بجانب من شيء .

والجانب : المكان الذي هو طرف لغيره ، وتكلف الكينونة به كناية عن طلب البعد أي : بمكان بعيد منه ، أي : يتباعد عن الذكرى الأشقى .

والتعريف في الأشقى تعريف الجنس ، أي : الأشقون .

والأشقى هو شديد الشقوة والشقوة والشقاء في لسان الشرع الحالة الناشئة في الآخرة عن الكفر من حالة الإهانة والتعذيب ، وعندنا أن من علم إلى موته مؤمنا فليس بشقي .

فالأشقى : هو الكافر لأنه أشد الناس شقاء في الآخرة لخلوده في النار .

[ ص: 286 ] وتعريف الأشقى تعريف الجنس ، فيشمل جميع المشركين . ومن المفسرين من حمله على العهد فقال : أريد به الوليد بن المغيرة ، أو عتبة بن ربيعة .

ووصف الأشقى بـ الذي يصلى النار الكبرى ; لأن إطلاق الأشقى في هذه الآية في صدر مدة البعثة المحمدية فكان فيه من الإبهام ما يحتاج إلى البيان فأتبع بوصف يبينه في الجملة ما نزل من القرآن من قبل هذه الآية .

ومقابلة من يخشى بـ الأشقى تؤذن بأن الأشقى من شأنه أن لا يخشى فهو سادر في غروره منغمس في لهوه فلا يتطلب لنفسه تخلصا من شقائه .

ووصف النار بـ الكبرى للتهويل والإنذار والمراد بها جهنم .

وجملة ثم لا يموت فيها ولا يحيا عطف على جملة يصلى النار الكبرى فهي صلة ثانية .

وثم للتراخي الرتبي تدل على أن معطوفها متراخي الرتبة في الغرض المسوق له الكلام وهو شدة العذاب ، فإن تردد حاله بين الحياة والموت وهو في عذاب الاحتراق عذاب أشد مما أفاده أنه في عذاب الاحتراق . ضرورة أن الاحتراق واقع وقد زيد فيه درجة أنه لا راحة منه بموت ولا مخلص منه بحياة .

فمعنى لا يموت : لا يزول عنه الإحساس ، فإن الموت فقدان الإحساس مع ما في هذه الحالة من الأعجوبة ، وهي مما يؤكد اعتبار تراخي الرتبة في هذا التنكيل .

وتعقيبه بقوله : ولا يحيا احتراس لدفع توهم أن يراد بنفي الموت عنهم أنهم استراحوا من العذاب لما هو متعارف من أن الاحتراق يهلك المحرق ، فإذا قيل لا يموت توهم المنذرون أن ذلك الاحتراق لا يبلغ مبلغ الإهلاك فيبقى المحرق حيا فيظن أنه إحراق هين ، فيكون مسلاة للمهددين ، فلدفع ذلك عطف عليه ولا يحيا ، أي : حياة خالصة من الآلام والقرينة على الوصف المذكور مقابلة ولا يحيا بقوله : يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها .

[ ص: 287 ] وليس هذا من قبيل نفي وصفين لإثبات حالة وسط بين حالتيهما مثل لا شرقية ولا غربية وقول إحدى نساء أم زرع : " لا حر ولا قر " . لأن ذلك لا طائل تحته .

ويجوز أن نجعل نفي الحياة كناية عن نفي الخلاص بناء على أن لازم الإحراق الهلاك ولازم الحياة عدم الهلاك .

وفي الآية محسن الطباق لأجل التضاد الظاهر بين لا يموت ولا يحيا .


قد أفلح من تزكى ( 14 ) وذكر اسم ربه فصلى ( 15 )

استئناف بياني لأن ذكر من يخشى وذكر الأشقى يثير استشراف السامع لمعرفة أثر ذلك فابتدئ بوصف أثر الشقاوة فوصف الأشقى بأنه يصلى النار الكبرى وأخر ذكر ثواب الأتقى تقديما للأهم في الغرض وهو بيان جزاء الأشقى الذي يتجنب الذكرى ، وبقي السامع ينتظر أن يعلم جزاء من يخشى ويتذكر ، فلما وفي حق الموعظة والترهيبة استؤنف الكلام لبيان المثوبة والترغيب . فالمراد بـ من تزكى هنا عين المراد بـ ( من يخشى ) و ( يذكر ) فقد عرف هنا بأنه الذي ذكر اسم ربه ، فلا جرم أن ذكر اسم ربه هو التذكر بالذكرى ، فالتذكر هو غاية الذكرى المأمور بها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : فذكر .

وقد جمعت أنواع الخير في قوله : قد أفلح فإن الفلاح نجاح المرء فيما يطمح إليه فهو يجمع معنيي الفوز والنفع وذلك هو الظفر بالمبتغى من الخير ، وتقدم في قوله تعالى : أولئك هم المفلحون في البقرة .

والإتيان بفعل المضي في قوله : أفلح للتنبيه على المحقق وقوعه من الآخرة ، واقترانه بحرف قد لتحقيقه وتثنيته كما في قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون وقوله : قد أفلح من زكاها لأن الكلام موجه إلى الأشقين الذين تجنبوا الذكرى إثارة لهمتهم في الالتحاق بالذين خشوا فأفلحوا .

ومعنى تزكى : عالج أن يكون زكيا ، أي : بذل استطاعته في تطهير نفسه وتزكيتها كما قال تعالى : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها .

[ ص: 288 ] فمادة التفعل للتكلف وبذل الجهد ، وأصل ذلك هو التوحيد والاستعداد للأعمال الصالحة التي جاء بها الإسلام ويجيء بها ، فيشمل زكاة الأموال .

أخرج البزار عن جابر بن عبد الله عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال : قد أفلح من تزكى قال : من شهد أن لا إله إلا الله ، وخلع الأنداد ، وشهد أني رسول الله وذكر اسم ربه فصلى قال : هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها ، وهو قول ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة .

وقدم التزكي على ذكر الله والصلاة ; لأنه أصل العمل بذلك كله ، فإنه إذا تطهرت النفس أشرقت فيها أنوار الهداية فعلمت منافعها وأكثرت من الإقبال عليها ، فالتزكية : الارتياض على قبول الخير والمراد تزكى بالإيمان .

وفعل ذكر اسم ربه يجوز أن يكون من الذكر اللساني الذي هو بكسر الذال فيكون كلمة اسم ربه مرادا بها ذكر أسماء الله بالتعظيم ، مثل قول ( لا إله إلا الله ) ، وقول ( الله أكبر ) و ( سبحان الله ) ، ونحو ذلك على ما تقدم في قوله : سبح اسم ربك الأعلى .

ويجوز أن يكون من الذكر بضم الذال وهو حضور الشيء في النفس الذاكرة والمفكرة فتكون كلمة اسم مقحمة لتدل على شأن الله وصفات عظمته ، فإن أسماء الله أوصاف كمال .

وتفريع فصلى على ذكر اسم ربه على كلا الوجهين ; لأن الذكر بمعنييه يبعث الذاكر على تعظيم الله تعالى والتقرب إليه بالصلاة التي هي خضوع وثناء .

وقد رتبت هذه الخصال الثلاث في الآية على ترتيب تولدها . فأصلها : إزالة الخباثة النفسية من عقائد باطلة وحديث النفس بالمضمرات الفاسدة وهي المشار إليه بقوله : تزكى ، ثم استحضار معرفة الله بصفات كماله وحكمته ليخافه ويرجوه وهو المشار بقوله : وذكر اسم ربه ثم الإقبال على طاعته وعبادته وهو المشار إليه بقوله : فصلى والصلاة تشير إلى العبادة وهي في ذاتها طاعة وامتثال يأتي بعده ما يشرع من الأعمال قال تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر .


بل تؤثرون الحياة الدنيا ( 16 ) والآخرة خير وأبقى ( 17 )

قرأ الجمهور تؤثرون بمثناة فوقية بصيغة الخطاب ، والخطاب موجه للمشركين بقرينة السياق وهو التفات ، وقرأه أبو عمرو وحده بالمثناة التحتية على طريقة الغيبة عائدا إلى الأشقى الذي يصلى النار الكبرى .

وحرف بل معناه الجامع هو الإضراب ، أي : انصراف القول أو الحكم إلى ما يأتي بعد بل فهو إذا عطف المفردات كان الإضراب إبطالا للمعطوف عليه : لغلط في ذكر المعطوف أو للاحتراز عنه فذلك انصراف عن الحكم . وإذا عطف الجمل فعطفه عطف كلام على كلام وهو عطف لفظي مجرد عن التشريك في الحكم ويقع على وجهين ، فتارة يقصد إبطال معنى الكلام نحو قوله تعالى : أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق فهو انصراف في الحكم ، وتارة يقصد مجرد التنقل من خبر إلى آخر مع عدم إبطال الأول نحو قوله تعالى : ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة فتكون بل بمنزلة قولهم دع هذا فهذا انصراف قولي ، ويعرف أحد الإضرابين بالقرائن والسياق .

وبل هنا عاطفة جملة عطفا صوريا ، فيجوز أن تكون لمجرد الانتقال من ذكر المنتفعين بالذكرى والمتجنبين لها ، إلى ذكر سبب إعراض المتجنبين وهم الأشقون بأن السبب إيثارهم الحياة الدنيا ، وذلك على قراءة أبي عمرو ظاهر ، وأما على قراءة الجمهور فهو إضراب عن حكاية أحوال الفريقين بالانتقال إلى توبيخ أحد الفريقين وهو الفريق الأشقى ، فالخطاب موجه إليهم على طريقة الالتفات لتجديد نشاط السامع لكي لا تنقضي السورة كلها في الإخبار عنهم بطريق الغيبة .

ويجوز أن يكون الإضراب إبطالا لما تضمنه قوله : قد أفلح من تزكى من التعريض للذين شقوا بتحريضهم على طلب الفلاح لأنفسهم ليلتحقوا بالذين يخشون ويتزكون ليبطل أن يكونوا مظنة تحصيل الفلاح .

والمعنى : أنهم بعداء عن أن يظن بهم التنافس في طلب الفلاح ; لأنهم يؤثرون الحياة الدنيا ، فالمعنى : بل أنتم تؤثرون منافع الدنيا على حظوظ الآخرة ، وهذا كما يقول الناصح شخصا يظن أنه لا ينتصح : " لقد نصحتك وما أظنك تفعل " .

[ ص: 290 ] ويجيء فيه الوجهان المتقدمان من الخطاب والغيبة على القراءتين .

والإيثار : اختيار شيء من بين متعدد .

والمعنى : تؤثرون الحياة الدنيا بعنايتكم واهتمامكم .

ولم يذكر المؤثر عليه ; لأن الحياة الدنيا تدل عليه ، أي : لا تتأملون فيما عدا حياتكم هذه ولا تتأملون في حياة ثانية ، فالمشركون لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكروا بالحياة الآخرة وأخبروا بها لم يعيروا سمعهم ذلك وجعلوا ذلك من الكلام الباطل وهذا مورد التوبيخ .

واعلم أن للمؤمنين حظا من هذه الموعظة على طول الدهر ، وذلك حظ مناسب لمقدار ما يفرط فيه أحدهم مما ينجيه في الآخرة إيثارا لما يجتنيه من منافع الدنيا التي تجر إليه تبعة في الآخرة على حسب ما جاءت به الشريعة ، فأما الاستكثار من منافع الدنيا مع عدم إهمال أسباب النجاة في الآخرة فذلك ميدان للهمم وليس ذلك بمحل ذم قال تعالى : وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا .

وجملة والآخرة خير وأبقى عطف على جملة التوبيخ عطف الخبر على الإنشاء ; لأن هذا الخبر يزيد إنشاء التوبيخ توجيها وتأييدا بأنهم في إعراضهم عن النظر في دلائل حياة آخرة قد أعرضوا عما هو خير وأبقى .

وأبقى : اسم تفضيل ، أي : أطول بقاء وفي حديث النهي عن جر الإزار وليكن إلى الكعبين ، فإنه أتقى وأبقى .


إن هذا لفي الصحف الأولى ( 18 ) صحف إبراهيم وموسى ( 19 )

تذييل للكلام وتنويه به بأنه من الكلام النافع الثابت في كتب إبراهيم وموسى عليهما السلام ، قصد به الإبلاغ للمشركين الذين كانوا يعرفون رسالة إبراهيم ورسالة موسى ، ولذلك أكد هذا الخبر بـ إن ولام الابتداء لأنه مسوق إلى المنكرين .

[ ص: 291 ] والإشارة بكلمة هذا إلى مجموع قوله : قد أفلح من تزكى إلى قوله : وأبقى فإن ما قبل ذلك من أول السورة إلى قوله : قد أفلح من تزكى ليس مما ثبت معناه في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام .

روى ابن مردويه والآجري عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ، هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى ؟ قال : نعم قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى لم أقف على مرتبة هذا الحديث .

ومعنى الظرفية في قوله : لفي الصحف أن مماثله في المعنى مكتوب في الصحف الأولى ، فأطلقت الصحف على ما هو مكتوب فيها على وجه المجاز المرسل كما في قوله تعالى : وقالوا ربنا عجل لنا قطنا أي : ما في قطنا وهو صك الأعمال .

والصحف : جمع صحيفة على غير قياس ; لأن قياس جمعه صحائف ، ولكنه مع كونه غير مقيس هو الأفصح كما قالوا : سفن في جمع سفينة ، ووجه جمع الصحف أن إبراهيم كان له صحف وأن موسى كانت له صحف كثيرة وهي مجموع صحف أسفار التوراة .

وجاء نظم الكلام على أسلوب الإجمال والتفصيل ليكون هذا الخبر مزيد تقرير في أذهان الناس فقوله : صحف إبراهيم وموسى بدل من الصحف الأولى .

والأولى : وصف لصحف الذي هو جمع تكسير فله حكم التأنيث ، والأولى صيغة تفضيل ، واختلف في الحروف الأصلية للفظ أول ، فقيل : حروفه الأصول همزة فواو ( مكررة ) فلام ذكره في اللسان فيكون وزن أول : أأول ، فقلبت الهمزة الثانية واوا وأدغمت في الواو . وقيل : أصوله : واوان ولام وأن الهمزة التي في أوله مزيدة فوزن أول : أفعل وإدغام إحدى الواوين ظاهر .

وقيل : حروفه الأصلية واو وهمزة ولام فأصل أول أو أل بوزن أفعل قلبت الهمزة التي بعد الواو واوا وأدغما .

والأولى : مؤنث أفعل من هذه المادة ، فإما أن نقول : أصلها أولى [ ص: 292 ] سكنت الواو سكونا ميتا لوقوعها إثر ضمة ، أو أصلها : وولى بواو مضمومة في أوله وسكنت الواو الثانية أيضا ، أو أصلها : وألى بواو مضمومة ثم همزة ساكنة فوقع فيه قلب ، فقيل : أولى فوزنها على هذا عفلى .

والمراد بالأولية في وصف الصحف سبق الزمان بالنسبة إلى القرآن لا التي لم يسبقها غيرها ; لأنه قد روي أن بعض الرسل قبل إبراهيم أنزلت عليهم صحف . فهو كوصف عاد بـ الأولى في قوله : وأنه أهلك عادا الأولى وقوله تعالى : هذا نذير من النذر الأولى وفي حديث البخاري : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر وأبو بكر الآجري عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صحف إبراهيم كانت عشر صحائف .

EL Mister
22-06-09, 16:10
http://blogs-static.maktoob.com/userFiles/n/o/noureldens/images/301image.jpeg