المساعد الشخصي الرقمي



Loading

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" لجزء عم


الصفحات : [1] 2

EL Mister
11/06/2009, 17:37
:besmellah1:

تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" لجزء عمّ

http://www.islamweb.net/newlibrary/BooksCover/big/Doc061.jpg

توازيا مع موضوع "هنا نحفظ جزء عمّ إن شاء الله" (http://www.tunisia-sat.com/vb/showthread.php?t=675117) نضع بين أيديكم إن شاء الله تفسير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "التحرير و التنوير" للسور التي سيتم إن شاء الله حفظها.

التعريف بالتفسير :
وتفسيره المسمى بالتحرير والتنوير اسمه الأصلي : "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد وتفسير الكتاب المجيد" .
والكتاب له طبعتان : طبعة على هيئة أجزاء متفرقة نشرتها الدار التونسية للنشر ، وطبعة في خمس مجلدات.
قدم له المؤلف بتمهيد واف ذكر فيه مراده من هذا التفسير وقال :
"فجعلت حقًا علي أن أبدي في تفسير القرآن نكتا لم أر من سبقني إليها ، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة عليها ، فإن الاقتصار على الحديث المعاد ، تعطيل لفيض القرآن الذي ماله من نفاد ، ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين : رجل معتكف فيما شاده الأقدمون ، وآخر آخذ بمعولة في هدم ما مضت عليه القرون وفي تلك الحالتين ضر كثير ، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير ، وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده وحاشا أن ننقضه أو نبيده ، علما بأن غمص فضلهم كفران للنعمة ، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة .( )"
وقد ذكر فيها أهم التفاسير في نظره فبدأها بتفسير الكشاف ثم المحرر الوجيز ثم مفاتيح الغيب وتفسير البيضاوي والآلوسي وذكر بعض الحواشي على الكشاف والبيضاوي وتفسير أبي السعود والقرطبي وتقييد الأبي على ابن عرفة وتفسير ابن جرير ودرة التنزيل . ثم قال : ولقصد الاختصار أعرض عن العزو إليها .
فكأنها مراجعه الأساسية .

وقد أتبع كلامه عن تفسيره بعشر مقدمات :
الأولى : في التفسير والتأويل وتعرض فيه لبيان أن التفسير ليس علمًا إلا على وجه التسامح وناقش ذلك بمقدمات منطقية ترسم أبعادًا لمنهجه العقلاني الذي يتضح من خلال مطالعة تفسيره شيئًا فشيئًا .( )
وقد أثنى في تلك المقدمة على تفسيري الكشاف وابن عطية وقال : وكلاهما عضادتا الباب ومرجع من بعدهما من أولي الألباب . ( )

المنهج العام للتفسير :( )
وتفسير التحرير والتنوير بعتير في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا لايغفل المأثور ويهتم بالقراءات . وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم بشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها .
وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها . ( )

الكتاب موجود بموقع إسلام واب لمن أراد الإطلاع عليه بأكمله

ولمزيد الفائدة يسرني أن أقدم لكم هذا الكتاب القيم في ترجمة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً:
الكتاب: محمد الطاهر ابن عاشور حياته و آثاره
تأليف: د. بلقاسم الغالي
مطبعة: دار ابن حزم
سنة: 1996
260 صفحة
رابط مباشر (http://www.cheikhelif.net/site/livres_scientifiques/mtbachur.pdf)
رابط آخر (http://www.4shared.com/file/65571816/61974b5f/mtbachur.html)

EL Mister
11/06/2009, 19:16
بسم الله الرحمن الرحيم

( قل أعوذ برب الفلق ( 1 ) من شر ما خلق ( 2 ) ومن شر غاسق إذا وقب ( 3 ) ومن شر النفاثات في العقد ( 4 ) ومن شر حاسد إذا حسد ( 5 ) )



مقدمة

سمى النبيء - صلى الله عليه وسلم - هذه السورة ( قل أعوذ برب الفلق ) . روى النسائي عن عقبة بن عامر قال : اتبعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو راكب ، فوضعت يدي على قدمه فقلت : أقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف ، فقال : لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من ( قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ) .

وهذا ظاهر في أنه أراد سورة ( قل أعوذ برب الفلق ) ; لأنه كان جوابا على قول عقبة : أقرئني سورة هود إلخ ، ولأنه عطف على قوله : ( قل أعوذ برب الفلق ) قوله : ( قل أعوذ برب الناس ) ولم يتم سورة ( قل أعوذ برب الفلق ) .

عنونها البخاري في صحيحه ( سورة قل أعوذ برب الفلق ) بإضافة سورة إلى أول جملة منها .

وجاء في بعض كلام الصحابة تسميتها مع سورة الناس ( المعوذتين ) . روى أبو داود والترمذي وأحمد عن عقبة بن عامر قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقرأ بالمعوذات ( بكسر الواو المشددة وبصيغة الجمع بتأويل الآيات المعوذات ) أي : آيات السورتين . وفي رواية ( بالمعوذتين في دبر كل صلاة ) . ولم يذكر أحد من المفسرين أن الواحدة منهما تسمى المعوذة بالإفراد ، وقد سماها ابن عطية سورة المعوذة الأولى ، فإضافة ( سورة ) إلى ( المعوذة ) من إضافة المسمى إلى الاسم ، ووصف السورة بذلك مجاز يجعلها كالذي يدل الخائف على المكان الذي يعصمه من مخيفه أو كالذي يدخله المعاذ .

وسميت في أكثر المصاحف ومعظم كتب التفسير ( سورة الفلق ) .

وفي الإتقان : أنها وسورة الناس تسميان المشقشقتين ( بتقديم الشينين [ ص: 624 ] على القافين ) من قولهم خطيب مشقشق اهـ . ( أي : مسترسل القول تشبيها له بالفحل الكريم من الإبل يهدر بشقشقة ، وهي كاللحم يبرز من فيه إذا غضب ) ولم أحقق وجه وصف المعوذتين بذلك .

وفي تفسير القرطبي والكشاف أنها وسورة الناس تسميان ( المقشقشتين ) ( بتقديم القاف على الشينين ) زاد القرطبي : أي : تبرئان من النفاق . وكذلك قال الطيبي ، فيكون اسم المقشقشة مشتركا بين أربع سور : هذه ، وسورة الناس ، وسورة براءة ، وسورة الكافرون .

واختلف فيها أمكية هي أم مدنية ؟ فقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وعكرمة : مكية ، ورواه كريب عن ابن عباس . وقال قتادة : هي مدنية ، ورواه أبو صالح عن ابن عباس .

والأصح أنها مكية ; لأن رواية كريب عن ابن عباس مقبولة بخلاف رواية أبي صالح عن ابن عباس ففيها متكلم .

وقال الواحدي : قال المفسرون إنها نزلت بسبب أن لبيد بن الأعصم سحر النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وليس في الصحاح أنها نزلت بهذا السبب ، وبنى صاحب الإتقان عليه ترجيح أن السورة مدنية ، وسنتكلم على قصة لبيد بن الأعصم عند قوله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد .

وقد قيل : إن سبب نزولها والسورة بعدها أن قريشا ندبوا ، أي ندبوا من اشتهر بينهم أنه يصيب النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعينه ، فأنزل الله المعوذتين ليتعوذ منهم بهما ، ذكره الفخر عن سعيد بن المسيب ولم يسنده .

وعدت العشرين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الفيل وقبل سورة الناس .

وعدد آياتها خمس بالاتفاق .

واشتهر عن عبد الله بن مسعود في الصحيح أنه كان ينكر أن تكون المعوذتان من القرآن ، ويقول : إنما أمر رسول الله أن يتعوذ بهما ، أي : ولم يؤمر [ ص: 625 ] بأنهما من القرآن . وقد أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القراءة بهما في الصلاة وكتبتا في مصاحفهم ، وصح أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قرأ بهما في صلاته .

والغرض منها تعليم النبيء - صلى الله عليه وسلم - كلمات للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة ، والأوقات التي يكثر فيها حدوث الشر ، والأحوال التي يستر أحوال الشر من ورائها لئلا يرمى فاعلوها بتبعاتها ، فعلم الله نبيئه هذه المعوذة ليتعوذ بها ، وقد ثبت أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ بهذه السورة وأختها ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما ، فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين .


قل أعوذ برب الفلق ( 1 ) من شر ما خلق ( 2 )

الأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ لأنها التي عينها الله للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ليتعوذ بها فإجاباتها مرجوة ، إذ ليس هذا المقول مشتملا على شيء يكلف به أو يعمل حتى يكون المراد : قل لهم كذا كما في قوله : ( قل هو الله أحد ) ، وإنما هو إنشاء معنى في النفس تدل عليه هذه الأقوال الخاصة .

وقد روي عن ابن مسعود في أنه سأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - عن المعوذتين فقال : ( قيل لي قل ، فقلت لكم فقولوا ) . يريد بذلك المحافظة على هذه الألفاظ للتعوذ ، وإذ قد كانت من القرآن فالمحافظة على ألفاظها متعينة والتعوذ يحصل بمعناها وبألفاظها حتى كلمة ( قل ) .

والخطاب في ( قل ) للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وإذ قد كان قرآنا كان خطاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - به يشمل الأمة حيث لا دليل على تخصيصه به ; فلذلك أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه بالتعوذ بهذه السورة ، ولذلك أيضا كان يعوذ بهما الحسن والحسين كما ثبت في الصحيح ، فتكون صيغة الأمر الموجهة إلى المخاطب مستعملة في معنيي الخطاب من توجهه إلى معين وهو الأصل ، ومن إرادة كل من يصح خطابه وهو [ ص: 626 ] طريق من طرق الخطاب تدل على قصده القرائن ، فيكون من استعمال المشترك في معنييه .

واستعمال صيغة التكلم في فعل ( أعوذ ) يتبع ما يراد بصيغة الخطاب في فعل ( قل ) فهو مأمور به لكل من يريد التعوذ بها .

وأما تعويذ قارئها غيره بها كما ورد أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يعوذ بالمعوذتين الحسن والحسين . وما روي عن عائشة قالت : ( إن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات ، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها ) ; فلذلك على نية النيابة عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ .

والعوذ : اللجأ إلى شيء يقي من يلجأ إليه ما يخافه ، يقال : عاذ بفلان ، وعاذ بحصن ، ويقال : استعاذ ، إذا سأل غيره أن يعيذه قال تعالى : فاستعذ بالله إنه سميع عليم . وعاذ من كذا ، إذا صار إلى ما يعيذه منه . قال تعالى : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم .

والفلق : الصبح ، وهو فعل بمعنى مفعول مثل الصمد ; لأن الليل شبه بشيء مغلق ينفلق عن الصبح ، وحقيقة الفلق : الانشقاق عن باطن شيء ، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل . وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد الظلام في قوله تعالى : وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ، واستعارة السلخ له في قوله تعالى : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار .

ورب الفلق : هو الله ; لأنه الذي خلق أسباب ظهور الصبح ، وتخصيص وصف الله بأنه رب الفلق دون وصف آخر ; لأن شرا كثيرا يحدث في الليل من لصوص ، وسباع ، وذوات سموم ، وتعذر السير ، وعسر النجدة ، وبعد الاستغاثة واشتداد آلام المرضى ، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إله الشر .

والمعنى : أعوذ بفالق الصبح منجاة من شرور الليل ، فإنه قادر على أن ينجيني في الليل من الشر كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح ، فوصف الله بالصفة التي فيها تمهيد للإجابة ..


ومن شر غاسق إذا وقب ( 3 )

عطف أشياء خاصة هي مما شمله عموم من شر ما خلق ، وهي ثلاثة أنواع من أنواع الشرور :
أحدهما : وقت يغلب وقوع الشر فيه وهو الليل .
والثاني : صنف من الناس أقيمت صناعتهم على إرادة الشر بالغير .
والثالث : صنف من الناس ذو خلق من شأنه أن يبعث على إلحاق الأذى بمن تعلق به .

وأعيدت كلمة من شر بعد حرف العطف في هذه الجملة ، وفي الجملتين المعطوفتين عليها مع أن حرف العطف مغن عن إعادة العامل قصدا لتأكيد الدعاء تعرضا للإجابة ، وهذا من الابتهال فيناسبه الإطناب .

والغاسق : وصف الليل إذا اشتدت ظلمته ، يقال : غسق الليل يغسق ، إذا أظلم ، قال تعالى : إلى غسق الليل . فالغاسق صفة لموصوف محذوف لظهوره من معنى وصفه مثل الجواري في قوله تعالى : ومن آياته الجواري في البحر وتنكير غاسق للجنس ; لأن المراد *** الليل .

وتنكير ( غاسق ) في مقام الدعاء يراد به العموم ; لأن مقام الدعاء يناسب التعميم . ومنه قول الحريري في المقامة الخامسة : " يا أهل ذا المعنى وقيتم ضرا " أي : وقيتم كل ضر .

وإضافة الشر إلى غاسق من إضافة الاسم إلى زمانه على معنى ( في ) كقوله تعالى : بل مكر الليل والنهار .

والليل : تكثر فيه حوادث السوء من اللصوص والسباع والهوام كما تقدم آنفا .

وتقييد ذلك بظرف إذا وقب أي : إذا اشتدت ظلمته ; لأن ذلك وقت يتحينه الشطار وأصحاب الدعارة والعيث ، لتحقق غلبة الغفلة والنوم على الناس فيه ، يقال : أغدر الليل ; لأنه إذا اشتد ظلامه كثر الغدر فيه ، فعبر عن ذلك بأنه أغدر ، أي : صار ذا غدر على طريق المجاز العقلي .

ومعنى ( وقب ) دخل وتغلغل في الشيء ، ومنه الوقبة : اسم النقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء ، ووقبت الشمس غابت ، خص بالتعوذ أشد أوقات الليل توقعا لحصول المكروه .


ومن شر النفاثات في العقد ( 4 )

هذا النوع الثاني من الأنواع الخاصة المعطوفة على العام من قوله : من شر ما خلق . وعطف شر النفاثات في العقد على شر الليل ; لأن الليل وقت يتحين فيه السحرة إجراء شعوذتهم لئلا يطلع عليهم أحد .

والنفث : نفخ مع تحريك اللسان بدون إخراج ريق ، فهو أقل من التفل ، يفعله السحرة إذا وضعوا علاج سحرهم في شيء وعقدوا عليه عقدا ثم نفثوا عليها .

فالمراد بـ النفاثات في العقد النساء الساحرات ، وإنما جيء بصفة المؤنث ; لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحر النساء ; لأن نساءهم لا شغل لهن بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة ; فلذلك يكثر انكبابهن على مثل هاته السفاسف من السحر والتكهن ونحو ذلك ، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن ، وكان العرب يزعمون أن الغول ساحرة من الجن . وورد في خبر هجرة الحبشة أن عمارة بن الوليد بن المغيرة اتهم بزوجة النجاشي ، وأن النجاشي دعا له السواحر فنفخن في إحليله فصار مسلوب العقل هائما على وجهه ولحق بالوحوش . والعقد : جمع عقدة وهي ربط في خيط أو وتر يزعم السحرة أنه سحر المسحور يستمر ما دامت تلك العقدة معقودة ، ولذلك يخافون من حلها فيدفنونها أو يخبئونها في محل لا يهتدى إليه . أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة من شر السحرة ; لأنه ضمن له أن لا يلحقه شر السحرة ، وذلك إبطال لقول المشركين في أكاذيبهم إنه مسحور ، قال تعالى : وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا .

وجملة القول هنا : أنه لما كان الأصح أن السورة مكية فإن النبيء - صلى الله عليه وسلم - مأمون من أن يصيبه شر النفاثات ; لأن الله أعاذه منها .

[ ص: 629 ] وأما السحر فقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى : يعلمون الناس السحر في سورة البقرة .

وإنما جعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفث ، فلم يقل : إذا نفثن في العقد ، للإشارة إلى أن نفثهن في العقد ليس بشيء يجلب ضرا بذاته ، وإنما يجلب الضر النافثات وهن متعاطيات السحر ; لأن الساحر يحرص على أن لا يترك شيئا مما يحقق له ما يعمله لأجله إلا احتال على إيصاله إليه ، فربما وضع له في طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة بقصد أو غير قصد ، أو قاذورات يفسد اختلاطها بالجسد بعض عناصر انتظام الجسم يختل بها نشاطه أو إرادته ، وربما أغرى به من يغتاله أو من يتجسس على أحواله ليري لمن يسألونه السحر أن سحره لا يختلف ولا يخطئ .

وتعريف ( النفاثات ) تعريف الجنس وهو في معنى النكرة لا تفاوت في المعنى بينه وبين قوله : ومن شر غاسق وقوله : ومن شر حاسد ، وإنما أوثر لفظ النفاثات بالتعريف ; لأن التعريف في مثله للإشارة إلى أنه حقيقة معلومة للسامع مثل التعريف في قولهم ( أرسلها العراك ) كما تقدم في قوله تعالى : الحمد لله في سورة الفاتحة .

وتعريف ( النفاثات ) باللام إشارة إلى أنهن معهودات بين العرب .


ومن شر حاسد إذا حسد ( 5 )

عطف شر الحاسد على شر الساحر المعطوف على شر الليل ، لمناسبة بينه وبين المعطوف عليه مباشرة ، وبينه وبين المعطوف عليه بواسطته ، فإن مما يدعو الحاسد إلى أذى المحسود أن يتطلب حصول أذاه لتوهم أن السحر يزيل النعمة التي حسده عليها ، ولأن ثوران وجدان الجسد يكثر في وقت الليل ; لأن الليل وقت الخلوة وخطور الخواطر النفسية والتفكر في الأحوال الحافة بالحاسد والمحسود .

والحسد : إحساس نفساني مركب من استحسان نعمة في الغير مع تمني زوالها عنه لأجل غيرة على اختصاص الغير بتلك الحالة أو على مشاركته الحاسد فيها . وقد يطلق اسم الحسد على الغبطة مجازا .

والغبطة : تمني المرء أن يكون له من الخير مثل ما لمن يروق حاله في نظره ، وهو محمل الحديث الصحيح : لا حسد إلا في اثنتين أي : لا غبطة ، أي : لا تحقق الغبطة إلا في تينك الخصلتين ، وقد بين شهاب الدين القرافي الفرق بين الحسد والغبطة في الفرق الثامن والخمسين والمائتين .

فقد يغلب الحسد صبر الحاسد وأناته فيحمله على إيصال الأذى للمحسود بإتلاف أسباب نعمته أو إهلاكها رأسا . وقد كان الحسد أول أسباب الجنايات في الدنيا ، إذ حسد أحد ابني آدم أخاه على أن قبل قربانه ولم يقبل قربان الآخر ، كما قصه الله تعالى في سورة العقود .

وتقييد الاستعاذة من شره بوقت إذا حسد لأنه حينئذ يندفع إلى عمل الشر بالمحسود حين يجيش الحسد في نفسه فتتحرك له الحيل والنوايا لإلحاق الضر به . والمراد من الحسد في قوله : إذا حسد حسد خاص وهو البالغ أشد حقيقته فلا إشكال في تقييد الحسد بـ ( حسد ) وذلك قول عمرو بن معديكرب :


وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدى


أي : تجلى واضحا منيرا .

ولما كان الحسد يستلزم كون المحسود في حالة حسنة ، كثر في كلام العرب الكناية عن السيد بالمحسود ، وبعكسه الكناية عن سيئ الحال بالحاسد ، وعليه قول أبي الأسود :


حسدوا الفتى أن لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغضا إنه لمشوم


وقول بشار بن برد :


إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظا بما يجد


قل أعوذ برب الناس ( 1 ) ملك الناس ( 2 ) إله الناس ( 3 ) من شر الوسواس الخناس ( 4 ) الذي يوسوس في صدور الناس ( 5 ) من الجنة والناس ( 6 )


مقدمة

تقدم عند تفسير أول سورة الفلق أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - سمى سورة الناس ( قل أعوذ برب الناس ) .

وتقدم في سورة الفلق أنها وسورة الناس تسميان ( المعوذتين ) ، و ( المشقشقتين ) بتقديم الشين على القافين ، وتقدم أيضا أن الزمخشري والقرطبي ذكرا أنهما تسميان ( المقشقشتين ) بتقديم القافين على الشينين ، وعنونها ابن عطية في المحرر الوجيز ( سورة المعوذة الثانية ) بإضافة ( سورة ) إلى ( المعوذة ) من إضافة الموصوف إلى الصفة . وعنونهما الترمذي ( المعوذتين ) ، وعنونها البخاري في صحيحه ( سورة قل أعوذ برب الناس ) .

وفي مصاحفنا القديمة والحديثة المغربية والمشرقية تسمية هذه السورة ( سورة الناس ) وكذلك أكثر كتب التفسير .

وهي مكية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مكية ، ومدنية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مدنية . والصحيح أنهما نزلتا متعاقبتين ، فالخلاف في إحداهما كالخلاف في الأخرى .

وقال في الإتقان : إن سبب نزولها قصة سحر لبيد بن الأعصم ، وأنها نزلت مع ( سورة الفلق ) وقد سبقه على ذلك القرطبي والواحدي ، وقد علمت تزييفه في سورة الفلق .

وعلى الصحيح من أنها مكية فقد عدت الحادية والعشرين من السور ، نزلت عقب سورة الفلق وقبل سورة الإخلاص .

وعدد آيها ست آيات ، وذكر في الإتقان قولا : إنها سبع آيات وليس معزوا لأهل العدد .

إرشاد النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن يتعوذ بالله ربه من شر الوسواس الذي يحاول إفساد عمل النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وإفساد إرشاده ويلقي في نفوس الناس الإعراض عن دعوته . وفي هذا الأمر إيماء إلى أن الله تعالى معيذه من ذلك فعاصمه في نفسه من تسلط وسوسة الوسواس عليه ، ومتمم دعوته حتى تعم في الناس . ويتبع ذلك تعليم المسلمين التعوذ بذلك ، فيكون لهم من هذا التعوذ ما هو حظهم ، ومن قابلية التعرض إلى الوسواس ، ومن السلامة منه بمقدار مراتبهم في الزلفى .


قل أعوذ برب الناس ( 1 ) ملك الناس ( 2 ) إله الناس ( 3 )

شابهت فاتحتها فاتحة سورة الفلق إلا أن سورة الفلق تعوذ من شرور المخلوقات من حيوان وناس ، وسورة الناس تعوذ من شرور مخلوقات خفية وهي الشياطين .

والقول في الأمر بالقول ، وفي المقول ، وفي أن الخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم ، والمقصود شموله أمته ، كالقول في نظيره في سورة الفلق سواء .

وعرف ( رب ) بإضافته إلى الناس دون غيرهم من المربوبين ; لأن الاستعاذة من شر يلقيه الشيطان في قلوب الناس فيضلون ويضلون ، فالشر المستعاذ منه مصبه إلى الناس ، فناسب أن يستحضر المستعاذ إليه بعنوان أنه رب من يلقون الشر ومن يلقى إليهم ليصرف هؤلاء ، ويدفع عن الآخرين كما يقال لمولى العبد : يا مولى فلان كف عني عبدك .

وقد رتبت أوصاف الله بالنسبة إلى الناس ترتيبا مدرجا ، فإن الله خالقهم ، ثم هم غير خارجين عن حكمه إذا شاء أن يتصرف في شئونهم ، ثم زيد بيانا بوصف [ ص: 633 ] إلهيته لهم ليتبين أن ربوبيته لهم وحاكميته فيهم ليست كربوبية بعضهم بعضا وحاكمية بعضهم في بعض .

وفي هذا الترتيب إشعار أيضا بمراتب النظر في معرفة الله تعالى ، فإن الناظر يعلن بادئ ذي بدء بأن له ربا بسبب ما يشعر به من وجود نفسه ونعمة تركيبه ، ثم يتغلغل في النظر فيشعر بأن ربه هو الملك الحق الغني عن الخلق ، ثم يعلم أنه المستحق للعبادة فهو إله الناس كلهم .

و ملك الناس عطف بيان من رب الناس وكذلك إله الناس فتكرير لفظ الناس دون اكتفاء بضميره ; لأن عطف البيان يقتضي الإظهار ليكون الاسم المبين ( بكسر الياء ) مستقلا بنفسه ; لأن عطف البيان بمنزلة علم للاسم المبين ( بالفتح ) .

والناس : اسم جمع للبشر جميعهم أو طائفة منهم ولا يطلق على غيرهم على التحقيق .


من شر الوسواس الخناس ( 4 )

والوسواس : المتكلم بالوسوسة ، وهي الكلام الخفي . قال رؤبة يصف صائدا في قترته :

وسوس يدعو مخلصا رب الفلق

فالوسواس اسم فاعل ، ويطلق الوسواس بفتح الواو مجازا على ما يخطر بنفس المرء من الخواطر التي يتوهمها مثل كلام يكلم به نفسه . قال عروة بن أذينة :


وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها

والتعريف في ( الوسواس ) تعريف الجنس ، وإطلاق ( الوسواس ) على معنييه المجازي والحقيقي يشمل الشياطين التي تلقي في أنفس الناس الخواطر الشريرة قال تعالى : فوسوس إليه الشيطان ، ويشمل الوسواس كل من يتكلم كلاما خفيا من الناس ، وهم أصحاب المكائد والمؤامرات المقصود منها إلحاق الأذى من اغتيال نفوس أو سرقة أموال أو إغراء بالضلال والإعراض عن الهدى ; لأن شأن مذاكرة هؤلاء بعضهم مع بعض أن تكون سرا لئلا يطلع عليها من يريدون الإيقاع به ، وهم الذين يتربصون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدوائر ويغرون الناس بأذيته .

والخناس : الشديد الخنس والكثيره . والمراد أنه صار عادة له . والخنس والخنوس : الاختفاء . والشيطان يلقب بـ ( الخناس ) لأنه يتصل بعقل الإنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنه خنس فيه ، وأهل المكر والكيد والتختل خناسون ; لأنهم يتحينون غفلات الناس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس بهم .

فالتعريف في ( الخناس ) على وزن تعريف موصوفه ، ولأن خواطر الشر يهم بها صاحبها فيطرق ويتردد ويخاف تبعاتها وتزجره النفس اللوامة ، أو يزعه وازع الدين أو الحياء أو خوف العقاب عند الله أو عند الناس ثم تعاوده حتى يطمئن لها ويرتاض بها فيصمم على فعلها فيقترفها ، فكأن الشيطان يبدو له ثم يختفي ، ثم يبدو ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور .


الذي يوسوس في صدور الناس ( 5 )

ووصف الوسواس الخناس بـ الذي يوسوس في صدور الناس لتقريب تصوير الوسوسة كي يتقيها المرء إذا اعترته لخفائها ، وذلك بأن بين أن مكان إلقاء الوسوسة هو صدور الناس وبواطنهم ، فعبر بها عن الإحساس النفسي كما قال تعالى : ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال تعالى : إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه . وقال النبيء - صلى الله عليه وسلم : الإثم ما حاك في الصدر وتردد في القلب فغاية الوسواس من وسوسته بثها في نفس المغرور والمشبوك في فخه ، فوسوسة الشياطين اتصالات جاذبية النفوس نحو داعية الشياطين وقد قربها النبيء - صلى الله عليه وسلم - في آثار كثيرة بأنواع من التقريب منها ( أنها كالخراطيم يمدها الشيطان إلى قلب الإنسان ) وشبهها مرة بالنفث ، ومرة بالإبساس . وفي الحديث ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما ) .

وإطلاق فعل ( يوسوس ) على هذا العمل الشيطاني مجاز ، إذ ليس للشيطان كلام في باطن الإنسان . وأما إطلاقه على تسويل الإنسان لغيره عمل السوء فهو حقيقة . وتعلق المجرور من قوله : في صدور الناس بفعل يوسوس بالنسبة لوسوسة الشيطان تعلق حقيقي ، وأما بالنسبة لوسوسة الناس فهو مجاز عقلي ; لأن وسوسة الناس سبب لوقوع أثرها في الصدور فكان في كل من فعل ( يوسوس ) ومتعلقه استعمال اللفظين في الحقيقة والمجاز .


من الجنة والناس ( 6 )

و ( من ) في قوله : من الجنة والناس بيانية بينت الذي يوسوس في صدور الناس بأنه *** ينحل باعتبار إرادة حقيقته ومجازه إلى صنفين : صنف من الجنة وهو أصله ، وصنف من الناس وما هو إلا تبع وولي للصنف الأول ، وجمع الله هذين الصنفين في قوله : ( وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) .

ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاء ما ينجر من وسوسة نوع الإنسان ; لأن الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان ، وربما لا يخطر بالبال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين ، وهو وسوسة أهل نوعهم وهو أشد خطرا ، وهم بالتعوذ منهم أجدر ، لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر ، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر .

ولا يستقيم أن يكون ( من ) بيانا للناس ، إذ لا يطلق اسم الناس على ما يشمل الجن ، ومن زعم ذلك فقد أبعد .

وقدم ( الجنة ) على ( الناس ) هنا لأنهم أصل الوسواس كما علمت بخلاف تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبيء عدوا شياطين الإنس والجن ) لأن خبثاء الناس أشد مخالطة للأنبياء من الشياطين ; لأن الله عصم أنبياءه من تسلط الشياطين على نفوسهم . قال تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن الله أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه ، فزكى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين ، ولم يعصمهم من لحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره ، قال تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ولكنه ضمن لرسله النجاة من كل ما يقطع إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد الله .

والجنة : اسم جمع جني بياء النسب إلى نوع الجن ، فالجني الواحد من نوع الجن ، كما يقال : إنسي للواحد من الإنس .

وتكرير كلمة ( الناس ) في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهار في مقام الإضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى وملكه وإلهيته للناس كلهم [ ص: 636 ] كقوله تعالى : يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب .

وأما تكريره المرة الثالثة بقوله : في صدور الناس فهو إظهار لأجل بعد المعاد .

وأما تكريره المرة الرابعة بقوله : من الجنة والناس فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس ، وذلك غير ماصدق كلمة ( الناس ) في المرات السابقة .

EL Mister
12/06/2009, 11:28
بسم الله الرحمن الرحيم

( قل هو الله أحد ( 1 ) الله الصمد ( 2 ) لم يلد ولم يولد ( 3 ) ولم يكن له كفوا أحد ( 4 ) )


مقدمة

المشهور في تسميتها في عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم - وفيما جرى من لفظه وفي أكثر ما روي عن الصحابة تسميتها ( سورة قل هو الله أحد ) .

روى الترمذي عن أبي هريرة ، وروى أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وعن أم كلثوم بنت عقبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) وهو ظاهر في أنه أراد تسميتها بتلك الجملة لأجل تأنيث الضمير من قوله ( تعدل ) فإنه على تأويلها بمعنى السورة .

وقد روي عن جمع من الصحابة ما فيه تسميتها بذلك ، فذلك هو الاسم الوارد في السنة .

ويؤخذ من حديث البخاري عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري ما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الله الواحد الصمد ) ثلث القرآن فذكر ألفاظا تخالف ما تقرأ به ، ومحمله على إرادة التسمية . وذكر القرطبي أن رجلا لم يسمه قرأ كذلك والناس يستمعون وادعى أن ما قرأ به هو الصواب وقد ذمه القرطبي وسبه .

وسميت في أكثر المصاحف وفي معظم التفاسير وفي جامع الترمذي ( سورة الإخلاص ) واشتهر هذا الاسم لاختصاره وجمعه معاني هذه السورة ; لأن فيها تعليم الناس إخلاص العبادة لله تعالى ، أي : سلامة الاعتقاد من الإشراك بالله غيره في الإلهية .

وسميت في بعض المصاحف التونسية سورة التوحيد لأنها تشتمل على إثبات أنه تعالى واحد .

وفي الإتقان أنها تسمى سورة الأساس لاشتمالها على توحيد الله وهو [ ص: 610 ] أساس الإسلام . وفي الكشاف ( روي عن أبي وأنس عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أست السماوات السبع والأرضون السبع على ( قل هو الله أحد ) . يعني : ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته .

وذكر في الكشاف : أنها وسورة الكافرون تسميان المقشقشتين ، أي : المبرئتين من الشرك ومن النفاق .

وسماها البقاعي في نظم الدرر سورة الصمد ، وهو من الأسماء التي جمعها الفخر . وقد عقد الفخر في التفسير الكبير فصلا لأسماء هذه السورة فذكر لها عشرين اسما بإضافة عنوان سورة إلى كل اسم منها ولم يذكر أسانيدها ، فعليك بتتبعها على تفاوت فيها وهي : التفريد ، والتجريد ; ( لأنه لم يذكر فيها سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ) ، والتوحيد ( كذلك ) ، والإخلاص ( لما ذكرناه آنفا ) ، والنجاة ( لأنها تنجي من الكفر في الدنيا ومن النار في الآخرة ) ، والولاية ; ( لأن من عرف الله بوحدانيته فهو من أوليائه المؤمنين الذين لا يتولون غير الله ) ، والنسبة ( لما روي أنها نزلت لما قال المشركون : انسب لنا ربك ، كما سيأتي ) ، والمعرفة ( لأنها أحاطت بالصفات التي لا تتم معرفة الله إلا بمعرفتها ) ، والجمال ( لأنها جمعت أصول صفات الله وهي أجمل الصفات وأكملها ، ولما روي أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله جميل يحب الجمال فسألوه عن ذلك فقال : أحد صمد لم يلد ولم يولد ) . والمقشقشة ( يقال : قشقش الدواء الجرب إذا أبرأه لأنها تقشقش من الشرك ، وقد تقدم آنفا أنه اسم لسورة الكافرون أيضا ) ، والمعوذة ( لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بن مظعون وهو مريض فعوذه بها وبالسورتين اللتين بعدها وقال له : تعوذ بها ) . والصمد ( لأن هذا اللفظ خص بها ) ، والأساس ( لأنها أساس العقيدة الإسلامية ) ، والمانعة ( لما روي أنها تمنع عذاب القبر ولفحات النار ) والمحضر ; ( لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت ) ، و المنفرة ( لأن الشيطان ينفر عند قراءتها ) ، والبراءة ( لأنها تبرئ من الشرك ) ، والمذكرة ( لأنها تذكر خالص التوحيد الذي هو مودع في الفطرة ) ، والنور ( لما روي أن نور القرآن قل هو الله أحد ) ، والأمان ( لأن من اعتقد ما فيها أمن من العذاب .

[ ص: 611 ] وبضميمة اسمها المشهور ( قل هو الله أحد ) تبلغ أسماؤها اثنين وعشرين ، وقال الفيروز آبادي في بصائر التمييز : إنها تسمى الشافية فتبلغ واحدا وعشرين اسما .

وهي مكية في قول الجمهور ، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرظي : هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس .

ومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها ، فروى الترمذي عن أبي بن كعب ، وروى عبيد العطار عن ابن مسعود ، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله أن قريشا قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم : انسب لنا ربك . فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها ، فتكون مكية .

وروى أبو صالح عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد أتيا النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال عامر : إلام تدعونا ؟ قال : إلى الله ، قال : صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة أم من حديد أم من خشب ؟ ( يحسب لجهله أن الإله صنم كأصنامهم من معدن أو خشب أو حجارة ) فنزلت هذه السورة ، فتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة . وقال الواحدي : إن أحبار اليهود ( منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم : صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك ، فنزلت .

والصحيح أنها مكية ، فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة ، ولعل تأويل من قال : إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد ، أو حينما سأل أحبار اليهود أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قرأ عليهم هذه السورة ، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ ، أو لم يضبط الرواة عنهم عبارتهم تمام الضبط .

قال في الإتقان : وجمع بعضهم بين الروايتين بتكرر نزولها ، ثم ظهر لي ترجيح أنها مدنية كما بينته في أسباب النزول اهـ .

وعلى الأصح من أنها مكية عدت السورة الثانية والعشرين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الناس وقبل سورة النجم .

وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربع ، وعند أهل مكة والشام خمس باعتبار لم يلد آية ولم يولد آية .


أغراض السورة

إثبات وحدانية الله تعالى .

وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات وإبطال أن يكون له ابن .

وإبطال أن يكون المولود إلها مثل عيسى عليه السلام .

والأحاديث في فضائلها كثيرة وقد صح أنها تعدل ثلث القرآن . وتأويل هذا الحديث مذكور في شرح الموطأ والصحيحين .


قل هو الله أحد ( 1 )

افتتاح هذه السورة بالأمر بالقول لإظهار العناية بما بعد فعل القول كما علمت ذلك عند قوله تعالى : قل يا أيها الكافرون .

ولذلك الأمر في هذه السورة فائدة أخرى ، وهي أنها نزلت على سبب قول المشركين : انسب لنا ربك ، فكانت جوابا عن سؤالهم فلذلك قيل له ( قل ) كما قال تعالى : قل الروح من أمر ربي فكان للأمر بفعل ( قل ) فائدتان .

وضمير ( هو ) ضمير الشأن لإفادة الاهتمام بالجملة التي بعده ، وإذا سمعه الذين سألوا تطلعوا إلى ما بعده .

ويجوز أن يكون ( هو ) أيضا عائدا إلى الرب في سؤال المشركين حين قالوا : انسب لنا ربك .

ومن العلماء من عد ضمير ( هو ) في هذه السورة اسما من أسماء الله الحسنى ، وهي طريقة صوفية درج عليها فخر الدين الرازي في شرح الأسماء الحسنى نقله [ ص: 613 ] ابن عرفة عنه في تفسيره ، وذكر الفخر ذلك في مفاتيح الغيب ، ولا بد من المزج بين كلاميه .

وحاصلهما قوله : قل هو الله أحد فيها ثلاثة أسماء لله تعالى تنبيها على ثلاثة مقامات .

الأول : مقام السابقين المقربين الناظرين إلى حقائق الأشياء من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله ; لأنه هو الذي لأجله يجب وجوده فما سوى الله عندهم معدوم ، فقوله ( هو ) إشارة مطلقة . ولما كان المشار إليه معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فكان قوله ( هو ) إشارة من هؤلاء المقربين إلى الله فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز ، فكانت لفظة ( هو ) كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء . المقام الثاني مقام أصحاب اليمين المقتصدين فهم شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الممكنات موجودة فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة ( هو ) تامة الإفادة في حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم هو الله .

والمقام الثالث مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الآلهة فقرن لفظ ( أحد ) بقوله : هو الله إبطالا لمقالتهم اهـ .

فاسمه تعالى العلم ابتدئ به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق استحضار صفاته كلها عند التخاطب بين المسلمين وعد المحاجة بينهم وبين المشركين ، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب ، فمسماه لا نزاع في وجوده ، ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تنزه عنها .

أما ( أحد ) فاسم بمعنى ( واحد ) . وأصل همزته الواو ، فيقال : وحد كما يقال أحد ، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة ( بخلاف قلب واو وجوه ) ومعناه منفرد ، قال النابغة :


كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد


أي : كأني وضعت الرجل على ثور وحش أحس بإنسي وهو منفرد عن قطيعه .

وهو صفة مشبهة مثل حسن ، يقال : وحد مثل كرم ، ووحد مثل فرح . [ ص: 614 ] وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتي له ، فلذلك أوثر ( أحد ) هنا على ( واحد ) ; لأن ( واحدا ) اسم فاعل لا يفيد التمكن . فـ ( واحد ) و ( أحد ) وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني : التفرد .

هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ ( أحد ) ، أشهرها أنه يستعمل اسما بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى : لا نفرق بين أحد من رسله في البقرة ، وقوله : ولا أشرك بربي أحدا في الكهف وكذلك إطلاقه على العدد في الحساب نحو : أحد عشر ، وأحد وعشرين ، ومؤنثه إحدى ، ومن العلماء من خلط بين ( واحد ) وبين ( أحد ) فوقع في ارتباك .

فوصف الله بأنه أحد معناه : أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلم وهي الإلهية المعروفة ، فإذا قيل الله أحد فالمراد أنه منفرد بالإلهية . وإذا قيل الله واحد ، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمن دونه ليس بإله . ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلهيته .

فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله تعليما للناس كلهم وإبطالا لعقيدة الشرك وصف الله في هذه السورة بـ ( أحد ) ولم يوصف بـ ( واحد ) ; لأن الصفة المشبهة نهاية ما يمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربي المبين .

وقال ابن سينا في تفسير له لهذه السورة : إن ( أحدا ) دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا ، لا كثرة معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول ، ولا كثرة حسية وهي كثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة ، والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم ، وذلك متضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل ، والمادة والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء والأشكال ، والألوان ، وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل على أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء . وتبيينه : أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك ، والذي لا ينقسم بوجهه أصلا أولى بالواحدية مما ينقسم من بعض الوجوه ، والذي لا ينقسم [ ص: 615 ] انقساما عقليا أولى بالواحدية من الذي ينقسم انقساما بالحس بالقوة ثم بالفعل ، فأحد جامع للدلالة على الواحدية من جميع الوجوه وأنه لا كثرة في موصوفه اهـ .

قلت : قد فهم المسلمون هذا ، فقد روي أن بلالا كان إذا عذب على الإسلام يقول : أحد أحد . وكان شعار المسلمين يوم بدر : أحد أحد .

والذي درج عليه أكثر الباحثين في أسماء الله تعالى أن ( أحدا ) ليس ملحقا بالأسماء الحسنى ; لأنه لم يرد ذكره في حديث أبي هريرة عند الترمذي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعا وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة . وعدها ولم يذكر فيها وصف أحد ، وذكر وصف واحد ، وعلى ذلك درج إمام الحرمين في كتاب الإرشاد وكتاب اللمع والغزالي في شرح الأسماء الحسنى .

وقال الفهري في شرحه على لمع الأدلة لإمام الحرمين عند ذكر اسمه تعالى ( الواحد ) . وقد ورد في بعض الروايات الأحد فلم يجمع بين الاسمين في اسم .

ودرج ابن برجان الإشبيلي في شرح الأسماء والشيخ محمد بن محمد الكومي ( بالميم ) التونسي ، ولطف الله الأرضرومي في معارج النور ، على عد أحد في عداد الأسماء الحسنى مع اسمه الواحد فقالا : الواحد الأحد بحيث هو كالتأكيد له كما يقتضيه عدهم الأسماء تسعة وتسعين ، وهذا بناء على أن حديث أبي هريرة لم يقتض حصر الأسماء الحسنى في التسعة والتسعين ، وإنما هو لبيان فضيلة تلك الأسماء المعدودة فيه .

والمعنى أن الله منفرد بالإلهية لا يشاركه فيها شيء من الموجودات ، وهذا إبطال للشرك الذي يدين به أهل الشرك ، وللتثليث الذي أحدثه النصارى الملكانية وللثانوية عند المجوس ، وللعد الذي لا يحصى عند البراهمة .

فقوله : الله أحد نظير قوله في الآية الأخرى إنما الله إله واحد وهذا هو المعنى الذي يدركه المخاطبون في هذه الآية السائلون عن نسبة الله ، أي : حقيقته ، [ ص: 616 ] فابتدئ لهم بأنه واحد ليعلموا أن الأصنام ليست من الإلهية في شيء .

ثم إن الأحدية تقتضي الوجود لا محالة فبطل قول المعطلة والدهريين .

وقد اصطلح علماء الكلام من أهل السنة على استخراج الصفات السلبية الربانية من معنى الأحدية ; لأنه إذا كان منفردا بالإلهية كان مستغنيا عن المخصص بالإيجاب ; لأنه لو افتقر إلى من يوجده لكان من يوجده إلها أول منه ; فلذلك كان وجود الله قديما غير مسبوق بعدم ولا محتاج إلى مخصص بالوجود بدلا عن العدم ، وكان مستعينا على الإمداد بالوجود فكان باقيا ، وكان غنيا عن غيره ، وكان مخالفا للحوادث وإلا لاحتاج مثلها إلى المخصص فكان وصفه تعالى بـ ( أحد ) جامعا للصفات السلبية . ومثل ذلك يقال في مرادفه وهو وصف واحد .

واصطلحوا على أن أحدية الله أحدية واجبة كاملة ، فالله تعالى واحد من جميع الوجوه ، وعلى كل التقادير فليس لكنه الله كثرة أصلا لا كثرة معنوية وهي تعدد المقومات من الأجناس والفصول التي تتقوم منها المواهي ، ولا كثرة الأجزاء في الخارج التي تتقوم منها الأجسام . فأفاد وصف ( أحد ) أنه منزه عن الجنس والفصل والمادة والصورة ، والأعراض والأبعاض ، والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما ينافي الوحدة الكاملة كما أشار إليه ابن سينا .

قال في الكشاف : وفي قراءة النبيء - صلى الله عليه وسلم - الله أحد بغير قل هو اهـ ولعله أخذه مما روى أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : من قرأ ( الله أحد ) كان بعدل ثلث القرآن كما ذكره بأثر قراءة أبي بدون ( قل ) مما تأوله الطيبي ، إذ قال وهذا استشهاد على هذه القراءة .

وعندي إن صح ما روي من القراءة أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد بها التلاوة ، وإنما قصد الامتثال لما أمر بأن يقول ، وهذا كما كان يكثر أن يقول ( سبحان ربي العظيم وبحمده اللهم اغفر لي ) يتأول قوله تعالى : فسبح بحمد ربك واستغفره .


الله الصمد ( 2 )

جملة ثانية محكية بالقول المحكي به جملة الله أحد فهي خبر ثان عن الضمير . والخبر المتعدد يجوز عطفه وفصله ، وإنما فصلت عن التي قبلها ; لأن هذه الجمل مسوقة لتلقين السامعين فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة بذاتها غير ملحقة بالتي قبلها بالعطف ، على طريقة إلقاء المسائل على المتعلم نحو أن يقول : الحوز شرط صحة الحبس ، الحوز لا يتم إلا بالمعاينة ، ونحو قولك : عنترة من فحول الشعراء ، عنترة من أبطال الفرسان .

ولهذا الاعتبار وقع إظهار اسم الجلالة في قوله : الله الصمد وكان مقتضى الظاهر أن يقال : هو الصمد .

والصمد : السيد الذي لا يستغنى عنه في المهمات ، وهو سيد القوم المطاع فيهم .

قال في الكشاف : وهو فعل بمعنى مفعول من : صمد إليه ، إذا قصده ، فالصمد المصمود في الحوائج . قلت : ونظيره السند الذي تسند إليه الأمور المهمة ، والفلق اسم الصباح لأنه يتفلق عنه الليل .

والصمد : من صفات الله ، والله هو الصمد الحق الكامل الصمدية على وجه العموم .

فالصمد من الأسماء التسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند الترمذي . ومعناه : المفتقر إليه كل ما عداه ، فالمعدوم مفتقر وجوده إليه والموجود مفتقر في شئونه إليه .

وقد كثرت عبارات المفسرين من السلف في معنى الصمد ، وكلها مندرجة تحت هذا المعنى الجامع ، وقد أنهاها فخر الدين إلى ثمانية عشر قولا ، ويشمل هذا الاسم صفات الله المعنوية الإضافية وهي كونه تعالى حيا ، عالما ، مريدا ، قادرا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ; لأنه لو انتفى عنه أحد هذه الصفات لم يكن مصمودا إليه .

وصيغة الله الصمد صيغة قصر بسبب تعريف المسند ، فتفيد قصر صفة الصمدية على الله تعالى ، وهو قصر قلب لإبطال ما تعوده أهل الشرك في الجاهلية من دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نسوا الله . قال أبو سفيان ليلة فتح مكة وهو بين يدي النبيء - صلى الله عليه وسلم - وقال له النبيء - صلى الله عليه وسلم : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله ؟ لقد علمت أن لو كان معه إله آخر لقد أغنى عني شيئا .


لم يلد ولم يولد ( 3 )

جملة لم يلد خبر ثان عن اسم الجلالة من قوله : الله الصمد أو حال من المبتدأ أو بدل اشتمال من جملة الله الصمد لأن من يصمد إليه لا يكون من حاله أن يلد ; لأن طلب الولد لقصد الاستعانة به في إقامة شئون الوالد وتدارك عجزه ، ولذلك استدل على إبطال قولهم اتخذ الله ولدا بإثبات أنه الغني في قوله تعالى : قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض فبعد أن أبطلت الآية الأولى من هذه السورة تعدد الإله بالأصالة والاستقلال ، أبطلت هذه الآية تعدد الإله بطريق تولد إله عن إله ; لأن المتولد مساو لما تولد عنه .

والتعدد بالتولد مساو في الاستحالة لتعدد الإله بالأصالة لتساوي ما يلزم على التعدد في كليهما من فساد الأكوان المشار إليه بقوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ( وهو برهان التمانع ) ، ولأنه لو تولد عن الله موجود آخر للزم انفصال جزء عن الله تعالى وذلك مناف للأحدية كما علمت آنفا ، وبطل اعتقاد المشركين من العرب أن الملائكة بنات الله تعالى فعبدوا الملائكة لذلك ; لأن النبوة للإله تقتضي إلهية الابن قال تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل عباد مكرمون .

وجملة ولم يولد عطف على جملة لم يلد أي : ولم يلده غيره ، وهي بمنزلة الاحتراس سدا لتجويز أن يكون له والد ، فأردف نفي الولد بنفي الوالد ، وإنما قدم نفي الولد لأنه أهم ، إذ قد نسب أهل الضلالة الولد إلى الله تعالى ولم ينسبوا [ ص: 619 ] إلى الله والدا . وفيه الإيماء إلى أن من يكون مولودا مثل عيسى لا يكون إلها ; لأنه لو كان الإله مولودا لكان وجوده مسبوقا بعدم لا محالة وذلك محال ; لأنه لو كان مسبوقا بعدم لكان مفتقرا إلى من يخصصه بالوجود بعد العدم ، فحصل من مجموع جملة لم يلد ولم يولد إبطال أن يكون الله والدا لمولود ، أو مولودا من والد بالصراحة . وبطلت إلهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإله مثل عقيدة ( زرادشت ) الثانوية القائلة بوجود إلهين : إله الخير وهو الأصل ، وإله الشر وهو متولد عن إله الخير . لأن إله الخير وهو المسمى عندهم ( يزدان ) فكر فكرة سوء ، فتولد منه إله الشر المسمى عندهم ( أهرمن ) وقد أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله :


قال أناس باطل زعمهم فراقبوا الله ولا تزعمن فكر ( يزدان ) على غرة
فصيغ من تفكيره ( أهرمن )


وبطلت عقيدة النصارى بإلهية عيسى - عليه السلام - بتوهمهم أنه ابن الله وأن ابن الله لا يكون إلا إلها بأن الإله يستحيل أن يكون له ولد ، فليس عيسى بابن الله ، وبأن الإله يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم ، فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلها ، فبطل أن يكون عيسى إلها .

فلما أبطلت الجملة الاسمية الأولى إلهية إله غير الله بالأصالة ، وأبطلت الجملة الثانية إلهية غير الله بالاستحقاق ، أبطلت هذه الجملة إلهية غير الله بالفرعية والتولد بطريق الكناية .

وإنما نفي أن يكون الله والدا وأن يكون مولودا في الزمن الماضي ; لأن عقيدة التولد ادعت وقوع ذلك في زمن مضى ، ولم يدع أحد أن الله سيتخذ ولدا في المستقبل .


ولم يكن له كفوا أحد ( 4 )

في معنى التذليل للجمل التي قبلها لأنها أعم من مضمونها ; لأن تلك الصفات المتقدمة صريحها وكنايتها وضمنيها لا يشبهه فيها غيره ، مع إفادة هذه انتفاء [ ص: 620 ] شبيه له فيما عداها مثل صفات الأفعال كما قال تعالى : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له .

والواو في قوله : ولم يكن له كفؤا أحد اعتراضية ، وهي واو الحال ، كالواو في قوله تعالى : ( وهل يجازى إلا الكفور ) فإنها تذليل لجملة ذلك جزيناهم بما كفروا ويجوز كون الواو عاطفة إن جعلت الواو الأولى عاطفة ، فيكون المقصود من الجملة إثبات وصف مخالفته تعالى للحوادث وتكون استفادة معنى التذليل تبعا للمعنى والنكت ولا تتزاحم .

والكفؤ : بضم الكاف وضم الفاء وهمزة في آخره . وبه قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ، إلا أن الثلاثة الأولين حققوا الهمزة وأبو جعفر سهلها ، ويقال ( كفء ) بضم الكاف وسكون الفاء وبالهمز ، وبه قرأ حمزة ويعقوب ، ويقال ( كفؤا ) بالواو عوض الهمز ، وبه قرأ حفص عن عاصم وهي لغات ثلاث فصيحة .

ومعناه : المساوي والمماثل في الصفات .

و ( أحد ) هنا بمعنى إنسان أو موجود ، وهو من الأسماء النكرات الملازمة للوقوع في حيز النفي .

وحصل بهذا جناس تام مع قوله : قل هو الله أحد .

وتقديم خبر ( كان ) على اسمها للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بذكر الكفؤ عقب الفعل المنفي ليكون أسبق إلى السمع .

وتقديم المجرور بقوله ( له ) على متعلقه وهو ( كفؤا ) للاهتمام باستحقاق الله نفي كفاءة أحد له ، فكان هذا الاهتمام مرجحا تقديم المجرور على متعلقه وإن كان الأصل تأخير المتعلق ، إذا كان ظرفا لغويا . وتأخيره عند سيبويه أحسن ما لم يقتض التقديم مقتض كما أشار إليه في الكشاف .

وقد وردت في فضل هذه السورة أخبار صحيحة وحسنة استوفاها المفسرون . وثبت في الحديث الصحيح في الموطأ والصحيحين من طرق عدة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ) .

واختلفت التأويلات التي تأول بها أصحاب معاني الآثار بهذا الحديث ويجمعها أربع تأويلات .

الأول : أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب القراءة ، أي : تعدل ثلث القرآن إذا قرئ بدونها حتى لو كررها القارئ ثلاث مرات كان له ثواب من قرأ القرآن كله .

الثاني : أنها تعدل ثلث القرآن إذا قرأها من لا يحسن غيرها من سور القرآن .

الثالث : أنها تعدل ثلث معاني القرآن باعتبار أجناس المعاني ; لأن معاني القرآن أحكام وأخبار وتوحيد ، وقد انفردت هذه السورة بجمعها أصول العقيدة الإسلامية ما لم يجمعه غيرها .

وأقول : إن ذلك كان قبل نزول آيات مثلها مثل آية الكرسي ، أو لأنه لا توجد سورة واحدة جامعة لما في سورة الإخلاص .

التأويل الرابع : أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب مثل التأويل الأول ، ولكن لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة .

قال ابن رشد في البيان والتحصيل : أجمع العلماء على أن من قرأ ( قل هو الله أحد ) ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا بالقرآن كله اهـ . فيكون هذا التأويل قيدا للتأويل الأول ، ولكن في حكايته الإجماع على أن ذلك هو المراد - نظرا ، فإن في بعض الأحاديث ما هو صريح في أن تكريرها ثلاث مرات يعدل قراءة ختمة كاملة .

قال ابن رشد : واختلافهم في تأويل الحديث لا يرتفع بشيء منه عن الحديث الإشكال ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض .

وقال أبو عمر بن عبد البر : السكوت على هذه المسألة أفضل من الكلام فيها .

EL Mister
12/06/2009, 11:59
بسم الله الرحمن الرحيم

( تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 ) ما أغنى عنه ماله وما كسب ( 2 ) سيصلى نارا ذات لهب ( 3 ) وامرأته حمالة الحطب ( 4 ) في جيدها حبل من مسد ( 5 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في أكثر المصاحف ( سورة تبت ) وكذلك عنونها الترمذي في جامعه وفي أكثر كتب التفسير ، تسمية لها بأول كلمة فيها .

وسميت في بعض المصاحف وفي بعض التفاسير ( سورة المسد ) . واقتصر في الإتقان على هذين .

وسماها جمع من المفسرين ( سورة أبي لهب ) على تقدير : سورة ذكر أبي لهب . وعنونها أبو حيان في تفسيره ( سورة اللهب ) ولم أره لغيره .

وعنونها ابن العربي في أحكام القرآن سورة ما كان من أبي لهب وهو عنوان وليس باسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت السادسة من السور نزولا ، نزلت بعد سورة الفاتحة وقبل سورة التكوير .

وعدد آيها خمس .

روي أن نزولها كان في السنة الرابعة من البعثة . وسبب نزولها على ما في الصحيحين عن ابن عباس قال : صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم على الصفا فنادى ( يا صباحاه ) - ( كلمة ينادى بها للإنذار من عدو يصبح القوم ) فاجتمعت إليه قريش ، فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، أرأيتم لو أني أخبرتكم أن العدو ممسيكم أو مصبحكم أكنتم تصدقوني ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت تبت يدا [ ص: 600 ] أبي لهب . ووقع في الصحيحين من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا إلى آخر الحديث المتقدم .

ومعلوم أن آية وأنذر عشيرتك الأقربين من سورة الشعراء وهي متأخرة النزول عن سورة تبت ، وتأويل ذلك أن آية تشبه آية سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب لما رواه أبو أسامة يبلغ ابن عباس لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين وقومك منهم المخلصين ) ( ولم يقل من سورة الشعراء ) خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا . فتعين أن آية سورة الشعراء تشبه صدر الآية التي نزلت قبل نزول سورة أبي لهب .


أغراض السورة

زجر أبي لهب على قوله ( تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ ) ووعيده على ذلك ، ووعيد امرأته على انتصارها لزوجها ، وبغضها النبيء - صلى الله عليه وسلم .


تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 )

افتتاح السورة بالتبات مشعر بأنها نزلت لتوبيخ ووعيد ، فذلك براعة استهلال مثل ما تفتتح أشعار الهجاء بما يؤذن بالذم والشتم ، ومنه قوله تعالى : ويل للمطففين ، إذ افتتحت السورة المشتملة على وعيد المطففين للفظ الويل ومن هذا القبيل قول عبد الرحمن بن الحكم من شعراء الحماسة :


لحا الله قيسا قيس عيلان إنها أضاعت ثغور المسلمين وولت


وقول أبي تمام في طالعة هجاء :


النار والعار والمكروه والعطب


ومنه أخذ أبو بكر بن الخازن قوله في طالع قصيدة هناء بمولد :


مجشري فقد أنجز الإقبال ما وعد


والتب : الخسران والهلاك ، والكلام دعاء وتقريع لأبي لهب دافع الله به عن نبيئه بمثال اللفظ الذي شتم به أبو لهب محمدا - صلى الله عليه وسلم - جزاء وفاقا .

وإسناد التب إلى اليدين لما روي من أن أبا لهب لما قال للنبيء : تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ أخذ بيده حجرا ليرميه به . وروي عن طارق المحاربي قال : بينا أنا بسوق ذي المجاز ، إذا أنا برجل حديث السن يقول : أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ، يقول : يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه . فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا محمد يزعم أنه نبيء ، وهذا عمه أبو لهب ، فوقع الدعاء على يديه لأنهما سبب أذى النبيء - صلى الله عليه وسلم - كما يقال للذي يتكلم بمكروه : ( بفيك الحجارة أو بفيك الكثكث ) ، وقول النابغة :


قعودا لدى أبياتهم يثمدونها رمى الله في تلك الأكف الكوانع


ويقال بضد ذلك للذي يقول كلاما حسنا : لا فض فوك ، وقال أعرابي من بني أسد :


دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبي يدي مسور


لأنه دعاه لما نابه من العدو للنصر ، والنصر يكون بعمل اليد بالضرب أو الطعن .

وأبو لهب : هو عبد العزى بن عبد المطلب وهو عم النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وكنيته أبو عتبة تكنية باسم ابنه ، وأما كنيته بأبي لهب في الآية ، فقيل كان يكنى بذلك في الجاهلية ( لحسنه وإشراق وجهه ) وأنه اشتهر بتلك الكنية كما اقتضاه حديث طارق المحاربي ، ومثله حديث عن ربيعة بن عباد الديلي في مسند أحمد ، فسماه القرآن بكنيته دون اسمه ; لأن في اسمه عبادة العزى ، وذلك لا يقره القرآن ، أو لأنه كان بكنيته أشهر منه باسمه العلم ، أو لأن في كنيته ما يتأتى به التوجيه بكونه صائرا إلى النار ، وذلك كناية عن كونه جهنميا ; لأن اللهب ألسنة النار إذا اشتعلت وزال عنها الدخان . والأب : يطلق على ملازم ما أضيف إليه ، كقولهم ( أبوها وكيالها ) ، وكما كني إبراهيم - عليه السلام - أبا الضيفان ، وكنى النبيء - صلى الله عليه وسلم - عبد [ ص: 602 ] الرحمن بن صخر الدوسي أبا هريرة ; لأنه حمل هرة في كم قميصه ، وكني شهر رمضان : أبا البركات ، وكني الذئب : أبا جعدة ، والجعدة سخلة المعز ; لأنه يلازم طلبها لافتراسها ، فكانت كنية أبي لهب صالحة موافقة لحاله من استحقاقه لهب جهنم ، فصار هذا التوجيه كناية عن كونه جهنميا لينتقل من جعل أبي لهب بمعنى ملازم اللهب إلى لازم تلك الملازمة في العرف ، وهو من أهل جهنم وهو لزوم ادعائي مبني على التفاؤل بالأسماء ونحوها كما أشار إليه التفتزاني في مبحث العلمية من شرح المفتاح ، وأنشد قول الشاعر :


قصدت أبا المحاسن كي أراه لشوق كان يجذبني إليه
فلما أن رأيت رأيت فردا ولم أر من بنيه ابنا لديه


وقد يكون أبو لهب كنيته الحطب كما أنبأ عنه ما روي عن أبي هريرة ( أن ابنة أبي لهب قالت للنبيء - صلى الله عليه وسلم : إن الناس يصيحون بي ويقولون : إني ابنة حطب النار ) . الحديث .

وقرأ الجمهور لفظ ( لهب ) بفتح الهاء ، وقرأه ابن كثير بسكون الهاء ، وهو لغة لأنهم كثيرا ما يسكنون عين الكلمة المتحركة مع الفاء ، وقد يكون ذلك ; لأن ( لهب ) صار جزء علم ، والعرب قد يغيرون بعض حركات الاسم إذا نقلوه إلى العلمية كما قالوا : شمس بضم الشين . ولشمس بن مالك الشاعر الذي ذكره تأبط شرا في قوله :


إني لمهد من ثنائي فقاصد به لابن عم الصدق شمس بن مالك


قال أبو الفتح بن جني في كتاب إعراب الحماسة : يجوز أن يكون ضم الشين على وجه تغيير الأعلام نحو معد يكرب ، وتهلك وموهب وغير ذلك مما غير على حال نظائره لأجل العلمية الحادثة فيه اهـ .

وكما قالوا : أبو سلمى بضم السين كنية والد زهير بن أبي سلمى ; لأنهم نقلوا اسم سلمى بفتح السين من أسماء النساء إلى جعله اسم رجل يكنى به ; لأنهم لا يكنون بأسماء النساء غالبا .

ولذلك لم يسكن ابن كثير الهاء من قوله تعالى : ذات لهب وقراءة ابن كثير قراءة أهل مكة فلعل أهل مكة اشتهرت بينهم كنية أبي لهب بسكون الهاء تحقيقا لكثرة دورانها على الألسنة في زمانه .

وجملة ( وتب ) إما معطوفة على جملة تبت يدا أبي لهب عطف الدعاء على الدعاء إذا كان إسناد التبات إلى اليدين لأنهما آلة الأذى بالرمي بالحجارة كما في خبر طارق المحاربي ، فأعيد الدعاء على جميعه إغلاظا له في الشتم والتفريع ، وتفيد بذلك تأكيدا لجملة تبت يدا أبي لهب لأنها بمعناها ، وإنما اختلفتا في الكلية والجزئية ، وذلك الاختلاف هو مقتضي عطفها ، وإلا لكان التوكيد غير معطوف ; لأن التوكيد اللفظي لا يعطف بالواو كما تقدم في سورة الكافرون .

وإما أن تكون في موضع الحال ، والواو واو الحال ولا تكون دعاء إنما هي تحقيق لحصول ما دعي عليه به ، كقول النابغة :


جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات


وقد فعل فيكون الكلام قبله مستعملا في الذم والشماتة به أو لطلب الإزدياد ، ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله بن مسعود وقد تب فيتمحض الكلام قبله لمعنى الذم والتحقير دون معنى طلب حصول التبات له ، وذلك كقول عبد الله بن رواحة حين خروجه إلى غزوة مؤتة التي استشهد فيها :


حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا


يعني : ويقولوا : وقد رشدا ، فيصير قوله : أرشدك الله من غاز ، لمجرد الثناء والغبطة بما حصله من الشهادة .


ما أغنى عنه ماله وما كسب ( 2 )

استئناف ابتدائي للانتقال من إنشاء الشتم والتوبيخ إلى الإعلام بأنه آيس من النجاة من هذا التبات ، ولا يغنيه ماله ، ولا كسبه ، أي : لا يغني عنه ذلك في دفع شيء عنه في الآخرة .

[ ص: 604 ] والتعبير بالماضي في قوله : ما أغنى لتحقيق وقوع عدم الإغناء .

و ( ما ) نافية ، ويجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والإنكار .

والمال : الممتلكات المتمولة ، وغلب على العرب إطلاقه على الإبل ، ومن كلام عمر ( لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ) إلخ . في اتقاء دعوة المظلوم ، من الموطأ ، وقال زهير :


صحيحات مال طالعات بمخرم


وأهل المدينة وخيبر والبحرين يغلب عندهم على النخيل ، وقد تقدم عند قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل في سورة البقرة وفي مواضع .

وما كسب موصول وصلته والعائد محذوف جوازا ; لأنه ضمير نصب ، والتقدير : وما كسبه ، أي : ما جمعه . والمراد به : ما يملكه من غير النعم من نقود وسلاح وربع وعروض وطعام ، ويجوز أن يراد بماله : جميع ماله ، ويكون عطف وما كسب من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به ، أي : ما أغنى عنه ماله التالد وهو ما ورثه عن أبيه عبد المطلب وما كسبه هو بنفسه وهو طريفه .

وروي عن ابن مسعود أن أبا لهب قال : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي نفسي يوم القيامة بمالي وولدي ، فأنزل الله ما أغنى عنه ماله وما كسب وقال ابن عباس ما كسب هو ولده فإن الولد من كسب أخيه .


سيصلى نارا ذات لهب ( 3 )

بيان لجملة ما أغنى عنه ماله وما كسب أي : لا يغني عنه شيء من عذاب جهنم . ونزل هذا القرآن في حياة أبي لهب وقد مات بعد ذلك كافرا ، فكانت هذه الآية إعلاما بأنه لا يسلم ، وكانت من دلائل النبوة .

والسين للتحقيق مثل قوله تعالى : قال سوف أستغفر لكم ربي .

و يصلى نارا يشوى بها ويحس بإحراقها . وأصل الفعل : صلاه بالنار ، إذا [ ص: 605 ] شواه ثم جاء منه صلي كأفعال الإحساس مثل فرح ومرض . ونصب ( نارا ) على نزع الخافض .

ووصف النار بـ ذات لهب لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وبين كفره ، إذ هو أبو لهب والنار ذات لهب .

وهو ما تقدم الإيماء إليه بذكر كنيته كما قدمناه آنفا ، وفي وصف النار بذلك زيادة كشف بحقيقة النار وهو مثل التأكيد .

وبين لفظي ( لهب ) الأول ( ولهب ) الثاني الجناس التام .


وامرأته حمالة الحطب ( 4 ) في جيدها حبل من مسد ( 5 )

أعقب ذم أبي لهب ووعيده بمثل ذلك لامرأته لأنها كانت تشاركه في أذى النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتعينه عليه .

وامرأته : أي : زوجه . قال تعالى في قصة إبراهيم وامرأته قائمة وفي قصة لوط إلا امرأته كانت من الغابرين وفي قصة يوسف امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه .

وامرأة أبي لهب هي أم جميل ، واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان بن حرب ، وقيل : اسمها العوراء ، فقيل : هو وصف وأنها كانت عوراء ، وقيل : اسمها ، وذكر بعضهم : أن اسمها العواء بهمزة بعد الواو .

وكانت أم جميل هذه تحمل حطب العضاه والشوك فتضعه في الليل في طريق النبيء - صلى الله عليه وسلم - الذي يسلك منه إلى بيته ليعقر قدميه .

فلما حصل لأبي لهب وعيد مقتبس من كنيته جعل لامرأته وعيد مقتبس لفظه من فعلها وهو حمل الحطب في الدنيا ، فأنذرت بأنها تحمل الحطب في جهنم ليوقد به على زوجها ، وذلك خزي لها ولزوجها ، إذ جعل شدة عذابه على يد أحب الناس إليه ، وجعلها سببا لعذاب أعز الناس عليها .

[ ص: 606 ] فقوله ( وامرأته ) عطف على الضمير المستتر في ( سيصلى ) أي : وتصلى امرأته نارا .

وقوله : حمالة الحطب قرأه الجمهور برفع ( حمالة ) على أنه صفة لامرأته فيحتمل أنها صفتها في جهنم ، ويحتمل أنها صفتها التي كانت تعمل في الدنيا بجلب حطب العضاه لتضعه في طريق النبيء - صلى الله عليه وسلم - على طريقة التوجيه والإيماء إلى تعليل تعذيبها بذلك .

وقرأه عاصم بنصب ( حمالة ) على الحال من امرأته . وفيه من التوجيه والإيماء ما في قراءة الرفع .

وجملة في جيدها حبل من مسد صفة ثانية أو حال ثانية وذلك إخبار بما تعامل به في الآخرة ، أي : يجعل لها حبل في عنقها تحمل فيه الحطب في جهنم لإسعار النار على زوجها جزاء مماثلا لعملها في الدنيا الذي أغضب الله تعالى عليها .

والجيد : العنق ، وغلب في الاستعمال على عنق المرأة وعلى محل القلادة منه ، فقل أن يذكر العنق في وصف النساء في الشعر العربي إلا إذا كان عنقا موصوفا بالحسن ، وقد جمعهما امرؤ القيس في قوله :


وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل


قال السهيلي في الروض : " والمعروف أن يذكر العنق إذا ذكر الحلي أو الحسن ، فإنما حسن هنا ذكر الجيد في حكم البلاغة ; لأنها امرأة والنساء تحلي أجيادهن ، وأم جميل لا حلي لها في الآخرة إلا الحبل المجعول في عنقها ، فلما أقيم لها ذلك مقام الحلي ذكر الجيد معه ، ألا ترى إلى قول الأعشى :


يوم تبدي لنا قتيلة عن جيـ د أسيل تزينه الأطواق


ولم يقل عن عنق ، وقول الآخر :


وأحسن من عقد المليحة جيدها


ولم يقل عنقها ولو قال لكان غثا من الكلام " . اهـ .

[ ص: 607 ] قلت : وأما قول المعري :


الحجل للرجل والتاج المنيف لما فوق الحجاج وعقد الدر للعنق


فإنما حسنه ما بين العقد والعنق من الجناس إتماما للمجانسة التي بين الحجل والرجل ، والتاج والحجاج ، وهو مقصود الشاعر .

والحبل : ما يربط به الأشياء التي يراد اتصال بعضها ببعض وتقيد به الدابة والمسجون كي لا يبرح من المكان ، وهو ضفير من الليف أو من سيور جلد في طول متفاوت على حسب قوة ما يشد به أو يربط في وتد أو حلقة أو شجرة بحيث يمنع المربوط به من مغادرة موضعه إلى غيره إلى بعد يراد ، وتربط به قلوع السفن في الأرض في الشواطئ ، وتقدم في قوله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ، وقوله : إلا بحبل من الله وحبل من الناس كلاها في سورة آل عمران ، ويقال : حبله إذا ربطه .

والمسد : ليف من ليف اليمن شديد ، والحبال التي تفتل منه تكون قوية وصلبة .

وقدم الخبر من قوله : في جيدها للاهتمام بوصف تلك الحالة الفظيعة التي عوضت فيها بحبل في جيدها عن العقد الذي كانت تحلي به جيدها في الدنيا فتربط به إذا كانت هي وزوجها من أهل الثراء وسادة أهل البطحاء ، وقد ماتت أم جميل على الشرك .

EL Mister
12/06/2009, 12:17
بسم الله الرحمن الرحيم

( إذا جاء نصر الله والفتح ( 1 ) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ( 2 ) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( 3 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في كلام السلف ( سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) . روى البخاري ( أن عائشة قالت : لما نزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) الحديث .

وسميت في المصاحف وفي معظم التفاسير ( سورة النصر ) لذكر نصر الله فيها ، فسميت بالنصر المعهود عهدا ذكريا .

وهي معنونة في جامع الترمذي ( سورة الفتح ) لوقوع هذا اللفظ فيها فيكون هذا الاسم مشتركا بينها وبين إنا فتحنا لك فتحا مبينا .

وعن ابن مسعود أنها تسمى سورة التوديع في الإتقان ; لما فيها من الإيماء إلى وداعه - صلى الله عليه وسلم - اهـ . يعني : من الإشارة إلى اقتراب لحاقه بالرفيق الأعلى كما سيأتي عن عائشة .

وهي مدنية بالاتفاق .

واختلف في وقت نزولها فقيل نزلت منصرف النبيء - صلى الله عليه وسلم - من خيبر أي : في سنة سبع ، ويؤيده ما رواه الطبري والطبراني عن ابن عباس : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة نزلت إذا جاء نصر الله والفتح ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : الله أكبر جاء نصر الله والفتح ، وجاء نصر أهل اليمن . فقال رجل : يا رسول الله وما أهل اليمن ؟ قال : قوم رقيقة قلوبهم ، لينة طباعهم ، الإيمان يمان ، والفقه يمان ، والحكمة يمانية اهـ ، ومجيء أهل اليمن أول مرة هو مجيء وفد الأشعريين عام غزوة خيبر .

ولم يختلف أهل التأويل أن المراد بالفتح في الآية هو فتح مكة ، وعليه فالفتح [ ص: 588 ] مستقبل ودخول الناس في الدين أفواجا مستقبل أيضا وهو الأليق باستعمال ( إذا ) ويحمل قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - ( جاء نصر الله والفتح ) على أنه استعمال الماضي في معنى المضارع لتحقق وقوعه ، أو لأن النصر في خيبر كان بادرة لفتح مكة .

وعن قتادة : نزلت قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنتين .

وقال الواحدي عن ابن عباس ( نزلت منصرفه من حنين ) ، فيكون الفتح قد مضى ودخول الناس في الدين أفواجا مستقبلا ، وهو في سنة الوفود سنة تسع ، وعليه تكون ( إذا ) مستعملة في مجرد التوقيت دون تعيين .

وروى البزاز والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر أنها أنزلت أواسط أيام التشريق ( أي : عام حجة الوداع ) . وضعفه ابن رجب بأن فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف . وقال أحمد بن حنبل : لا تحل الرواية عنه وإن صحت هذه الرواية كان الفتح ودخول الناس في الدين أفواجا قد مضيا .

وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاش بعد نزولها نحو ثلاثة أشهر وعليه تكون ( إذا ) مستعملة للزمن الماضي ; لأن الفتح ودخول الناس في الدين قد وقعا .

وقد تظافرت الأخبار رواية وتأويلا أن هذه السورة تشتمل على إيماء إلى اقتراب أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في ذلك ما يرجح أحد الأقوال في وقت نزولها ، إذ لا خلاف في أن هذا الإيماء يشير إلى توقيت مجيء النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجا ، فإذا حصل ذلك حان الأجل الشريف .

وفي حديث ابن عباس في صحيح البخاري : هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له قال : إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره .

وفي هذا ما يؤول ما في بعض الأخبار من إشارة إلى اقتراب ذلك الأجل مثلما في حديث ابن عباس عند البيهقي في دلائل النبوة والدارمي وابن مردويه : ( لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة وقال : إنه قد نعيت إلي نفسي فبكت ) إلخ ، فإن قوله : " لما نزلت " مدرج من الراوي ، وإنما هو [ ص: 589 ] إعلام لها في مرضه كما جاء في حديث الوفاة في الصحيحين ، فهذا جمع بين ما يلوح منه تعارض في هذا الشأن .

وعدها جابر بن زيد السورة المائة والثلاث في ترتيب نزول السور وقال : نزلت بعد سورة الحشر وقبل سورة النور . وهذا جار على رواية أنها نزلت عقب غزوة خيبر .

وعن ابن عباس ، أنها آخر سورة نزلت من القرآن فتكون على قوله السورة المائة وأربع عشرة نزلت بعد سورة براءة ولم تنزل بعدها سورة أخرى .

وعدد آياتها ثلاث وهي مساوية لسورة الكوثر في عدد الآيات إلا أنها أطول من سورة الكوثر عدة كلمات ، وأقصر من سورة العصر . وهاته الثلاث متساوية في عدد الآيات . وفي حديث ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق السبعي في حديث طعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فصلى عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة بأقصر سورتين في القرآن ( إنا أعطيناك الكوثر ) و ( إذا جاء نصر الله والفتح ) .


أغراض السورة

والغرض منها الوعد بنصر كامل من عند الله أو بفتح مكة ، والبشارة بدخول خلائق كثيرة في الإسلام بفتح وبدونه إن كان نزولها عند منصرف النبيء - صلى الله عليه وسلم - من خيبر كما قال ابن عباس في أحد قوليه .

والإيماء إلى أنه حين يقع ذلك فقد اقترب انتقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الآخرة .

ووعده بأن الله غفر له مغفرة تامة لا مؤاخذة عليه بعدها في شيء مما يختلج في نفسه الخوف أن يكون منه تقصير يقتضيه تحديد القوة الإنسانية الحد الذي لا يفي بما تطلبه همته الملكية بحيث يكون قد ساوى الحد الملكي الذي وصفه الله تعالى في الملائكة بقوله : يسبحون الليل والنهار لا يفترون .


إذا جاء نصر الله والفتح ( 1 ) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ( 2 ) فسبح بحمد ربك واستغفره

( إذا ) اسم زمان مبهم يتعين مقداره بمضمون جملة يضاف إليها هو . فـ ( إذا ) اسم زمان مطلق ، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالبا . ولذلك يضمن معنى الشرط غالبا ، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالبا لإفادة التحقق ، وقد يكون مضارعا كقوله تعالى : وهو على جمعهم إذا يشاء قدير .

ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي ، ولا تضمن ( إذا ) معنى الشرط حينئذ ، وإنما هي لمجرد الإخبار دون قصد تعليق نحو وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها .

و ( إذا ) هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء بقوله : فسبح بحمد ربك وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت .

والنصر : الإعانة على العدو . ونصر الله يعقبه التغلب على العدو . والفتح : امتلاك بلد العدو وأرضه ; لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى : ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأرضين التي لها شعاب وثغور ، قال لبيد :


وأجن عورات الثغور ظلامها


وقد فتح المسلمون خيبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد ، وهو المعهود في قوله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا .

فإضافة ( نصر ) إلى ( الله ) تشعر بتعظيم هذا النصر ، وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها . و ( جاء ) مستعمل في معنى : حصل وتحقق مجازا .

[ ص: 591 ] والتعريف في ( الفتح ) للعهد وقد وعد الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - به غير مرة من ذلك قوله تعالى : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد وقوله : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا . وهذه الآية نزلت عام الحديبية ، وذلك قبل نزول سورة إذا جاء نصر الله على جميع الأقوال .

وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمن بعدهم على أن الفتح المذكور في هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح المدائن والقصور ، يعني : الحصون . وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم ، فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد ، وأهل مكة يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبيء - صلى الله عليه وسلم - ويتلومون بدخولهم في الإسلام فتح مكة يقولون : إن ظهر محمد على قومه فهو نبي . وتكرر أن صد بعضهم بعضا ممن يريد اتباع الإسلام ، عن الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإسلام أو غلب الشرك .

أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال : " لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة ، فيقولون : دعوه وقومه ، فإن ظهر عليهم فهو نبيء " .

وعن الحسن : لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : أما إذ ظفر بأهل الحرم ، فليس لنا به يدان ، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجا . فعلى قول الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة ، يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها .

ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في الإسلام ، وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإسلام سنة الوفود .

وعلى ما روي عن ابن عمر ( أنها نزلت في حجة الوداع ) يكون تعليق جملة ( فسبح بحمد ربك ) على الشرط الماضي مرادا به التذكير بأنه حصل ، أي : إذا [ ص: 592 ] تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإسلام بلاد العرب فسبح بحمد ربك ، وهو مراد من قال من المفسرين ( إذا ) بمعنى ( قد ) ، فهو تفسير حاصل المعنى ، وليست ( إذا ) مما يأتي بمعنى ( قد ) .

والرؤية في قوله : ورأيت الناس يجوز أن تكون علمية ، أي : وعلمت علم اليقين أن الناس يدخلون في دين الله أفواجا وذلك بالأخبار الواردة من آفاق بلاد العرب ومواطن قبائلهم وبمن يحضر من وفودهم . فيكون جملة ( يدخلون ) في محل المفعول الثاني لـ ( رأيت ) .

ويجوز أن تكون رؤية بصرية بأن رأى أفواج وفود العرب يردون إلى المدينة يدخلون في الإسلام وذلك سنة تسع ، وقد رأى النبيء - صلى الله عليه وسلم - ببصره ما علم منه دخولهم كلهم في الإسلام بمن حضر معه الموقف في حجة الوداع ، فقد كانوا مائة ألف من مختلف قبائل العرب فتكون جملة ( يدخلون ) في موضع الحال من الناس .

و دين الله هو الإسلام لقوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام وقوله : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها .

والدخول في الدين : مستعار للنطق بكلمة الشهادة والتزام أحكام الدين الناشئة عن تلك الشهادة . فشبه الدين ببيت أو حظيرة على طريقة المكنية ورمز إليه بما هو من لوازم المشبه به وهو الدخول على تشبيه التلبس بالدين بتلبس المظروف بالظرف ، ففيه استعارة أخرى تصريحية .

والناس : اسم جمع يدل على جماعة من الآدميين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله في سورة البقرة ، وإذا عرف اسم ناس باللام احتملت العهد نحو الذين قال لهم الناس ، واحتملت الجنس نحو إن الناس قد جمعوا لكم واحتملت الاستغراق نحو ومن الناس من يقول ونحو قل أعوذ برب الناس .

والتعريف في هذه الآية للاستغراق العرفي ، أي : جميع الناس الذين يخطرون بالبال لعدم إرادة معهودين معينين ولاستحالة دخول كل إنسان في دين الله بدليل [ ص: 593 ] المشاهدة ، فالمعنى : ورأيت ناسا كثيرين أو رأيت العرب .

قال ابن عطية : قال أبو عمر بن عبد البر النمري - رحمه الله - في كتاب الاستيعاب في باب خراش الهذلي : " لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي العرب رجل كافر ، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف ، منهم من قدم ومنهم من قدم وافده " اهـ . وإنما يراد عرب الحجاز ونجد واليمن ; لأن من عرب الشام والعراق من لم يدخلوا في الإسلام ، وهم تغلب وغسان في مشارف الشام ، وكذلك لخم وكلب من العراق ، فهؤلاء كانوا نصارى ولم يسلم من أسلم منهم إلا بعد فتح الشام والعراق بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلون في دين الله رؤية بصرية .

ويجوز أن يكون الله أعلمه بذلك إن جعلنا الرؤية علمية .

والأفواج : جمع فوج وهو الجماعة الكثيرة ، وتقدم عند قوله تعالى : هذا فوج مقتحم معكم في سورة ص ، أي : يدخلون في الإسلام ، وانتصب ( أفواجا ) على الحال من ضمير ( يدخلون ) .

وجملة فسبح بحمد ربك جواب ( إذا ) باعتبار ما تضمنته من معنى الشرط ، وفعل ( فسبح ) هو العامل في ( إذا ) النصب على الظرفية ، والفاء رابطة للجواب ; لأنه فعل إنشاء .

وقرن التسبيح بالحمد بباء المصاحبة المقتضية أن التسبيح لاحق للحمد ; لأن باء المصاحبة بمعنى ( مع ) فهي مثل ( مع ) في أنها تدخل على المتبوع ، فكان حمد الله على حصول النصر والفتح ودخول الناس في الإسلام شيئا مفروغا منه لا يحتاج إلى الأمر بإيقاعه ; لأن شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قد فعله ، وإنما يحتاج إلى تذكيره بتسبيح خاص لم يحصل من قبل في تسبيحاته وباستغفار خاص لم يحصل من قبل في استغفاره .

ويجوز أن يكون التسبيح المأمور به تسبيح ابتهاج وتعجب من تيسير الله تعالى له ما لا يخطر ببال أحد أن يتم له ذلك ، فإن سبحان الله ونحوه يستعمل في التعجب كقول الأعشى :

[ ص: 594 ]

قد قلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر


وفي تقديم الأمر بالتسبيح والحمد على الأمر بالاستغفار تمهيد لإجابة استغفاره على عادة العرب في تقديم الثناء قبل سؤال الحاجة كما قال ابن أبي الصلت :


إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه عن تعرضه الثناء


فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يخلو عن تسبيح الله ، فأريد تسبيح يقارن الحمد على ما أعطيه من النصر والفتح ودخول الأمة في الإسلام .

وعطف الأمر باستغفار الله تعالى على الأمر بالتسبيح مع الحمد يقتضي أنه من حيز جواب ( إذا ) ، وأنه استغفار يحصل مع الحمد مثل ما قرر في فسبح بحمد ربك ، فيدل على أنه استغفار خاص ; لأن الاستغفار الذي يعم طلب غفران التقصير ونحوه مأمور به من قبل وهو من شأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقد قال : ( إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة ) فكان تعليق الأمر بالتسبيح وبالاستغفار على حصول النصر والفتح إيماء إلى تسبيح واستغفار يحصل بهما تقرب لم ينو من قبل ، وهو التهيؤ للقاء الله ، وأن حياته الدنيوية أوشكت على الانتهاء ، وانتهاء أعمال الطاعات والقربات التي تزيد النبيء - صلى الله عليه وسلم - في رفع درجاته عند ربه ، فلم يبق إلا أن يسأل ربه التجاوز عما يعرض له من اشتغال ببعض الحظوظ الضرورية للحياة ، أو من اشتغال بمهم من أحوال الأمة يفوته بسببه أمر آخر هو أهم منه ، مثل فداء أسرى بدر مع فوات مصلحة استئصالهم الذي هو أصلح للأمة ، فعوتب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : ما كان لنبي أن يكون له أسرى الآية ، أو من ضرورات الإنسان كالنوم والطعام التي تنقص من حالة شبهه بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فكان هذا إيذانا باقتراب وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بانتقاله من حياة تحمل أعباء الرسالة إلى حياة أبدية في العلويات الملكية .

والكلام من قبيل الكناية الرمزية وهي لا تنافي إرادة المعنى الصريح بأن يحمل الأمر بالتسبيح والاستغفار على معنى الإكثار من قول ذلك ، وقد دل ذوق الكلام بعض ذوي الأفهام النافذة من الصحابة على هذا المعنى وغاصت عليه مثل أبي بكر وعمر والعباس وابنه عبد الله وابن مسعود ، فعن مقاتل : ( لما نزلت قرأها [ ص: 595 ] النبيء - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه ففرحوا واستبشروا وبكى العباس ، فقال له النبيء - صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا عم ؟ قال : نعيت إليك نفسك . فقال : إنه لكما تقول . ) وفي رواية : نزلت في منى فبكى عمر والعباس فقيل لهما ، فقالا : فيه نعي رسول الله ، فقال النبيء - صلى الله عليه وسلم : صدقتما نعيت إلي نفسي .

وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس : كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم ، فوجد بعضهم من ذلك ، فقال لهم عمر : إنه من قد علمتم . قال : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم ، فسألهم عن هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح فقالوا : أمر الله نبيئه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقال : ما تقول يا ابن عباس ؟ قلت : ليس كذلك ، ولكن أخبر الله نبيئه حضور أجله فقال : إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة موتك ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول . فهذا فهم عمر والعباس وعبد الله ابنه .

وقال في الكشاف : روي أنه لما نزلت خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله عز وجل . فعلم أبو بكر فقال : فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا اهـ .

قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف : " الحديث متفق عليه إلا صدره دون أوله من كونه كان عند نزول السورة " اهـ . ويحتمل أن يكون بكاء أبي بكر تكرر مرتين أولاهما عند نزول سورة النصر كما في رواية الكشاف والثانية عند خطبة النبيء - صلى الله عليه وسلم - في مرضه .

وعن ابن مسعود أن هذه السورة تسمى سورة التوديع أي : لأنهم علموا أنها إيذان بقرب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .

وتقديم التسبيح والحمد على الاستغفار ; لأن التسبيح راجع إلى وصف الله تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب ، فالتسبيح متمحض لجانب الله تعالى ، ولأن الحمد ثناء على الله لإنعامه ، وهو أداء العبد ما يجب عليه لشكر المنعم ، فهو مستلزم إثبات صفات الكمال لله التي هي منشأ إنعامه على عبده ، فهو جامع بين جانب الله وحظ العبد ، وأما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده ; لأنه طلبه الله أن يعفو عما يؤاخذه عليه .

[ ص: 596 ] ومقتضى الظاهر أن يقول : فسبح بحمده ، لتقدم اسم الجلالة في قوله : إذا جاء نصر الله فعدل على الضمير إلى الاسم الظاهر وهو ربك لما في صفة ( رب ) وإضافتها إلى ضمير المخاطب من الإيماء إلى أن من حكمة ذلك النصر والفتح ودخول الناس في الإسلام نعمة أنعم الله بها عليه إذا حصل هذا الخير الجليل بواسطته ، فذلك تكريم له وعناية به وهو شأن تلطف الرب بالمربوب ; لأن معناه السيادة المرفوقة بالرفق والإبلاغ إلى الكمال .

وقد انتهى الكلام عند قوله ( واستغفره ) وقد روي ( أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان في قراءته يقف عند ( واستغفره ) ثم يكمل السورة ) .


إنه كان توابا ( 3 )

تذييل للكلام السابق كله وتعليل لما يقتضي التعليل فيه من الأمر باستغفار ربه باعتبار الصريح من الكلام السابق كما سيتبين لك .

وتواب : مثال مبالغة من تاب عليه . وفعل تاب المتعدي بحرف ( على ) يطلق بمعنى وفق للتوبة ، أثبته في اللسان والقاموس ، وهذا الإطلاق خاص بما أسند إلى الله .

وقد اشتملت الجملة على أربع مؤكدات هي : إن ، وكان ، وصيغة المبالغة في التواب ، وتنوين التعظيم فيه .

وحيث كان التوكيد بـ ( إن ) هنا غير مقصود به رد إنكار ولا إزالة تردد ، إذ لا يفرضان في جانب المخاطب - صلى الله عليه وسلم - فقد تمحض ( إن ) لإفادة الاهتمام بالخبر بتأكيده . وقد تقرر أن من شأن ( إن ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غناء فاء الترتيب والتسبب وتفيد التعليل وربط الكلام بما قبله كما تفيده الفاء ، وقد تقدم غير مرة ، منها عند قوله تعالى : إنك أنت العليم الحكيم في سورة البقرة ، فالمعنى : هو شديد القبول لتوبة عباده كثير قبوله إياها .

وإذ قد كان الكلام تذييلا وتعليلا للكلام السابق تعين أن حذف متعلق ( توابا ) يقدر بنحو : على التائبين . وهذا المقدر مراد به العموم ، وهو عموم [ ص: 597 ] مخصوص بالمشيئة تخصصه أدلة وصف الربوبية ، ولما ذكر دليل العموم عقب أمره بالاستغفار أفاد أنه إذا استغفره غفر له ، دلالة تقتضيها مستتبعات التراكيب ، فأفادت هذه الجملة تعليل الأمر بالاستغفار ; لأن الاستغفار طلب الغفر ، فالطالب يترقب إجابة طلبه ، وأما ما في الجملة من الأمر بالتسبيح والحمد فلا يحتاج إلى تعليل ; لأنهما إنشاء تنزيه وثناء على الله .

ومن وراء ذلك أفادت الجملة إشارة إلى وعد بحسن القبول عند الله تعالى حينما يقدم على العالم القدسي ، وهذا معنى كنائي ; لأن من عرف بكثرة قبول توبة التائبين شأنه أن يكرم وفادة الوافدين الذين سعوا جهودهم في مرضاته بمنتهى الاستطاعة ، أو هو مجاز بعلاقة اللزوم العرفي ; لأن منتهى ما يخافه الأحبة عند اللقاء مرارة العتاب ، فالإخبار بأنه تواب اقتضى أنه لا يخاف عتابا .

فهذه الجملة بمدلولها الصريح ومدلولها الكنائي أو المجازي ومستتبعاتها تعليل لما تضمنته الجملة التي قبلها من معنى صريح أو كنائي يناسبه التعليل بالتسبيح والحمد باعتبارهما تمهيدا للأمر بالاستغفار كما تقدم آنفا لا يحتاجان إلى التعليل ، أو يغني تعليل الممهد له بهما عن تعليلهما ، ولكنهما باعتبار كونهما رمزا إلى مداناة وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون ما في قوله : إنه كان توابا من الوعد بحسن القبول تعليلا لمدلولهما الكنائي ، وأما الأمر بالاستغفار فمناسبة التعليل له بقوله : إنه كان توابا ناهضة باعتبار كلتا دلالتيه الصريحة والكنائية ، أي أنه متقبل استغفارك ومتقبلك بأحسن قبول ، شأن من عهد من الصفح والتكرم .

وفعل كان هنا مستعمل في لازم معنى الاتصاف بالوصف في الزمن الماضي ، وهو أن هذا الوصف ذاتي له لا يتخلف معموله عن عباده فقد دل استقراء القرآن على إخبار الله عن نفسه بذلك من مبدأ الخليقة قال تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم .

ومقتضى الظاهر أن يقال : إنه كان غفارا ، كما في آية فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا فيجري الوصف على ما يناسب قوله ( واستغفره ) ، فعدل عن ذلك تلطفا مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن أمره بالاستغفار ليس مقتضيا إثبات ذنب له لما علمت آنفا من أن وصف ( توابا ) جاء من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى وفقه [ ص: 598 ] للتوبة إيماء إلى أن أمره بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله تعالى ، فإنه لا يسأل عما يفعل بعباده ، لولا تفضله بما بين لهم من مراده ، ولأن وصف ( توابا ) أشد ملائمة لإقامة الفاصلة مع فاصلة ( أفواجا ) ; لأن حرف الجيم وحرف الباء كليهما حرف من الحروف الموصوفة بالشدة ، بخلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين الشدة والرخوة .

وروي في الصحيح عن عائشة قالت : ( ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة بعد أن نزلت عليه سورة إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول : سبحانك ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ، يتأول القرآن ) أي : يتأول الأمر في قوله : فسبح بحمد ربك واستغفره على ظاهره كما تأوله في مقام آخر على معنى اقتراب أجله - صلى الله عليه وسلم .

EL Mister
12/06/2009, 15:48
بسم الله الرحمن الرحيم

( قل يا أيها الكافرون ( 1 ) لا أعبد ما تعبدون ( 2 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 3 ) ولا أنا عابد ما عبدتم ( 4 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 5 ) لكم دينكم ولي دين ( 6 ) )


مقدمة

عنونت هذه السورة في المصاحف التي بأيدينا قديمها وحديثها وفي معظم التفاسير ( سورة الكافرون ) بإضافة ( سورة ) إلى ( الكافرون ) وثبوت واو الرفع في ( الكافرون ) على حكاية لفظ القرآن الواقع في أولها .

ووقع في الكشاف وتفسير ابن عطية وحرز الأماني ( سورة الكافرين ) بياء الخفض في لفظ ( الكافرين ) بإضافة ( سورة ) إليه أن المراد سورة ذكر الكافرين ، أو نداء الكافرين ، وعنونها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه سورة ( قل يا أيها الكافرون ) .

قال في الكشاف والإتقان : وتسمى هي وسورة ( قل هو الله أحد ) بالمقشقشتين ; لأنهما تقشقشان من الشرك ، أي : تبرئان منه . يقال : قشقش ، إذا أزال المرض .

وتسمى أيضا سورة الإخلاص فيكون هذان الاسمان مشتركين بينها وبين سورة ( قل هو الله أحد ) .

وقد ذكر في سورة براءة أن سورة براءة تسمى المقشقشة لأنها تقشقش ، أي : تبرئ من النفاق فيكون هذا مشتركا بين السور الثلاث فيحتاج إلى التمييز .

وقال سعد الله المعروف بسعدي عن جمال القراء : إنها تسمى سورة العبادة . وفي بصائر ذوي التمييز للفيروزآبادي : تسمى ( سورة الدين ) .

وهي مكية بالاتفاق في حكاية ابن عطية وابن كثير ، وروي عن ابن الزبير أنها مدنية .

[ ص: 580 ] وقد عدت الثامنة عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة الماعون وقبل سورة الفيل .

وعدد آياتها ست .


أغراض السورة

وسبب نزولها فيما حكاه الواحدي في أسباب النزول وابن إسحاق في السيرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف في الكعبة فاعترضه الأسود بن المطلب بن أسد ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل . وكانوا ذوي أسنان في قومهم ، فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد سنة ، وتعبد ما نعبد سنة ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظه منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ، فقال : معاذ الله أن أشرك به غيره ، فأنزل الله فيهم قل يا أيها الكافرون السورة كلها ، فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم ، فيئسوا منه عند ذلك ، وإنما عرضوا عليه ذلك لأنهم رأوا حرصه على أن يؤمنوا ، فطمعوا أن يستزلوه إلى الاعتراف بإلهية أصنامهم .

وعن ابن عباس : فيئسوا منه وآذوه وآذوا أصحابه .

وبهذا يعلم الغرض الذي اشتملت عليه ، وأنه تأييسهم من أن يوافقهم في شيء مما هم عليه من الكفر بالقول الفصل المؤكد في الحال والاستقبال ، وأن دين الإسلام لا يخالط شيئا من دين الشرك .


قل يا أيها الكافرون ( 1 ) لا أعبد ما تعبدون ( 2 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 3 )

افتتاحها بـ ( قل ) للاهتمام بما بعد القول بأنه كلام يراد إبلاغه إلى الناس بوجه خاص منصوص فيه على أنه مرسل بقول يبلغه ، وإلا فإن القرآن كله مأمور بإبلاغه ، ولهذه الآية نظائر في القرآن مفتتحة بالأمر بالقول في غير جواب عن [ ص: 581 ] سؤال منها قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله في سورة الجمعة . والسور المفتتحة بالأمر بالقول خمس سور : قل أوحي ، وسورة الكافرون ، وسورة الإخلاص ، والمعوذتان ، فالثلاث الأول لقول يبلغه ، والمعوذتان لقول يقوله لتعويذ نفسه .

والنداء موجه للأربعة الذين قالوا للنبيء - صلى الله عليه وسلم : فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ، كما في خبر سبب النزول وذلك الذي يقتضيه قوله : ولا أنتم عابدون ما أعبد كما سيأتي .

وابتدئ خطابهم بالنداء لإبلاغهم ; لأن النداء يستدعي إقبال أذهانهم على ما سيلقى عليهم .

ونودوا بوصف الكافرين تحقيرا لهم وتأييدا لوجه التبرؤ منهم ، وإيذانا بأنه لا يخشاهم إذا ناداهم بما يكرهون مما يثير غضبهم ; لأن الله كفاه إياهم وعصمه من أذاهم . قال القرطبي : قال أبو بكر بن الأنباري : إن المعنى : قل للذين كفروا يا أيها الكافرون . أن يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم : يا أيها الكافرون . وهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر .

فقوله : لا أعبد ما تعبدون إخبار عن نفسه بما حصل منها .

والمعنى : لا تحصل مني عبادتي ما تعبدون في أزمنة في المستقبل تحقيقا ; لأن المضارع يحتمل الحال والاستقبال ، فإذا دخل عليه ( لا ) النافية أفادت انتفاءه في أزمنة المستقبل كما درج عليه في الكشاف ، وهو قول جمهور أهل العربية . ومن أجل ذلك كان حرف ( لن ) مفيدا تأكيد النفي في المستقبل زيادة على منطلق النفي ، ولذلك قال الخليل : أصل ( لن ) : لا أن ، فلما أفادت ( لا ) وحدها نفي المستقبل كان تقدير ( أن ) بعد ( لا ) مفيدا تأكيد ذلك النفي في المستقبل ، فمن أجل ذلك قالوا : إن ( لن ) تفيد تأكيد النفي في المستقبل فعلمنا أن ( لا ) كانت مفيدة نفي الفعل في المستقبل . وخالفهم ابن مالك كما في مغني اللبيب ، وأبو حيان كما قال في هذه السورة ، والسهيلي عند كلامه على نزول هذه السورة في الروض الأنف .

[ ص: 582 ] ونفي عبادته آلهتهم في المستقبل يفيد نفي أن يعبدها في الحال بدلالة فحوى الخطاب ، ولأنهم ما عرضوا عليه إلا أن يعبد آلهتهم بعد سنة مستقبلة .

ولذلك جاء في جانب نفي عبادتهم لله بنفي اسم الفاعل الذي هو حقيقة في الحال بقوله : ولا أنتم عابدون ، أي : ما أنتم بمغيرين إشراككم الآن لأنهم عرضوا عليه أن يبتدئوا هم فيعبدوا الرب الذي يعبده النبيء - صلى الله عليه وسلم - سنة ، وبهذا تعلم وجه المخالفة بين نظم الجملتين في أسلوب الاستعمال البليغ .

وهذا إخباره إياهم بأنه يعلم أنهم غير فاعلين ذلك من الآن بإنباء الله تعالى نبيئه - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فكان قوله هذا من دلائل نبوءته نظير قوله تعالى : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فإن أولئك النفر الأربعة لم يسلم منهم أحد فماتوا على شركهم .

وماصدق ما أعبد هو الله تعالى وعبر بـ ( ما ) الموصولة ; لأنها موضوعة للعاقل وغيره من المختار ، وإنما تختص ( من ) بالعاقل ، فلا مانع من إطلاق ( ما ) على العاقل إذا كان اللبس مأمونا . وقال السهيلي في الروض الأنف : أن ( ما ) الموصولة يؤتى بها لقصد الإبهام لتفيد المبالغة في التفخيم كقول العرب : سبحان ما سبح الرعد بحمده ، وقوله تعالى : والسماء وما بناها كما تقدم في سورة الشمس .


ولا أنا عابد ما عبدتم ( 4 )

عطف على ولا أنتم عابدون ما أعبد عطف الجملة على الجملة لمناسبة نفي أن يعبدوا الله ، فأردف بنفي أن يعبد هو آلهتهم ، وعطفه بالواو صارف عن أن يكون المقصود به تأكيد لا أعبد ما تعبدون فجاء به على طريقة ولا أنتم عابدون ما أعبد بالجملة الاسمية . للدلالة على الثبات ، ويكون الخبر اسم فاعل دالا على زمان الحال ، فلما نفى عن نفسه أن يعبد في المستقبل ما يعبدونه بقوله : لا أعبد ما تعبدون كما تقدم آنفا ، صرح هنا بما تقتضيه دلالة الفحوى على نفي أن يعبد آلهتهم في الحال ، بما هو صريح الدلالة على ذلك ; لأن المقام يقتضي مزيد البيان ، فاقتضى الاعتماد على دلالة المنطوق إطنابا في الكلام ، لتأييسهم مما راودوه عليه ولمقابلة كلامهم المردود بمثله في إفادة الثبات . وحصل من ذلك تقرير [ ص: 583 ] المعنى السابق وتأكيده ، تبعا لمدلول الجملة لا لموقعها ; لأن موقعها أنها عطف على جملة ولا أنتم عابدون ما أعبد وليس توكيدا لجملة لا أعبد ما تعبدون بمرادفها ; لأن التوكيد للفظ بالمرادف لا يعرف إلا في المفردات ولأن وجود الواو يعين أنها معطوفة ، إذ ليس في جملة لا أعبد ما تعبدون واو حتى يكون الواو في هذه الجملة مؤكدا لها .

ولا يجوز الفصل بين الجملتين بالواو ; لأن الواو لا يفصل بها بين الجملتين في التوكيد اللفظي . والأجود الفصل بـ ( ثم ) كما في التسهيل مقتصرا على ( ثم ) . وزاد الرضي الفاء ولم يأت له بشاهد ولكنه قال وقد تكون ( ثم ) والفاء لمجرد التدرج في الارتقاء ، وإن لم يكن المعطوف مترتبا في الذكر على المعطوف عليه وذلك إذا تكرر الأول بلفظه نحو : بالله ، فالله ، ونحو والله ، ثم والله .

وجيء بالفعل الماضي في قوله : ما عبدتم للدلالة على رسوخهم في عبادة الأصنام من أزمان مضت ، وفيه رمز إلى تنزهه - صلى الله عليه وسلم - من عبادة الأصنام من سالف الزمان وإلا لقال : ولا أنا عابد ما كنا نعبد .


ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 5 )

عطف على جملة ولا أنا عابد ما عبدتم لبيان تمام الاختلاف بين حالهم وحاله وإخبار بأنهم لا يعبدون الله إخبارا ثانيا تنبيها على أن الله أعلمه بأنهم لا يعبدون الله ، وتقوية لدلالة هذين الإخبار عن نبوءته - صلى الله عليه وسلم - فقد أخبر عنهم بذلك ، فمات أولئك كلهم على الكفر وكانت هذه السورة من دلائل النبوءة .

وقد حصل من ذكر هذه الجملة بمثل نظيرتها السابقة توكيد للجملة السابقة توكيدا للمعنى الأصلي منها ، وليس موقعها موقع التوكيد لوجود واو العطف كما علمت آنفا في قوله : ولا أنا عابد ما عبدتم .

ولذلك فالواو في قوله هنا ولا أنتم عابدون ما أعبد عاطفة جملة على جملة لأجل ما اقتضته جملة ولا أنا عابد ما عبدتم من المناسبة .

ويجوز أن تكون جملة ولا أنتم عابدون ما أعبد تأكيدا لفظيا لنظيرتها [ ص: 584 ] السابقة بتمامها بما فيها من واو العطف في نظيرتها السابقة وتكون جملة ولا أنا عابد ما عبدتم معترضة بين التأكيد والمؤكد .

والمقصود من التأكيد تحقيق تكذيبهم في عرضهم أنهم يعبدون رب محمد صلى الله عليه وسلم .


لكم دينكم ولي دين ( 6 )

تذييل وفذلكة للكلام السابق بما فيه من التأكيدات ، وقد أرسل هذا الكلام إرسال المثل ، وهو أجمع وأوجز من قول قيس بن الخطيم :


نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف


ووقع في تفسير الفخر هنا ( جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة وذلك غير جائز ; لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به ، بل ليتدبر فيه ثم يعمل بموجبه ) اهـ .

وهذا كلام غير محرر ; لأن التمثل به لا ينافي العمل بموجبه ، وما التمثل به إلا من تمام بلاغته واستعداد للعمل به . وهذا المقدار من التفسير تركه الفخر في المسودة .

وقدم في كلتا الجملتين المسند على المسند إليه ليفيد قصر المسند إليه على المسند ، أي : دينكم مقصور على الكون بأنه لكم لا يتجاوزكم إلى الكون لي ، وديني مقصور على الكون بأنه لا يتجاوزني إلى كونه لكم ، أي : لأنهم محقق عدم إسلامهم . فالقصر قصر إفراد ، واللام في الموضعين لشبه الملك وهو الاختصاص أو الاستحقاق .

والدين : العقيدة والملة ، وهو معلومات وعقائد يعتقدها المرء فتجري أعماله على مقتضاها ، فلذلك سمي دينا ; لأن أصل معنى الدين المعاملة والجزاء .

وقرأ الجمهور ( دين ) بدون ياء بعد النون على أن ياء المتكلم محذوفة للتخفيف مع بقاء الكسرة على النون . وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف . وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف بدون ياء اعتمادا على حفظ الحفاظ ; لأن الذي يثبت الياء مثل يعقوب يشبع الكسرة ، إذ ليست الياء إلا مدة للكسرة فعدم رسمها في الخط لا يقتضي إسقاطها في اللفظ .

[ ص: 585 ] وقرأ نافع والبزي عن ابن كثير وهشام عن أبي عامر وحفص عن عاصم بفتح الياء في قوله ( ولي ) . وقرأه قنبل عن ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف بسكون الياء .

EL Mister
12/06/2009, 16:08
بسم الله الرحمن الرحيم

( إنا أعطيناك الكوثر ( 1 ) فصل لربك وانحر ( 2 ) إن شانئك هو الأبتر ( 3 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في جميع المصاحف التي رأيناها في جميع التفاسير أيضا ( سورة الكوثر ) وكذلك عنونها الترمذي في كتاب التفسير من جامعه . وعنونها البخاري في صحيحه سورة ( إنا أعطيناك الكوثر ) ولم يعدها في الإتقان مع السور التي ليس لها أكثر من اسم .

ونقل سعد الله الشهير بسعدي في حاشيته على تفسير البيضاوي عن البقاعي أنها تسمى ( سورة النحر ) وهل هي مكية أو مدنية ؟ تعارضت الأقوال والآثار في أنها مكية أو مدنية تعارضا شديدا ، فهي مكية عند الجمهور واقتصر عليه أكثر المفسرين ، ونقل الخفاجي عن كتاب النشر قال : أجمع من نعرفه على أنها مكية . قال الخفاجي : وفيه نظر مع وجود الاختلاف فيها .

وعن الحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة هي مدنية ويشهد لهم ما في صحيح مسلم عن أنس بن مالك : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بين أظهرنا ، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه وقال : أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر ثم قال : أتدرون ما الكوثر ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل ، عليه خير كثير ، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة الحديث . وأنس أسلم في صدر الهجرة فإذا كان لفظ ( آنفا ) في كلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - مستعملا في ظاهر معناه وهو الزمن القريب ، فالسورة نزلت منذ وقت قريب من حصول تلك الرؤيا .

ومقتضى ما يروى في تفسير قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر أن تكون السورة مكية ، ومقتضى ظاهر تفسير قوله تعالى : ( وانحر ) من أن النحر في الحج أو يوم الأضحى - تكون السورة مدنية ويبعث على أن قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر [ ص: 572 ] ليس ردا على كلام العاصي بن وائل كما سنبين ذلك .

والأظهر أن هذه السورة مدنية وعلى هذا سنعتمد في تفسير آياتها .

وعلى القول بأنها مكية عدوها الخامسة عشرة في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة العاديات وقبل سورة التكاثر ، وعلى القول بأنها مدنية فقد قيل : إنها نزلت في الحديبية .

وعدد آيها ثلاث بالاتفاق .

وهي أقصر سور القرآن عدد كلمات وعدد حروف ، وأما في عدد الآيات فسورة العصر وسورة النصر مثلها ، ولكن كلماتها أكثر .


أغراض السورة

اشتملت على بشارة النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأنه أعطي الخير الكثير في الدنيا والآخرة .

وأمره بأن يشكر الله على ذلك بالإقبال على العبادة .

وأن ذلك هو الكمال الحق لا ما يتطاول به المشركون على المسلمين بالثروة والنعمة وهم مغضوب عليهم من الله تعالى ; لأنهم أبغضوا رسوله ، وغضب الله بتر لهم إذا كانوا بمحل السخط من الله .

وإن انقطاع الولد الذكر فليس بترا ; لأن ذلك لا أثر له في كمال الإنسان .


إنا أعطيناك الكوثر ( 1 ) فصل لربك وانحر ( 2 )

افتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر ، والإشعار بأنه شيء عظيم يستتبع الإشعار بتنويه شأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في إنا أنزلناه في ليلة القدر والكلام مسوق مساق البشارة وإنشاء العطاء لا مساق الإخبار بعطاء سابق .

وضمير العظمة مشعر بالامتنان بعطاء عظيم .

والكوثر : اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زنة فوعل ، وهي من صيغ [ ص: 573 ] الأسماء الجامدة غالبا نحو الكوكب ، والجورب ، والحوشب والدوسر ، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها ، ولما وقع هنا فيها مادة الكثر كانت صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى ، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة ، وهو أحسن ما فسر به وأضبطه ، ونظيره : جوهر ، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوه ، والصومعة لاشتقاقها من وصف أصمع وهو دقيق الأعضاء ; لأن الصومعة دقيقة ; لأن طولها أفرط من غلظها .

ويوصف الرجل صاحب الخير الكثير بكوثر من باب الوصف بالمصدر ، كما في قول لبيد في رثاء عوف بن الأحوص الأسدي :


وصاحب ملحوب فجعنا بفقده وعند الرداع بيت آخر كوثر


( ملحوب والرداع ) كلاهما ماء لبني أسد بن خزيمة ، فوصف البيت بالكوثر ، ولاحظ الكميث هذا في قوله في مدح عبد الملك بن مروان :


وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقايل كوثرا


وسمي نهر الجنة كوثرا كما في حديث مسلم عن أنس بن مالك المتقدم آنفا .

وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير ، وروي عن ابن عباس قال سعيد بن جبير : فقلت لابن عباس : إن ناسا يقولون هو نهر في الجنة ، فقال : هو من الخير الكثير . وعن عكرمة : الكوثر هنا : النبوءة والكتاب ، وعن الحسن : هو القرآن ، وعن المغيرة : أنه الإسلام ، وعن أبي بكر بن عياش : هو كثرة الأمة ، وحكى الماوردي : أنه رفعة الذكر ، وأنه نور القلب ، وأنه الشفاعة . وكلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - المروي في حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره .

وأريد من هذا الخبر بشارة النبيء - صلى الله عليه وسلم - وإزالة ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه : هو أبتر ، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر ، إبطالا لقولهم .

وقوله : فصل لربك اعتراض والفاء للتفريع على هذه البشارة بأن يشكر ربه [ ص: 574 ] عليها ، فإن الصلاة أفعال وأقوال دالة على تعظيم الله والثناء عليه وذلك شكر لنعمته .

وناسب أن يكون الشكر بالازدياد مما عاداه عليه المشركون وغيرهم ممن قالوا مقالتهم الشنعاء : إنه أبتر ، فإن الصلاة لله شكر له وإغاظة للذين ينهونه عن الصلاة كما قال تعالى : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى لأنهم إنما نهوه عن الصلاة التي هي لوجه الله دون العبادة لأصنامهم ، وكذلك النحر لله .

والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر في قوله : فصل لربك دون : فصل لنا ، لما في لفظ الرب من الإيماء إلى استحقاقه العبادة لأجل ربوبيته فضلا عن فرط إنعامه .

وإضافة ( رب ) إلى ضمير المخاطب لقصد تشريف النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتقريبه ، وفيه تعريض بأنه يربه ويرأف به .

ويتعين أن في تفريع الأمر بالنحر مع الأمر بالصلاة على أن أعطاه الكوثر - خصوصية تناسب الغرض الذي نزلت السورة له ، ألا ترى أنه لم يذكر الأمر بالنحر مع الصلاة في قوله تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين في سورة الحجر .

ويظهر أن هذه تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صد المشركين إياه عن البيت في الحديبية ، فأعلمه الله تعالى بأنه أعطاه خيرا كثيرا ، أي : قدره له في المستقبل وعبر عنه بالماضي لتحقيق وقوعه ، فيكون معنى الآية كمعنى قوله تعالى : إنا فتحنا لك فتحا مبينا فإنه نزل في أمر الحديبية فقد قال له عمر بن الخطاب : أفتح هذا ؟ قال : نعم .

وهذا يرجع إلى ما رواه الطبري عن قول سعيد بن جبير : أن قوله : فصل لربك وانحر أمر بأن يصلي وينحر هديه وينصرف من الحديبية .

وأفادت اللام من قوله ( لربك ) أنه يخص الله في صلاته فلا يصلي لغيره . ففيه تعريض للمشركين بأنهم يصلون للأصنام بالسجود لها والطواف حولها .

وعطف ( وانحر ) على فصل لربك يقتضي تقدير متعلقه مماثلا لمتعلق [ ص: 575 ] فصل لربك لدلالة ما قبله عليه كما في قوله تعالى : أسمع بهم وأبصر أي : وأبصر بهم ، فالتقدير : وانحر له . وهو إيماء إلى إبطال نحر المشركين قربانا للأصنام ، فإن كانت السورة مكية ، فلعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين اقترب وقت الحج وكان يحج كل عام قبل البعثة وبعدها وقد تردد في نحر هداياه في الحج بعد بعثته ، وهو يود أن يطعم المحاويج من أهل مكة ومن يحضر في الموسم ويتحرج من أن يشارك أهل الشرك في أعمالهم ، فأمره الله أن ينحر الهدي لله ويطعمها المسلمين ، أي : لا يمنعك نحرهم للأصنام أن تنحر أنت ناويا بما تنحره أنه لله .

وإن كانت السورة مدنية وكان نزولها قبل فرض الحج كان النحر مرادا به الضحايا يوم عيد النحر ، ولذلك قال كثير من الفقهاء : إن قوله : فصل لربك مراد به صلاة العيد . وروي ذلك عن مالك في تفسير الآية وقال : لم يبلغني فيه شيء .

وأخذوا من وقوع الأمر بالنحر بعد الأمر بالصلاة دلالة على أن الضحية تكون بعد الصلاة ، وعليه فالأمر بالنحر دون الذبح مع أن الضأن أفضل في الضحايا وهي لا تنحر ، وأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - لم يضح إلا بالضأن تغليب للفظ النحر وهو الذي روعي في تسمية يوم الأضحى يوم النحر ، وليشمل الضحايا في البدن والهدايا في الحج أو ليشمل الهدايا التي عطل إرسالها في يوم الحديبية كما علمت آنفا . ويرشح إيثار النحر رعي فاصلة الراء في السورة . وللمفسرين الأولين أقوال أخر في تفسير ( انحر ) تجعله لفظا غريبا .


إن شانئك هو الأبتر ( 3 )

استئناف يجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا ، ويجوز أن تكون الجملة تعليلا لحرف ( إن ) إذا لم يكن لرد الإنكار ، يكثر أن يفيد التعليل كما تقدم عند قوله تعالى : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم في سورة البقرة .

واشتمال الكلام على صيغة قصر وعلى ضمير غائب وعلى لفظ الأبتر مؤذن بأن [ ص: 576 ] المقصود به رد كلام صادر من معين ، وحكاية لفظ مراد بالرد ، قال الواحدي : قال ابن عباس : إن العاصي بن وائل السهمي رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الحرام عند باب بني سهم فتحدث معه ، وأناس من صناديد قريش في المسجد ، فلما دخل العاصي عليهم قالوا له : من الذي كنت تتحدث معه ؟ فقال : ذلك الأبتر . وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن مات ابنه القاسم قبل عبد الله ، فانقطع بموت عبد الله الذكور من ولده - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، وكانوا يصفون من ليس له ابن بأبتر ، فأنزل الله هذه السورة ، فحصل القصر في قوله : إن شانئك هو الأبتر لأن ضمير الفصل يفيد قصر صفة الأبتر على الموصوف ، وهو شانئ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قصر المسند على المسند إليه وهو قصر قلب ، أي : هو الأبتر لا أنت .

والأبتر : حقيقته المقطوع بعضه وغلب على المقطوع ذنبه من الدواب ، ويستعار لمن نقص منه ما هو من الخير في نظر الناس تشبيها بالدابة المقطوع ذنبها تشبيه معقول بمحسوس كما في الحديث ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر ) ، يقال : بتر شيئا ، إذا قطع بعضه ، وبتر بالكسر كفرح فهو أبتر ، ويقال للذي لا عقب له ذكورا : هو أبتر ، على الاستعارة تشبيه متخيل بمحسوس ، شبهوه بالدابة المقطوع ذنبها ; لأنه قطع أثره في تخيل أهل العرف .

ومعنى الأبتر في الآية : الذي لا خير فيه . وهو رد لقول العاصي بن وائل أو غيره في حق النبيء - صلى الله عليه وسلم ، فبهذا المعنى استقام وصف العاصي أو غيره بالأبتر دون المعنى الذي عناه هو ، حيث لمز النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأنه أبتر ، أي لا عقب له ; لأن العاصي بن وائل له عقب فابنه عمرو الصحابي الجليل ، وابن ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي الجليل ، ولعبد الله عقب كثير . قال ابن حزم في الجمهرة : عقبه بمكة وبالرهط .

فقوله تعالى : هو الأبتر اقتضت صيغة القصر إثبات صفة الأبتر لشانئ النبيء - صلى الله عليه وسلم - ونفيها عن النبيء - صلى الله عليه وسلم ، وهو الأبتر بمعنى الذي لا خير فيه .

[ ص: 577 ] ولكن لما كان وصف الأبتر في الآية جيء به لمحاكاة قول القائل محمد أبتر إبطالا لقوله ذلك ، وكان عرفهم في وصف الأبتر أنه الذي لاعقب له تعين أن يكون هذا الإبطال ضربا من الأسلوب الحكيم وهو تلقي السامع بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أن الأحق غير ما عناه من كلامه ، كقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج . وذلك بصرف مراد القائل عن الأبتر الذي هو عديم الابن الذكر إلى ما هو أجدر بالاعتبار وهو الناقص حظ الخير ، أي : ليس ينقص للمرء أنه لا ولد له ; لأن ذلك لا يعود على المرء بنقص في صفاته وخلائقه وعقله . وهب أنه لم يولد له البتة ، وإنما اصطلح الناس على اعتباره نقصا لرغبتهم في الولد بناء على ما كانت عليه أحوالهم الاجتماعية من الاعتماد على الجهود البدنية ، فهم يبتغون الولد الذكور رجاء الاستعانة بهم عند الكبر ، وذلك أمر قد يعرض وقد لا يعرض ، أو لمحبة ذكر المرء بعد موته وذلك أمر وهمي ، والنبيء - صلى الله عليه وسلم - قد أغناه الله بالقناعة وأعزه بالتأييد ، وقد جعل الله له لسان صدق لم يجعل مثله لأحد من خلقه ، فتمحض أن كماله الذاتي بما علمه الله فيه ، إذ جعل فيه رسالته ، وأن كماله العرضي بأصحابه وأمته ، إذ جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم .

وفي الآية محسن الاستخدام التقديري ; لأن سوق الإبطال بطريق القصر بقوله : هو الأبتر نفي وصف الأبتر عن النبيء - صلى الله عليه وسلم ، ولكن بمعنى غير المعنى الذي عناه شانئه فهو استخدام ينشأ من صيغة القصر بناء على أن ليس الاستخدام منحصرا في استعمال الضمير في غير معنى معاده ، على ما حققه أستاذنا العلامة سالم أبو حاجب وجعله وجها في واو العطف من قوله تعالى : وجاء ربك والملك ; لأن العطف بمعنى إعادة العامل ، فكأنه قال : وجاء الملك ، وهو مجيء مغاير لمعنى مجيء الله تعالى ، قال : وقد سبقنا الخفاجي إلى ذلك ، إذ أجراه في حرف الاستثناء في طراز المجالس في قول محمد الصالحي من شعراء الشام :


وحديث حبي ليس بال منسوخ إلا في الدفاتر


والشانئ : المبغض ، وهو فاعل من الشناءة وهي البغض ، ويقال فيه : الشنآن ، وهو يشمل كل مبغض له من أهل الكفر فكلهم بتر من الخير ما دام فيه شنآن للنبيء - صلى الله عليه وسلم ، فأما من أسلموا منهم فقد انقلب بعضهم محبة له واعتزازا به .

EL Mister
12/06/2009, 16:27
بسم الله الرحمن الرحيم

( أرأيت الذي يكذب بالدين ( 1 ) فذلك الذي يدع اليتيم ( 2 ) ولا يحض على طعام المسكين ( 3 ) فويل للمصلين ( 4 ) الذين هم عن صلاتهم ساهون ( 5 ) الذين هم يراءون ( 6 ) ويمنعون الماعون ( 7 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في كثير من المصاحف وكتب التفسير ( سورة الماعون ) لورود لفظ الماعون فيها دون غيرها .

وسميت في بعض التفاسير ( سورة أرأيت ) وكذلك في مصحف من مصاحف القيروان في القرن الخامس ، وكذلك عنونها في صحيح البخاري .

وعنونها ابن عطية بـ ( سورة أرأيت الذي ) . وقال الكواشي في التلخيص ( سورة الماعون ، والدين ، وأرأيت ) ، وفي الإتقان : وتسمى ( سورة الدين ) وفي حاشيتي الخفاجي وسعدي تسمى ( سورة التكذيب ) وقال البقاعي في نظم الدرر تسمى ( سورة اليتيم ) . وهذه ستة أسماء .

وهي مكية في قول الأكثر . وروي عن ابن عباس ، وقال القرطبي عن قتادة : هي مدنية . وروي عن ابن عباس أيضا . وفي الإتقان : قيل نزل ثلاث أولها بمكة أي : إلى قوله : المسكين وبقيتها نزلت بالمدينة ، أي : بناء على أن قوله : فويل للمصلين إلى آخر السورة أريد بها المنافقون وهو مروي عن ابن عباس وقاله هبة الله الضرير وهو الأظهر .

وعدت السابعة عشرة في عداد نزول السور بناء على أنها مكية ، نزلت بعد سورة التكاثر وقبل سورة الكافرون .

وعدت آياتها ستا عند معظم العادين : وحكى الآلوسي أن الذين عدوا آياتها ستا أهل العراق ( أي البصرة والكوفة ) ، وقال الشيخ علي النوري الصفاقسي [ ص: 564 ] في غيث النفع : وآيها سبع حمصي ( أي : شامي ) وست في الباقي . وهذا يخالف ما قاله الآلوسي .


أغراض السورة

من مقاصد التعجيب من حال من كذبوا بالبعث وتفظيع أعمالهم من الاعتداء على الضعيف واحتقاره والإمساك عن إطعام المسكين ، والإعراض عن قواعد الإسلام من الصلاة والزكاة ; لأنه لا يخطر بباله أن يكون في فعله ذلك ما يجلب له غضب الله وعقابه .


أرأيت الذي يكذب بالدين ( 1 ) فذلك الذي يدع اليتيم ( 2 ) ولا يحض على طعام المسكين ( 3 )

الاستفهام مستعمل في التعجيب من حال المكذبين بالجزاء ، وما أورثهم التكذيب من سوء الصنيع ، فالتعجب من تكذيبهم بالدين وما تفرع عليه من دع اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين وقد صيغ هذا التعجيب في نظم مشوق ; لأن الاستفهام عن رؤية من ثبتت له صلة الموصول يذهب بذهن السامع مذاهب شتى من تعرف المقصد بهذا الاستفهام ، فإن التكذيب بالدين شائع فيهم فلا يكون مثارا للتعجب فيترقب السامع ماذا يرد بعده وهو قوله : فذلك الذي يدع اليتيم .

وفي إقحام اسم الإشارة واسم الموصول بعد الفاء زيادة تشويق حتى تقرع الصلة سمع السامع فتتمكن منه كمال تمكن .

وأصل ظاهر الكلام أن يقال : أرأيت الذي يكذب بالدين فيدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين .

والإشارة إلى الذي يكذب بالدين باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز حتى يتبصر السامع فيه وفي صفته ، أو لتنزيله منزلة الظاهر الواضح بحيث يشار إليه .

والفاء لعطف الصفة الثانية على الأولى لإفادة تسبب مجموع الصفتين في [ ص: 565 ] الحكم المقصود من الكلام ، وذلك شأنها في عطف الصفات إذا كان موصوفها واحدا مثل قوله تعالى : والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا .

فمعنى الآية عطف صفتي : دع اليتيم ، وعدم إطعام المسكين على جزم التكذيب بالدين .

وهذا يفيد تشويه إنكار البعث بما ينشأ عن إنكاره من المذام ومن مخالفة للحق ومنافيا لما تقتضيه الحكمة من التكليف ، وفي ذلك كناية عن تحذير المسلمين من الاقتراب من إحدى هاتين الصفتين بأنهما من صفات الذين لا يؤمنون بالجزاء .

وجيء في ( يكذب ، يدع ، ويحض ) بصيغة المضارع لإفادة تكرر ذلك منه ودوامه .

وهذا إيذان بأن الإيمان بالبعث والجزاء هو الوازع الحق الذي يغرس في النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة التي يصير ذلك لها خلقا إذا شبت عليه ، فزكت وانساقت إلى الخير بدون كلفة ولا احتياج إلى أمر ولا إلى مخافة ممن يقيم عليه العقوبات حتى إذا اختلى بنفسه وأمن الرقباء جاء بالفحشاء والأعمال النكراء .

والرؤية بصرية يتعدى فعلها إلى مفعول واحد ، فإن المكذبين بالدين معروفون وأعمالهم مشهورة ، فنزلت شهرتهم بذلك منزلة الأمر المبصر المشاهد .

وقرأ نافع بتسهيل الهمزة التي بعد الراء من ( أرأيت ) ألفا . وروى المصريون عن ورش عن نافع إبدالها ألفا وهو الذي قرأنا به في تونس ، وهكذا في فعل ( رأى ) كلما وقع بعد الهمزة استفهام وذلك فرار من تحقيق الهمزتين ، قرأ الجمهور بتحقيقها .

وقرأه الكسائي بإسقاط الهمزة التي بعد الراء في كل فعل من هذا القبيل .

واسم الموصول وصلته مراد بهما *** من اتصف بذلك . وأكثر المفسرين درجوا على ذلك .

وقيل : نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وقيل : في الوليد بن المغيرة [ ص: 566 ] المخزومي ، وقيل : في عمرو بن عائذ المخزومي ، وقيل : في أبي سفيان بن حرب قبل إسلامه بسبب أنه كان ينحر كل أسبوع جزورا فجاءه مرة يتيم فسأله من لحمها فقرعه بعصا . وقيل : في أبي جهل : كان وصيا على يتيم فأتاه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه دفعا شنيعا .

والذين جعلوا السورة مدنية قالوا : نزلت في منافق لم يسموه ، وهذه أقوال معزو بعضها إلى بعض التابعين ، ولو تعينت لشخص معين لم يكن سبب نزولها مخصصا حكمها بما نزلت بسببه .

ومعنى ( يدع ) يدفع بعنف وقهر ، قال تعالى : يوم يدعون إلى نار جهنم دعا .

والحض : الحث ، وهو أن تطلب غيرك فعلا بتأكيد .

والطعام : اسم الإطعام ، وهو اسم مصدر مضاف إلى مفعوله إضافة لفظية . ويجوز أن يكون الطعام مرادا به ما يطعم كما في قوله تعالى : فانظر إلى طعامك وشرابك فتكون إضافة طعام إلى المسكين معنوية على معنى اللام ، أي : الطعام الذي هو حقه على الأغنياء ويكون فيه تقدير مضاف مجرور بـ ( على ) تقديره : على إعطاء طعام المسكين .

وكني بنفي الحض عن نفي الإطعام ; لأن الذي يشح بالحض على الإطعام هو بالإطعام أشح كما تقدم في قوله : ولا تحاضون على طعام المسكين في سورة الفجر ، وقوله : ولا يحض على طعام المسكين في سورة الحاقة .

والمسكين : الفقير ، ويطلق على الشديد الفقر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين في سورة التوبة .


فويل للمصلين ( 4 ) الذين هم عن صلاتهم ساهون ( 5 ) الذين هم يراءون ( 6 ) ويمنعون الماعون ( 7 )

موقع الفاء صريح في اتصال ما بعدها بما قبلها من الكلام على معنى التفريع والترتيب والتسبب .

[ ص: 567 ] فيجيء على القول أن السورة مكية بأجمعها أن يكون المراد بالمصلين عين المراد بالذي يكذب بالدين ، ويدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ، فقوله ( للمصلين ) إظهار في مقام الإضمار ، كأنه قيل : فويل له على سهوه عن الصلاة ، وعلى الرياء ، وعلى منع الماعون ، دعا إليه زيادة تعداد صفاته الذميمة بأسلوب سليم عن تتابع ست صفات ; لأن ذلك التتابع لا يخلو من كثرة تكرار النظائر فيشبه تتابع الإضافات الذي قيل إنه مناكد للفصاحة ، مع الإشارة بتوسيط ويل له إلى أن الويل ناشئ عن جميع تلك الصفات التي هو أهلها ، وهذا المعنى أشار إليه كلام الكشاف بغموض .

فوصفهم بـ ( المصلين ) إذن تهكم ، والمراد عدمه ، أي : الذين لا يصلون ، أي : ليسوا بمسلمين كقوله تعالى : قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وقرينة التهكم وصفهم بـ الذين هم عن صلاتهم ساهون .

وعلى القول بأنها مدنية أو أن هذه الآية وما بعدها منها مدنية يكون المراد بـ المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون المنافقين . وروى هذا ابن وهب وأشهب عن مالك فتكون الفاء في قوله : فويل للمصلين من هذه الجملة لربطها بما قبلها ; لأن الله أراد ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض .

وجيء في هذه الصفة بصيغة الجمع ; لأن المراد بـ الذي يكذب بالدين : *** المكذبين على أظهر الأقوال . فإن كان المراد به معينا على بعض تلك الأقوال المتقدمة كانت صيغة الجمع تذليلا يشمله وغيره ، فإنه واحد من المتصفين بصفة ترك الصلاة وصفة الرياء ، وصفة منع الماعون .

وقوله : الذين هم عن صلاتهم ساهون صفة للمصلين مقيدة لحكم الموصوف ، فإن الويل للمصلي الساهي عن صلاته لا للمصلي على الإطلاق .

فيكون قوله : الذين هم عن صلاتهم ساهون ترشيحا للتهكم الواقع في إطلاق وصف المصلين عليهم .

وعدي ( ساهون ) بحرف ( عن ) لإفادة أنهم تجاوزوا إقامة صلاتهم وتركوها ولا علاقة لهذه الآية بأحكام السهو في الصلاة .

[ ص: 568 ] وقوله : الذين هم عن صلاتهم ساهون يجوز أن يكون معناه الذين لا يؤدون الصلاة إلا رياء فإذا خلوا تركوا الصلاة .

ويجوز أن يكون معناه : الذين يصلون دون نية وإخلاص فهم في حالة الصلاة بمنزلة الساهي عما يفعل ، فيكون إطلاق ( ساهون ) تهكما كما قال تعالى : يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا في المنافقين في سورة النساء .

ويراءون يقصدون أن يرى الناس أنهم على حال حسن وهم بخلافه ليتحدث الناس لهم بمحاسن ، ما هم بموصوفين بها ، ولذلك كثر أن تعطف السمعة على الرياء فيقال : رياء وسمعة . وهذا الفعل وارد في الكلام على صيغة المفاعلة ولم يسمع منه فعل مجرد ; لأنه يلازمه تكرير الإراءة .

والماعون : يطلق على الإعانة بالمال ، فالمعنى : يمنعون فضلهم أو يمنعون الصدقة على الفقراء . فقد كانت الصدقة واجبة في صدر الإسلام بغير تعيين قبل مشروعية الزكاة .

وقال سعيد بن المسيب وابن شهاب : الماعون المال بلسان قريش .

وروى أشهب عن مالك : الماعون الزكاة ، ويشهد له قول الراعي :


قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا التهليلا


لأنه أراد بالتهليل الصلاة ، فجمع بينها وبين الزكاة .

ويطلق على ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وشد وحفر ونحو ذلك مما لا خسارة على صاحبه في إعارته وإعطائه ، وعن عائشة : الماعون الماء والنار والملح . وهذا ذم لهم بمنتهى البخل . وهو الشح بما لا يرزؤهم .

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : هم يراءون لتقوية الحكم ، أي : تأكيده .

فأما على القول بأن السورة مدنية أو بأن هذه الآيات الثلاث مدنية يكون المراد بالمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ، والصلات بعدها : المنافقين ، [ ص: 569 ] فإطلاق المصلين عليهم بمعنى المتظاهرين بأنهم يصلون وهو من إطلاق الفعل على صورته ، كقوله تعالى : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة أي : يظهرون أنهم يحذرون تنزيل سورة .

ويمنعون الماعون أي : الصدقة أو الزكاة ، قال تعالى في المنافقين ويقبضون أيديهم فلما عرفوا بهذه الخلال كان مفاد فاء التفريع أن أولئك المتظاهرين بالصلاة وهم تاركوها في خاصتهم هم من جملة المكذبين بيوم الدين ويدعون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين .

وحكى هبة الله بن سلامة في كتاب الناسخ والمنسوخ : أن هذه الآيات الثلاث نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ، أي : فإطلاق صيغة الجمع عليه مراد بها واحد على حد قوله تعالى : كذبت قوم نوح المرسلين أي : الرسول إليهم .

والسهو حقيقته : الذهول عن أمر سبق علمه ، وهو هنا مستعار للإعراض والترك عن عمد استعارة تهكمية ، مثل قوله تعالى : وتنسون ما تشركون أي : تعرضون عنهم ، ومثله استعارة الغفلة للإعراض في قوله تعالى : بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين في سورة الأعراف وقوله تعالى : والذين هم عن آياتنا غافلون في سورة يونس ، وليس المقصود الوعيد على السهو الحقيقي عن الصلاة ; لأن حكم النسيان مرفوع على هذه الأمة ، وذلك ينادي على أن وصفهم بالمصلين تهكم بهم بأنهم لا يصلون .

واعلم أنه إذا أراد الله إنزال شيء من القرآن ملحقا بشيء قبله جعل نظم الملحق مناسبا لما هو متصل به ، فتكون الفاء للتفريع . وهذه نكتة لم يسبق لنا إظهارها فعليك ملاحظتها في كل ما ثبت أنه نزل من القرآن ملحقا بشيء نزل قبله منه .

EL Mister
12/06/2009, 17:01
بسم الله الرحمن الرحيم

( لإيلاف قريش ( 1 ) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ( 2 ) فليعبدوا رب هذا البيت ( 3 ) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( 4 ) )


مقدمة


سميت هذه السورة في عهد السلف ( سورة لإيلاف قريش ) قال عمرو بن ميمون الأودي صلى عمر بن الخطاب المغرب فقرأ في الركعة الثانية ( ألم تر كيف ) و ( لإيلاف قريش ) وهذا ظاهر في إرادة التسمية ولم يعدها في الإتقان في السور التي لها أكثر من اسم .

وسميت في المصاحف وكتب التفسير ( سورة قريش ) لوقوع اسم قريش فيها ولم يقع في غيرها ، وبذلك عنونها البخاري في صحيحه .

والسورة مكية عند جماهير العلماء . وقال ابن عطية : بلا خلاف . وفي القرطبي عن الكلبي والضحاك أنها مدنية ، ولم يذكرها في الإتقان مع السور المختلف فيها .

وقد عدت التاسعة والعشرين في عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة التين وقبل سورة القارعة .

وهي سورة مستقلة بإجماع المسلمين على أنها سورة خاصة .

وجعلها أبي بن كعب مع سورة الفيل سورة واحدة ولم يفصل بينهما في مصحفه بالبسملة التي كانوا يجعلونها علامة فصل بين السور ، وهو ظاهر خبر عمرو بن ميمون عن قراءة عمر بن الخطاب . والإجماع الواقع بعد ذلك نقض ذلك .

وعدد آياتها أربع عند جمهور العادين . وعدها أهل مكة والمدينة خمس آيات .

ورأيت في مصحف عتيق من المصاحف المكتوبة في القيروان عددها أربع آيات مع أن قراءة أهل القيروان قراءة أهل المدينة .


أغراض السورة

أمر قريش بتوحيد الله تعالى بالربوبية تذكيرا لهم بنعمة أن الله مكن لهم السير في الأرض للتجارة برحلتي الشتاء والصيف لا يخشون عاديا يعدو عليهم .

وبأنه أمنهم من المجاعات وأمنهم من المخاوف لما وقر في نفوس العرب من حرمتهم ; لأنهم سكان الحرم وعمار الكعبة .

وبما ألهم الناس من جلب الميرة إليهم من الآفاق المجاورة كبلاد الحبشة .

ورد القبائل فلا يغير على بلدهم أحد . قال تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون فأكسبهم ذلك مهابة في نفوس الناس وعطفا منهم .


لإيلاف قريش ( 1 ) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ( 2 ) فليعبدوا رب هذا البيت ( 3 ) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( 4 )

افتتاح مبدع ، إذ كان بمجرور بلام التعليل وليس بإثره بالقرب ما يصلح للتعليق به ، ففيه تشويق إلى متعلق هذا المجرور . وزاده الطول تشويقا ، إذ فصل بينه وبين متعلقه ( بالفتح ) بخمس كلمات ، فيتعلق ( لإيلاف ) بقوله ( فليعبدوا ) .

وتقديم هذا المجرور للاهتمام به ، إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي أعرضوا عنها بعبادة الأصنام ، والمجرور متعلق بفعل ( ليعبدوا ) .

وأصل نظم الكلام : لتعبد قريش رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف ، فلما اقتضى قصد الاهتمام بالمعمول تقديمه على عامله ، تولد من تقديمه معنى جعله شرطا لعامله ، فاقترن عامله بالفاء التي هي من شأن جواب الشرط ، فالفاء الداخلة في قوله ( فليعبدوا ) مؤذنة بأن ما قبلها من قوة الشرط ، أي : مؤذنة بأن تقديم المعمول مقصود به اهتمام [ ص: 555 ] خاص وعناية قوية هي عناية المشترط بشرطه ، وتعليق بقية كلامه عليه لما ينتظره من جوابه ، وهذا أسلوب من الإيجاز بديع .

قال في الكشاف ( دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط ; لأن المعنى إما لا فليعبدوه لإيلافهم ، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى ، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة اهـ .

وقال الزجاج في قوله تعالى : وربك فكبر دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل : وما كان فلا تدع تكبيره اهـ . وهو معنى ما في الكشاف . وسكتا عن منشأ حصول معنى الشرط ، وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم الجار والمجرور ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى : وإياي فارهبون في سورة البقرة ، ومنه قوله تعالى : فبذلك فليفرحوا في سورة يونس ، وقوله : فلذلك فادع واستقم في سورة الشورى . وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله عن الجهاد ، فقال له ألك أبوان ؟ فقال : نعم . قال : ففيهما فجاهد .

ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل ( اعجبوا ) محذوفا ينبئ عنه اللام لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب ، يقال : عجبا لك ، وعجبا لتلك القضية ، ومنه قول امرئ القيس "

فيا لك من ليل
" ; لأن حرف النداء مراد به التعجب فتكون الفاء في قوله ( فليعبدوا ) تفريعا على التعجب .

وجوز الفراء وابن إسحاق في السيرة أن يكون لإيلاف قريش متعلقا بما في سورة الفيل من قوله : فجعلهم كعصف مأكول قال القرطبي . وهو معنى قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس . قال الزمخشري : وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا به اهـ . يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل ، فكما تلحق الآية بآية نزلت قبلها ، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها .

والإيلاف : مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان ، والأصل هو ألف ، وصيغة الإفعال فيه للمبالغة ; لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين ، فصارت تستعمل في إفادة قول الفعل مجازا ثم شاع ذلك في بعض الأفعال حتى ساوى الحقيقة مثل سافر ، وعافاه الله ، وقاتلهم الله .

[ ص: 556 ] وقرأه الجمهور في الموضعين ( لإيلاف ) بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة الثانية . وقرأه ابن عامر ( لإلاف ) الأول بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية ، وقرأه ( إيلافهم ) بإثبات الياء مثل الجمهور . وقرأ أبو جعفر ( ليلاف قريش ) بحذف الهمزة الأولى . وقرأ ( إلافهم ) بهمزة مكسورة من غير ياء .

وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في ( لإألاف ) وفي ( إألافهم ) ، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق الهمزتين لا وجه له . قلت : لا يوجد في كتب القراءات التي عرفناها نسبة هذه القراءة إلى أبي بكر عن عاصم . والمعروف أن عاصما موافق للجمهور في جعل ثانية الهمزتين ياء ، فهذه رواية ضعيفة عن أبي بكر عن عاصم .

وقد كتب في المصحف ( إلافهم ) بدون ياء بعد الهمزة ، وأما الألف المدة التي بعد اللام التي هي عين الكلمة فلم تكتب في الكلمتين في المصحف على عادة أكثر المدات مثلها ، والقراءات روايات وليس خط المصحف إلا كالتذكرة للقارئ ، ورسم المصحف سنة متبعة سنها الصحابة الذين عينوا لنسخ المصاحف . وإضافة ( إيلاف ) إلى قريش على معنى إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله ; لأنه هنا أطلق بالمعنى الاسمي لتلك العادة فهي إضافة معنوية بتقدير اللام .

وقريش : لقب الجد الذي يجمع بطونا كثيرة ، وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة . هذا قول جمهور النسابين وما فوق فهر فهم من كنانة ، ولقب فهر بلقب قريش بصيغة التصغير ، وهو على الصحيح تصغير قرش بفتح القاف وسكون الراء وشين معجمة اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن .

وقال بعض النسابين : إن قريشا لقب النضر بن كنانة . وروي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن قريش فقال : من ولد النضر ، وفي رواية أنه قال : إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا . فجميع أهل مكة هم قريش ، وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم ، وكانت بنو كنانة بخيف منى ، ولهم مناصب في أعمال الحج خاصة ، منها النسيء .

وقوله ( إيلافهم ) عطف بيان من إيلاف قريش وهو من أسلوب [ ص: 557 ] الإجمال ، فالتفصيل للعناية بالخبر ليتمكن في ذهن السامع ، ومنه قوله تعالى : لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات حكاية لكلام فرعون ، وقول امرئ القيس :


ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة


والرحلة بكسر الراء : اسم للارتحال ، وهو المسير من مكان إلى آخر بعيد ، ولذلك سمي البعير الذي يسافر عليه راحلة .

وإضافة رحلة إلى الشتاء من إضافة الفعل إلى زمانه الذي يقع فيه ، فقد يكون الفعل مستغرقا لزمانه مثل قولك : سهر الليل ، وقد يكون وقتا لابتدائه مثل صلاة الظهر ، وظاهر الإضافة أن رحلة الشتاء والصيف معروفة معهودة ، وهما رحلتان . فعطف ( والصيف ) على تقدير مضاف ، أي : ورحلة الصيف ، لظهور أنه لا تكون رحلة واحدة تبتدأ في زمانين فتعين أنهما رحلتان في زمنين .

وجوز الزمخشري : أن يكون لفظ ( رحلة ) المفرد مضافا إلى شيئين لظهور المراد وأمن اللبس ، وقال أبو حيان : هذا عند سيبويه لا يجوز إلا في الضرورة .

والشتاء : اسم لفصل من السنة الشمسية المقسمة إلى أربعة فصول . وفصل الشتاء تسعة وثمانون يوما وبضع دقائق مبدؤها حلول الشمس في برج الجدي . ونهايتها خروج الشمس من برج الحوت ، وبروجه ثلاثة : الجدي ، والدلو ، والحوت ، وفصل الشتاء مدة البرد .

والصيف : اسم لفصل من السنة الشمسية ، وهو زمن الحر ، ومدته ثلاثة وتسعون يوما وبضع ساعات ، مبدؤها حلول الشمس في برج السرطان ونهايته خروج الشمس من برج السنبلة ، وبروجه ثلاثة ، السرطان ، والأسد ، والسنبلة .

قال ابن العربي : قال مالك : الشتاء نصف السنة والصيف نصفها ، ولم أزل أرى ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومن معه لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا ، ( يعني طلوع الثريا عند الفجر ، وذلك أول فصل الصيف ) وهو يوم التاسع عشر من ( بشنس ) وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس اهـ . وشهر بشنس هو التاسع من أشهر السنة القبطية المجزأة إلى اثني عشر شهرا .

[ ص: 558 ] وشهر بشنس يبتدأ في اليوم السادس والعشرين من شهر نيسان ( أبريل ) وهو ثلاثون يوما ينتهي يوم 25 من شهر ( إيار - مايه ) .

وطلوع الثريا عند الفجر ، وهو يوم تسعة عشر من شهر بشنس من أشهر القبط . قال أيمة اللغة : فالصيف عند العامة نصف السنة وهو ستة أشهر ، والشتاء نصف السنة وهو ستة أشهر .

والسنة بالتحقيق أربعة فصول : الصيف : ثلاثة أشهر ، وهو الذي يسميه أهل العراق وخراسان الربيع ، ويليه القيظ ثلاثة أشهر ، وهو شدة الحر ، ويليه الخريف ثلاثة أشهر ، ويليه الشتاء ثلاثة أشهر . وهذه الآية صالحة للاصطلاحين . واصطلاح علماء الميقات تقسيم السنة إلى ربيع وصيف وخريف وشتاء ، ومبدأ السنة الربيع هو دخول الشمس في برج الحمل . وهاتان الرحلتان هما رحلة تجارة وميرة كانت قريش تجهزهما في هذين الفصلين من السنة إحداهما في الشتاء إلى بلاد الحبشة ، ثم اليمن يبلغون بها بلاد حمير ، والأخرى في الصيف إلى الشام يبلغون بها مدينة بصرى من بلاد الشام .

وكان الذين سن لهم هاتين الرحلتين هاشم بن عبد مناف ، وسبب ذلك أنهم كانوا يعتريهم خصاصة ، فإذا لم يجد أهل بيت طعاما لقوتهم حمل رب البيت عياله إلى موضع معروف فضرب عليهم خباء وبقوا فيه حتى يموتوا جوعا ، ويسمى ذلك الاعتفار ( بالعين المهملة وبالراء ، وقيل : بالدال عوض الراء وبفاء ) فحدث أن أهل بيت من بني مخزوم أصابتهم فاقة شديدة فهموا بالاعتفار فبلغ خبرهم هاشما ; لأن أحد أبنائهم كان تربا لأسد بن هاشم ، فقام هاشم خطيبا في قريش وقال : إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعز العرب وأنتم أهل حرم الله والناس لكم تبع ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم ، ثم جمع كل بني أب على رحلتين للتجارات فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير من عشيرته حتى صار فقيرهم كغنيهم ، وفيه يقول مطرود الخزاعي :


يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف
الآخذون العهد من آفاقها والراحلون لرحلة الإيلاف
والخالطون غنيهم بفقيرهم حتى يصير فقيرهم كالكافي


[ ص: 559 ] ولم تزل الرحلتان من إيلاف قريش حتى جاء الإسلام وهم على ذلك .

والمعروف المشهور أن الذي سن الإيلاف هو هاشم ، وهو المروي عن ابن عباس وذكر ابن العربي عن الهروي : أن أصحاب الإيلاف هاشم وإخوته الثلاثة الآخرون : عبد شمس ، والمطلب ، ونوفل . وأن واحدا منهم أخذ حبلا - أي عهدا - من أحد الملوك الذين يمرون في تجارتهم على بلادهم وهم ملك الشام ، وملك الحبشة ، وملك اليمن ، وملك فارس ، فأخذ هاشم هذا من ملك الشام وهو ملك الروم ، وأخذ عبد شمس من نجاشي الحبشة وأخذ المطلب من ملك اليمن ، وأخذ نوفل من كسرى ملك فارس ، فكانوا يجعلون جعلا لرؤساء القبائل وسادات العشائر يسمى الإيلاف أيضا ، يعطونهم شيئا من الربح ويحملون إليهم متاعا ويسوقون إليهم إبلا مع إبلهم ليكفوهم مئونة الأسفار وهم يكفون قريشا دفع الأعداء ، فاجتمع لهم بذلك أمن الطريق كله إلى اليمن وإلى الشام ، وكانوا يسمون المجيرين .

وقد توهم النقاش من هذا أن لكل واحد من هؤلاء الأربعة رحلة ، فزعم أن الرحل كانت أربعا ، قال ابن عطية : وهذا قول مردود . وصدق ابن عطية ، فإن كون أصحاب العهد الذي كان به الإيلاف أربعة لا يقتضي أن تكون الرحلات أربعا ، فإن ذلك لم يقله أحد . ولعل هؤلاء الإخوة كانوا يتداولون السفر مع الرحلات على التناوب ؛ لأنهم المعروفون عند القبائل التي تمر عليهم العير ، أو لأنهم توارثوا ذلك بعد موت هاشم فكانت تضاف العير إلى أحدهم كما أضافوا العير التي تعرض المسلمون لها يوم بدر عير أبي سفيان ، إذ هو يومئذ سيد أهل الوادي بمكة .

ومعنى الآية تذكير قريش بنعمة الله عليهم ، إذ يسر لهم ما لم يتأت لغيرهم من العرب من الأمن من عدوان المعتدين ، وغارات المغيرين في السنة كلها بما يسر لهم من بناء الكعبة وشرعة الحج وأن جعلهم عمار المسجد الحرام وجعل لهم مهابة وحرمة في نفوس العرب كلهم في الأشهر الحرم وفي غيرها .

وعند القبائل التي تحرم الأشهر الحرم والقبائل التي لا تحرمها مثل طيء وقضاعة وخثعم ، فتيسرت لهم الأسفار في بلاد العرب من جنوبها إلى شمالها ، ولاذ [ ص: 560 ] بهم أصحاب الحاجات يسافرون معهم ، وأصحاب التجارات يحملونهم سلعهم ، وصارت مكة وسطا تجلب إليها السلع من جميع البلاد العربية فتوزع إلى طالبيها في بقية البلاد ، فاستغنى أهل مكة بالتجارة ، إذ لم يكونوا أهل زرع ولا ضرع ، إذ كانوا بواد غير ذي زرع وكانوا يجلبون أقواتهم فيجلبون من بلاد اليمن الحبوب من بر وشعير وذرة وزبيب وأديم وثياب والسيوف اليمانية ، ومن بلاد الشام الحبوب والتمر والزيت والزبيب والثياب والسيوف المشرفية ، زيادة على ما جعل لهم مع معظم العرب من الأشهر الحرم ، وما أقيم لهم من مواسم الحج وأسواقه كما يشير إليه قوله تعالى : فليعبدوا رب هذا البيت .

فذلك وجه تعليل الأمر بتوحيدهم الله بخصوص نعمة هذا الإيلاف مع أن لله عليهم نعما كثيرة ; لأن هذا الإيلاف كان سببا جامعا لأهم النعم التي بها قوام بقائهم .

وقد تقدم آنفا الكلام على معنى الفاء من قوله : فليعبدوا رب هذا البيت على الوجوه كلها .

والعبادة التي أمروا بها عبادة الله وحده دون إشراك الشركاء معه في العبادة ; لأن إشراك من لا يستحق العبادة مع الله الذي هو الحقيق بها ليس بعبادة أو لأنهم شغلوا بعبادة الأصنام عن عبادة الله فلا يذكرون الله إلا في أيام الحج في التلبية على أنهم قد زاد بعضهم فيها بعد قولهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك .

وتعريف ( رب ) بالإضافة إلى هذا البيت دون أن يقال : فليعبدوا الله ، لما يومئ إليه لفظ ( رب ) من استحقاقه الإفراد بالعبادة دون شريك .

وأوثر إضافة ( رب ) إلى هذا البيت دون أن يقال : ربهم للإيماء إلى أن البيت هو أصل نعمة الإيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام ، فكان سببا لرفعة شأنهم بين العرب . قال تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس وذلك إدماج للتنويه بشأن البيت الحرام وفضله .

والبيت معهود عند المخاطبين .

[ ص: 561 ] والإشارة إليه ; لأنه بذلك العهد كان كالحاضر في مقام الكلام على أن البيت بهذا التعريف باللام صار علما بالغلبة على الكعبة ورب البيت هو الله ، والعرب يعترفون بذلك .

وأجري وصف الرب بطريقة الموصول الذي أطعمهم من جوع لما يؤذن به من التعليل للأمر بعبادة رب البيت الحرام بعلة أخرى زيادة على نعمة تيسير التجارة لهم ، وذلك مما جعلهم أهل ثراء ، وهما نعمة إطعامهم وأمنهم . وهذه إشارة إلى ما يسر لهم من ورود سفن الحبشة في البحر إلى جدة تحمل الطعام ليبيعوه هناك ، فكانت قريش يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين ، وكان أهل تبالة وجرش من بلاد اليمن المخصبة يحملون الطعام في مكة ، فكانوا في سعة من العيش بوفر الطعام في بلادهم كذلك يسر لهم إقامة الأسواق حول مكة في أشهر الحج وهي سوق مجنة ، وسوق ذي المجاز ، وسوق عكاظ ، فتأتيهم فيها الأرزاق ويتسع العيش ، وإشارة إلى ما ألقي في نفوس العرب من حرمة مكة وأهلها فلا يريدهم أحد بتخويف ، وتلك دعوة إبراهيم - عليه السلام - إذ قال : رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات فلم يتخلف ذلك عنهم إلا حين دعا عليهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - بدعوته : اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف فأصابتهم مجاعة وقحط سبع سنين وذلك أول الهجرة .

و ( من ) الداخلة على ( جوع ) وعلى ( خوف ) معناها البدلية ، أي : أطعمهم بدلا من الجوع وآمنهم بدلا من الخوف . ومعنى البدلية هو أن حالة بلادهم تقتضي أن يكون أهلها في جوع . فإطعامهم بدل من الجوع الذي تقتضيه البلاد ، وأن حالتهم في قلة العدد وكونهم أهل حضر وليسوا أهل بأس ولا فروسية ولا شكة سلاح تقتضي أن يكونوا معرضين لغارات القبائل ، فجعل الله لهم الأمن في الحرم عوضا عن الخوف الذي تقتضيه قلتهم قال تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم .

وتنكير ( جوع ) و ( خوف ) للنوعية لا للتعظيم ، إذ لم يحل بهم جوع وخوف من قبل ، قال مساور بن هند في هجاء بني أسد :

[ ص: 562 ]

زعمتم أن إخوتكم قريش لهم إلف وليس لكم إلاف
أولئك أومنوا جوعا وخوفا وقد جاعت بنو أسد وخافوا

EL Mister
12/06/2009, 17:28
بسم الله الرحمن الرحيم

( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ( 1 ) ألم يجعل كيدهم في تضليل ( 2 ) وأرسل عليهم طيرا أبابيل ( 3 ) ترميهم بحجارة من سجيل ( 4 ) فجعلهم كعصف مأكول ( 5 ) )


مقدمة

وردت تسميتها في كلام بعض السلف سورة ( ألم تر ) . روى القرطبي في تفسير ( سورة قريش ) عن عمرو بن ميمون قال : صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب فقرأ في الركعة الثانية ( ألم تر ) و ( لإيلاف قريش ) . وكذلك عنونها البخاري . وسميت في جميع المصاحف وكتب التفسير ( سورة الفيل ) .

وهي مكية بالاتفاق .

وقد عدت التاسعة عشرة في ترتيب نزول السور . نزلت بعد سورة ( قل يا أيها الكافرون ) وقبل ( سورة الفلق ) . وقيل : قبل ( سورة قريش ) لقول الأخفش إن قوله تعالى : لإيلاف قريش متعلق بقوله : فجعلهم كعصف مأكول ولأن أبي بن كعب جعلها وسورة قريش سورة واحدة في مصحفه ولم يفصل بينهما بالبسملة ، ولخبر عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب المذكور آنفا : روى أن عمر بن الخطاب قرأ مرة في المغرب في الركعة الثانية سورة الفيل وسورة قريش ، أي : ولم يكن الصحابة يقرءون في الركعة من صلاة الفرض سورتين ; لأن السنة قراءة الفاتحة وسورة ، فدل أنهما عنده سورة واحدة . ويجوز أن تكون سورة قريش نزلت بعد سورة الفلق وألحقت بسورة الفيل ، فلا يتم الاحتجاج بما في مصحف أبي بن كعب ولا بما رواه عمرو بن ميمون .

وآيها خمس .


أغراض السورة

وقد تضمنت التذكير بأن الكعبة حرم الله ، وأن الله حماه ممن أرادوا به سوءا أو [ ص: 544 ] أظهر غضبه عليهم فعذبهم لأنهم ظلموا بطمعهم في هدم مسجد إبراهيم وهو عندهم في كتابهم ، وذلك ما سماه الله كيدا ، وليكون ما حل بهم تذكرة لقريش بأن فاعل ذلك هو رب ذلك البيت وأن لا حظ فيه للأصنام التي نصبوها حوله .

وتنبيه قريش أو تذكيرهم بما ظهر من كرامة النبيء - صلى الله عليه وسلم - عند الله ، إذ أهلك أصحاب الفيل في عام ولادته .

ومن وراء ذلك تثبيت النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن الله يدفع عنه كيد المشركين ، فإن الذي دفع كيد من يكيد لبيته لأحق بأن يدفع كيد من يكيد لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ودينه ويشعر بهذا قوله : ألم نجعل كيدهم في تضليل .

ومن وراء ذلك كله التذكير بأن الله غالب على أمره ، وأن لا تغر المشركين قوتهم ووفرة عددهم ولا يوهن النبيء - صلى الله عليه وسلم - تألب قبائلهم عليه فقد أهلك الله من هو أشد منهم قوة وأكثر جمعا .

ولم يتكرر في القرآن ذكر إهلاك أصحاب الفيل خلافا لقصص غيرهم من الأمم لوجهين : أحدهما أن هلاك أصحاب الفيل لم يكن لأجل تكذيب رسول من الله ، وثانيهما أن لا يتخذ منه المشركون غرورا بمكانة لهم عند الله كغرورهم بقولهم المحكي في قوله تعالى : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر الآية ، وقوله : وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون.


ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ( 1 )

استفهام تقريري ، وقد بينا غير مرة أن الاستفهام التقريري كثير ما يكون على نفي المقرر بإثباته للثقة ، فإن المقرر لا يسعه إلا إثبات المنفي ، وانظر عند قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم في سورة البقرة ، والاستفهام التقريري هنا مجاز بعلاقة اللزوم ، وهو مجاز كثر استعماله في كلامهم فصار كالحقيقة لشهرته ، وعليه فالتقرير مستعمل مجازا في التكريم إشارة إلى أن ذلك كان إرهاصا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فيكون من باب قوله : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد [ ص: 545 ] وفيه مع ذلك تعريض بكفران قريش نعمة عظيمة من نعم الله عليهم ، إذ لم يزالوا يعبدون غيره .

والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - كما يقتضيه قوله ( ربك ) . فمهيع هذه الآية شبيه بقوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى الآيات ، وقوله : لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد على أحد الوجوه المتقدمة .

فالرؤية يجوز أن تكون مجازية مستعارة للعلم البالغ من اليقين حد الأمر المرئي لتواتر ما فعل الله بأصحاب الفيل بين أهل مكة وبقاء بعض آثار ذلك يشاهدونه . وقال أبو صالح : رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك الحجارة سودا مخططة بحمرة . وقال عتاب بن أسيد : أدركت سائس الفيل وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس . وقالت عائشة : لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس ، وفعل الرؤية معلق بالاستفهام .

ويجوز أن تكون الرؤية بصرية بالنسب لمن تجاوز سنه نيفا وخمسين سنة عند نزول الآية ممن شهد حادث الفيل غلاما أو فتى مثل أبي قحافة وأبي طالب وأبي بن خلف .

و ( كيف ) للاستفهام سد مسد مفعولين أو مفعول ( تر ) ، أي : ألم تر جواب هذا الاستفهام كما تقول : علمت هل زيد قائم ؟ وهو نصب على الحال من فاعل ( تر ) . ويجوز أن يكون ( كيف ) مجردا عن معنى الاستفهام مرادا منه مجرد الكيفية ، فيكون نصبا على المفعول به .

وإيثار ( كيف ) دون غيره من أسماء الاستفهام أو الموصول فلم يقل : ألم تر ما فعل ربك ، أو الذي فعل ربك ، للدلالة على حالة عجيبة يستحضرها من يعلم تفصيل القصة .

وأوثر لفظ فعل ربك دون غيره ; لأن مدلول هذا الفعل يعم أعمالا كثيرة لا يدل عليها غيره .

وجيء في تعريف الله سبحانه بوصف ( رب ) مضافا إلى ضمير النبيء - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 546 ] إيماء إلى أن المقصود من التذكير بهذه القصة تكريم النبيء - صلى الله عليه وسلم - إرهاصا لنبوته ، إذ كان ذلك عام مولده .

وأصحاب الفيل : الحبشة الذين جاءوا مكة غازين مضمرين هدم الكعبة انتقاما من العرب من أجل ما فعله أحد بني كنانة الذين كانوا أصحاب النسيء في أشهر الحج . وكان خبر ذلك وسببه أن الحبشة قد ملكوا اليمن بعد واقعة الأخدود التي عذب فيها الملك ذو نواس النصارى ، وصار أمير الحبشة على اليمن رجلا يقال له أبرهة ، وأن أبرهة بنى كنيسة عظيمة في صنعاء دعاها القليس ( بفتح القاف وكسر اللام بعدها تحتية ساكنة ، وبعضهم يقولها بضم القاف وفتح اللام وسكون التحتية ، وفي القاموس بضم القاف وتشديد اللام مفتوحة وسكون الياء ، وكتبه السهيلي بنون بعد اللام ولم يضبطه وزعم أنه اسم مأخوذ من معاني القلس للارتفاع ، ومنه القلنسوة واقتصر على ذلك ولم أعرف أصل هذا اللفظ ، فإما أن يكون اسم *** للكنيسة ، ولعل لفظ كنيسة في العربية معرب منه ، وإما أن يكون علما وضعوه لهذه الكنيسة الخاصة ) وأراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة ، فروي أن رجلا من بني فقيم من بني كنانة وكانوا أهل النسيء للعرب كما تقدم عند قوله تعالى : إنما النسيء زيادة في الكفر في سورة براءة ، قصد الكناني صنعاء حتى جاء القليس فأحدث فيها تحقيرا لها ليتسامع العرب بذلك ، فغضب أبرهة وأزمع غزو مكة ليهدم الكعبة ، وسار حتى نزل خارج مكة ليلا بمكان يقال له المغمس ( كمعظم ) موضع قرب مكة في طريق الطائف ) أو ذو الغميس لم أر ضبطه وأرسل إلى عبد المطلب ليحذره من أن يحاربوه وجرى بينهما كلام ، وأمر عبد المطلب آله وجميع أهل مكة بالخروج منها إلى الجبال المحيطة بها خشية من معرة الجيش إذا دخلوا مكة ، فلما أصبح هيأ جيشه لدخول مكة وكان أبرهة راكبا فيلا وجيشه معه ، فبينا هو يتهيأ لذلك إذ أصاب جنده داء عضال هو الجدري الفتاك يتساقط منه الأنامل ، ورأوا قبل ذلك طيرا ترميهم بحجارة لا تصيب أحدا إلا هلك وهي طير من جند الله ، فهلك معظم الجيش وأدبر بعضهم ، ومرض أبرهة فقفل راجعا إلى صنعاء مريضا ، فهلك في صنعاء وكفى الله أهل مكة أمر عدوهم . وكان ذلك في شهر محرم الموافق لشهر شباط ( فبراير ) [ ص: 547 ] سنة 570 بعد ميلاد عيسى - عليه السلام - وبعد هذا الحادث بخمسين يوما ولد النبيء - صلى الله عليه وسلم - على أصح الأخبار وفيها اختلاف كثير .

والتعريف في ( الفيل ) للعهد ، وهو فيل أبرهة قائد الجيش كما قالوا للجيش الذي خرج مع عائشة أم المؤمنين أصحاب الجمل يريدون الجمل الذي كانت عليه عائشة ، مع أن في الجيش جمالا أخرى . وقد قيل : إن جيش أبرهة لم يكن فيه إلا فيل واحد ، هو فيل أبرهة وكان اسمه محمودا . وقيل : كان فيه فيلة أخرى ، قيل ثمانية ، وقيل : اثنا عشر . وقال بعض : ألف فيل ووقع في رجز ينسب إلى عبد المطلب :


أنت منعت الحبش والأفيالا


فيكون التعريف تعريف الجنس ويكون العهد مستفادا من الإضافة .

والفيل : حيوان عظيم من ذوات الأربع ذوات الخف ، من حيوان البلاد الحارة ذات الأنهار من الهند والصين والحبشة والسودان ، ولا يوجد في غير ذلك إلا مجلوبا ، وهو ذكي قابل للتأنس والتربية ، ضخم الجثة أضخم من البعير ، وأعلى منه بقليل وأكثر لحما وأكبر بطنا . وخف رجله يشبه خف البعير وعنقه قصير جدا له خرطوم طويل هو أنفه يتناول به طعامه وينتشق به الماء فيفرغه في فيه ، ويدفع به عن نفسه ، يختطف به ويلويه على ما يريد أذاه من الحيوان ويلقيه على الأرض ويدوسه بقوائمه . وفي عينيه خزر وأذناه كبيرتان مسترخيتان ، وذنبه قصير أقصر من ذنب البعير وقوائمه غليظة ، ومناسمه كمناسم البعير وللذكر منه نابان طويلان بارزان من فمه يتخذ الناس منها العاج ، وجلده أجرد مثل جلد البقر ، أصهب اللون قاتم كلون الفار ، ويكون منه الأبيض الجلد . وهو مركوب وحامل أثقال وأهل الهند والصين يجعلون الفيل كالحصن في الحرب يجعلون محفة على ظهره تسع ستة جنود . ولم يكن الفيل معروفا عند العرب ، فلذلك قل أن يذكر في كلامهم وأول فيل دخل بلاد العرب هو الفيل المذكور في هذه السورة .

وقد ذكرت أشعار لهم في ذكر هذه الحادثة في السيرة ، ولكن العرب كانوا يسمعون أخبار الفيل ويتخيلونه عظيما قويا ، قال لبيد :


ومقام ضيق فرجته ببيان ولسان وجدل
[ ص: 548 ] لو يقوم الفيل أو فياله زل عن مثل مقامي ورحل


وقال كعب بن زهير في قصيدته :


لقد أقوم مقاما لو يقوم به أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظل يرعد إلا أن يكون له من الرسول بإذن الله تنويل


وكنت رأيت أن . . . قال إن أمه أرته أو حدثته أنها رأت روث الفيل بمكة حول الكعبة ، ولعلهم تركوا إزالته ليبقى تذكرة .

وعن عائشة وعتاب بن أسيد : رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس .

والمعنى : ألم تعلم الحالة العجيبة التي فعلها الله بأصحاب الفيل ، فهذا تقرير على إجمال يفسره ما بعده .


ألم يجعل كيدهم في تضليل ( 2 ) وأرسل عليهم طيرا أبابيل ( 3 ) ترميهم بحجارة من سجيل ( 4 ) فجعلهم كعصف مأكول ( 5 )

هذه الجمل بيان لما في جملة ألم تر كيف فعل ربك من الإجمال ، وسمى حربهم كيدا ; لأنه عمل ظاهره الغضب من فعل الكناني الذي قعد في القليس ، وإنما هو تعلة تعللوا بها لإيجاد سبب لحرب أهل مكة وهدم الكعبة لينصرف العرب إلى حج القليس في صنعاء فيتنصروا .

أو أريد بكيدهم بناؤهم القليس مظهرين أنهم بنوا كنيسة وهم يريدون أن يبطلوا الحج إلى الكعبة ويصرفوا العرب إلى صنعاء .

والكيد : الاحتيال على إلحاق ضر بالغير ومعالجة إيقاعه .

والتضليل : جعل الغير ضالا ، أي : لا يهتدي لمراده ، وهو هنا مجاز في الإبطال وعدم نوال المقصود ; لأن ضلال الطريق عدم وصول السائر .

وظرفية الكيد في التضليل مجازية ، استعير حرف الظرفية لمعنى المصاحبة [ ص: 549 ] الشديدة ، أي : أبطل كيدهم بتضليل ، أي : مصاحبا للتضليل لا يفارقه ، والمعنى : أنه أبطله إبطالا شديدا ، إذ لم ينتفعوا بقوتهم مع ضعف أهل مكة وقلة عددهم . وهذا كقوله تعالى : وما كيد فرعون إلا في تباب أي : ضياع وتلف ، وقد شمل تضليل كيدهم جميع ما حل بهم من أسباب الخيبة وسوء المنقلب .

وجملة وأرسل عليهم طيرا أبابيل يجوز أن تجعل معطوفة على جملة فعل ربك بأصحاب الفيل ، أي : وكيف أرسل عليهم طيرا من صفتها كيت وكيت ، فبعد أن وقع التقرير على ما فعل الله بهم من تضليل كيدهم عطف عليه تقرير بعلم ما سلط عليهم من العقاب على كيدهم تذكيرا بما حل بهم من نقمة الله تعالى ، لقصدهم تخريب الكعبة ، فذلك من عناية الله ببيته لإظهار توطئته لبعثة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بدينه في ذلك البلد ، إجابة لدعوة إبراهيم - عليه السلام - فكما كان إرسال الطير عليهم من أسباب تضليل كيدهم ، كان فيه جزاء لهم ، ليعلموا أن الله مانع بيته ، وتكون جملة ألم يجعل كيدهم في تضليل معترضة بين الجملتين المتعاطفتين .

ويجوز أن تجعل وأرسل عليهم عطفا على جملة ألم يجعل كيدهم في تضليل فيكون داخلا في حيز التقرير الثاني بأن الله جعل كيدهم في تضليل ، وخص ذلك بالذكر لجمعه بين كونه مبطلا لكيدهم وكونه عقوبة لهم ، ومجيئه بلفظ الماضي باعتبار أن المضارع في قوله : ألم يجعل كيدهم في تضليل قلب زمانه إلى المضي لدخول حرف ( لم ) كما تقدم في قوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى في سورة الضحى ، فكأنه قيل : أليس جعل كيدهم في تضليل .

والطير : اسم ، جمع طائر ، وهو الحيوان الذي يرتفع بالجو بعمل جناحيه . وتنكيره للنوعية ; لأنه نوع لم يكن معروفا عند العرب . وقد اختلف القصاصون في صفته اختلافا خياليا . والصحيح ما روي عن عائشة : أنها أشبه شيء بالخطاطيف ، وعن غيرها أنها تشبه الوطواط .

وأبابيل : جماعات . قال الفراء وأبو عبيدة : أبابيل اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل عباديد وشماطيط وتبعهما الجوهري ، وقال الرؤاسي والزمخشري : واحد [ ص: 550 ] أبابيل إبالة مشددة الموحدة مكسورة الهمزة . ومنه قولهم في المثل : ضغث على إبالة ، وهي الحزمة الكبيرة من الحطب ، وعليه فوصف الطير بأبابيل على وجه التشبيه البليغ .

وجملة ( ترميهم ) حال من ( طيرا ) وجيء بصيغة المضارع لاستحضار الحالة بحيث تخيل للسامع كالحادثة في زمن الحال ومنه قوله تعالى : ( والله الذي أرسل الريح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ) الآية .

وحجارة : اسم جمع حجر .

وعن ابن عباس قال : طين في حجارة ، وعنه أن سجيل معرب ( سنك كل ) من الفارسية ، أي : عن كلمة ( سنك ) وضبط بفتح السين وسكون النون وكسر الكاف ، اسم الحجر ، وكلمة ( كل ) بكسر الكاف اسم الطين وجموع الكلمتين يراد به الآجر .

وكلتا الكلمتين بالكاف الفارسية المعمدة وهي بين مخرج الكاف ومخرج القاف ، ولذلك تكون ( من ) بيانية ، أي : حجارة هي سجيل ، وقد عد السبكي كلمة سجيل في منظومته في المعرب الواقع في القرآن .

وقد أشار إلى أصل معناه قوله تعالى : لنرسل عليهم حجارة من طين مع قوله في آيات أخر حجارة من سجيل فعلم أنه حجر أصله طين .

وجاء نظيره في قصة قوم لوط في سورة هود وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود وفي سورة الحجر فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل فتعين أن تكون الحجارة التي أرسلت على أصحاب الفيل من *** الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ، أي : ليست حجرا صخريا ولكنها طين متحجر دلالة على أنها مخلوقة لعذابهم .

قال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده ، فكان ذلك أول الجدري . وقال عكرمة : إذا أصاب أحدهم منها خرج به الجدري .

[ ص: 551 ] وقد قيل : إن الجدري لم يكن معروفا في مكة قبل ذلك .

وروي أن الحجر كان قدر الحمص ، روى أبو نعيم عن نوفل بن أبي معاوية الديلمي قال : رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل حصى مثل الحمص حمرا بحتمة ( أي سوداء ) كأنها جزع ظفار . وعن ابن عباس : أنه رأى من هذه الحجارة عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة بالجزع الظفاري .

والعصف : ورق الزرع وهو جمع عصفة . والعصف إذا دخلته البهائم فأكلته داسته بأرجلها وأكلت أطرافه وطرحته على الأرض بعد أن كان أخضر يانعا . وهذا تمثيل لحال أصحاب الفيل بعد تلك النضرة والقوة كيف صاروا متساقطين على الأرض هالكين .

EL Mister
12/06/2009, 17:54
بسم الله الرحمن الرحيم

( ويل لكل همزة لمزة ( 1 ) الذي جمع مالا وعدده ( 2 ) يحسب أن ماله أخلده ( 3 ) كلا لينبذن في الحطمة ( 4 ) وما أدراك ما الحطمة ( 5 ) نار الله الموقدة ( 6 ) التي تطلع على الأفئدة ( 7 ) إنها عليهم مؤصدة ( 8 ) في عمد ممددة ( 9 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة الهمزة ) بلام التعريف . وعنونها في صحيح البخاري وبعض التفاسير ( سورة ويل لكل همزة ) . وذكر الفيروزآبادي في بصائر ذوي التمييز أنها تسمى ( سورة الحطمة ) لوقوع هذه الكلمة فيها .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت الثانية والثلاثين في عداد نزول السور . نزلت بعد سورة القيامة وقبل سورة المرسلات .

وآيها تسع بالاتفاق .

روي أنها نزلت في جماعة من المشركين كانوا أقاموا أنفسهم للمز المسلمين وسبهم واختلاق الأحدوثات السيئة عنهم . وسمي من هؤلاء المشركين : الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأمية بن خلف ، وأبي بن خلف ، وجميل بن معمر بن بني جمح ( وهذا أسلم يوم الفتح وشهد حنينا ) والعاص بن وائل من بني سهم ، وكلهم من سادة قريش ، وسمي الأسود بن عبد يغوث ، والأخنس بن شريق الثقفيان من سادة ثقيف من أهل الطائف ، وكل هؤلاء من أهل الثراء في الجاهلية والازدهار بثرائهم وسؤددهم . وجاءت آية السورة عامة فعم حكمها المسمين ومن كان على شاكلتهم من المشركين ولم تذكر أسماؤهم .


أغراض السورة

فغرض هذه السورة وعيد جماعة من المشركين جعلوا همز المسلمين ولمزهم ضربا [ ص: 536 ] من ضروب أذاهم طمعا في أن يلجئهم الملل من أصناف الأذى ، إلى الانصراف عن الإسلام والرجوع إلى الشرك .


ويل لكل همزة لمزة ( 1 ) الذي جمع مالا وعدده ( 2 ) يحسب أن ماله أخلده ( 3 )

كلمة ( ويل له ) دعاء على المجرور اسمه باللام بأن يناله الويل ، وهو سوء الحال كما تقدم غير مرة ، منها قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله في سورة البقرة .

والدعاء هنا مستعمل في الوعيد بالعقاب .

وكلمة ( كل ) تشعر بأن المهددين بهذا الوعيد جماعة ، وهم الذين اتخذوا همز المسلمين ولمزهم ديدنا لهم . أولئك الذين تقدم ذكرهم في سبب نزول السورة .

وهمزة ولمزة ، بوزن فعلة صيغة تدل على كثرة صدور الفعل المصاغ منه ، وأنه صار عادة لصاحبه كقولهم : ضحكة لكثير الضحك ، ولعنة لكثير اللعن . وأصلها : أن صيغة فعل بضم ففتح ترد للمبالغة في فاعل ، كما صرح به الرضي في شرح الكافية يقال : رجل حطم إذا كان قليل الرحمة للماشية أي : والدواب .

ومنه قولهم : ختع ( بخاء معجمة ومثناة فوقية ) وهو الدليل الماهر بالدلالة على الطريق ، فإذا أريدت زيادة المبالغة في الوصف ألحق به الهاء كما ألحقت في : علامة ورحالة ، فيقولون : رجل حطمة وضحكة ومنه همزة ، وبتلك المبالغة الثانية يفيد أن ذلك تفاقم منه حتى صار له عادة قد ضري بها كما في الكشاف ، وقد قالوا : إن عيبة مساو لعيابة ، فمن الأمثلة ما سمع فيه الوصف بصيغتي فعل وفعلة نحو حطم وحطمة بدون هاء وبهاء ، ومن الأمثلة ما سمع فيه فعلة دون فعل نحو رجل ضحكة ، ومن الأمثلة ما سمع فيه فعل دون فعلة وذلك في الشتم مع حرف النداء يا غدر ويا فسق ويا خبث ويا لكع .

قال المرادي في شرح التسهيل قال : بعضهم ولم يسمع غيرها ولا يقاس [ ص: 537 ] عليها ، وعن سيبويه أنه أجاز القياس عليها في النداء اهـ . قلت : وعلى قول سيبويه بنى الحريري قوله في المقامة السابعة والثلاثين : صه يا عقق ، يا من هو الشجا والشرق .

وهمزة : وصف مشتق من الهمز . وهو أن يعيب أحد أحدا بالإشارة بالعين أو بالشدق أو بالرأس بحضرته أو عند توليه ، ويقال : هامز وهماز ، وصيغة فعلة يدل على تمكن الوصف من الموصوف .

ووقع ( همزة ) وصفا لمحذوف تقديره : ويل لكل شخص همزة ، فلما حذف موصوفه صار الوصف قائما مقامه فأضيف إليه ( كل ) .

ولمزة : وصف مشتق من اللمز ، وهو المواجهة بالعيب ، وصيغته دالة على أن ذلك الوصف ملكة لصاحبه كما في همزة .

وهذان الوصفان من معاملة أهل الشرك للمؤمنين يومئذ ، ومن عامل من المسلمين أحدا من أهل دينه بمثل ذلك كان له نصيب من هذا الوعيد .

فمن اتصف بشيء من هذا الخلق الذميم من المسلمين مع أهل دينه ، فإنها خصلة من خصال أهل الشرك ، وهي ذميمة تدخل في أذى المسلم ، وله مراتب كثيرة بحسب قوة الأذى وتكرره ، ولم يعد من الكبائر إلا ضرب المسلم ، وسب الصحابة رضي الله عنهم .

وإدمان هذا الأذى بأن يتخذه ديدنا ، فهو راجع إلى إدمان الصغائر وهو معدود من الكبائر .

وأتبع الذي جمع مالا وعدده لزيادة تشنيع صفتيه الذميمتين بصفة الحرص على المال ، وإنما ينشأ ذلك من بخل النفس والتخوف من الفقر ، والمقصود من ذلك دخول أولئك الذين عرفوا بهمز المسلمين ولمزهم ، الذين قيل إنهم سبب نزول السورة لتعيينهم في هذا الوعيد .

واسم الموصول من قوله : الذي جمع مالا نعت آخر ، ولم يعطف الذي بالواو ; لأن ذكر الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد يجوز أن يكون بدون عطف [ ص: 538 ] نحو قوله تعالى : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم .

والمال : مكاسب الإنسان التي تنفعه وتكفي مئونة حاجته من طعام ولباس وما يتخذ منه ذلك ، كالأنعام والأشجار ذات الثمار المثمرة ، وقد غلب لفظ المال في كل قوم من العرب على ما هو كثير من مشمولاتهم ، فغلب اسم المال بين أهل الخيام على الإبل قال زهير :


فكلا أراهم أصبحوا يعقلونه صحيحات مال طالعات بمخزم


يريد إبل الدية ، ولذلك قال : طالعات بمخرم .

وهو عند أهل القرى الذين يتخذون الحوائط يغلب على النخل ، يقولون خرج فلان إلى ماله ، أي : إلى جناته . وفي كلام أبي هريرة : " وإن إخواني الأنصار شغلهم العمل في أموالهم " . وقال أبو طلحة : " وإن أحب أموالي إلي بئرحاء . وغلب عند أهل مكة على الدراهم ; لأن أهل مكة أهل تجر ومن ذلك قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - للعباس أين المال الذي عند أم الفضل .

وتقدم في قوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون سورة آل عمران .

ومعنى ( عدده ) أكثر من عده ، أي : حسابه لشدة ولعه بجمعه ، فالتضعيف للمبالغة في ( عد ) ومعاودته .

وقرأ الجمهور جمع مالا بتخفيف الميم . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلف بتشديد الميم مزاوجا لقوله ( عدده ) وهو مبالغة في ( جمع ) . وعلى قراءة الجمهور دل تضعيف عدده على معنى تكلف جمعه بطريق الكناية ; لأنه لا يكرر عده إلا ليزيد جمعه .

ويجوز أن يكون ( عدده ) بمعنى أكثر إعداده ، أي : إعداد أنواعه ، فيكون كقوله تعالى : والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث .

وجملة يحسب أن ماله أخلده يجوز أن تكون حالا من همزة فيكون [ ص: 539 ] مستعملا في التهكم عليه في حرصه على جمع المال وتعديده ; لأنه لا يوجد من يحسب أن ماله يخلده ، فيكون الكلام من قبيل التمثيل ، أو تكون الحال مرادا بها التشبيه وهو تشبيه بليغ .

ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والخبر مستعملا في الإنكار ، أو على تقدير همزة استفهام محذوفة مستعملا في التهكم به بأنه موقن بأن ماله يخلده حتى كأنه حصل إخلاده وثبت .

والهمزة في ( أخلده ) للتعدية ، أي : جعله خالدا .

وقرأ الجمهور ( يحسب ) بكسر السين ، وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر بفتح السين وهما لغتان .

ومعنى الآية : أن الذين جمعوا المال يشبه حالهم حال من يحسب أن المال يقيهم الموت ويجعلهم خالدين ; لأن الخلود في الدنيا أقصى متمناهم ، إذ لا يؤمنون بحياة أخرى خالدة .

و ( كلا ) إبطال لأن يكون المال مخلدا لهم . وزجر عن التلبس بالحالة الشنيعة التي جعلتهم في حال من يحسب أن المال يخلد صاحبه ، أو إبطال للحرص في جمع المال جمعا يمنع به حقوق الله في المال من نفقات وزكاة .


كلا لينبذن في الحطمة ( 4 ) وما أدراك ما الحطمة ( 5 ) نار الله الموقدة ( 6 ) التي تطلع على الأفئدة ( 7 )


استئناف بياني ناشئ عما تضمنته جملة يحسب أن ماله أخلده من التهكم والإنكار ، وما أفاده حرف الزجر من معنى التوعد .

والمعنى : ليهلكن فلينبذن في الحطمة .

واللام جواب قسم محذوف . والضمير عائد إلى الهمزة .

[ ص: 540 ] والنبذ : الإلقاء والطرح ، وأكثر استعماله في إلقاء ما يكره . قال صاحب الكشاف في قوله تعالى : فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم شبههم استحقارا لهم بحصيات أخذهن آخذ بكفه فطرحهن اهـ .

والحطمة : صفة بوزن فعلة ، مثل ما تقدم في الهمزة ، أي : لينبذن في شيء يحطمه ، أي : يكسره ويدقه .

والظاهر أن اللام لتعريف العهد ; لأنه اعتبر الوصف علما بالغلبة على شيء يحطم وأريد بذلك جهنم ، وأن إطلاق هذا الوصف على جهنم من مصطلحات القرآن ، وليس في كلام العرب إطلاق هذا الوصف على النار .

فجملة وما أدراك ما الحطمة في موضع حال من قوله ( الحطمة ) والرابط إعادة لفظ الحطمة ، وذلك إظهار في مقام الإضمار للتهويل ، كقوله : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة وما فيها من الاستفهام ، وفعل الدراية يفيد تهويل الحطمة ، وقد تقدم ما أدراك غير مرة منها عند قوله : وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار .

وجملة نار الله الموقدة جواب على جملة وما أدراك ما الحطمة مفيد مجموعهما بيان الحطمة ما هي ، وموقع الجملة موقع الاستئناف البياني ، والتقدير هي ، أي : الحطمة نار الله ، فحذف المبتدأ من الجملة جريا على طريقة استعمال أمثاله من كل إخبار عن شيء بعد تقدم حديث عنه وأوصاف له ، وقد تقدم عند قوله تعالى : صم بكم عمي في سورة البقرة .

وإضافة ( نار ) إلى اسم الجلالة للترويع بها بأنها نار خلقها القادر على خلق الأمور العظيمة .

ووصف ( نار ) بـ ( موقدة ) وهو اسم مفعول من : أوقد النار ، إذا أشعلها وألهبها . والتوقد : ابتداء التهاب النار ، فإذا صارت جمرا فقد خف لهبها ، أو زال ، فوصف ( نار ) بـ ( موقدة ) يفيد أنها لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها . وهذا كما وصفت نار الأخدود بذات الوقود ، ( بفتح الواو ) في سورة البروج ، أي : النار التي يجدد اتقادها بوقود وهو الحطب الذي يلقى في النار لتتقد ، فليس الوصف بالموقدة هنا تأكيدا .

[ ص: 541 ] ووصفت نار الله وصفا ثانيا بـ التي تطلع على الأفئدة .

والاطلاع يجوز أن يكون بمعنى الإتيان مبالغة في طلع ، أي : الإتيان السريع بقوة واستيلاء ، فالمعنى : التي تنفذ إلى الأفئدة فتحرقها في وقت حرق ظاهر الجسد .

وأن يكون بمعنى الكشف والمشاهدة قال تعالى : فاطلع فرآه في سواء الجحيم فيفيد أن النار تحرق الأفئدة إحراق العالم بما تحتوي عليه الأفئدة من الكفر ، فتصيب كل فؤاد بما هو كفاؤه من شدة الحرق على حسب مبلغ سوء اعتقاده ، وذلك بتقدير من الله بين شدة النار وقابلية المتأثر بها لا يعلمه إلا مقدره .


إنها عليهم مؤصدة ( 8 ) في عمد ممددة ( 9 )

هذه جملة يجوز أن تكون صفة ثالثة لـ نار الله بدون عاطف ، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، وتأكيدها بـ ( إن ) لتهويل الوعيد بما ينفي عنه احتمال المجاز أو المبالغة .

وموصدة : اسم مفعول من أوصد الباب ، إذا أغلقه غلقا مطبقا . ويقال : آصد بهمزتين إحداهما أصلية والأخرى همزة التعدية ، ويقال : أصد الباب فعلا ثلاثيا ، ولا يقال : وصد بالواو بمعنى أغلق .

وقرأ الجمهور ( موصدة ) بواو بعد الميم على تخفيف الهمزة . وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم المضمومة .

ومعنى إيصادها عليهم : ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه ، كحال المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن ، تمثيل تقريب لشدة العذاب بما هو متعارف في أحوال الناس ، وحال عذاب جهنم أشد مما يبلغه تصور العقول المعتاد .

وقوله : في عمد ممددة حال : إما من ضمير ( عليهم ) أي : في حال كونهم في عمد ، أي : موثوقين في عمد كما يوثق المسجون المغلظ عليه من رجليه في فلقة ذات ثقب يدخل في رجله أو في عنقه كالقرام . وإما حال من ضمير ( إنها ) [ ص: 542 ] أي أن النار الموقدة في عمد ، أي : متوسطة عمدا كما تكون نار الشواء ، إذ توضع عمد وتجعل النار تحتها تمثيلا لأهلها بالشواء .

و ( عمد ) قرأه الجمهور بفتحتين على أنه اسم جمع عمود مثل : أديم وأدم ، وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ( عمد ) بضمتين وهو جمع عمود ، والعمود : خشبة غليظة مستطيلة .

والممددة : المجعولة طويلة جدا ، وهو اسم مفعول من مدده ، إذا بالغ في مده ، أي : الزيادة فيه .

وكل هذه الأوصاف تقوية لتمثيل شدة الإغلاظ عليهم بأقصى ما يبلغه متعارف الناس من الأحوال .

EL Mister
15/06/2009, 16:31
بسم الله الرحمن الرحيم

( والعصر ( 1 ) إن الإنسان لفي خسر ( 2 ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ( 3 ) )


مقدمة

ذكر ابن كثير أن الطبراني روى بسنده عن عبيد الله بن حصين قال : " كان الرجلان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر : إلخ ما سيأتي .

وكذلك تسميتها في مصاحف كثيرة وفي معظم كتب التفسير ، وكذلك هي في مصحف عتيق بالخط الكوفي من المصاحف القيروانية في القرن الخامس .

وسميت في بعض كتب التفسير وفي صحيح البخاري ( سورة والعصر ) بإثبات الواو على حكاية أول كلمة فيها ، أي : سورة هذه الكلمة .

وهي مكية في قول الجمهور ، وإطلاق جمهور المفسرين . وعن قتادة ومجاهد ومقاتل أنها مدنية . وروي عن ابن عباس ولم يذكرها صاحب الإتقان في عداد السور المختلف فيها .

وقد عدت الثالثة عشرة في عداد نزول السور . نزلت بعد سورة الانشراح وقبل سورة العاديات .

وآيها ثلاث آيات .

وهي إحدى سور ثلاث هن أقصر السور عدد آيات : هي والكوثر وسورة النصر .


أغراض السورة

واشتملت على إثبات الخسران الشديد لأهل الشرك ومن كان مثلهم من أهل [ ص: 528 ] الكفر بالإسلام بعد أن بلغت دعوته ، وكذلك من تقلد أعمال الباطل التي حذر الإسلام المسلمين منها .

وعلى إثبات نجاة وفوز الذين آمنوا وعملوا الصالحات والداعين منهم إلى الحق .

وعلى فضيلة الصبر على تزكية النفس ودعوة الحق .

وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذوها شعارا لهم في ملتقاهم . روى الطبراني بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن الحصين الأنصاري من التابعين أنه قال : كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها ، ثم يسلم أحدهما على الآخر أي : سلام التفرق ، وهو سنة أيضا مثل سلام القدوم .

وعن الشافعي : لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم . وفي رواية عنه : لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم . وقال غيره : إنها شملت جميع علوم القرآن . وسيأتي بيانه .


والعصر ( 1 ) إن الإنسان لفي خسر ( 2 ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ( 3 )

أقسم الله تعالى بالعصر قسما يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن .

والمقسم به من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه .

وللعصر معان يتعين أن يكون المراد منها لا يعدوا أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية ، يتعين إما بإضافته إلى ما يقدر ، أو بالقرينة ، أو بالعهد ، وأيا ما كان المراد منه هنا فإن القسم به باعتبار أنه زمن يذكر بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله ، وبأمور عظيمة مباركة مثل الصلاة المخصوصة أو عصر معين مبارك .

وأشهر إطلاق لفظ العصر أنه علم بالغلبة لوقت ما ، بين آخر وقت الظهر وبين [ ص: 529 ] اصفرار الشمس ، فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثله بعد القدر الذي كان عليه عند زوال الشمس ، ويمتد إلى أن يصير ظل الجسم مثلي قدره بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس . وذلك وقت اصفرار الشمس ، والعصر مبدأ العشي . ويعقبه الأصيل والاحمرار ، وهو ما قبل غروب الشمس . قال الحارث بن حلزة :


آنست نبأة وأفزعها القن اص عصرا وقد دنا الإمساء


فذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار ، ويذكر بخلقة الشمس والأرض ، ونظام حركة الأرض حول الشمس ، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم ، وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية .

وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على حقولهم وجناتهم ، وتجاراتهم في أسواقهم ، فيذكر بحكمة نظام المجتمع الإنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على عمل ونظام لابتدائه وانقطاعه . وفيه يتحفز الناس للإقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم وأولادهم . وهو من النعمة أو من النعيم ، وفيه إيماء إلى التذكير بمثل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهرم .

وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني ، أي : كل عصر .

ويطلق العصر على الصلاة الموقتة بوقت العصر . وهي صلاة معظمة . قيل : هي المراد بالوسطى في قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى . وجاء في الحديث ( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) . وورد في الحديث الصحيح ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ) فذكر ورجل حلف يمينا فاجرة بعد العصر على سلعة لقد أعطي بها ما لم يعط وتعريفه على هذا تعريف العهد ، وصار علما بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء الأجناس المعرفة باللام مثل العقبة .

ويطلق العصر على مدة معلومة لوجود جيل من الناس ، أو ملك أو نبي ، أو دين ، ويعين بالإضافة ، فيقال : عصر الفطحل ، وعصر إبراهيم ، وعصر الإسكندر ، وعصر الجاهلية ، فيجوز أن يكون مراد هذا الإطلاق هنا ، ويكون [ ص: 530 ] المعني به عصر النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري مثل التعريف في اليوم من قولك : فعلت اليوم كذا ، فالقسم به كالقسم بحياته في قوله تعالى : ( لعمرك ) . قال الفخر : فهو - تعالى - أقسم بزمانه في هذه الآية ، وبمكانه في قوله تعالى : وأنت حل بهذا البلد ، وبعمره في قوله ( لعمرك ) . اهـ .

ويجوز أن يراد عصر الإسلام كله وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم ، وقد مثل النبيء - صلى الله عليه وسلم - عصر الأمة الإسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له إلى الليل ، فعملت اليهود إلى نصف النهار ثم قالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل ، واستأجر آخرين بعدهم فقال : أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم ، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا ، واستأجر قوما أن يعملوا بقية يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما ، فأنتم هم . فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز إلى عصر الإسلام في هذه الآية .

ويجوز أن يفسر العصر في هذه الآية بالزمان كله ، فقال ابن عطية : قال أبي بن كعب : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العصر ، فقال : أقسم ربكم بآخر النهار . وهذه المعاني لا يفي باحتمالها غير لفظ العصر .

ومناسبة القسم بالعصر لغرض السورة على إرادة عصر الإسلام - ظاهرة ، فإنها بينت حال الناس في عصر الإسلام بين من كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها الإسلام ، ويعرف منه حال من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت ، أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإسلام فكانت مختلفة بحسب مجيء الرسل إلى بعض الأمم ، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين الإسلام من الشرك ، أو بدين جاء الإسلام بنسخه مثل اليهودية والنصرانية . قال تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين في سورة آل عمران .

وتعريف الإنسان تعريف الجنس مراد به الاستغراق ، وهو استغراق عرفي [ ص: 531 ] لأنه يستغرق أفراد النوع الإنساني الموجودين في زمن نزول الآية ، وهو زمن ظهور الإسلام كما علمت قريبا . ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها . ولما استثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققا في غير المؤمنين كما سيأتي . . .

والخسر : مصدر ، وهو ضد الربح في التجارة ، استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبة حسنة ، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإنسان في آخرته من نعيم أو عذاب .

وقد تقدم في قوله تعالى : فما ربحت تجارتهم في سورة البقرة . وتكررت نظائره في القرآن آنفا وبعيدا .

والظرفية في قوله : لفي خسر مجازية شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف ، فكانت أبلغ من أن يقال : إن الإنسان لخاسر .

ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقسم وحرف التوكيد في جوابه ، يفيد التهويل والإنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس .

وأعقب بالاستثناء بقوله : إلا الذين آمنوا الآية . فيتقرر الحكم تماما في نفس السامع مبينا أن الناس فريقان : فريق يلحقه الخسران ، وفريق لا يلحقه شيء منه ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يلحقهم الخسران بحال إذا لم يتركوا شيئا من الصالحات بارتكاب أضدادها وهي السيئات .

ومن أكبر الأعمال الصالحات التوبة من الذنوب لمقترفيها ، فمن تحقق فيه وصف الإيمان ولم يعمل السيئات أو عملها وتاب منها ، فقد تحقق له ضد الخسران وهو الربح المجازي ، أي : حسن عاقبة أمره ، وأما من لم يعمل الصالحات ولم يتب من سيئاته ، فقد تحقق فيه حكم المستثنى منه وهو الخسران .

وهذا الخسر متفاوت ، فأعظمه وخالده الخسر المنجر عن انتفاء الإيمان بوحدانية الله وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون ذلك تكون مراتب الخسر متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها . وما حدده الإسلام لذلك من مراتب الأعمال [ ص: 532 ] وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر والفواحش ، وهو ما فسر به قوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات .

وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإنذار والوعيد ، أي : لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة ، فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا ، قال تعالى : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد .

وتنكير ( خسر ) يجوز أن يكون للتنويع ، ويجوز أن يكون مفيدا للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسم .

والمعنى : إن الناس لفي خسران عظيم وهم المشركون .

والتعريف في قوله ( الصالحات ) تعريف الجنس مراد به الاستغراق ، أي : عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين ، وعمل الصالحات يشمل ترك السيئات . وقد أفاد استثناء المتصفين بمضمون الصلة ومعطوفها إيماء إلى علة حكم الاستثناء وهو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه ، فإنهم ليسوا في خسر لأجل أنهم آمنوا وعملوا الصالحات .

فأما الإيمان فهو حقيقة مقول على جزئياتها بالتواطئ ، وأما الصالحات فعمومها مقول عليه بالتشكك ، فيشير إلى أن انتفاء الخسران عنهم يتقدر بمقدار ما عملوه من الصالحات ، وفي ذلك مراتب كثيرة .

وقد دل استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أن يكونوا في خسر على أن سبب كون بقية الإنسان في خسر هو عدم الإيمان والعمل الصالح بدلالة مفهوم الصفة . وعلم من الموصول أن الإيمان والعمل الصالح هما سبب انتفاء إحاطة الخسر بالإنسان .

وعطف على عمل الصالحات التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإن كان ذلك من عمل الصالحات ، عطف الخاص على العام للاهتمام به ؛ لأنه قد يغفل عنه يظن أن العمل الصالح هو ما أثره عمل المرء في خاصته ، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشاد المسلم غيره ودعوته إلى الحق ، فالتواصي بالحق يشمل تعليم [ ص: 533 ] حقائق الهدي وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر .

والتواصي بالصبر عطف على التواصي بالحق عطف الخاص على العام أيضا وإن كان خصوصه خصوصا من وجه ; لأن الصبر تحمل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق .

وحقيقة الصبر أنه : منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله ( إن كان صعب الحصول ، فيترك محاولة تحصيله لخوف ضر ينشأ عن تناوله كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور أو لرغبة في حصول نفع منه كالصبر على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب ، والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في تحصيل مال أو سمعة أو نحو ذلك .

ومن الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمر بالمعروف من امتعاض بعض المأمورين به ، أو من أذاهم بالقول كمن يقول لآمره : هلا نظرت في أمر نفسك ، أو نحو ذلك .

وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشم السهر في اللهو والمعاصي ، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها ، فليس من الصبر ; لأن ذلك التحمل منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها .

وقد اشتمل قوله تعالى : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر على إقامة المصالح الدينية كلها ، فالعقائد الإسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق ، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر .

والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها ، فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة ، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبر عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكة لمن راض نفسه عليها ، كما قال عمرو بن العاص :


إذا المرء لم يترك طعاما يحبه ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما
[ ص: 534 ] فيوشك أن تلفى له الدهر سبة إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما


وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه . وفي الحديث : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات . وعن علي بن أبي طالب : الصبر مطية لا تكبو .

وقد مضى الكلام على الصبر مشبعا عند قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة في سورة البقرة .

وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائما على شيوع التآمر بهما ديدنا لهم . وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن أحدا لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقا بالملازمة ، إذ قل أن يقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع ، وقد قال تعالى توبيخا لبني إسرائيل : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ، وقد تقدم هذا المعنى عند قوله تعالى : ولا تحاضون على طعام المسكين في سورة الفجر .

EL Mister
15/06/2009, 18:12
بسم الله الرحمن الرحيم

( ألهاكم التكاثر ( 1 ) حتى زرتم المقابر ( 2 ) كلا سوف تعلمون ( 3 ) ثم كلا سوف تعلمون ( 4 ) كلا لو تعلمون علم اليقين ( 5 ) لترون الجحيم ( 6 ) ثم لترونها عين اليقين ( 7 ) ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ( 8 ) )


مقدمة

قال الآلوسي : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمونها ( المقبرة ) اهـ .

وسميت في معظم المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة التكاثر ) وكذلك عنونها الترمذي في جامعه ، وهي كذلك معنونة في بعض المصاحف العتيقة بالقيروان .

وسميت في بعض المصاحف ( سورة ألهاكم ) وكذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه .

وهي مكية عند الجمهور قال ابن عطية : هي مكية لا أعلم فيها خلافا .

وعن ابن عباس والكلبي ومقاتل : أنها نزلت في مفاخرة جرت بين بني عبد مناف وبني سهم في الإسلام كما يأتي قريبا ، وكانوا من بطون قريش بمكة ولأن قبور أسلافهم بمكة .

وفي الإتقان : المختار أنها مدنية . قال : ويدل له ما أخرجه ابن أبي حاتم أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخروا ، وما أخرجه البخاري عن أبي بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان ، ولن يملأ فاهه إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . قال أبي : كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ( ألهاكم التكاثر ) اهـ . يريد المستدل بهذا أن أبيا أنصاري وأن ظاهر قوله : حتى نزلت ( ألهاكم التكاثر ) ، أنها نزلت بعد أن كانوا يعدون ( لو أن لابن آدم واديا من ذهب . . . إلخ من القرآن ) وليس في كلام أبي دليل ناهض ، إذ يجوز أن يريد بضمير ( كنا ) المسلمين ، أي : كان من سبق منهم يعد ذلك من القرآن حتى نزلت سورة التكاثر وبين لهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن ما كانوا يقولونه ليس بقرآن .

[ ص: 518 ] والذي يظهر من معاني السورة وغلظة وعيدها أنها مكية ، وأن المخاطب بها فريق من المشركين ; لأن ما ذكر فيها لا يليق بالمسلمين أيامئذ .

وسبب نزولها فيما قال الواحدي والبغوي عن مقاتل والكلبي والقرطبي عنهما وعن ابن عباس أن بني عبد مناف وبني سهم من قريش تفاخروا فتعادوا السادة والأشراف من أيهم أكثر عددا ، فكثر بنو عبد مناف بني سهم بثلاثة أبيات ; لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بريدة الجرمي قال : نزلت في قبيلتين من الأنصار : بني حارثة ، وبني الحارث ، تفاخروا وتكاثروا بالأحياء ، ثم قالوا : انطلقوا بنا إلى القبور ، فجعلت إحدى الطائفتين تقول : فيكم مثل فلان ، تشير إلى القبر . ومثل فلان ، وفعل الآخرون مثل ذلك ، فأنزل الله ( ألهاكم التكاثر ) .

وقد عدت السادسة عشرة في ترتيب نزول السور ، ونزلت بعد سورة الكوثر وقبل سورة الماعون بناء على أنها مكية .

وعدد آيتها ثمان .


أغراض السورة

اشتملت على التوبيخ على اللهو عن النظر في دلائل القرآن ودعوة الإسلام بإيثار المال والتكاثر به والتفاخر بالأسلاف وعدم الإقلاع عن ذلك إلى أن يصيروا في القبور كما صار من كان قبلهم وعلى الوعيد على ذلك .

وحثهم على التدبر فيما ينجيهم من الجحيم .

وأنهم مبعوثون ومسئولون عن إهمال شكر المنعم العظيم .


ألهاكم التكاثر ( 1 ) حتى زرتم المقابر ( 2 ) كلا سوف تعلمون ( 3 ) ثم كلا سوف تعلمون ( 4 )

( ألهاكم ) أي : شغلكم عما يجب عليكم الاشتغال به ; لأن اللهو شغل يصرف عن تحصيل أمر مهم .

والتكاثر : تفاعل في الكثر أي : التباري في الإكثار من شيء مرغوب في كثرته ، فمنه تكاثر في الأموال ، ومنه تكاثر في العدد من الأولاد والأحلاف للاعتزاز بهم . وقد فسرت الآية بهما . قال تعالى : وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين .

وقال الأعشى :


ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر


روى مسلم عن عبد الله بن الشخير قال : انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول ( ألهاكم التكاثر ) قال : يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت فهذا جار مجرى التفسير لمعنى من معاني التكاثر اقتضاه حال الموعظة ساعتئذ وتحتمه الآية .

والخطاب للمشركين بقرينة غلظة الوعيد بقوله : كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ، وقوله : لترون الجحيم إلى آخر السورة ، ولأن هذا ليس من خلق المسلمين يومئذ .

والمراد بالخطاب : سادتهم وأهل الثراء منهم لقوله : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ، ولأن سادة المشركين هم الذين آثروا ما هم فيه من النعمة على التهمم بتلقي دعوة النبيء - صلى الله عليه وسلم - فتصدوا لتكذيبه وإغراء الدهماء بعدم الإصغاء له . فلم يذكر الملهى عنه لظهور أنه القرآن والتدبر فيه ، والإنصاف بتصديقه . وهذا الإلهاء حصل منهم وتحقق كما دل عليه حكايته بالفعل الماضي .

وإذا كان الخطاب للمشركين فلأن المسلمين يعلمون أن التلبس بشيء من هذا [ ص: 520 ] الخلق مذموم عند الله ، وأنه من خصال أهل الشرك ، فيعلمون أنهم محذرون من التلبس بشيء من ذلك ، فيحذرون من أن يلهيهم حب المال عن شيء من فعل الخير ، ويتوقعون أن يفاجئهم الموت وهم لاهون عن الخير ، قال تعالى يخاطب المؤمنين اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته الآية .

وقوله : حتى زرتم المقابر غاية ، فيحتمل أن يكون غاية لفعل ( ألهاكم ) كما في قوله تعالى : قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى أي : دام إلهاء التكاثر إلى أن زرتم المقابر ، أي : استمر بكم طول حياتكم ، فالغاية مستعملة في الإحاطة بأزمان المغيا لا في تنهيته وحصول ضده لأنهم إذا صاروا إلى المقابر انقطعت أعمالهم كلها .

ولكون زيارة المقابر على هذا الوجه عبارة عن الحلول فيها ، أي : قبور المقابر . وحقيقة الزيارة الحلول في المكان حلولا غير مستمر ، فأطلق فعل الزيارة هنا تعريضا بهم بأن حلولهم في المقابر يعقبه خروج منها .

والتعبير بالفعل الماضي في ( زرتم ) لتنزيل المستقبل منزلة الماضي لأنه محقق وقوعه مثل قوله : أتى أمر الله .

ويحتمل أن تكون الغاية للمتكاثر به الدال عليه التكاثر ، أي : بكل شيء حتى بالقبور تعدونها . وهذا يجري على ما روى مقاتل والكلبي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بكثرة السادة منهم ، كما تقدم في سبب نزولها آنفا ، فتكون الزيارة مستعملة في معناها الحقيقي ، أي : زرتم المقابر لتعدوا القبور ، والعرب يكنون بالقبر عن صاحبه قال النابغة :


لئن كان للقبرين قبر بجلق وقبر بصيداء الذي عند حارب


وقال عصام بن عبيد الزماني ، أو همام الرقاشي :


لو عد قبر وقبر كنت أقربهم قبرا وأبعدهم من منزل الذام


أي : كنت أقربهم منك قبرا ، أي : صاحب قبر .

[ ص: 521 ] والمقابر جمع مقبرة بفتح الموحدة وبضمها . والمقبرة الأرض التي فيها قبور كثيرة .

والتوبيخ الذي استعمل فيه الخبر أتبع بالوعيد على ذلك بعد الموت ، وبحرف الزجر والإبطال بقوله : كلا سوف تعلمون ، فأفاد ( كلا ) زجرا وإبطالا لإنهاء التكاثر .

و ( سوف ) لتحقيق حصول العلم . وحذف مفعول ( تعلمون ) لظهور أن المراد : تعلمون سوء مغبة لهوكم بالتكاثر عن قبول دعوة الإسلام .

وأكد الزجر والوعيد بقوله : ثم كلا سوف تعلمون ، فعطف عطفا لفظيا بحرف التراخي أيضا للإشارة إلى تراخي رتبة هذا الزجر والوعيد عن رتبة الزجر والوعيد الذي قبله ، فهذا زجر ووعيد مماثل للأول لكن عطفه بحرف ( ثم ) اقتضى كونه أقوى من الأول لأنه أفاد تحقيق الأول وتهويله .

فجملة ثم كلا سوف تعلمون توكيد لفظي لجملة كلا سوف تعلمون وعن ابن عباس كلا سوف تعلمون ما ينزل بكم من عذاب في القبر ثم كلا سوف تعلمون عند البعث أن ما وعدتم به صدق ، أي : تجعل كل جملة مرادا بها تهديد بشيء خاص . وهذا من مستتبعات التراكيب والتعويل على معونة القرائن بتقدير مفعول خاص لكل من فعلي ( تعلمون ) ، وليس تكرير الجملة بمقتض ذلك في أصل الكلام ، ومفاد التكرير حاصل على كل حال .


كلا لو تعلمون علم اليقين ( 5 )

أعيد الزجر ثالث مرة زيادة في إبطال ما هم عليه من اللهو عن التدبر في أقوال القرآن لعلهم يقلعون عن انكبابهم عن التكاثر مما هم يتكاثرون فيه ولهوهم به عن النظر في دعوة الحق والتوحيد . وحذف مفعول ( تعلمون ) للوجه الذي تقدم في كلا سوف تعلمون وجواب ( لو ) محذوف .

وجملة لو تعلمون علم اليقين تهويل وإزعاج ; لأن حذف جواب ( لو ) يجعل النفوس تذهب في تقديره كل مذهب ممكن . والمعنى : لو تعلمون علم اليقين [ ص: 522 ] لتبين لكم حال مفظع عظيم ، وهي بيان لما في كلا من الزجر .

والمضارع في قوله : لو تعلمون مراد به زمن الحال ، أي : لو علمتم الآن علم اليقين لعلمتم أمرا عظيما .
ولفعل الشرط مع ( لو ) أحوال كثيرة واعتبارات ، فقد يقع بلفظ الماضي وقد يقع بلفظ المضارع وفي كليهما قد يكون استعماله في أصل معناه . وقد يكون منزلا منزلة غير معناه ، وهو هنا مستعمل في معناه من الحال بدون تنزيل ولا تأويل .


وإضافة ( علم ) إلى ( اليقين ) إضافة بيانية ، فإن اليقين علم ، أي : لو علمتم علما مطابقا للواقع لبان لكم شنيع ما أنتم فيه ، ولكن علمهم بأحوالهم جهل مركب من أوهام وتخيلات ، وفي هذا نداء عليهم بالتقصير في اكتساب العلم الصحيح . وهذا خطاب للمشركين الذين لا يؤمنون بالجزاء وليس خطابا للمسلمين ; لأن المسلمين يعلمون ذلك علم اليقين . واعلم أن هذا المركب هو علم اليقين نقل في الاصطلاح العلمي فصار لقبا لحالة من مدركات العقل ، وقد تقدم بيان ذلك عند تفسير قوله تعالى : وإنه لحق اليقين في سورة الحاقة ، فارجع إليه .


لترون الجحيم ( 6 ) ثم لترونها عين اليقين ( 7 )

استئناف بياني ; لأن ما سبقه من الزجر والردع المكرر ومن الوعيد المؤكد على إجماله يثير في نفس السامع سؤالا عما يترقب من هذا الزجر والوعيد ، فكان قوله : لترون الجحيم جوابا عما يجيش في نفس السامع .

وليس قوله : لترون الجحيم جواب ( لو ) على معنى : لو تعلمون علم اليقين لكنتم كمن ترون الجحيم ، أي : لترونها بقلوبكم ; لأن نظم الكلام صيغة قسم بدليل قرنه بنون التوكيد ، فليست هذه اللام لام جواب ( لو ) ; لأن جواب ( لو ) ممتنع الوقوع فلا تقترن به نون التوكيد .

والإخبار عن رؤيتهم الجحيم كناية عن الوقوع فيها ، فإن الوقوع في الشيء يستلزم رؤيته فيكنى بالرؤية عن الحضور ، كقول جعفر بن علبة الحارثي :

[ ص: 523 ]

لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها


وأكد ذلك بقوله : ثم لترونها عين اليقين قصدا لتحقيق الوعيد بمعناه الكنائي . وقد عطف هذا التأكيد بـ ( ثم ) التي هي للتراخي الرتبي على نحو ما قررناه آنفا في قوله : ثم كلا سوف تعلمون ، وليس هنالك رؤيتان تقع إحداهما بعد الأخرى بمهلة .

وعين اليقين : اليقين الذي لا يشوبه تردد . فلفظ عين مجاز عن حقيقة الشيء الخالصة غير الناقصة ولا المشابهة .

وإضافة ( عين ) إلى اليقين بيانية كإضافة ( حق ) إلى اليقين في قوله تعالى : إن هذا لهو حق اليقين .

وقرأه الجمهور لترون الجحيم بفتح المثناة الفوقية . وقرأه ابن عامر والكسائي بضم المثناة من ( أراه ) .

وأما ( لترونها ) فلم يختلف القراء في قراءته بفتح المثناة .

وأشار في الكشاف إلى أن هذه الآيات المفتتحة بقوله : كلا سوف تعلمون والمنتهية بقوله : عين اليقين ، اشتملت على وجوه من تقوية الإنذار والزجر ، فافتتحت بحرف الردع والتنبيه ، وجيء بعده بحرف ( ثم ) الدال على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول . وكرر حرف الردع والتنبيه وحذف جواب لو تعلمون لما في حذفه من مبالغة التهويل ، وأتي بلام القسم لتوكيد الوعيد . وأكد هذا القسم بقسم آخر ، فهذه ستة وجوه .

وأقول زيادة على ذلك : إن في قوله : عين اليقين تأكيدين للرؤية بأنها يقين وأن اليقين حقيقة . والقول في إضافة عين اليقين كالقول في إضافة علم اليقين المذكور آنفا .


ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ( 8 )

أعقب التوبيخ والوعيد على لهوهم بالتكاثر عن النظر في دعوة الإسلام من حيث إن التكاثر صدهم عن قبول ما ينجيهم ، بتهديد وتخويف من مؤاخذتهم على ما في التكاثر من نعيم تمتعوا به في الدنيا ولم يشكروا الله عليه بقوله تعالى : ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ، أي : عن النعيم الذي خولتموه في الدنيا فلم تشكروا الله عليه وكان به بطركم .

وعطف هذا الكلام بحرف ( ثم ) الدال على التراخي الرتبي في عطفه الجمل من أجل أن الحساب على النعيم الذي هو نعمة من الله أشد عليهم ؛ لأنهم ما كانوا يترقبونه ; لأن تلبسهم بالإشراك وهم في نعيم أشد كفرانا للذي أنعم عليهم .

والنعيم : اسم لما يلذ ‌‌‌لإنسان مما ليس ملازما له ، فالصحة وسلامة الحواس وسلامة الإدراك والنوم واليقظة ليست من النعيم ، وشرب الماء وأكل الطعام والتلذذ بالمسموعات وبما فيه فخر وبرؤية المحاسن ، تعد من النعيم .

والنعيم أخص من النعمة بكسر النون ومرادف للنعمة بفتح النون .

وتقدم النعيم عند قوله تعالى : لهم فيها نعيم مقيم في سورة براءة .

والخطاب موجه إلى المشركين على نسق الخطابات السابقة .

والجملة المضاف إليها ( إذ ) من قوله : ( يومئذ ) محذوفة دل عليها قوله : لترون الجحيم أي : يوم إذ ترون الجحيم يغلظ عليكم العذاب .

وهذا السؤال عن النعيم الموجه إلى المشركين هو غير السؤال الذي يسأله كل منعم عليه فيما صرف فيه النعمة ، فإن النعمة لما لم تكن خاصة بالمشركين خلافا للتكاثر كان السؤال عنها حقيقا بكل منعم عليه وإن اختلفت أحوال الجزاء المترتب على هذا السؤال .

ويؤيده ما ورد في حديث مسلم عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، فإذا هو بأبي بكر وعمر فقاما معه ، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته ، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه ثم قال : الحمد [ ص: 525 ] لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني ، فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب وأخذ المدية فذبح لهم ، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة الحديث . فهذا سؤال عن النعيم ثبت بالسنة وهو غير الذي جاء في هذه الآية . والأنصاري هو أبو الهيثم بن التيهان واسمه مالك .

ومعنى الحديث : لتسألن عن شكر تلك النعمة ، أراد تذكيرهم بالشكر في كل نعمة . وسؤال المؤمنين سؤال لترتيب الثواب على الشكر أو لأجل المؤاخذة بالنعيم الحرام .

وذكر القرطبي عن الحسن لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ، وروي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله ، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وما عذب ، أنخاف أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه ؟ فقال - عليه السلام - : ذلك للكفار ، ثم قرأ ( وهل يجازى إلا الكفور ) .

قال القشيري : والجمع بين الأخبار أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكافر سؤال توبيخ لأنه قد ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر .

والجملة المضاف إليها ( إذ ) من قوله : ( يومئذ ) محذوفة دل عليها قوله : لترون الجحيم أي : يوم إذ ترون الجحيم فيغلظ عليكم العذاب .

EL Mister
15/06/2009, 18:34
بسم الله الرحمن الرحيم

( القارعة ( 1 ) ما القارعة ( 2 ) وما أدراك ما القارعة ( 3 ) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ( 4 ) وتكون الجبال كالعهن المنفوش ( 5 ) فأما من ثقلت موازينه ( 6 ) فهو في عيشة راضية ( 7 ) وأما من خفت موازينه ( 8 ) فأمه هاوية ( 9 ) وما أدراك ما هيه ( 10 ) نار حامية ( 11 ) )


مقدمة


اتفقت المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة على تسمية هذه السورة ( سورة القارعة ) ولم يرو شيء في تسميتها من كلام الصحابة والتابعين .

واتفق على أنها مكية .

وعدت الثلاثين في عداد نزول السور . نزلت بعد سورة قريش وقبل سورة القيامة .

وآيها عشر في عد أهل المدينة وأهل مكة ، وثمان في عد أهل الشام والبصرة ، وإحدى عشرة في عد أهل الكوفة .


أغراض السورة

ذكر فيها إثبات وقوع البعث وما يسبق ذلك من الأهوال .

وإثبات الجزاء على الأعمال وأن أهل الأعمال الصالحة المعتبرة عند الله في نعيم ، وأهل الأعمال السيئة التي لا وزن لها عند الله في قعر الجحيم .


القارعة ( 1 ) ما القارعة ( 2 ) وما أدراك ما القارعة ( 3 )

الافتتاح بلفظ القارعة افتتاح مهول ، وفيه تشويق إلى معرفة ما سيخبر به .

وهو مرفوع إما على الابتداء و ما القارعة خبره ويكون هنالك منتهى الآية .

[ ص: 510 ] فالمعنى : القارعة شيء عظيم هي . وهذا يجري على أن الآية الأولى تنتهي بقوله : ما القارعة .

وإما أن تكون ( القارعة ) الأول مستقلا بنفسه ، وعد آية عند أهل الكوفة فيقدر خبر عنه محذوف نحو : القارعة قريبة ، أو يقدر فعل محذوف نحو أتت القارعة ، ويكون قوله : ما القارعة استئنافا للتهويل ، وجعل آية ثانية عند أهل الكوفة وعليه فالسورة مسمطة من ثلاث فواصل في أولها وثلاث في آخرها وفاصلتين وسطها .

وإعادة لفظ القارعة إظهار في مقام الإضمار عدل عن أن يقال : القارعة ما هيه ، لما في لفظ القارعة من التهويل والترويع ، وإعادة لفظ المبتدأ أغنت عن الضمير الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر .

والقارعة : وصف من القرع وهو ضرب الجسم بآخر بشدة لها صوت . وأطلق القرع مجازا على الصوت الذي يتأثر به السامع تأثر خوف أو اتعاظ ، يقال : قرع فلانا ، أي : زجره وعنفه بصوت غضب . وفي المقامة الأولى ( ويقرع الأسماع بزواجر وعظه .

وأطلقت القارعة على الحدث العظيم وإن لم يكن من الأصوات ، كقوله تعالى : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة وقيل : تقول العرب : قرعت القوم قارعة ، إذا نزل بهم أمر فظيع ، ولم أقف عليه فيما رأيت من كلام العرب قبل القرآن .

وتأنيث ( القارعة ) لتأويلها بالحادثة أو الكائنة .

و ( ما ) استفهامية ، والاستفهام مستعمل في التهويل على طريقة المجاز المرسل المركب ; لأن هول الشيء يستلزم تساؤل الناس عنه .

فـ ( القارعة ) هنا مراد بها حادثة عظيمة ، وجمهور المفسرين على أن هذه الحادثة هي الحشر ، فجعلوا القارعة من أسماء يوم الحشر مثل القيامة ، وقيل : أريد بها صيحة النفخة في الصور ، وعن الضحاك : القارعة النار ذات الزفير ، كأنه يريد أنها اسم جهنم .

[ ص: 511 ] وهذا التركيب نظير قوله تعالى : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة وقد تقدم .

ومعنى وما أدراك ما القارعة زيادة تهويل أمر القارعة و ( ما ) استفهامية صادقة على شخص ، والتقدير : وأي شخص أدراك ، وهو مستعمل في تعظيم حقيقتها وهولها ; لأن هول الأمر يستلزم البحث عن تعرفه . وأدراك : بمعنى أعلمك .

و ما القارعة استفهام آخر مستعمل في حقيقته ، أي : ما أدراك جواب هذا الاستفهام . وسد الاستفهام مسد مفعولي أدراك .

وجملة وما أدراك ما القارعة عطف على جملة ما القارعة .

والخطاب في ( أدراك ) لغير معين ، أي : وما أدراك أيها السامع .

وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة وتقدم بعضه عند قوله تعالى : وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار .


يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ( 4 ) وتكون الجبال كالعهن المنفوش ( 5 )

( يوم ) مفعول فيه منصوب بفعل مضمر دل عليه وصف القارعة ; لأنه في تقدير : تقرع ، أو دل عليه الكلام كله ، فيقدر : تكون ، أو تحصل ، يوم يكون الناس كالفراش .

وجملة يوم يكون الناس مع متعلقها المحذوف بيان للإبهامين الذين في قوله : ما القارعة وقوله : وما أدراك ما القارعة .

وليس قوله : يوم يكون الناس خبرا عن ( القارعة ) ، إذ ليس سياق الكلام لتعيين يوم وقوع القارعة .

والمقصود بهذا التوقيت زيادة التهويل بما أضيف إليه ( يوم ) من الجملتين المفيدتين أحوالا هائلة إلا أن شأن التوقيت أن يكون بزمان معلوم ، وإذ قد كان هذا الحال الموقت بزمانه غير معلوم مداه . كان التوقيت له إطماعا في تعيين وقت [ ص: 512 ] حصوله ، إذ كانوا يسألون متى هذا الوعد ، ثم توقيته بما هو مجهول لهم إبهاما آخر للتهويل والتحذير من مفاجأته ، وأبرز في صورة التوقيت للتشويق إلى البحث عن تقديره ، فإذا باء الباحث بالعجز عن أخذ بحيطة الاستعداد لحلوله بما ينجيه من مصائبه التي قرعت به الأسماع في آي كثيرة .

فحصل في هذه الآية تهويل شديد بثمانية طرق : وهي الابتداء باسم القارعة ، المؤذن بأمر عظيم ، والاستفهام المستعمل في التهويل ، والإظهار في مقام الإضمار أول مرة ، والاستفهام عما ينبئ بكنه القارعة ، وتوجيه الخطاب إلى غير معين ، والإظهار في مقام الإضمار ثاني مرة ، والتوقيت بزمان مجهول حصوله وتعريف ذلك الوقت بأحوال مهولة .

والفراش : فرخ الجراد حين يخرج من بيضه من الأرض يركب بعضه بعضا ، وهو ما في قوله تعالى : يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر . وقد يطلق الفراش على ما يطير من الحشرات ، ويتساقط على النار ليلا ، وهو إطلاق آخر لا يناسب تفسير لفظ الآية هنا به .

والمبثوث : المتفرق على وجه الأرض .

وجملة وتكون الجبال كالعهن المنفوش معترضة بين جملة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وجملة فأما من ثقلت موازينه إلخ . وهو إدماج لزيادة التهويل .

ووجه الشبه كثرة الاكتظاظ على أرض المحشر .

والعهن : الصوف ، وقيل : يختص بالمصبوغ الأحمر ، أو ذي الألوان ، كما في قول زهير :


كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم


لأن الجبال مختلفة الألوان بحجارتها ونبتها قال تعالى : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها .

والمنفوش : المفرق بعض أجزائه عن بعض ليغزل أو تحشى به الحشايا ، ووجه [ ص: 513 ] الشبه تفرق الأجزاء ; لأن الجبال تندك بالزلازل ونحوها فتتفرق أجزاء .

وإعادة كلمة ( تكون ) مع حرف العطف للإشارة إلى اختلاف الكونين ، فإن أولهما كون إيجاد ، والثاني كون اضمحلال ، وكلاهما علامة على زوال عالم وظهور عالم آخر .

وتقدم قوله تعالى : وتكون الجبال كالعهن في سورة المعارج .


فأما من ثقلت موازينه ( 6 ) فهو في عيشة راضية ( 7 ) وأما من خفت موازينه ( 8 ) فأمه هاوية ( 9 ) وما أدراك ما هيه ( 10 ) نار حامية ( 11 )

تفصيل لما في قوله : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث من إجمال حال الناس حينئذ ، فذلك هو المقصود بذكر اسم الناس الشامل لأهل السعادة وأهل الشقاء ، فلذلك كان تفصيله بحالين : حال حسن وحال فظيع .

وثقل الموازين كناية عن كونه بمحل الرضا من الله تعالى لكثرة حسناته ; لأن ثقل الميزان يستلزم ثقل الموزون ، وإنما توزن الأشياء المرغوب في اقتنائها ، وقد شاع عند العرب الكناية عن الفضل والشرف وأصالة الرأي بالوزن ونحوه ، وبضد ذلك يقولون : فلان لا يقام له وزن ، قال تعالى : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ، وقال النابغة :


وميزانه في سورة المجد ماتع


أي : راجح وهذا متبادر في العربية فلذلك لم يصرح في الآية بذكر ما يثقل الموازين لظهور أنه العمل الصالح .

وقد ورد ذكر الميزان للأعمال يوم القيامة كثيرا في القرآن ، قال ابن العربي في العواصم : لم يرد حديث صحيح في الميزان . والمقصود عدم فوات شيء من الأعمال ، والله قادر على أن يجعل ذلك يوم القيامة بآلة أو بعمل الملائكة أو نحو ذلك .

[ ص: 514 ] والعيشة : اسم مصدر العيش كالخيفة اسم للخوف ، أي : في حياة .

ووصف الحياة بـ ( راضية ) مجاز عقلي ; لأن الراضي صاحبها راض بها ، فوصفت به العيشة لأنها سبب الرضى أو زمان الرضى .

وقوله : فأمه هاوية إخبار عنه بالشقاء وسوء الحال ، فالأم هنا يجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها . وهاوية : هالكة ، والكلام تمثيل لحال من خفت موازينه يومئذ بحال الهالك في الدنيا ; لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه في الخير والشر ؛ لشدة محبتها ابنها ، فهي أشد سرورا بسروره وأشد حزنا بما يحزنه . صلى أعرابي وراء إمام فقرأ الإمام واتخذ الله إبراهيم خليلا فقال الأعرابي : لقد قرت عين أم إبراهيم ، ومنه قول ابن زيابة حين تهدده الحارث بن همام الشيباني :


يا لهف زيابة للحارث الصا بح فالغانم فالآيب


ويقولون في الشر : هوت أمه ، أي : أصابه ما تهلك به أمه ، وهذا كقولهم : ثكلته أمه ، في الدعاء ، ومنه ما يستعمل في التعجب وأصله الدعاء كقول كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه أبي المغوار :


هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يرد الليل حين يئوب


أي : ماذا يبعث الصبح منه غاديا وما يرد الليل حين يئوب غانما ، وحذف منه في الموضعين اعتمادا على قرينة رفع الصبح والليل وذكر : غاديا ويئوب ، و ( من ) المقدرة تجريدية ، فالكلام على التجريد مثل : لقيت منه أسدا .

فاستعمل المركب الذي يقال عند حال الهلاك وسوء المصير في الحال المشبهة بحال الهلاك ، ورمز إلى التشبيه بذلك المركب ، كما تضرب الأمثال السائرة .

ويجوز أن يكون ( أمه ) مستعارا لمقره ومآله ; لأنه يأوي إليه كما يأوي الطفل إلى أمه .

و ( هاوية ) المكان المنخفض بين الجبلين الذي إذا سقط فيه إنسان أو دابة هلك . يقال سقط في الهاوية .

وأريد بها جهنم ، وقيل : هي اسم لجهنم ، أي : فمأواه جهنم .

[ ص: 515 ] ويجوز أن يكون أمه على حذف مضاف ، أي : أم رأسه ، أي : هلك .

وما أدراك ما هيه تهويل كما تقدم آنفا .

وضمير ( هيه ) عائد إلى ( هاوية ) ، فعلى الوجه الأول يكون في الضمير استخدام ، إذ معاد الضمير وصف هالكة ، والمراد منه اسم جهنم ، كما في قول معاوية بن مالك الملقب معوذ الحكماء :


إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا


وعلى الوجه الثاني يعود الضمير إلى ( هاوية ) وفسرت بأنها قعر جهنم .

وعلى الوجه الثالث يكون في ( هيه ) استخدام أيضا كالوجه الأول .

والهاء التي لحقت ياء ( هي ) هاء السكت ، هي هاء تجلب لأجل تخفيف اللفظ عند الوقف عليه ، فمنه تخفيف واجب تجلب له هاء السكت لزوما ، وبعضه حسن ، وليس بلازم وذلك في كل اسم أو حرف بآخره حركة بناء دائمة مثل : هو ، وهي ، وكيف ، وثم ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه في سورة الحاقة .

وجمهور القراء أثبتوا النطق بهذه الهاء في حالتي الوقف والوصل ، وقرأ حمزة وخلف بإثبات الهاء في الوقف وحذفها في الوصل .

وجملة نار حامية بيان لجملة وما أدراك ما هيه ، والمعنى : هي نار حامية . وهذا من حذف المسند إليه الذي اتبع في حذفه استعمال أهل اللغة .

ووصف ( نار ) بـ ( حامية ) من قبيل التوكيد اللفظي ; لأن النار لا تخلو عن الحمي فوصفها به وصفا بما هو معنى لفظ ( نار ) فكان كذكر المرادف كقوله تعالى : نار الله الموقدة .

EL Mister
16/06/2009, 09:51
بسم الله الرحمن الرحيم

( والعاديات ضبحا ( 1 ) فالموريات قدحا ( 2 ) فالمغيرات صبحا ( 3 ) فأثرن به نقعا ( 4 ) فوسطن به جمعا ( 5 ) إن الإنسان لربه لكنود ( 6 ) وإنه على ذلك لشهيد ( 7 ) وإنه لحب الخير لشديد ( 8 ) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ( 9 ) وحصل ما في الصدور ( 10 ) إن ربهم بهم يومئذ لخبير ( 11 ) )


مقدمة

سميت في المصاحف القيروانية العتيقة والتونسية والمشرقية ( سورة العاديات ) بدون واو ، وكذلك في بعض التفاسير ، فهي تسمية لما ذكر فيها دون حكاية لفظه . وسميت في بعض كتب التفسير ( سورة والعاديات ) بإثبات الواو .

واختلف فيها ، فقال ابن مسعود وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة : هي مكية . وقال أنس بن مالك وابن عباس وقتادة : هي مدنية .

وعدت الرابعة عشرة في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد على أنها مكية نزلت بعد سورة العصر وقبل سورة الكوثر .

وآيها إحدى عشرة .

ذكر الواحدي في أسباب النزول عن مقاتل وعن غيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث خيلا سرية إلى بني كنانة ، وأمر عليها المنذر بن عمرو الأنصاري ، فأسهبت ، ( أي : أمعنت في سهب وهي الأرض الواسعة ) شهرا وتأخر خيرهم ، فأرجف المنافقون وقالوا : قتلوا جميعا ، فأخبر الله عنهم بقوله : والعاديات ضبحا الآيات ، إعلاما بأن خيلهم قد فعلت جميع ما في تلك الآيات .

وهذا الحديث قال في الإتقان رواه الحاكم وغيره . وقال ابن كثير : روى أبو بكر البزاز هنا حديثا غريبا جدا وساق الحديث قريبا مما للواحدي .

وأقول غرابة الحديث لا تناكد قبوله وهو مروي عن ثقات إلا أن في سنده حفص بن جميع وهو ضعيف . فالراجح أن السورة مدنية .


أغراض السورة

ذم خصال تفضي بأصحابها إلى الخسران في الآخرة ، وهي خصال غالبة على المشركين والمنافقين ، ويراد تحذير المسلمين منها .

ووعظ الناس بأن وراءهم حسابا على أعمالهم بعد الموت ليتذكره المؤمن ويهدد به الجاحد . وأكد ذلك كله بأن افتتح بالقسم ، وأدمج في القسم التنويه بخيل الغزاة أو رواحل الحجيج .


والعاديات ضبحا ( 1 ) فالموريات قدحا ( 2 ) فالمغيرات صبحا ( 3 ) فأثرن به نقعا ( 4 ) فوسطن به جمعا ( 5 ) إن الإنسان لربه لكنود ( 6 ) وإنه على ذلك لشهيد ( 7 ) وإنه لحب الخير لشديد ( 8 )

أقسم الله بـ ( العاديات ) جمع العادية ، وهو اسم فاعل من العدو ، وهو السير السريع يطلق على سير الخيل والإبل خاصة .

وقد يوصف به سير الإنسان وأحسب أنه على التشبيه بالخيل ومنه عداءو العرب وهم أربعة : السليك بن السلكة ، والشنفرى ، وتأبط شرا وعمرو بن أمية الضمري . يضرب بهم المثل في العدو .

وتأنيث هذا الوصف هنا لأنه من صفات ما لا يعقل .

والضبح : اضطراب النفس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم ، وهو من أصوات الخيل والسباع . وعن عطاء : سمعت ابن عباس يصف الضبح أح أح .

وعن ابن عباس ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ، وهذا قول أهل اللغة واقتصر عليه في القاموس . روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس قال : بينما أنا جالس في الحجر جاءني رجل فسألني عن العاديات ضبحا فقلت له : الخيل حين تغير في سبيل الله ، ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم ، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت [ ص: 499 ] سقاية زمزم فسأله عنها ، فقال : سألت عنها أحدا قبلي ؟ قال : نعم ، سألت ابن عباس فقال : الخيل تغزو في سبيل الله ، قال : اذهب فادعه لي ، فلما وقفت عند رأسه ، قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر ، وما كان معنا إلا فرسان : فرس للزبير ، وفرس للمقداد ، فكيف تكون العاديات ضبحا ، إنما العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى المزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى . يعني : بذلك أن السورة مكية قبل ابتداء الغزو الذي أوله غزوة بدر . قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي .

وليس في قول علي - رضي الله عنه - تصريح بأنها مكية ولا مدنية وبمثل ما قال علي قال ابن مسعود وإبراهيم ومجاهد وعبيد بن عمير .

والضبح لا يطلق على صوت الإبل في قول أهل اللغة . فإذا حمل ( العاديات ) على أنها الإبل ، فقال المبرد وبعض أهل اللغة : من جعلها للإبل جعل ( ضبحا ) بمعنى ضبعا ، يقال : ضبحت الناقة في سيرها وضبعت ، إذا مدت ضبعيها في السير . وقال أبو عبيدة : ضبحت الخيل وضبعت ، إذا عدت ، وهو أن يمد الفرس ضبعيه إذا عدا ، أي : فالضبح لغة في الضبع ، وهو من قلب العين حاء . قال في الكشاف " وليس بثبت " . ولكن صاحب القاموس اعتمده وعلى تفسير ( العاديات ) بأنها الإبل يكون الضبح استعير لصوت الإبل ، أي : من شدة العدو قويت الأصوات المترددة في حناجرها حتى أشبهت ضبح الخيل ، أو أريد بالضبح الضبع على لغة الإبدال .

وانتصب ( ضبحا ) فيجوز أن يجعل حالا من ( العاديات ) إذا أريد به الصوت الذي يتردد في جوفها حين العدو ، أو يجعل مبينا لنوع العدو إذا كان أصله : ضبحا .

وعلى وجه أن المقسم به رواحل الحج ، فالقسم بها لتعظيمها بما تعين به على مناسك الحج ، واختير القسم بها ; لأن السامعين يوقنون أن ما يقسم عليه بها محقق ، فهي معظمة عند الجميع من المشركين والمسلمين .

والموريات : التي توري ، أي : توقد .

[ ص: 500 ] والقدح : حك جسم على آخر ليقدح نارا ، يقال : قدح فأورى . وانتصب ( قدحا ) على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله . وكل من سنابك الخيل ومناسم الإبل تقدح إذا صكت الحجر الصوان نارا تسمى نار الحباحب ، قال الشنفرى يشبه نفسه في العدو ببعير :


إذا الأمعز الصوان لاقى مناسمي تطاير منه قادح ومفلل


وذلك كناية عن الإمعان في العدو وشدة السرعة في السير .

ويجوز أن يراد قدح النيران بالليل حين نزولهم لحاجتهم وطعامهم ، وجوز أن يكون الموريات قدحا مستعارا لإثارة الحرب ; لأن الحرب تشبه بالنار . قال تعالى : كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، فيكون ( قدحا ) ترشيحا لاستعارة ( الموريات ) ومنصوبا على المفعول المطلق لـ ( الموريات ) وجوز أن يكون ( قدحا ) بمعنى استخراج المرق من القدر في القداح لإطعام الجيش أو الركب ، وهو مشتق من اسم القدح ، وهو الصحفة فيكون ( قدحا ) مصدرا منصوبا على المفعول لأجله .

والمغيرات : اسم فاعل من : أغار ، والإغارة تطلق على غزو الجيش دارا ، وهو أشهر إطلاقها فإسناد الإغارة إلى ضمير ( العاديات ) مجاز عقلي ، فإن المغيرين راكبوها ، ولكن الخيل أو إبل الغزو أسباب للإغارة ووسائل .

وتطلق الإغارة على الاندفاع في السير .

و ( صبحا ) ظرف زمان ، فإذا فسر ( المغيرات ) بخيل الغزاة فتقييد ذلك بوقت الصبح ; لأنهم كانوا إذا غزوا لا يغيرون على القوم إلا بعد الفجر ، ولذلك كان منذر الحي إذا أنذر قومه بمجيء العدو نادى : يا صباحاه ، قال تعالى : فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين .

وإذا فسر ( المغيرات ) بالإبل المسرعات في السير ، فالمراد : دفعها من مزدلفة إلى منى صباح يوم النحر وكانوا يدفعون بكرة عندما تشرق الشمس على ثبير ، ومن أقوالهم في ذلك ( أشرق ثبير كيما نغير ) .

[ ص: 501 ] و أثرن به نقعا : أصعدن الغبار من الأرض من شدة عدوهن ، والإثارة : الإهاجة ، والنقع : الغبار .

والباء في ( به ) يجوز أن تكون سببية ، والضمير المجرور عائد إلى العدو المأخوذ من ( العاديات ) . ويجوز كون الباء ظرفية والضمير عائدا إلى ( صبحا ) ، أي : أثرن في ذلك الوقت وهو وقت إغارتها .

ومعنى ( وسطن ) : كن وسط الجمع ، يقال : وسط القوم ، إذا كان بينهم .

و ( جمعا ) مفعول ( وسطن ) وهو اسم لجماعة الناس ، أي : صرن في وسط القوم المغزوين . فأما بالنسبة إلى الإبل فيتعين أن يكون قوله : ( جمعا ) وهو المزدلفة فيكون إشارة إلى حلول الإبل في مزدلفة قبل أن تغير صبحا منها إلى عرفة ، إذ ليس ثمة جماعة مستقرة في مكان تصل إليه هذه الرواحل .

ومن بديع النظم وإعجازه إيثار كلمات ( العاديات وضبحا والموريات وقدحا ، والمغيرات وصبحا ، ووسطن وجمعا ) دون غيرها ; لأنها برشاقتها تتحمل أن يكون المقسم به خيل الغزو ورواحل الحج .

وعطف هذه الأوصاف الثلاثة الأولى بالفاء ; لأن أسلوب العرب في عطف الصفات وعطف الأمكنة أن يكون بالفاء وهي للتعقيب ، والأكثر أن تكون لتعقيب الحصول كما في هذه الآية ، وكما في قول ابن زيابة :


يا لهف زيابة للحارث الص ابح فالغانم فالآيب


وقد يكون لمجرد تعقيب الذكر كما في سورة الصافات .

والفاء العاطفة لقوله : فأثرن به نقعا عاطفة على وصف ( المغيرات ) . والمعطوف بها من آثار وصف المغيرات . وليست عاطفة على صفة مستقلة مثل [ ص: 502 ] الصفات الثلاث التي قبلها ; لأن إثارة النقع وتوسط الجمع من آثار الإغارة صبحا ، وليسا مقسما بهما أصالة ، وإنما القسم بالأوصاف الثلاثة الأولى .

فلذلك غير الأسلوب في قوله فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا ، فجيء بهما فعلين ماضيين ولم يأتيا على نسق الأوصاف قبلهما بصيغة اسم الفاعل ; للإشارة إلى أن الكلام انتقل من القسم إلى الحكاية عن حصول ما ترتب على تلك الأوصاف الثلاثة ما قصد منها بالظفر المطلوب الذي لأجله كان العدو والإيراء والإغارة عقبه ، وهي الحلول بدار القوم الذين غزوهم إذا كان المراد بـ ( العاديات ) الخيل ، أو بلوغ تمام الحج بالدفع عن عرفة إذا كان المراد بـ ( العاديات ) رواحل الحجيج ، فإن إثارة النقع يشعرون بها عند الوصول حين تقف الخيل والإبل دفعة ، فتثير أرجلها نقعا شديدا فيما بينهما ، وحينئذ تتوسطن الجمع من الناس . وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المراد بقوله : ( جمعا ) اسم المزدلفة ؛ حيث المشعر الحرام .

ومناسبة القسم بهذه الموصوفات دون غيرها إن أريد رواحل الحجيج ، وهو الوجه الذي فسر به علي بن أبي طالب ، وهو أن يصدق المشركون بوقوع المقسم عليه ; لأن القسم بشعائر الحج لا يكون إلا بارا حيث هم لا يصدقون بأن القرآن كلام الله ويزعمونه قول النبيء - صلى الله عليه وسلم .

وإن أريد بـ ( العاديات ) وما عطف عليها خيل الغزاة ، فالقسم بها لأجل التهويل والترويع لإشعار المشركين بأن غارة تترقبهم ، وهي غزوة بدر ، مع تسكين نفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - من التردد في مصير السرية التي بعث بها مع المنذر بن عمرو إذا صح خبرها فيكون القسم بخصوص هذه الخيل إدماجا للاطمئنان .

وجملة إن الإنسان لربه لكنود جواب القسم .

والكنود : وصف من أمثلة المبالغة من كند ، ولغات العرب مختلفة في معناه ، فهو في لغة مضر وربيعة : الكفور بالنعمة ، وبلغة كنانة : البخيل ، وفي لغة كندة وحضرموت : العاصي ، والمعنى : الشديد الكفران لله .

والتعريف في الإنسان تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالبا ، أي أن [ ص: 503 ] في طبع الإنسان الكنود لربه ، أي : كفران نعمته ، وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوت فيه ولا يسلم منه إلا الأنبياء ، وكمل أهل الصلاح ؛ لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه ، وهو أمر في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره . وبذلك قد يذهل أو ينسى حق الله ، والإنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته ، ويتوانى أو يغفل عن مقاومته ؛ لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه ، والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخلق منها ، والعزائم متفاوتة في استطاعة مغالبته .

وهذا ما أشار إليه قوله تعالى : وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد فلذلك كان الاستغراق عرفيا أو عاما مخصوصا ، فالإنسان لا يخلو من أحوال مآلها إلى كفران النعمة ، بالقول والقصد ، أو بالفعل والغفلة ، فالإشراك كنود ، والعصيان كنود ، وقلة ملاحظة صرف النعمة فيما أعطيت لأجله كنود ، وهو متفاوت ، فهذا خلق متأصل في الإنسان ، فلذلك أيقظ الله له الناس ليريضوا أنفسهم على أمانة هذا الخلق من نفوسهم كما في قوله تعالى : إن الإنسان خلق هلوعا الآية . وقوله : خلق الإنسان من عجل وقوله : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقد تقدمت قريبا .

وعن ابن عباس تخصيص الإنسان هنا بالكافر فهو من العموم العرفي .

وروي عن أبي أمامة الباهلي بسند ضعيف ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : الكنود هو الذي يأكل وحده ، ويمنع رفده ، ويضرب عبده وهو تفسير لأدنى معاني الكنود فإن أكله وحده ، أي : عدم إطعامه أحدا معه ، أو عدم إطعامه المحاويج إغضاء عن بعض مراتب شكر النعمة ، وكذلك منعه الرفد ، ومثله : ضربه عبده ، فإن فيه نسيانا لشكر الله الذي جعل العبد ملكا له ولم يجعله ملكا للعبد ، فيدل على أن ما هو أشد من ذلك أولى بوصف الكنود .

وقيل : ******التعريف في ( الإنسان ) للعهد ، وأن المراد به الوليد بن المغيرة ، وقيل : قرطة بن عبد عمرو بن نوفل القرشي .

واللام في ( لربه ) لام التقوية ; لأن كنود وصف ليس أصيلا في العمل ، وإنما يتعلق بالمعمولات لمشابهته الفعل في الاشتقاق ، فيكثر أن يقترن مفعوله بلام التقوية ، ومع تأخيره عن معموله .

[ ص: 504 ] وتقديم ( لربه ) لإفادة الاهتمام بمتعلق هذا الكنود لتشنيع هذا الكنود بأنه للرب الذي هو أحق الموجودات بالشكر ، وأعظم ذلك شرك المشركين ، ولذلك أكد الكلام بلام الابتداء الداخلة على خبر ( إن ) للتعجيب من هذا الخبر .

وتقديم ( لربه ) على عامله المقترن بلام الابتداء ، وهي من ذوات الصدر ; لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف ، وابن هشام يرى أن لام الابتداء الواقعة في خبر ( إن ) ليست بذات صدارة .

وضمير وإنه على ذلك لشهيد عائد *****إلى الإنسان على حسب الظاهر الذي يقتضيه انتساق الضمائر واتحاد المتحدث عنه وهو قول الجمهور .

والشهيد : يطلق على الشاهد ، وهو الخبر بما يصدق دعوى مدع ، ويطلق على الحاضر ، ومنه جاء إطلاقه على العالم الذي لا يفوته المعلوم ، ويطلق على المقر لأنه شهد على نفسه .

والشهيد هنا : إما بمعنى المقر كما في ( أشهد أن لا إله إلا الله ) .

والمعنى : أن الإنسان مقر بكنوده لربه من حيث لا يقصد الإقرار ، وذلك في فلتات الأقوال ، مثل قول المشركين في أصنامهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . وهذا قول يلزمه اعترافهم بأنهم عبدوا ما لا يستحق أن يعبد ، وأشركوا في العبادة مع المستحق للانفراد بها ، أليس هذا كنودا لربهم ، قال تعالى : وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وفي فلتات الأفعال كما يعرض للمسلم في المعاصي .

والمقصود في هذه الجملة تفظيع كنود الإنسان بأنه معلوم لصاحبه بأدنى تأمل في أقواله وأفعاله . وعلى هذا فحرف ( على ) متعلق بـ ( شهيد ) واسم الإشارة مشار به إلى الكنود المأخوذ من صفة ( كنود ) .

ويجوز أن يكون ( شهيد ) بمعنى ( عليم ) ، كقول الحارث بن حلزة في عمرو بن هند :


وهو الرب والشهيد على يو م الخيارين والبلاء بلاء


[ ص: 505 ] ومتعلق ( شهيد ) محذوف دل عليه المقام ، أي : عليم بأن الله ربه ، أي : بدلائل الربوبية ، ويكون قوله : على ذلك بمعنى : مع ذلك ، أي : مع ذلك الكنود هو عليم بأنه ربه مستحق للشكر والطاعة لا للكنود ، فحرف ( على ) بمعنى ( مع ) كقوله : وآتى المال على حبه ويطعمون الطعام على حبه وقول الحارث بن حلزة :


فبقينا على الشناءة تنمي نا حصون وعزة قعساء


والجار والمجرور في موضع الحال وذلك زيادة في التعجب من كنود الإنسان .

وقال ابن عباس والحسن وسفيان : ضمير ( وإنه ) عائد إلى ربه ، أي : وإن الله على ذلك لشهيد ، والمقصود أن الله يعلم ذلك في نفس الإنسان ، وهذا تعريض بالتحذير من الحساب عليه . وهذا يسوغه أن الضمير عائد إلى أقرب مذكور ، ونقل عن مجاهد وقتادة كلا الوجهين ، فلعلهما رأيا جواز المحملين وهو أولى .

وتقديم على ذلك على ( شهيد ) للاهتمام والتعجب ومراعاة الفاصلة .

والشديد : البخيل . قال أبو ذؤيب راثيا :


حذرناه بأثواب في قعر هوة شديد على ما ضم في اللحد جولها


والجول - بالفتح والضم : التراب ، كما يقال للبخيل المتشدد أيضا ، قال طرفة :


عقيلة مال الفاحش المتشدد


واللام في لحب الخير لام التعليل ، والخير : المال ، قال تعالى : إن ترك خيرا .

والمعنى : إن في خلق الإنسان الشح لأجل حبه المال ، أي : الازدياد منه ، قال تعالى : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .

وتقديم لحب الخير على متعلقه للاهتمام بغرابة هذا المتعلق ولمراعاة الفاصلة ، وتقديمه على عامله المقترن بلام الابتداء وهي من ذوات الصدر لأنه مجرور كما علمت في قوله : لربه لكنود .

وحب المال يبعث على منع المعروف ، وكان العرب يعيرون بالبخل وهم مع [ ص: 506 ] ذلك يبخلون في الجاهلية بمواساة الفقراء والضعفاء ، ويأكلون أموال اليتامى ، ولكنهم يسرفون في الإنفاق في مظان السمعة ومجالس الشرب وفي الميسر . قال تعالى : ( ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما ) .


أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ( 9 ) وحصل ما في الصدور ( 10 )

فرع على الإخبار بكنود الإنسان وشحه استفهام إنكاري عن عدم علم الإنسان بوقت بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور ، فإنه أمر عجيب كيف يغفل عنه الإنسان . وهمزة الاستفهام قدمت على فاء التعريف ; لأن للاستفهام صدر الكلام .

وانتصب ( إذا ) على الظرفية لمفعول ( يعلم ) المحذوف اقتصارا ، ليذهب السامع في تقديره كل مذهب ممكن قصدا للتهويل .

والمعنى : ألا يعلم العذاب جزاء له على ما في كنوده وبخله من جناية متفاوتة المقدار إلى حد إيجاب الخلود في النار .

وحذف مفعولا ( يعلم ) ولا دليل في اللفظ على تعيين تقديرهما ، فيوكل إلى السامع تقدير ما يقتضيه المقام من الوعيد والتهويل ، ويسمى هذا الحذف عند النحاة الحذف الاقتصاري ، وحذف كلا المفعولين اقتصارا جائز عند جمهور النحاة ، وهو التحقيق وإن كان سيبويه يمنعه .

وبعثر : معناه قلب من سفل إلى علو ، والمراد به إحياء ما في القبور من الأموات الكاملة الأجساد أو أجزائها ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : إذا القبور بعثرت في سورة الانفطار .

وحصل : جمع وأحصي . وما في الصدور : هو ما في النفوس من ضمائر وأخلاق ، أي : جمع عده والحساب عليه .


إن ربهم بهم يومئذ لخبير ( 11 )

جملة مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن الإنكار ، أي : كان شأنهم أن يعلموا اطلاع الله عليهم إذا بعثر ما في القبور ، وأن يذكروه ; لأن وراءهم الحساب المدقق ، وتفيد هذه الجملة مفاد التذييل .

وقوله : ( يومئذ ) متعلق بقوله : ( لخبير ) أي : عليم .

والخبير : مكنى به عن المجازي بالعقاب والثواب ، بقرينة تقييده بيومئذ ; لأن علم الله بهم حاصل من وقت الحياة الدنيا ، وأما الذي يحصل من علمه بهم يوم بعثرة القبور ، فهو العلم الذي يترتب عليه الجزاء .

وتقديم ( بهم ) على عامله وهو ( لخبير ) للاهتمام به ؛ ليعلموا أنهم المقصود بذلك . وتقديم المجرور على العامل المقترن بلام الابتداء مع أن لها الصدر سائغ لتوسعهم في المجرورات والظرف كما تقدم آنفا في قوله : لربه لكنود وقوله : على ذلك لشهيد وقوله : لحب الخير لشديد . وقد علمت أن ابن هشام ينازع في وجوب صدارة لام الابتداء التي في خبر إن .

EL Mister
16/06/2009, 10:00
بسم الله الرحمن الرحيم

( إذا زلزلت الأرض زلزالها ( 1 ) وأخرجت الأرض أثقالها ( 2 ) وقال الإنسان ما لها ( 3 ) يومئذ تحدث أخبارها ( 4 ) بأن ربك أوحى لها ( 5 ) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ( 6 ) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ( 7 ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 8 ) )


مقدمة

سميت هذه السورة في كلام الصحابة سورة ( إذا زلزلت ) روى الواحدي في أسباب النزول عن عبد الله بن عمرو نزلت إذا زلزلت وأبو بكر قاعد فبكى الحديث ( 1 ) . وفي حديث أنس بن مالك مرفوعا عند الترمذي : ( إذا زلزلت ) تعدل نصف القرآن . وكذلك عنونها البخاري والترمذي .

وسميت في كثير من المصاحف ، ومن كتب التفسير ( سورة الزلزال ) .

وسميت في مصحف بخط كوفي قديم من مصاحف القيروان ( زلزلت ) ، وكذلك سماها في الإتقان في السور المختلف في مكان نزولها ، وكذلك تسميتها في تفسير ابن عطية ، ولم يعدها في الإتقان في عداد السور ذوات أكثر من اسم ، فكأنه لم ير هذه ألقابا لها ، بل جعلها حكاية بعض ألفاظها ، ولكن تسميتها سورة الزلزلة تسمية بالمعنى لا بحكاية بعض كلماتها .

واختلف فيها ، فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعطاء والضحاك : هي مكية . وقال قتادة ومقاتل : مدنية ونسب إلى ابن عباس أيضا . والأصح أنها مكية واقتصر عليه البغوي وابن كثير ومحمد بن الحسن النيسابوري في تفاسيرهم . وذكر القرطبي عن جابر أنها مكية ، ولعله يعني : جابر بن عبد الله الصحابي ; لأن المعروف عن جابر بن زيد أنها مدنية ، فإنها معدودة في نول السور المدنية فيما روي عن جابر بن زيد . وقال ابن عطية : آخرها وهو فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الآية . نزل في رجلين كانا بالمدينة اهـ . وستعلم أنه لا دلالة فيه على ذلك .

[ ص: 490 ] وقد عدت الرابعة والتسعين في عداد نزول السور فيما روي عن جابر بن زيد ونظمه الجعبري وهو بناء على أنها مدنية جعلها بعد سورة النساء وقبل سورة الحديد .

وعدد آيها تسع عند جمهور أهل العدد ، وعدها أهل الكوفة ثماني للاختلاف في أن قوله : يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم آيتان أو آية واحدة .


أغراض السورة

إثبات البعث وذكر أشراطه وما يعتري الناس عند حدوثها من الفزع .

وحضور الناس للحشر وجزائهم على أعمالهم من خير أو شر ، وهو تحريض على فعل الخير واجتناب الشر .


إذا زلزلت الأرض زلزالها ( 1 ) وأخرجت الأرض أثقالها ( 2 ) وقال الإنسان ما لها ( 3 ) يومئذ تحدث أخبارها ( 4 ) بأن ربك أوحى لها ( 5 ) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ( 6 )

افتتاح الكلام بظرف الزمان مع إطالة الجمل المضاف إليها الظرف تشويق إلى متعلق الظرف ، إذ المقصود ليس توقيت صدور الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ، بل الإخبار عن وقوع ذلك وهو البعث ، ثم الجزاء ، وفي ذلك تنزيل وقوع البعث منزلة الشيء المحقق المفروغ منه بحيث لا يهم الناس إلا معرفة وقته وأشراطه ، فيكون التوقيت كناية عن تحقيق وقوع الموقت .

ومعنى زلزلت : حركت تحريكا شديدا حتى يخيل للناس أنها خرجت من حيزها ; لأن فعل زلزل مأخوذ من الزلل ، وهو زلق الرجلين ، فلما عنوا شدة الزلل ضاعفوا الفعل للدلالة بالتضعيف على شدة الفعل ، كما قالوا : كبكبه ، أي : كبه ولملم بالمكان من اللم .

والزلزال : بكسر الزاي الأولى مصدر زلزل ، وأما الزلزال بفتح الزاي فهو اسم [ ص: 491 ] مصدر كالوسواس والقلقال . وتقدم الكلام على الزلزال في سورة الحج .

وإنما بني فعل ( زلزلت ) بصيغة النائب عن الفاعل ؛ لأنه معلوم فاعله وهو الله تعالى .

وانتصب زلزالها على المفعول المطلق المؤكد لفعله إشارة إلى هول ذلك الزلزال ، فالمعنى : إذا زلزلت الأرض زلزالا .

وأضيف ( زلزالها ) إلى ضمير الأرض لإفادة تمكنه منها وتكرره حتى كأنه عرف بنسبته إليها لكثرة اتصاله بها ، كقول النابغة :


أسائلتي سفاهتها وجهلا على الهجران أخت بني شهاب


أي : سفاهة لها ، أي : هي معروفة بها ، وقول أبي خالد القناني :


والله أسماك سمى مباركا آثرك الله به إيثاركا


يريد إيثارا عرفت به واختصصت به . وفي كتب السيرة أن من كلام خطر بن مالك الكاهن يذكر شيطانه حين رجم ( بلبله بلباله ) أي : بلبال متمكن منه . وإعادة لفظ الأرض في قوله : وأخرجت الأرض أثقالها إظهار في مقام الإضمار لقصد التهويل .

والأثقال : جمع ثقل بكسر المثلثة وسكون القاف وهو المتاع الثقيل ، ويطلق على المتاع النفيس .

وإخراج الأرض أثقالها ناشئ عن انشقاق سطحها ، فتقذف ما فيها من معادن ومياه وصخر .

وذلك من تكرر الانفجارات الناشئة عن اضطراب داخل طبقاتها وانقلاب أعاليها أسافل والعكس .

والتعريف في ( الإنسان ) تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي : وقال الناس ما لها ، أي : الناس الذين هم أحياء ففزعوا ، وقال بعضهم لبعض ، أو قال كل أحد في نفسه حتى استوى في ذلك الجبان والشجاع ، والطائش والحكيم ، لأنه زلزال تجاوز الحد الذي يصبر على مثله الصبور .

[ ص: 492 ] وقول ( ما لها ) استفهام عن الشيء الذي ثبت للأرض ولزمها ; لأن اللام تفيد الاختصاص ، أي : ما للأرض في هذا الزلزال ، أو ما لها زلزلت هذا الزلزال ، أي : ماذا ستكون عاقبته . نزلت الأرض منزلة قاصد مريد يتساءل الناس عن قصده من فعله ؛ حيث لم يتبين غرضه منه ، وإنما يقع مثل هذا الاستفهام غالبا مردفا بما يتعلق بالاستقرار الذي في الخبر مثل أن يقال : ما له يفعل كذا ، أو ما له في فعل كذا ، أو ما له وفلانا ، أي : معه ، فلذلك وجب أن يكون هنا مقدر ، أي : ما لها زلزلت ، أو ما لها في هذا الزلزال ، أو ما لها وإخراج أثقالها .

وجملة يومئذ تحدث أخبارها إلخ جواب ( إذا ) باعتبار ما أبدل منها من قوله : يومئذ يصدر الناس فيومئذ بدل من يومئذ تحدث أخبارها .

واليوم يطلق على النهار مع ليله ، فيكون الزلزال نهارا وتتبعه حوادث في الليل مع انكدار النجوم وانتشارها ، وقد يراد باليوم مطلق الزمان .

و تحدث أخبارها هو العامل في ( يومئذ ) وفي البدل ، والتقدير : يوم إذ تزلزل الأرض وتخرج أثقالها ، ويقول الناس : ما لها تحدث أخبارها إلخ .

و ( أخبارها ) مفعول ثان لفعل ( تحدث ) ؛ لأنه مما ألحق بظن لإفادة الخبر علما ، وحذف مفعوله الأول لظهوره ، أي : تحدث الإنسان ; لأن الغرض من الكلام هو إخبارها لما فيه من التهويل .

وضمير ( تحدث ) عائد إلى ( الأرض ) .

والتحديث حقيقته : أن يصدر كلام بخبر عن حدث . وورد في حديث الترمذي عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية يومئذ تحدث أخبارها قال : أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول : عمل يوم كذا وكذا ، فهذه أخبارها اهـ .

وجمع ( أخبارها ) باعتبار تعدد دلالتها على عدد القائلين ، ( ما لها ) وإنما هو خبر واحد وهو المبين بقوله : بأن ربك أوحى لها .

[ ص: 493 ] وانتصب ( أخبارها ) على نزع الخافض وهو باء تعدية فعل ( تحدث ) .

وقوله : بأن ربك أوحى لها يجوز أن يتعلق بفعل ( تحدث ) والباء للسببية ، أي : تحدث أخبارها بسبب أن الله أمرها أن تحدث أخبارها .

ويجوز أن يكون بدلا من ( أخبارها ) وأظهرت الباء في البدل لتوكيد تعدية فعل ( تحدث ) إليه ، وعلى كلا الوجهين قد أجملت أخبارها وبينها الحديث السابق .

وأطلق الوحي على أمر التكوين ، أي : أوجد فيها أسباب إخراج أثقالها فكأنه أسر إليها بكلام ، كقوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا الآيات .

وعدي فعل ( أوحى ) باللام لتضمين ( أوحى ) معنى قال ، كقوله تعالى : فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ، وإلا فإن حق ( أوحى ) أن يتعدى بحرف ( إلى ) .

والقول المضمن هو قول التكوين قال تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون .

وإنما عدل عن فعل : قال لها إلى فعل أوحى لها ؛ لأنه حكاية عن تكوين لا عن قول لفظي .

وقوله : يومئذ يصدر الناس أشتاتا بدل من جملة يومئذ تحدث أخبارها ، والجواب هو فعل و يصدر الناس ، وقوله : ( يومئذ ) يتعلق به ، وقدم على متعلقه للاهتمام . وهذا الجواب هو المقصود من الكلام ; لأن الكلام مسوق لإثبات الحشر والتذكير به والتحذير من أهواله ، فإنه عند حصوله يعلم الناس أن الزلزال كان إنذارا بهذا الحشر .

وحقيقة يصدر الناس الخروج من محل اجتماعهم ، يقال : صدر عن المكان ، إذا تركه وخرج منه صدورا وصدرا بالتحريك . ومنه الصدر عن الماء بعد الورد ، فأطلق هنا فعل ( يصدر ) على خروج الناس إلى الحشر جماعات ، أو انصرافهم من المحشر إلى مأواهم من الجنة أو النار ، تشبيها بانصراف الناس عن الماء بعد الورد .

[ ص: 494 ] وأشتات : جمع شت بفتح الشين وتشديد الفوقية وهو المتفرق ، والمراد : يصدرون متفرقين جماعات كل إلى جهة بحسب أعمالهم وما عين لهم من منازلهم .

وأشير إلى أن تفرقهم على حسب تناسب كل جماعة في أعمالها من مراتب الخير ومنازل الشر بقوله : ليروا أعمالهم ، أي : يصدرون لأجل تلقي جزاء الأعمال التي عملوها في الحياة الدنيا ، فيقال لكل جماعة : انظروا أعمالكم ، أو انظروا مآلكم .

وبني فعل ( ليروا ) إلى النائب ; لأن المقصود رؤيتهم أعمالهم لا تعيين من يريهم إياها . وقد أجمع القراء على ضم التحتية .

فالرؤية مستعملة في رؤية البصر والمرئي هو منازل الجزاء ، ويجوز أن تكون الرؤية مستعملة في العلم بجزاء الأعمال ، فإن الأعمال لا ترى ، ولكن يظهر لأهلها جزاؤها .


فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ( 7 ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 8 )

تفريع على قوله : ليروا أعمالهم تفريع الفذلكة ، انتقالا للترغيب والترهيب بعد الفراغ من إثبات البعث والجزاء ، والتفريع قاض بأن هذا يكون عقب ما يصدر الناس أشتاتا .

والمثقال : ما يعرف به ثقل الشيء ، وهو ما يقدر به الوزن وهو كميزان زنة ومعنى .

والذرة : النملة الصغيرة في ابتداء حياتها .

و مثقال ذرة مثل في أقل القلة ، وذلك للمؤمنين ظاهر ، وبالنسبة إلى الكافرين فالمقصود ما عملوا من شر ، وأما بالنسبة إلى أعمالهم من الخير فهي كالعدم ، فلا توصف بخير عند الله ; لأن عمل الخير مشروط بالإيمان . قال تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا .

[ ص: 495 ] وإنما أعيد قوله : ومن يعمل دون الاكتفاء بحرف العطف لتكون كل جملة مستقلة الدلالة على المراد لتختص كل جملة بغرضها من الترغيب أو الترهيب ، فأهمية ذلك تقتضي التصريح والإطناب .

وهذه الآية معدودة من جوامع الكلم ، وقد وصفها النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالجامعة الفاذة ، ففي الموطأ : أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل لثلاثة الحديث . فسئل عن الحمر ، فقال : لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . وعن عبد الله بن مسعود أنه قال : هذه أحكم آية في القرآن ، وقال الحسن : قدم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبيء - صلى الله عليه وسلم - يستقرئ النبيء القرآن ، فقرأ عليه هذه الآية ، فقال صعصعة : حسبي فقد انتهت الموعظة لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها . وقال كعب الأحبار : لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .

وإذ قد كان الكلام مسوقا للترغيب والترهيب معا أوثر جانب الترغيب بالتقديم في التقسيم تنويها بأهل الخير .

وفي الكشاف : يحكى أن أعرابيا أخر خيرا يره فقيل قدمت وأخرت فقال :


خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق اهـ


وقد غفل هذا الأعرابي عن بلاغة الآية المقتضية التنويه بأهل الخير .

روى الواحدي عن مقاتل : أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا بالمدينة أحدهما لا يبالي من الذنوب الصغائر ويركبها ، والآخر يحب أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من أن يتصدق به ، فنزلت الآية فيهما .

ومن أجل هذه الرواية قال جمع : إن السورة مدنية ، ولو صح هذا الخبر لما كان مقتضيا أن السورة مدنية ; لأنهم كانوا إذا تلوا آية من القرآن شاهدا يظنها بعض السامعين نزلت في تلك القصة ، كما بيناه في المقدمة الخامسة .

EL Mister
16/06/2009, 17:03
بسم الله الرحمن الرحيم

( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ( 1 ) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( 2 ) فيها كتب قيمة ( 3 ) وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( 4 ) وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ( 5 ) )


مقدمة

وردت تسمية هذه السورة في كلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - ( لم يكن الذين كفروا ) .

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بن كعب : إن الله أمرني أن أقرأ عليك ( لم يكن الذين كفروا ) قال : وسماني لك ؟ قال : نعم . فبكى فقوله : أن أقرأ عليك ( لم يكن الذين كفروا ) واضح أنه أراد السورة كلها فسماها بأول جملة فيها ، وسميت هذه السورة في معظم كتب التفسير وكتب السنة سورة ( لم يكن ) بالاقتصار على أول كلمة منها ، وهذا الاسم هو المشهور في تونس بين أبناء الكتاتيب .

وسميت في أكثر المصاحف ( سورة القيمة ) وكذلك في بعض التفاسير . وسميت في بعض المصاحف ( سورة البينة ) .

وذكر في الإتقان أنها سميت في مصحف أبي ( سورة أهل الكتاب ) ، أي : لقوله تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ، وسميت سورة ( البرية ) وسميت ( سورة الانفكاك ) . فهذه ستة أسماء .

واختلف في أنها مكية أو مدنية ؛ قال ابن عطية : الأشهر أنها مكية وهو قول جمهور المفسرين . وعن ابن الزبير وعطاء بن يسار هي مدنية .

وعكس القرطبي فنسب القول بأنها مدنية إلى الجمهور وابن عباس والقول بأنها مكية إلى يحيى بن سلام . وأخرج ابن كثير عن أحمد بن حنبل بسنده إلى أبي حبة البدري قال : ( لما نزلت لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب إلى آخرها قال جبريل : يا رسول الله ، إن الله يأمرك أن تقرئها أبيا ) الحديث ، أي : وأبي من أهل المدينة . وجزم البغوي وابن كثير بأنها مدنية ، وهو الأظهر لكثرة ما فيها من تخطئة [ ص: 468 ] أهل الكتاب ولحديث أبي حبة البدري ، وقد عدها جابر بن زيد في عداد السور المدنية . قال ابن عطية : إن النبيء - صلى الله عليه وسلم - إنما دفع إلى مناقضة أهل الكتاب بالمدينة .

وقد عدت المائة وإحدى في ترتيب النزول نزلت بعد سورة الطلاق وقبل سورة الحشر ، فتكون نزلت قبل غزوةبني النضير ، وكانت غزوة النضير سنة أربع في ربيع الأول ؛ فنزول هذه السورة آخر سنة ثلاث أو أول سنة أربع .

وعدد آياتها ثمان عند الجمهور ، وعدها أهل البصرة تسع آيات .


أغراض السورة

توبيخ المشركين وأهل الكتاب على تكذيبهم بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم .

والتعجيب من تناقض حالهم ، إذ هم ينتظرون أن تأتيهم البينة فلما أتتهم البينة كفروا بها .

وتكذيبهم في ادعائهم أن الله أوجب عليهم التمسك بالأديان التي هم عليها .

ووعيدهم بعذاب الآخرة .

والتسجيل عليهم بأنهم شر البرية .

والثناء على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ووعدهم بالنعيم الأبدي ورضى الله عنهم وإعطائه إياهم ما يرضيهم .

وتخلل ذلك تنويه بالقرآن وفضله على غيره باشتماله على ما في الكتب الإلهية التي جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل وما فيه من فضل وزيادة .


لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ( 1 ) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ( 2 ) فيها كتب قيمة ( 3 )

استصعب في كلام المفسرين تحصيل المعنى المستفاد من هذه الآيات الأربع [ ص: 469 ] من أول هذه السورة تحصيلا ينتزع من لفظها ونظمها ، فذكر الفخر عن الواحدي في التفسير البسيط له أنه قال : هذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرا وقد تخبط فيها الكبار من العلماء . قال الفخر : ( ثم إنه لم يلخص كيفية الإشكال فيها ، وأنا أقول : وجه الإشكال أن تقدير الآية : لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا ، لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر والشرك اللذين كانوا عليهما ؛ فصار التقدير : لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم إن كلمة ( حتى ) لانتهاء الغاية ؛ فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول - صلى الله عليه وسلم ، ثم قال بعد ذلك وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - فحينئذ حصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر ) اهـ كلام الفخر .

يريد أن الظاهر أن قوله : رسول من الله بدل من البينة ، وأن متعلق منفكين حذف لدلالة الكلام عليه ; لأنهم لما أجريت عليهم صلة الذين كفروا دل ذلك على أن المراد لم يكونوا منفكين على كفرهم ، وإن حرف الغاية يقتضي أن إتيان البينة المفسرة بـ رسول من الله هي نهاية انعدام انفكاكهم عن كفرهم ؛ أي : فعند إتيان البينة يكونون منفكين عن كفرهم فكيف مع أن الله يقول وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة فإن تفرقهم راجع إلى تفرقهم عن الإسلام وهو ازدياد في الكفر إذ به تكثر شبه الضلال التي تبعث على التفرق في دينهم مع اتفاقهم في أصل الكفر ، وهذا الأخير بناء على اعتبار قوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلخ كلاما متصلا بإعراضهم عن الإسلام ؛ وذلك الذي درج عليه المفسرون . ولنا في ذلك كلام سيأتي .

ومما لم يذكره الفخر من وجه الإشكال : أن المشاهدة دلت على أن الذين كفروا لم ينفكوا عن الكفر في زمن ما ، وأن نصب المضارع بعد حتى ينادي على أنه منصوب بـ ( أن ) مضمرة بعد ( حتى ) فيقتضي أن إتيان البينة مستقبل ؛ وذلك لا يستقيم ، فإن البينة فسرت بـ رسول من الله وإتيان الرسول وقع قبل [ ص: 470 ] نزول هذه الآيات بسنين وهم مستمرون على ما هم عليه : هؤلاء على كفرهم ، وهؤلاء على شركهم .

وإذ قد تقرر وجه الإشكال وكان مظنونا أنه ملحوظ للمفسرين إجمالا أو تفصيلا فقد تعين أن هذا الكلام ليس واردا على ما يتبادر من ظاهره في مفرداته أو تركيبه ، فوجب صرفه عن ظاهره ، إما بصرف تركيب الخبر عن ظاهر الإخبار وهو إفادة المخاطب النسبة الخبرية التي تضمنها التركيب ، بأن يصرف الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب ، وإما بصرف بعض مفرداته التي اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى معنى مجاز أو كناية .

فمن المفسرين من سلك طريقة صرف الخبر عن ظاهره ، ومنهم من أبقوا الخبر على ظاهر استعماله وسلكوا طريقة صرف بعض كلماته عن ظاهر معانيها وهؤلاء منهم من تأول لفظ ( منفكين ) ومنهم من تأول معنى ( حتى ) ومنهم من تأول ( رسول ) ، وبعضهم جوز في البينة وجهين .

وقد تعددت أقوال المفسرين فبلغت بضعة عشر قولا ذكر الألوسي أكثرها وذكر القرطبي معظمها غير معزو ، وتداخل بعض ما ذكره الألوسي ، وزاد أحدهما ما لم يذكره الآخر .

ومراجع تأويل الآية تئول إلى خمسة .

الأول : تأويل الجملة بأسرها بأن يئول الخبر إلى معنى التوبيخ والتعجيب ، وإلى هذا ذهب الفراء ونفطويه والزمخشري .

الثاني : تأويل معنى منفكين بمعنى الخروج عن إمهال الله إياهم ومصيرهم إلى مؤاخذتهم ؛ وهو لابن عطية .

الثالث : تأويل متعلق " منفكين " بأنه عن الكفر وهو لعبد الجبار ، أو عن الاتفاق على الكفر وهو للفخر وأبي حيان . أو منفكين عن الشهادة للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصدق قبل بعثته وهو لابن كيسان عبد الرحمن الملقب بالأصم ، أو منفكين عن الحياة ، أي : هالكين ، وعزي إلى بعض اللغويين .

[ ص: 471 ] الرابع : تأويل ( حتى ) أنها بمعنى ( إن ) الاتصالية . والتقدير : وإن جاءتهم البينة .

الخامس : تأويل ( رسول ) بأنه رسول من الملائكة يتلو عليهم صحفا من عند الله فهو في معنى قوله تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء وعزاه الفخر إلى أبي مسلم وهو يقتضي صرف الخبر إلى التهكم .

هذا والمراد بـ الذين كفروا من أهل الكتاب أنهم كفروا برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلما في قوله تعالى : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب .

وأنت لا يعوزك إرجاع أقوال المفسرين إلى هذه المعاقد ، فلا نحتاج إلى التطويل بذكرها فدونك فراجعها إن شئت ؛ فبنا أن نهتم بتفسير الآية على الوجه البين .

إن هذه الآيات وردت مورد إقامة الحجة على الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب وعلى المشركين بأنهم متنصلون من الحق متعللون للإصرار على الكفر عنادا ، فلنسلك بالخبر مسلك مورد الحجة لا مسلك إفادة النسبة الخبرية ، فتعين علينا أن نصرف التركيب عن استعمال ظاهره إلى استعمال مجازي على طريقة المجاز المرسل المركب من قبيل استعمال الخبر في الإنشاء والاستفهام في التوبيخ ونحو ذلك الذي قال فيه التفتزاني في المطول : إن بيان أنه من أي أنواع المجاز هو مما لم يحم أحد حوله ، والذي تصدى السيد الشريف لبيانه بما لا يبقي فيه شبهة .

فهذا الكلام مسوق مساق نقل الأقوال المستغربة المضطربة الدالة على عدم ثبات آراء أصحابها ، فهو من الحكاية لما كانوا يعدون به ، فهو حكاية بالمعنى كأنه قيل : كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه حتى تأتينا البينة ، وهذا تعريض بالتوبيخ بأسلوب الإخبار المستعمل في إنشاء التعجيب أو الشكاية من صلف المخبر عنه ، وهو استعمال عزيز بديع . وقريب منه قوله تعالى : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون إذ عبر بصيغة يحذر وهم إنما تظاهروا بالحذر ولم يكونوا حاذرين حقا ولذلك قال الله تعالى : قل استهزئوا .

[ ص: 472 ] فالخبر موجه لكل سامع ، ومضمونه قول " كان صدر من أهل الكتاب واشتهر عنهم وعرفوا به وتقرر تعلل المشركين به لأهل الكتاب حين يدعونهم إلى اتباع اليهودية أو النصرانية فيقولوا : لم يأتنا رسول كما أتاكم قال تعالى : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم " .

وتقرر تعلل أهل الكتاب به حين يدعوهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - للإسلام ، قال تعالى : الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار الآية .

وشيوعه عن الفريقين قرينة على أن المراد من سياقه دمغهم بالحجة ، وبذلك كان التعبير بالمضارع المستقبل في قوله : حتى تأتيهم البينة مصادفا المحز فإنهم كانوا يقولون ذلك قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقريب من قوله تعالى في أهل الكتاب ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به .

وحاصل المعنى : أنكم كنتم تقولون لا نترك ما نحن عليه من الدين حتى تأتينا البينة ، أي العلامة التي وعدنا بها .

وقد جعل ذلك تمهيدا وتوطئة لقوله بعده رسول من الله يتلو صحفا مطهرة إلخ .

وإذ اتضح موقع هذه الآية وانقشع إشكالها فلننتقل إلى تفسير ألفاظ الآية .

فالانفكاك : الإقلاع ، وهو مطاوع فكه إذا فصله وفرقه ويستعار لمعنى أقلع عنه ، ومتعلق منفكين محذوف ؛ دل عليه وصف المتحدث عنهم بصلة الذين كفروا والتقدير : منفكين عن كفرهم وتاركين له ، سواء كان كفرهم إشراكا بالله مثل كفر المشركين أو كان كفرا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا القول صادر من اليهود الذين في المدينة والقرى التي حولها ويتلقفه المشركون بمكة الذين لم ينقطعوا عن الاتصال بأهل الكتاب منذ ظهرت دعوة الإسلام يستفتونهم في ابتكار مخلص يتسللون به [ ص: 473 ] عن ملام من يلومهم على الإعراض عن الإسلام ، وكذلك المشركون الذين حول المدينة من الأعراب مثل جهينة وغطفان ، ومن أفراد المنتصرين بمكة أو المدينة .

وقد حكى الله عن اليهود أنهم قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، وقال عنهم : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وحكى عن النصارى بقوله تعالى حكاية عن عيسى ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين . وقال عن الفريقين : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، وحكى عن المشركين بقوله : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى وقولهم فليأتنا بآية كما أرسل الأولون .

ولم يختلف أهل الكتابين في أنهم أخذ عليهم العهد بانتظار نبيء ينصر الدين الحق ؛ وجعلت علاماته دلائل تظهر من دعوته كقول التوراة في سفر التثنية : ( أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه ) . ثم قولها فيه : ( وأما النبيء الذي يطغى فيتكلم كلاما لم أوصه أن يتكلم به فيموت ذلك النبي ، وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب فما تكلم به النبيء باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب ) ( الإصحاح الثامن عشر ) . وقول الإنجيل ( وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد ) أي شريعته ; لأن ذات النبيء لا تمكث إلى الأبد ( روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه ) يوحنا الإصحاح الرابع عشر الفقرة 6 ( وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم بكل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم ) ( يوحنا الإصحاح الرابع عشر فقرة 26 ) .

وقوله : ويقوم أنبياء كذبة كثيرون - أي بعد عيسى - ويضلون كثيرين ، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى - أي يبقى إلى انقراض الدنيا وهو مئول ببقاء دينه إذ لا يبقى أحد حيا إلى انقراض الدنيا - فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل [ ص: 474 ] المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى - أي نهاية الدنيا - ) ( متى الإصحاح الرابع والعشرون ) ، أي : فهو خاتم الرسل كما هو بين .

وكان أحبارهم قد أساءوا التأويل للبشارات الواردة في كتبهم بالرسول المقفي ، وأدخلوا علامات يعرفون بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - الموعود به هي من المخترعات الموهومة ، فبقي من خلفهم ينتظرون تلك المخترعات فإذا لم يجدوها كذبوا المبعوث إليهم .

والبينة : الحجة الواضحة والعلامة على الصدق ، وهو اسم منقول من الوصف جرى على التأنيث لأنه مئول بالشهادة أو الآية .

ولعل إيثار التعبير بها هنا لأنها أحسن ما تترجم به العبارة الواقعة في كتب أهل الكتاب مما يحوم حول معنى الشهادة الواضحة لكل متبصر كما وقع في إنجيل متى لفظ ( شهادة لجميع الأمم ) ، ( ولعل التزام هذه الكلمة هنا مرتين كان لهذه الخصوصية ) . وقد ذكرت مع ذكر الصحف الأولى في قوله : وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى .

والظاهر أن التعريف في البينة تعريف العهد الذهني ، وهو أن يراد معهود بنوعه لا بشخصه كقولهم : ادخل السوق ، لا يريدون سوقا معينة بل ما يوجد فيه ماهية سوق ، ومنه قول زهير :


وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم


ولذلك قال علماء البلاغة : إن المعرف بهذه اللام هو في المعنى نكرة ؛ فكأنه قيل حتى تأتيهم بينة .

ويجوز أن يكون التعريف لمعهود عند المخبر عنهم ؛ أي : البينة التي هي وصايا أنبيائهم فهي معهودة عند كل فريق منهم وإن اختلفوا في تخيلها وابتعدوا في توهمها بما تمليه عليه تخيلاتهم واختلاقهم .

وأوثرت كلمة البينة لأنها تعبر عن المعنى الوارد في كلامهم ، ولذلك نرى مادتها متكررة في آيات كثيرة من القرآن في هذا الغرض كما في قوله : أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى . وقوله : فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين [ ص: 475 ] وقوله : من بعد ما تبين لهم الحق وقال عن القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان .

و ( من ) في قوله : من أهل الكتاب بيانية بيان للذين كفروا .

وإنما قدم أهل الكتاب على المشركين هنا مع أن كفر المشركين أشد من كفر أهل الكتاب ; لأن لأهل الكتاب السبق في هذا المقام فهم الذين بثوا بين المشركين شبهة انطباق البينة الموصوفة بينهم ، فأيدوا المشركين في إنكار نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بما هو أتقن من ترهات المشركين ، إذ كان المشركون أميين لا يعلمون شيئا من أحوال الرسل والشرائع ؛ فلما صدمتهم الدعوة المحمدية فزعوا إلى اليهود ليتلقوا منهم ما يردون به تلك الدعوة وخاصة بعدما هاجر النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة .

فالمقصود بالإبطال ابتداء هو دعوى أهل الكتاب وأما المشركون فتبع لهم .

واعلم أنه يجوز أن يكون الكلام انتهى عند قوله : حتى تأتيهم البينة ، فيكون الوقف هناك ويكون قوله : رسول من الله إلى آخرها جملة مستأنفة استئنافا بيانيا وهو قول الفراء ، أي : هي رسول من الله ، يعني : لأن ما في البينة من الإبهام يثير سؤال سائل عن صفة هذه البينة ، وهي جملة معترضة بين جملة لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين إلى آخرها وبين جملة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب .

ويجوز أن يكون رسول بدلا من البينة فيقتضي أن يكون من تمام لفظ ( بينة ) فيكون من حكاية ما زعموه . أريد إبطال معاذيرهم وإقامة الحجة عليهم بأن البينة التي ينتظرونها قد حلت ولكنهم لا يتدبرون أو لا ينصفون أو لا يفقهون ؛ قال تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به .

وتنكير ( رسول ) للنوعية المراد منها تيسير ما يستصعب كتنكير قوله تعالى : أياما معدودات وقول المص كتاب أنزل إليك .

وفي هذا التبيين إبطال لمعاذيرهم كأنه قيل : فقد جاءتكم البينة ، على حد قوله تعالى : أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ، وهو يفيد [ ص: 476 ] أن البينة هي الرسول ، وذلك مثل قوله تعالى : قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله .

فأسلوب هذا الرد مثل أسلوب قوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا .

وفي هذا تذكير بغلطهم فإن كتبهم ما وعدت إلا بمجيء رسول معه شريعة وكتاب مصدق لما بين يديه ، وذلك مما يندرج في قولة التوراة ( وأجعل كلامي في فمه ) .

وقول الإنجيل ( ويذكركم بكل ما قلته لكم ) كما تقدم آنفا ، وهو ما أشار إليه قوله تعالى : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب لأن التوراة والإنجيل لم يصفا النبيء الموعود به إلا بأنه مثل موسى أو مثل عيسى ، أي في أنه رسول يوحي الله إليه بشريعة ، وأنه يبلغ عن الله وينطق بوحيه ، وأن علامته هو الصدق كما تقدم آنفا . قال حجة الإسلام في كتاب المنقذ من الضلال : " إن مجموع الأخلاق الفاضلة كان بالغا في نبينا إلى حد الإعجاز ، وإن معجزاته كانت غاية في الظهور والكثرة " .

و من الله متعلق بـ ( رسول ) ولم يسلك طريق الإضافة ليتأتى تنوين ( رسول ) فيشعر بتعظيم هذا الرسول .

وجملة يتلو صحفا إلخ صفة ثانية أو حال ، وهي إدماج بالثناء على القرآن ، إذ الظاهر أن الرسول الموعود به في كتبهم لم يوصف بأنه يتلو صحفا مطهرة .

والتلاوة : إعادة الكلام دون زيادة عليه ولا نقص منه سواء كان كلاما مكتوبا أو محفوظا عن ظهر قلب ، ففعل يتلو مؤذن بأنه يقرأ عليهم كلاما لا تبدل ألفاظه وهو الوحي المنزل عليه .

[ ص: 477 ] والصحف : الأوراق والقراطيس التي تجعل لأن يكتب فيها ، وتكون من رق أو جلد ، أو من خرق . وتسمية ما يتلوه الرسول صحفا مجاز بعلاقة الأيلولة ; لأنه مأمور بكتابته فهو عند تلاوته سيكون صحفا ؛ فهذا المجاز كقوله : إني أراني أعصر خمرا . وهذا إشارة إلى أن الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بكتابة القرآن في الصحف وما يشبه الصحف من أكتاف الشاء والخرق والحجارة ، وأن الوحي المنزل على الرسول سمي كتابا في قوله تعالى : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم لأجل هذا المعنى .

وتعدية فعل " يتلو " إلى " صحفا " مجاز مرسل مشهور ساوى الحقيقة قال تعالى : وما كنت تتلو من قبله من كتاب وهو باعتبار كون المتلو مكتوبا ، وإنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو عليهم القرآن عن ظهر قلب ولا يقرؤه من صحف فمعنى يتلو صحفا يتلو ما هو مكتوب في صحف ، والقرينة ظاهرة وهي اشتهار كونه - صلى الله عليه وسلم - أميا .

ووصفت الصحف بـ ( مطهرة ) وهو وصف مشتق من الطهارة المجازية ، أي : كون معانيه لا لبس فيها ولا تشتمل على ما فيه تضليل ، وهذا تعريض ببعض ما في أيدي أهل الكتاب من التحريف والأوهام .

ووصفت الصحف التي يتلوها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; لأن فيها كتبا ، والكتب : جمع كتاب ، وهو فعال اسم بمعنى المكتوب ؛ فمعنى كون الكتب كائنة في الصحف أن الصحف التي يكتب فيها القرآن تشتمل على القرآن وهو يشتمل على ما تضمنته كتب الرسل السابقين مما هو خالص من التحريف والباطل . وهذا كما قال تعالى :مصدقا لما بين يديه وقال : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى فالقرآن زبدة ما في الكتب الأولى ومجمع ثمرتها ، فأطلق على ثمرة الكتب اسم كتب على وجه مجاز الجزئية .

والمراد بالكتب أجزاء القرآن أو سوره فهي بمثابة الكتب .

والقيمة : المستقيمة ، أي : شديدة القيام الذي هو هنا مجاز في الكمال والصواب ؛ وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس تشبيها بالقائم لاستعداده للعمل النافع ، وضده العوج قال تعالى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما [ ص: 478 ] أي : لم يجعل فيه نقص الباطل والخطأ ، فالقيمة مبالغة في القائم مثل السيد للسائد والميت .

وتأنيث الوصف لاعتبار كونه وصفا لجمع .


وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ( 4 )

ارتقاء في الإبطال وهو إبطال ثان لدعواهم بطريق النقض الجدلي المسمى بالمعارضة وهو تسليم الدليل والاستدلال لما ينافي ثبوت المدلول ؛ وهذا إبطال خاص بأهل الكتاب اليهود والنصارى ؛ ولذلك أظهر فاعل تفرق ولم يقل : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، إذ لو أضمر لتوهمت إرادة المشركين من جملة معاد الضمير ، بعد أن أبطل زعمهم بقوله : رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ارتقى إلى إبطال مزاعمهم إبطالا مشوبا بالتكذيب وبشهادة ما حصل في الأزمان الماضية .

فيجوز أن تكون الواو للعطف عاطفة إبطالا على إبطال ، ويجوز أن تكون واو الحال .

والمعنى : كيف يزعمون أن تمسكهم بما هم عليه من الدين مغيى بوقت أن تأتيهم البينة ؛ والحال أنهم جاءتهم بينة من قبل ظهور الإسلام وهي بينة عيسى - عليه السلام - فتفرقوا في الإيمان به ، فنشأ من تفرقهم حدوث ملتين : اليهودية والنصرانية .

والمراد بهذه البينة الثانية مجيء عيسى - عليه السلام - ، فإن الله أرسله كما وعدهم أنبياؤهم أمثال إلياس واليسع وأشعياء . وقد أجمع اليهود على النبيء الموعود به تجديد الدين الحق وكانوا منتظرين المخلص ، فلما جاءهم عيسى كذبوه ؛ أي : فلا يطمع في صدقهم فيما زعموا من انتظار البينة بعد عيسى وهم قد كذبوا ببينة عيسى ؛ فتبين أن الجحود والعناد شنشنة فيهم معروفة .

والمراد بالتفرق : تفرق بين إسرائيل بين مكذب لعيسى ومؤمن به ، وما آمن به إلا نفر قليل من اليهود .

[ ص: 479 ] وجعل التفرق كناية عن إنكار البينة ; لأن تفرقهم كان اختلافا في تصديق بينة عيسى - عليه السلام - ، فاستعمل التفرق في صريحه وكنايته لقصد إدماج مذمتهم بالاختلاف بعد ظهور الحق كقوله : وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم .

فالتعريف في البينة المذكورة ثانيا يجوز أن يكون للعهد الذهني ، أو للمعهود بين المتحدث عنهم ، وهي بينة أخرى غير الأولى ، وإعادتها من إعادة النكرة نكرة مثلها ؛ إذ المعروف بلام العهد الذهني بمنزلة النكرة ، أو من إعادة المعرفة المعهودة معرفة مثلها ، وعلى كلا الوجهين لا تكون المعادة عين التي قبلها .

وقد أطبقت كلمات المفسرين على أن معنى قوله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة أنهم ما تفرقوا عن اتباع الإسلام ، أي : تباعدوا عنه إلا من بعد ما جاء محمد صلى الله عليه وسلم . وهذا تأويل للفظ التفرق وهو صرف عن ظاهره بعيد ، فأشكل عليهم وجه تخصيص أهل الكتاب بالذكر مع أن التباعد عن الإسلام حاصل منهم ومن المشركين ، وجعلوا المراد بـ " البينة " الثانية عين المراد بالأولى وهي بينة محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ سوى أن الفخر ذكر كلمات تنبئ عن مخالفة المفسرين في محمل تفرق الذين أوتوا الكتاب ، فإنه بعد أن قرر المعنى بما يوافق كلام بقية المفسرين أتى بما يقتضي حمل التفرق على حقيقته ، وحمل البينة الثانية على معنى مغاير لمحمل البينة الأولى ؛ إذ قال : المقصود من هذه الآية تسلية محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أي : لا يغمنك تفرقهم ، فليس ذلك لقصور في الحجة ، بل لعنادهم ؛ فسلفهم هكذا كانوا لم يتفرقوا في السبب وعبادة العجل إلا بعد ما جاءتهم البينة ؛ فهي عادة قديمة لهم ، وهو معارض لأول كلامه ، ولعله بدا له هذا الوجه وشغله عن تحريره شاغل وهذا مما تركه الفخر في المسودة .


وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ( 5 )

هذا إبطال ثالث لتنصلهم من متابعة الإسلام بعلة أنهم لا يتركون ما هم عليه حتى تأتيهم البينة ، وزعمهم أن البينة لم تأتهم .

[ ص: 480 ] وهو إبطال بطريق القول بالموجب في الجدل ، أي : إذا سلمنا أنكم موصون بالتمسك بما أنتم عليه لا تنفكون عنه حتى تأتيكم البينة ؛ فليس في الإسلام ما ينافي ما جاء به كتابكم يأمر بما أمر به القرآن ، وهو عبادة الله وحده دون إشراك ، وذلك هو الحنيفية وهي دين إبراهيم الذي أخذ عليهم العهد به ؛ فذلك دين الإسلام وذلك ما أمرتم به في دينكم .

فلك أن تجعل الواو عاطفة على جملة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلخ .

ولك أن تجعل الواو للحال فتكون الجملة حالا من الضمير في قوله : حتى تأتيهم البينة . والمعنى : والحال أن البينة قد أتتهم إذ جاء الإسلام بما صدق قول الله تعالى لموسى - عليه السلام - " أقيم لهم نبيئا من وسط إخوتهم ، وأجعل كلامي في فمه " ، وقول عيسى - عليه السلام - : " فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم " .

والتعبير بالفعل المسند للمجهول مفيد معنيين ؛ أي : ما أمروا في كتابهم إلا بما جاء به الإسلام ؛ فالمعنى : وما أمروا في التوراة والإنجيل إلا أن يعبدوا الله مخلصين إلى آخره ، فإن التوراة أكدت على اليهود تجنب عبادة الأصنام ، وأمرت بالصلاة ، وأمرت بالزكاة أمرا مؤكدا مكررا . وتلك هي أصول دين الإسلام قبل أن يفرض صوم رمضان والحج . والإنجيل لم يخالف التوراة أو المعنى وما أمروا في الإسلام إلا بمثل ما أمرهم به كتابهم ، فلا معذرة لهم في الإعراض عن الإسلام على كلا التقديرين .

ونائب فاعل أمروا محذوف للعموم ، أي : ما أمروا بشيء إلا بأن يعبدوا الله .

واللام في قوله : ليعبدوا الله هي اللام التي تكثر زيادتها بعد فعل الإرادة وفعل الأمر وتقدم ذكرها عند قوله تعالى : يريد الله ليبين لكم في سورة النساء . وقوله : وأمرنا لنسلم لرب العالمين في سورة الأنعام ، وسماها بعض النحاة لام ( أن ) .

والإخلاص : التصفية والإنقاء ، أي : غير مشاركين في عبادته معه غيره .

[ ص: 481 ] والدين : الطاعة ، قال تعالى : قل الله أعبد مخلصا له ديني .

وحنفاء : جمع حنيف ، وهو لقب للذي يؤمن بالله وحده دون شريك . قال تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين .

وهذا الوصف تأكيد لمعنى مخلصين له الدين مع التذكير بأن ذلك هو دين إبراهيم - عليه السلام - الذي ملئت التوراة بتمجيده واتباع هديه .

وإقامة الصلاة من أصول شريعة التوراة كل صباح ومساء .

وإيتاء الزكاة : مفروض في التوراة فرضا مؤكدا .

واسم الإشارة في قوله : وذلك دين القيمة متوجه إلى ما بعد حرف الاستثناء ، فإنه مقترن باللام المسماة ( لام ) ( أن ) المصدرية ، فهو في تأويل مفرد ، أي : إلا بعبادة الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، أي : والمذكور دين القيمة .

و دين القيمة يجوز أن تكون إضافة على بابها ، فتكون ( القيمة ) مرادا به غير المراد بـ ( دين ) مما هو مؤنث اللفظ مما يضاف إليه ( دين ) ، أي : دين الأمة القيمة أو دين الكتب القيمة . ويرجح هذا التقدير أن دليل المقدر موجود في اللفظ قبله . وهذا إلزام لهم بأحقية الإسلام ، وأنه الدين القيم . قال تعالى : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة .

ويجوز أن تكون الإضافة صورية من إضافة الموصوف إلى الصفة ، وهي كثيرة الاستعمال ، وأصله الدين القيم ، فأنث الوصف على تأويل دين بملة أو شريعة ، أو على أن التاء للمبالغة في الوصف مثل تاء علامة ، والمآل واحد ، وعلى كلا التقديرين ، فالمراد بدين القيمة دين الإسلام .

والقيمة : الشديدة الاستقامة ، وقد تقدم آنفا .

فالمعنى : وذلك المذكور هو دين أهل الحق من الأنبياء وصالحي الأمم ، وهو عين ما جاء به الإسلام ، قال تعالى في إبراهيم : ولكن كان حنيفا مسلما ، وقال [ ص: 482 ] عنه وعن إسماعيل : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك . وحكى عنه وعن يعقوب قولهما : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، وقال سليمان : وكنا مسلمين .

وقد مضى القول في ذلك عند قوله تعالى : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون في سورة البقرة .

والإشارة بذلك إلى الذي أمروا به أي : مجموع ما ذكر هو دين الإسلام ، أي : هو الذي دعاهم إليه الإسلام ، فحسبوه نقضا لدينهم ، فيكون مهيع الآية مثل قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وقوله : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل .

والمقصود إقامة الحجة على أهل الكتاب وعلى المشركين تبعا لهم بأنهم أعرضوا عما هم يتطلبونه ، فإنهم جميعا مقرون بأن الحنيفية هي الحق الذي أقيمت عليه الموسوية والعيسوية ، والمشركون يزعمون أنهم يطلبون الحنيفية ، ويأخذون بما أدركوه من بقاياها ويزعمون أن اليهودية والنصرانية تحريف للحنيفية ، فلذلك كان عامة العرب غير متهودين ولا متنصرين ، ويتمسكون بما وجدوا آباءهم متمسكين به ، وقل منهم من تهودوا أو تنصروا ، وذهب نفر منهم يتطلبون آثار الحنيفية مثل زيد بن عمرو بن نفيل ، وأمية بن أبي الصلت .

وخص الضمير بـ أهل الكتاب ; لأن المشركين لم يؤمروا بذلك قبل الإسلام . قال تعالى : لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك .


إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ( 6 )

بعد أن أنحى على أهل الكتاب والمشركين معا ، ثم خص أهل الكتاب بالطعن في تعللاتهم ، والإبطال لشبهاتهم التي يتابعهم المشركون عليها ، أعقبه بوعيد الفريقين [ ص: 483 ] جمعا بينهما كما ابتدأ الجمع بينهما في أول السورة ; لأن ما سبق من الموعظة والدلالة كاف في تدليل أنفسهم للموعظة .

فالجملة استئناف ابتدائي ، وقدم أهل الكتاب على المشركين في الوعيد ؛ استتباعا لتقديمهم عليهم في سببه كما تقدم في أول السورة ، ولأن معظم الرد كان موجها إلى أحوالهم في قوله : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلى قوله : دين القيمة ، ولأنه لو آمن أهل الكتاب لقامت الحجة على أهل الشرك .

و ( من ) بيانية مثل التي في قوله : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين .

وتأكيد الخبر بـ ( إن ) للرد على أهل الكتاب الذين يزعمون أنهم لا تمسهم النار إلا أياما معدودة ، فإن الظرفية التي اقتضتها ( في ) تفيد أنهم غير خارجين منها ، وتأكد ذلك بقوله : خالدين فيها ، وأما المشركون فقد أنكروا الجزاء رأسا .

والإخبار عنهم بالكون في نار جهنم إخبار بما يحصل في المستقبل بقرينة مقام الوعيد ، فإن الوعيد كالوعد يتعلق بالمستقبل وإن كان شأن الجملة الاسمية غير المقيدة بما يعين زمان وقوعها أن تفيد حصول مضمونها في الحال كما تقول : زيد في نعمة .

وجملة ( أولئك هم شر البريئة ) ، كالنتيجة لكونهم في نار جهنم خالدين فيها ، فلذلك فصلت عن الجملة التي قبلها . وهو إخبار بسوء عاقبتهم في الآخرة وأريد بالبريئة هنا البريئة المشهورة في الاستعمال وهم البشر ، فلا اعتبار للشياطين في هذا الاسم ، وهذا يشبه الاستغراق العرفي .

والبريئة : فعيلة من برأ الله الخلق ، أي : صورهم .

ومعنى كونهم ( شر البريئة ) أنهم أشد الناس شرا ، فـ ( شر ) هنا أفعل تفضيل أصله أشر ، مثل خير الذي هو بمعنى أخير ، فإضافة ( شر ) إلى ( البريئة ) على نية ( من ) التفضيلية .

وإنما كانوا كذلك لأنهم ضلوا بعد تلبسهم بأسباب الهدى ، فأما أهل الكتاب فلأن لديهم كتابا فيه هدى ونور فعدلوا عنه ، وأما المشركون فلأنهم كانوا [ ص: 484 ] على الحنيفية فأدخلوا فيها عبادة الأصنام ، ثم إنهم أصروا على دينهم بعد ما شاهدوا من دلائل صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به القرآن من الإعجاز والإنباء بما في كتب أهل الكتاب ، وذلك مما لم يشاركهم فيه غيرهم فقد اجتنوا لأنفسهم الشر من حيث كانوا أهلا لنوال الخير ، فحسرتهم على أنفسهم يوم القيامة أشد من حسرة من عداهم ، فكان الفريقان شرا من الوثنيين والزنادقة في استحقاق العقاب ، لا فيما يرجى منهم من الاقتراب .

وأقحم اسم الإشارة بين اسم ( إن ) وخبرها للتنبيه على أنهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي قبل اسم الإشارة ، كما في قوله : أولئك على هدى من ربهم . وتوسيط ضمير الفصل لإفادة اختصاصهم بكونهم شر البريئة لا يشاركهم في ذلك غيرهم من فرق أهل الكفر لما علمت آنفا . ولا يرد أن الشياطين أشد شرا منهم لما علمت أن اسم البريئة اعتبر إطلاقه على البشر .

و ( البريئة ) قرأه نافع وحده وابن ذكوان عن ابن عامر بهمز بعد الياء . فعيلة من برأ الله ، إذا خلق .

وقرأه بقية العشرة بياء تحتية مشددة دون همز على تسهيل الهمزة بعد الكسرة ياء ، وإدغام الياء الأولى في الياء الثانية تخفيفا .

وإثبات الهمزة لغة أهل الحجاز ، والتخفيف لغة بقية العرب ، كما تركوا الهمز في الدرية والنبي . قال سيبويه : ليس أحد من العرب إلا ويقول : تنبأ مسيلمة بالهمز . غير أنهم تركوا الهمز في النبيء ، كما تركوه في : الدرية والبرية إلا أهل مكة ، فإنهم يهمزونها ويخالفون العرب في ذلك .


إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ( 7 ) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ( 8 )



قوبل حال الكفرة من أهل الكتاب وحال المشركين بحال الذين آمنوا بعد أن أشير إليهم بقوله : وذلك دين القيمة ، استيعابا لأحوال الفرق في الدنيا والآخرة ، وجريا على عادة القرآن في تعقيب نذارة المنذرين ببشارة المطمئنين ، وما ترتب على ذلك من الثناء عليهم ، وقدم الثناء عليهم على بشارتهم على عكس نظم الكلام المتقدم في ضدهم ؛ ليكون ذكر وعدهم كالشكر لهم على إيمانهم وأعمالهم ، فإن الله شكور .

والجملة استئناف بياني ناشئ عن تكرر ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، فإن ذلك يثير في نفوس الذين آمنوا من أهل الكتاب والمشركين تساؤلا عن حالهم ، لعل تأخر إيمانهم إلى ما بعد نزول الآيات في التنديد عليهم يجعلهم في انحطاط درجة ، فجاءت هذه الآية مبينة أن من آمن منهم هو معدود في خير البريئة .

والقول في اسم الإشارة ، وضمير الفصل والقصر وهمزة البريئة كالقول في نظيره المتقدم .

واسم الإشارة والجملة المخبر بها عنه جميعها خبر عن اسم ( إن ) .

وجملة جزاؤهم عند ربهم جنات عدن إلى آخرها ، مبينة لجملة ( أولئك هم خير البريئة ) .

و عند ربهم ظرف وقع اعتراضا بين ( جزاؤهم ) ، وبين جنات عدن ؛ للتنويه بعظم الجزاء بأنه مدخر لهم عند ربهم تكرمة لهم لما في ( عند ) من الإيماء إلى الحظوة والعناية ، وما في لفظ ربهم من الإيماء إلى إجزال الجزاء بما يناسب عظم المضاف إليه ( عند ) ، وما يناسب شأن من يرب أن يبلغ بمربوبه عظيم الإحسان .

وإضافة : ( جنات ) إلى ( عدن ) لإفادة أنها مسكنهم ; لأن العدن الإقامة ، أي : ليس جزاؤهم تنزها في الجنات ، بل أقوى من ذلك بالإقامة فيها .

[ ص: 486 ] وقوله : خالدين فيها أبدا بشارة بأنها مسكنهم الخالد .

ووصف الجنات بـ تجري من تحتها الأنهار ؛ لبيان منتهى حسنها .

وجري النهر مستعار لانتقال السيل تشبيها لسرعة انتقال الماء بسرعة المشي .

والنهر : أخدود عظيم في الأرض يسيل فيه الماء فلا يطلق إلا على مجموع الأخدود ومائه . وإسناد الجري إلى الأنهار توسع في الكلام ; لأن الذي يجري هو ماؤها وهو المعتبر في ماهية النهر .

وجعل جزاء الجماعة جمع الجنات فيجوز أن يكون على وجه التوزيع ، أي : لكل واحد جنة ، كقوله تعالى : يجعلون أصابعهم في آذانهم وقولك : ركب القوم دوابهم ، ويجوز أن يكون لكل أحد جنات متعددة والفضل لا ينحسر . قال تعالى : ولمن خاف مقام ربه جنتان .

وجملة رضي الله عنهم حال من ضمير ( خالدين ) ، أي : خالدين خلودا مقارنا لرضى الله عنهم ، فهم في مدة خلودهم فيها محفوفون بآثار رضى الله عنهم ، وذلك أعظم مراتب الكرامة . قال تعالى : ورضوان من الله أكبر ورضى الله تعلق إحسانه وإكرامه لعبده .

وأما الرضى في قوله : ورضوا عنه فهو كناية عن كونهم نالهم من إحسان الله ما لا مطلب لهم فوقه ، كقول أبي بكر في حديث الغار : " فشرب حتى رضيت " . وقول مخرمة حين أعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قباء " رضي مخرمة " . وزاده حسن وقع هنا ما فيه من المشاكلة .


ذلك لمن خشي ربه ( 8 )

تذييل آت على ما تقدم من الوعد للذين آمنوا والوعيد للذين كفروا بين به سبب العطاء وسبب الحرمان ، وهو خشية الله تعالى بمنطوق الصلة ومفهومها .

والإشارة إلى الجزاء المذكور في قوله : جزاؤهم عند ربهم يعني : أن السبب الذي أنالهم ذلك الجزاء هو خشيتهم الله ، فإنهم لما خشوا الله توقعوا غضبه إذا لم [ ص: 487 ] يصغوا إلى من يقول لهم : إني رسول الله إليكم ، فأقبلوا على النظر في دلائل صدق الرسول فاهتدوا وآمنوا ، وأما الذين آثروا حظوظ الدنيا ، فأعرضوا عن دعوة رسول من عند الله ، ولم يتوقعوا غضب مرسله فبقوا في ضلالهم .

فما صدق من خشي ربه هم المؤمنون ، واللام للملك ، أي : ذلك الجزاء للمؤمنين الذين خشوا ربهم ، فإذا كان ذلك ملكا لهم لم يكن شيء منه ملكا لغيرهم ، فأفاد حرمان الكفرة المتقدم ذكرهم ، وتم التذييل .

وفي ذكر الرب هنا دون أن يقال : ذلك لمن خشي الله - تعريض بأن الكفار لم يرعوا حق الربوبية إذا لم يخشوا ربهم فهم عبيد سوء .

moumouesz
16/06/2009, 23:08
الله يجازيك خير
:kiss::kiss::kiss::kiss::kiss::kiss:

EL Mister
17/06/2009, 18:18
بسم الله الرحمن الرحيم

( إنا أنزلناه في ليلة القدر ( 1 ) وما أدراك ما ليلة القدر ( 2 ) ليلة القدر خير من ألف شهر ( 3 ) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ( 4 ) سلام هي حتى مطلع الفجر ( 5 ) )


مقدمة


سميت هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة ( سورة القدر ) وسماها ابن عطية في تفسيره وأبو بكر الجصاص في أحكام القرآن ( سورة ليلة القدر ) .

وهي مكية في قول الجمهور وهو قول جابر بن زيد ويروى عن ابن عباس . وعن ابن عباس أيضا والضحاك أنها مدنية ، ونسبه القرطبي إلى الأكثر . وقال الواقدي : هي أول سورة نزلت بالمدينة ويرجحه أن المتبادر أنها تتضمن الترغيب في إحياء ليلة القدر ، وإنما كان ذلك بعد فرض رمضان بعد الهجرة .

وقد عدها جابر بن زيد الخامسة والعشرين في ترتيب نزول السور ، نزلت بعد سورة عبس وقبل سورة الشمس ، فأما قول من قالوا إنها مدنية فيقتضي أن تكون نزلت بعد المطففين وقبل البقرة .

وآياتها خمس في العدد المدني والبصري والكوفي وست في العد المكي والشامي .


أغراض السورة

التنويه بفضل القرآن وعظمته بإسناد إنزاله إلى الله تعالى . . .

والرد على الذين جحدوا أن يكون القرآن منزلا من الله تعالى .

ورفع شأن الوقت الذي أنزل فيه ونزول الملائكة في ليلة إنزاله .

[ ص: 456 ] وتفضيل الليلة التي توافق ليلة إنزاله من كل عام .

ويستتبع ذلك تحرير المسلمين على تحين ليلة القدر بالقيام والتصدق .


إنا أنزلناه في ليلة القدر ( 1 )

اشتملت هذه الآية على تنويه عظيم بالقرآن فافتتحت بحرف ( إن ) وبالإخبار عنها بالجملة الفعلية ؛ وكلاهما من طرق التأكيد والتقوي .

ويفيد هذا التقديم قصرا وهو قصر قلب للرد على المشركين الذي نفوا أن يكون القرآن منزلا من الله تعالى .

وفي ضمير العظمة وإسناد الإنزال إليه تشريف عظيم للقرآن .

وفي الإتيان بضمير القرآن دون الاسم الظاهر إيماء إلى أنه حاضر في أذهان المسلمين لشدة إقبالهم عليه ؛ فكون الضمير دون سبق معاد إيماء إلى شهرته بينهم فيجوز أن يراد به القرآن كله فيكون فعل ( أنزلنا ) مستعملا في ابتداء الإنزال ; لأن الذي أنزل في تلك الليلة خمس الآيات الأول من سورة العلق ، ثم فتر الوحي ثم عاد إنزاله منجما ولم يكمل إنزال القرآن إلا بعد نيف وعشرين سنة ، ولكن لما كان جميع القرآن مقررا في علم الله تعالى مقداره وأنه ينزل على النبيء - صلى الله عليه وسلم - منجما حتى يتم ؛ كان إنزاله بإنزال الآيات الأول منه ; لأن ما ألحق بالشيء يعد بمنزلة أوله ، فقد قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه الحديث ، فاتفق العلماء على أن الصرة فيما ألحق بالمسجد النبوي لها ذلك الفضل ، وأن الطواف في زيادات المسجد الحرام يصح كلما اتسع المسجد .

ومن تسديد ترتيب المصحف أن وضعت سورة القدر عقب سورة العلق مع أنها أقل عدد آيات من سورة البينة وسور بعدها ؛ كأنه إماء إلى أن الضمير في أنزلناه يعود إلى القرآن الذي ابتدئ نزوله بسورة العلق .

ويجوز أن يكون الضمير عائدا على المقدار الذي أنزل في تلك الليلة وهو [ ص: 457 ] الآيات الخمس من سورة العلق ؛ فإن كل جزء من القرآن يسمى قرآنا ، وعلى كلا الوجهين فالتعبير بالمضي في فعل أنزلناه لا مجاز فيه . وقيل : أطلق ضمير القرآن على بعضه مجازا بعلاقة البعضية .

والآية صريحة في أن الآيات الأول من القرآن نزلت ليلا وهو الذي يقتضيه حديث بدء الوحي في الصحيحين لقول عائشة فيه : " فكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد " فكان تعبده ليلا ، ويظهر أن يكون الملك قد نزل عليه إثر فراغه من تعبده . وأما قول عائشة " فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده " ؛ فمعناه أنه خرج من غار حراء إثر الفجر بعد انقضاء تلقينه الآيات الخمس ، إذ يكون نزولها عليه في آخر تلك الليلة وذلك أفضل أوقات الليل كما قال تعالى : والمستغفرين بالأسحار .

وليلة القدر : اسم جعله الله لليلة التي ابتدئ فيها نزول القرآن . ويظهر أن أول تسميتها بهذا الاسم كان في هذه الآية ولم تكن معروفة عند المسلمين وبذلك يكون ذكرها بهذا الاسم تشويقا لمعرفتها ; ولذلك عقب قوله : وما أدراك ما ليلة القدر .

والقدر : الذي عرفت الليلة بالإضافة إليه هو بمعنى الشرف والفضل كما قال تعالى في سورة الدخان إنا أنزلناه في ليلة مباركة ، أي : ليلة القدر والشرف عند الله تعالى مما أعطاها من البركة ؛ فتلك ليلة جعل الله لها شرفا فجعلها مظهرا لما سبق به علمه فجعلها مبدأ الوحي إلى النبيء صلى الله عليه وسلم .

والتعريف في القدر تعريف الجنس . ولم يقل : في ليلة قدر بالتنكير لأنه قصد جعل هذا المركب بمنزلة العلم لتلك الليلة كالعلم بالغلبة ; لأن تعريف المضاف إليه باللام مع تعريف المضاف بالإضافة أوغل في جعل ذلك المركب لقبا لاجتماع تعريفين فيه .

وقد ثبت أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان قال تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . ولا شك أن المسلمين كانوا يعلمون ذلك إذ كان نزول هذه السورة قبل نزول سورة [ ص: 458 ] البقرة بسنين إن كانت السورة مكية أو بمدة أقل من ذلك إن كانت السورة مدنية ؛ فليلة القدر المرادة هنا كانت في رمضان ، وتأيد ذلك بالأخبار الصحيحة من كونها من ليالي رمضان في كل سنة .

وأكثر الروايات أن الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبيء - صلى الله عليه وسلم - كانت ليلة سبعة عشرة من رمضان . وسيأتي في تفسير الآيات عقب هذا الكلام في هل ليلة ذات عدد متماثل في جميع الأعوام أو تختلف في السنين ؟ وفي هل تقع في واحدة من جميع ليالي رمضان أو لا تخرج عن العشر الأواخر منه ؟ وهل هي مخصوصة بليلة وتر كما كانت أول مرة أو لا تختص بذلك ؟ والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريف آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره ، تنبيها على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتا شريفا مباركا ; لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار لإيقاعه فضل الأوقات والأمكنة ؛ فاختيار فضل الأوقات لابتداء إنزاله ينبئ عن علو قدره عند الله تعالى كقوله : لا يمسه إلا المطهرون على الوجهين في المراد من المطهرين .


وما أدراك ما ليلة القدر ( 2 )

تنويه بطريق الإبهام المراد به أن إدراك كنهها ليس بالسهل لما ينطوي عليه من الفضائل الجمة .

وكلمة ( ما أدراك ما كذا ) كلمة تقال في تفخيم الشيء وتعظيمه ، والمعنى : أي شيء يعرفك ما هي ليلة القدر ، أي : يعسر على شيء أن يعرفك مقدارها ، وقد تقدمت غير مرة منها ، قوله : وما أدراك ما يوم الدين في سورة الانفطار قريبا . والواو واو الحال .

وأعيد اسم ( ليلة القدر ) الذي سبق قريبا في قوله : في ليلة القدر على خلاف مقتضى الظاهر ; لأن مقتضى الظاهر الإضمار ، فقصد الاهتمام بتعيينها ، فحصل تعظيم ليلة القدر صريحا ، وحصلت كتابة عن تعظيم ما أنزل فيها وأن الله اختار إنزاله فيها ليتطابق الشرفان .


ليلة القدر خير من ألف شهر ( 3 )

بيان أول لشيء من الإبهام الذي في قوله : وما أدراك ما ليلة القدر مثل البيان في قوله : وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام الآية . فلذلك فصلت الجملة لأنها استئناف بياني ، أو لأنها كعطف البيان .

وتفضيلها بالخير على ألف شهر ، إنما هو بتضعيف فضل ما يحصل فيها من الأعمال الصالحة واستجابة الدعاء ووفرة ثواب الصدقات والبركة للأمة فيها ; لأن تفاضل الأيام لا يكون بمقادير أزمنتها ولا بما يحدث فيها من حر أو برد ، أو مطر ، ولا بطولها أو بقصرها ؛ فإن تلك الأحوال غير معتد بها عند الله تعالى ؛ ولكن الله يعبأ بما يحصل من الصلاح للناس أفرادا وجماعات وما يعين على الحق والخير ونشر الدين . وقد قال في فضل الناس : إن أكرمكم عند الله أتقاكم فكذلك فضل الأزمان إنما يقاس بما يحصل فيها ; لأنها ظروف للأعمال وليست لها صفات ذاتية يمكن أن تتفاضل بها كتفاضل الناس ، ففضلها بما أعده الله لها من التفضيل كتفضيل ثلث الليل الأخير للقربات ، وعدد الألف يظهر أنه مستعمل في وفرة التكثير كقوله : ( واجد كألف ) وعليه جاء قوله تعالى : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وإنما جعل تمييز عدد الكثرة هنا بالشهر للرعي على الفاصلة التي هي بحرف الراء . وفي الموطأ : " قال مالك إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك ، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثلما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر " اهـ .

وإظهار لفظ ( ليلة القدر ) في مقام الإضمار للاهتمام ، وقد تكرر هذه اللفظ ثلاث مرات والمرات الثلاث ينتهي عندها التكرير غالبا كقوله تعالى : وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب .

وقول عدي :


لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا


ومما ينبغي التنبيه له ما وقع في جامع الترمذي بسنده إلى القاسم بن الفضل [ ص: 460 ] الحداني عن يوسف بن سعد قال : ( قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال : سودت وجوه المؤمنين ، أو يا مسود وجوه المؤمنين ؛ فقال : لا تؤنبني رحمك الله ؛ فإن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت " إنا أعطيناك الكوثر " يا محمد يعني : نهرا من الجنة ، ونزلت " إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر " يملكها بنو أمية يا محمد ، قال القاسم : فعددناها فإذا هي ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص ) . قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد قيل عن القاسم بن الفضل عن يوسف بن مازن نعرفه والقاسم بن الفضل ثقة ويوسف بن سعد رجل مجهول اهـ .

قال ابن كثير في تفسيره : ورواه ابن جرير من طريق القاسم في الفضل عن عيسى بن مازن كذا قال ، وعيسى بن مازن غير معروف ، وهذا يقتضي اضطرابا في هذا الحديث ، أي : لاضطرابهم في الذي يروي عنه القاسم بن الفضل ؛ وعلى كل احتمال فهو مجهول .

وأقول : وأيضا ليس في سنده ما يفيد أن يوسف بن سعد سمع ذلك من الحسن - رضي الله عنه - وفي تفسير الطبري عن عيسى بن مازن أنه قال : قلت للحسن : يا مسود وجوه المؤمنين إلى آخر الحديث . وعيسى بن مازن غير معروف أصلا ؛ فإذا فرضنا توثيق يوسف بن سعد فليس في روايته ما يقتضي أنه سمعه ، بل يجوز أن يكون أراد ذكر قصة تروى عن الحسن .

واتفق حذاق العلماء على أنه حديث منكر ؛ صرح بذلك ابن كثير وذكره عن شيخه المزي ، وأقول : هو مختل المعنى وسمات الوضع لائحة عليه ، وهو من وضع أهل النحل المخالفة للجماعة ؛ فالاحتجاج به لا يليق أن يصدر مثله عن الحسن مع فرط علمه وفطنته ، وأية ملازمة بين ما زعموه من رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين دفع الحسن التأنيب عن نفسه . ولا شك أن هذا الخبر من وضع دعاة العباسيين على أنه مخالف للواقع ; لأن المدة التي بين تسليم الحسن الخلافة إلى معاوية وبين بيعة السفاح وهو أول خلفاء العباسية ألف شهر واثنان وتسعون شهرا أو أكثر بشهر أو بشهرين ، فما نسب إلى القاسم الحداني من قوله : فعددناها فوجدناها إلخ كذب [ ص: 461 ] لا محالة . والحاصل أن هذا الخبر الذي أخرجه الترمذي منكر كما قاله المزي .

قال ابن عرفة وفي قوله : ليلة القدر خير من ألف شهر المحسن المسمى تشابه الأطراف وهو إعادة لفظ القافية في الجملة التي تليها كقوله تعالى : كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري اهـ . يريد بالقافية ما يشمل القرينة في الأسجاع والفواصل في الآي . ومثاله في الشعر قول ليلى الأخيلية :


إذا نزل الحجاج أرضا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها
إلخ...


تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ( 4 ) سلام هي حتى مطلع الفجر ( 5 )

إذا ضم هذا البيان الثاني لما في قوله : وما أدراك ما ليلة القدر من الإبهام التفخيمي حصل منها ما يدل دلالة بينة على أن الله جعل مثل هذه الفضيلة لكل ليلة من ليالي الأعوام تقع في مثل الليلة من شهر نزول القرآن كرامة للقرآن ، ولمن أنزل عليه ، وللدين الذي نزل فيه ، وللأمة التي تتبعه ؛ ألا ترى أن معظم السورة كان لذكر فضائل ليلة القدر فما هو إلا للتحريض على تطلب العمل الصالح فيها . فإن كونها خيرا من ألف شهر أومأ إلى ذلك وبينته الأخبار الصحيحة . والتعبير بالفعل المضارع بقوله : تنزل الملائكة مؤذن بأن هذا التنزل متكرر في المستقبل بعد نزول هذه السورة .

وذكر نهايتها بطلوع الفجر لا أثر له في بيان فضلها ، فتعين أنه إدماج للتعريف بمنتهاها ليحرص الناس على كثرة العمل فيها قبل انتهائها .

لا جرم أن ليلة القدر التي ابتدئ فيها نزول القرآن قد انقضت قبل أن يشعر بها أحد عدا محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ كان قد تحنث فيها ، وأنزل عليه أول القرآن آخرها ، وانقلب إلى أهله في صبيحتها ؛ فلولا إرادة التعريف بفضل الليالي الموافقة في كل [ ص: 462 ] السنوات لاقتصر على بيان فضل تلك الليلة الأولى . ولما كانت حاجة إلى تنزل الملائكة فيها ، ولا إلى تعيين منتهاها .

وهذا تعليم للمسلمين أن يعظموا أيام فضلهم الديني وأيام نعم الله عليهم ، وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل بعض أيام السنين التي توافق أياما حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى قال تعالى : وذكرهم بأيام الله فينبغي أن تعد ليلة القدر عيد نزول القرآن .

وحكمة إخفاء تعيينها إرادة أن يكرر المسلمون حسناتهم في ليال كثيرة توخيا لمصادفة ليلة القدر كما أخفيت ساعة الإجابة يوم الجمعة .

هذا محصل ما أفاده القرآن في فضل ليلة القدر من كل عام ولم يبين أنها أية ليلة ، ولا من أي شهر ، وقد قال تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فتبين أن ليلة القدر الأولى هي من ليالي شهر رمضان لا محالة ؛ فلنا أن نتطلب تعيين ليلة القدر الأولى التي ابتدئ إنزال القرآن فيها لنطلب تعيين ما يماثلها من ليالي رمضان في جميع السنين ، وتعيين صفة المماثلة . والمماثلة تكون في صفات مختلفة ، فلا جائز أن تماثلها في اسم يومها نحو الثلاثاء أو الأربعاء ، ولا في الفصل من شتاء أو صيف أو نحو ذلك مما ليس من الأحوال المعتبرة في الدين ، فعلينا أن نتطلب جهة من جهات المماثلة لها في اعتبار الدين وما يرضي الله . وقد اختلف في تعيين المماثلة اختلافا كثيرا ؛ وأصح ما يعتمد في ذلك أنها من ليالي شهر رمضان من كل سنة ، وأنها من ليالي الوتر كما دل عليه الحديث الصحيح تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان .

والوتر : أفضل الأعداد عند الله كما دل عليه حديث إن الله وتر يحب الوتر . وأنها ليست ليلة معينة مطردة في كل السنين ، بل هي متنقلة في الأعوام ، وأنها في رمضان . وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم ؛ قال ابن رشيد : وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب . وعلى أنها متنقلة في الأعوام ، فأكثر أهل العلم على أنها لا تخرج عن شهر رمضان . والجمهور على أنها لا تخرج عن العشر الأواخر منه ، وقال جماعة : لا تخرج عن العشر الأواسط ، والعشر الأواخر .

[ ص: 463 ] وتأولوا ما ورد من الآثار ضبطها على إرادة الغالب أو إرادة عام بعينه .

ولم يرد في تعيينها شيء صريح يروى عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ; لأن ما ورد في ذلك من الأخبار محتمل لأن يكون أراد به تعيينها في خصوص السنة التي أخبر عنها وذلك مبسوط في كتب السنة فلا نطيل به ، وقد أتى ابن كثير منه بكثير .

وحفظت عن الشيخ محيي الدين بن العربي أنه ضبط تعيينها باختلاف السنين بأبيات ذكر في البيت الأخير منها قوله :


وضابطها بالقول ليلة جمعة توافيك بعد النصف في ليلة وتر


حفظناها عن بعض معلمينا ولم أقف عليها . وجربنا علامة ضوء الشمس في صبيحتها فلم تتخلف .

وأصل تنزل تتنزل فحذفت إحدى التاءين اختصارا . وظاهر أن تنزل الملائكة إلى الأرض .

ونزول الملائكة إلى الأرض لأجل البركات التي تحفهم .

و ( الروح ) : هو جبريل ، أي : ينزل جبريل في الملائكة .

ومعنى بإذن ربهم أن هذا التنزيل كرامة أكرم الله بها المسلمين بأن أنزل لهم في تلك الليلة جماعات من ملائكته وفيهم أشرفهم ، وكان نزول جبريل في تلك الليلة ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى ليلة نزوله بالوحي في غار حراء .

وفي هذا أصل لإقامة المواكب لإحياء ذكرى أيام مجد الإسلام وفضله ، وأن من كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي أن لا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها .

وقوله : بإذن ربهم متعلق بـ تنزل إما بمعنى السببية ، أي : يتنزلون بسبب إذن ربهم لهم في النزول ، فالإذن بمعنى المصدر وإما بمعنى المصاحبة ، أي : مصاحبين لما أذن به ربهم ، فالإذن بمعنى المأذون به من إطلاق المصدر على المفعول نحو هذا خلق الله .

[ ص: 464 ] و ( من ) في قوله من كل أمر يجوز أن تكون بيانية تبين الإذن من قوله : بإذن ربهم أي : بإذن ربهم الذي هو في كل أمر .

ويجوز أن تكون بمعنى الباء ، أي : تتنزل بكل أمر مثل ما في قوله تعالى : يحفظونه من أمر الله أي : بأمر الله ؛ وهذا إذا جعلت باء ( بإذن ربهم ) سببية ، ويجوز أن تكون للتعليل ، أي : من أجل كل أمر أراد الله قضاءه بتسخيرهم .

و ( كل ) مستعملة في معنى الكثرة للأهمية ، أي : في أمور كثيرة عظيمة كقوله تعالى : ولو جاءتهم كل آية وقوله : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر وقوله : واضربوا منهم كل بنان . وقول النابغة :


بها كل ذيال وخنساء ترعوي إلى كل رجاف من الرمل فارد


وقد بينا ذلك عند قوله تعالى : وعلى كل ضامر في سورة الحج .

وتنوين ( أمر ) للتعظيم ، أي : بأنواع الثواب على الأعمال في تلك الليلة . وهذا الأمر غير الأمر الذي في قوله تعالى : فيها يفرق كل أمر حكيم مع أن " أمرا من عندنا " في سورة الدخان متحدة مع اختلاف شئونها ؛ فإن لها شئونا عديدة .

ويجوز أن يكون هو الأمر المذكور هنا فيكون هنا مطلقا وفي آية الدخان مقيدا .

واعلم أن موقع قوله : تنزل الملائكة والروح فيها إلى قوله : من كل أمر ، من جملة ليلة القدر خير من ألف شهر موقع الاستئناف البياني ، أو موقع بدل الاشتمال ، فلمراعاة هذا الموقع فصلت الجملة عن التي قبلها ولم تعطف عليها مع أنهما مشتركان في كون كل واحدة منهما تفيد بيانا لجملة وما أدراك ما ليلة القدر فأوثرت مراعاة موقعها الاستئنافي أو البدلي على مراعاة اشتراكهما في كونها بيانا لجملة وما أدراك ما ليلة القدر لأن هذا البيان لا يفوت السامع عند إيرادها في صورة البيان أو البدل بخلاف ما لو عطفت على التي قبلها بالواو لفوات الإشارة إلى أن تنزل الملائكة فيها من أحوال خيريتها .

وجملة سلام هي حتى مطلع الفجر بيان لمضمون " من كل أمر " وهو [ ص: 465 ] كالاحتراس ; لأن تنزل الملائكة يكون للخير ويكون للشر لعقاب مكذبي الرسل قال تعالى : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذن منظرين وقال : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين . وجمع بين إنزالهم للخير والشر في قوله : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق الآية ، فأخبر هنا أن تنزل الملائكة ليلة القدر لتنفيذ أمر الخير للمسلمين الذين صاموا رمضان وقاموا ليلة القدر ، فهذه بشارة .

والسلام : مصدر أو اسم مصدر معناه السلامة قال تعالى : قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . ويطلق السلام على التحية والمدحة ، وفسر السلام بالخير ؛ والمعنيان حاصلان في هذه الآية ، فالسلامة تشمل كل خير ; لأن الخير سلامة من الشر ومن الأذى ، فيشمل السلام الغفران وإجزال الثواب واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة . والسلام بمعنى التحية والقول الحسن مراد به ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة فيما حكاه قوله تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار .

وتنكير ( سلام ) للتعظيم . وأخبر عن الليلة بأنها سلام للمبالغة ; لأنه إخبار بالمصدر .

وتقديم المسند وهو سلام على المسند إليه لإفادة الاختصاص ، أي : ما هي إلا سلام . والقصر ادعائي لعدم الاعتداد بما يحصل فيها لغير الصائمين القائمين ، ثم يجوز أن يكون " سلام هي " مرادا به الإخبار فقط ؛ ويجوز أن يراد بالمصدر الأمر والتقدير : سلموا سلاما ، فالمصدر بدل من الفعل وعدل عن نصبه إلى الرفع ليفيد التمكن مثل قوله تعالى : قالوا سلاما قال سلام . والمعنى : اجعلوها سلاما بينكم ، أي : لا نزاع ولا خصام . ويشير إليه ما في الحديث الصحيح خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة .

و ( حتى مطلع الفجر ) غاية لما قبله من قوله : تنزل الملائكة إلى سلام هي .

[ ص: 466 ] والمقصود من الغاية إفادة أن جميع أحيان تلك الليلة معمورة بنزول الملائكة والسلامة ، فالغاية هنا مؤكدة لمدلول ليلة ؛ لأن الليلة قد تطلق على بعض أجزائها كما في قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، أي : من قام بعضها ، فقد قال سعيد بن المسيب : من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها . يريد شهدها في جماعة كما يقتضيه فعل شهد ، فإن شهود الجماعة من أفضل الأعمال الصالحة .

وجيء بحرف ( حتى ) لإدخال الغاية لبيان أن ليلة القدر تمتد بعد مطلع الفجر بحيث إن صلاة الفجر تعتبر واقعة في تلك الليلة لئلا يتوهم أن نهايتها كنهاية الفطر بآخر جزء من الليل ؛ وهذا توسعة من الله في امتداد الليلة إلى ما بعد طلوع الفجر .

ويستفاد من غاية تنزل الملائكة فيها ، أن تلك غاية الليلة وغاية لما فيها من الأعمال الصالحة التابعة لكونها خيرا من ألف شهر ، وغاية السلام فيها .

وقرأ الجمهور ( مطلع ) بفتح اللام على أنه مصدر ميمي ، أي : طلوع الفجر ، أي : ظهوره . وقرأه الكسائي وخلف بكسر اللام على معنى زمان طلوع الفجر .

EL Mister
18/06/2009, 18:16
بسم الله الرحمن الرحيم

( اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) خلق الإنسان من علق ( 2 ) اقرأ وربك الأكرم ( 3 ) الذي علم بالقلم ( 4 ) علم الإنسان ما لم يعلم ( 5 ) )


مقدمة

اشتهرت تسمية هذه السورة في عهد الصحابة والتابعين باسم ( سورة اقرأ باسم ربك ) ، روي في المستدرك عن عائشة " أول سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك " فأخبرت عن السورة بـ ( اقرأ باسم ربك ) . وروي ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي رجاء العطاردي ومجاهد والزهري ، وبذلك عنونها الترمذي .

وسميت في المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة العلق ) لوقوع لفظ ( العلق ) في أوائلها ، وكذلك سميت في بعض كتب التفسير .

وعنونها البخاري ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) .

وتسمى ( سورة اقرأ ) ، وسماها الكواشي في التخليص ( سورة اقرأ والعلق ) .

وعنونها ابن عطية وأبو بكر بن العربي ( سورة القلم ) وهذا اسم سميت به ( سورة ن والقلم ) ، ولكن الذين جعلوا اسم هذه السورة ( سورة القلم ) يسمون الأخرى ( سورة ن ) . ولم يذكرها في الإتقان في عداد السور ذات أكثر من اسم .

وهي مكية باتفاق .

وهي أول سورة نزلت في القرآن كما ثبت في الأحاديث الصحيحة الواضحة ، ونزل أولها بغار حراء على النبيء - صلى الله عليه وسلم - وهو مجاور فيه في رمضان ليلة سبع عشرة منه من سنة أربعين بعد الفيل إلى قوله : ( علم الإنسان ما لم يعلم ) . ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن عائشة . وفيه حديث عن أبي موسى الأشعري ، وهو الذي قاله أكثر المفسرين من السلف والخلف .

[ ص: 434 ] وعن جابر : أول سورة المدثر ، وتؤول بأن كلامه نص أن سورة المدثر أول سورة نزلت بعد فترة الوحي كما في الإتقان كما أن سورة الضحى نزلت بعد فترة الوحي الثانية .

وعدد آيها في عد أهل المدينة ومكة عشرون ، وفي عد أهل الشام ثمان عشرة ، وفي عد أهل الكوفة والبصرة تسع عشرة .


أغراض السورة

تلقين محمد - صلى الله عليه وسلم - الكلام القرآني وتلاوته ، إذ كان لا يعرف التلاوة من قبل .

والإيماء إلى أن علمه بذلك ميسر ; لأن الله الذي ألهم البشر العلم بالكتابة قادر على تعليم من يشاء ابتداء .

وإيماء إلى أن أمته ستصير إلى معرفة القراءة والكتابة والعلم .

وتوجيهه إلى النظر في خلق الله الموجودات ، وخاصة خلقه الإنسان خلقا عجيبا مستخرجا من علقة ، فذلك مبدأ النظر .

وتهديد من كذب النبيء - صلى الله عليه وسلم - وتعرض ليصده عن الصلاة والدعوة إلى الهدى والتقوى .

وإعلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن الله عالم بأمر من يناوونه ، وأنه قامعهم وناصر رسوله .

وتثبيت الرسول على ما جاءه من الحق والصلاة والتقرب إلى الله .

وأن لا يعبأ بقوة أعدائه ; لأن قوة الله تقهرهم .


اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) خلق الإنسان من علق ( 2 ) اقرأ

هذا أول ما أوحي به من القرآن إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - لما ثبت عن عائشة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - مما سيأتي قريبا .

[ ص: 435 ] وافتتاح السورة بكلمة ( اقرأ ) إيذان بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيكون قارئا ، أي : تاليا كتابا بعد أن لم يكن قد تلا كتابا ، قال تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ) أي : من قبل نزول القرآن ، ولهذا قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - لجبريل حين قال له اقرأ : ما أنا بقارئ .

وفي هذا الافتتاح براعة استهلال للقرآن .

وقوله تعالى : ( اقرأ ) أمر بالقراءة ، والقراءة نطق بكلام معين مكتوب أو محفوظ على ظهر قلب .

وتقدم في قوله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) في سورة النحل .

والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال ، فالمطلوب بقوله : ( اقرأ ) أن يفعل القراءة في الحال أو المستقبل القريب من الحال ، أي أن يقول ما سيملى عليه ، والقرينة على أنه أمر بقراءة في المستقبل القريب أنه لم يتقدم إملاء كلام عليه محفوظ فتطلب منه قراءته ، ولا سلمت إليه صحيفة فتطلب منه قراءتها ، فهو كما يقول المعلم للتلميذ : اكتب ، فيتأهب لكتابة ما سيمليه عليه .

وفي حديث الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قولها فيه : " حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) إلى ( ما لم يعلم ) .

فهذا الحديث روته عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لقولها : قال : " فقلت : ما أنا بقارئ . وجميع ما ذكرته فيه مما روته عنه لا محالة وقد قالت فيه : " فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده " أي : فرجع بالآيات التي أمليت عليه ، أي : رجع متلبسا بها ، أي : بوعيها .

[ ص: 436 ] وهو يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلقى ما أوحي إليه وقرأه حينئذ ، ويزيد ذلك إيضاحا قولها في الحديث : " فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل ، فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك . أي : اسمع القول الذي أوحي إليه . وهذا ينبئ بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قيل له بعد الغطة الثالثة ( اقرأ باسم ربك ) الآيات الخمس قد قرأها ساعتئذ كما أمره الله ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها ، وعلى هذا الوجه يكون قول الملك له في المرات الثلاث ( اقرأ ) إعادة للفظ المنزل من الله إعادة تكرير للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل .

ولم يذكر لفعل ( اقرأ ) مفعول ، إما لأنه نزل منزلة اللازم وأن المقصود أوجد القراءة ، وإما لظهور المقروء من المقام ، وتقديره : اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن .

وقوله : ( باسم ربك ) فيه وجوه .

أولها : أن يكون افتتاح كلام بعد جملة ( اقرأ ) وهو أول المقروء ، أي : قل : باسم الله ، فتكون الباء للاستعانة ، فيجوز تعلقه بمحذوف تقديره : ابتدئ . ويجوز أن يتعلق بـ ( اقرأ ) الثاني فيكون تقديمه على معموله للاهتمام بشأن اسم الله . ومعنى الاستعانة باسم الله ذكر اسمه عند هذه القراءة ، وإقحام كلمة ( اسم ) ؛ لأن الاستعانة بذكر اسمه تعالى لا بذاته كما تقدم في الكلام على البسملة ، وهذا الوجه يقتضي أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : " باسم الله " حين تلقى هذه الجملة .

الثاني : أن تكون الباء للمصاحبة ويكون المجرور في موضع الحال من ضمير ( اقرأ ) الثاني مقدما على عامله للاختصاص ، أي : اقرأ ما سيوحى إليك مصاحبا قراءتك اسم ربك . فالمصاحبة مصاحبة الفهم والملاحظة لجلاله ، ويكون هذا إثباتا لوحدانية الله بالإلهية وإبطالا للنداء باسم الأصنام الذي كان يفعله المشركون يقولون : باسم اللات ، باسم العزى ، كما تقدم في البسملة . فهذا أول ما جاء من قواعد الإسلام قد افتتح به أول الوحي .

الثالث : أن تكون الباء بمعنى ( على ) كقوله تعالى : ( من إن تأمنه بقنطار ) ، أي : على قنطار . والمعنى : اقرأ على اسم ربك ، أي : على إذنه ، أي أن الملك جاءك على اسم ربك ، أي : مرسلا من ربك ، فذكر ( اسم ) على هذا متعين .

[ ص: 437 ] وعدل عن اسم الله العلم إلى صفة ( ربك ) ؛ لما يؤذن وصف الرب من الرأفة بالمربوب والعناية به ، مع ما يتأتى بذكره من إضافته إلى ضمير النبيء - صلى الله عليه وسلم - إضافة مؤذنة بأنه المنفرد بربوبيته عنده ردا على الذين جعلوا لأنفسهم أربابا من دون الله فكانت هذه الآية أصلا للتوحيد في الإسلام .

وجيء في وصف الرب بطريق الموصول ( الذي خلق ) ولأن في ذلك استدلالا على انفراد الله بالإلهية ; لأن هذا القرآن سيتلى على المشركين لما تفيده الموصولية من الإيماء إلى علة الخبر ، وإذا كانت علة الإقبال على ذكر اسم الرب هي أنه خالق دل ذلك على بطلان الإقبال على ذكر غيره الذي ليس بخالق ، فالمشركون كانوا يقبلون على اسم اللات واسم العزى ، وكون الله هو الخالق يعترفون به ، قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) فلما كان المقام مقام ابتداء الإسلام دين التوحيد كان مقتضيا لذكر أدل الأوصاف على وحدانيته .

وجملة ( خلق الإنسان من علق ) يجوز أن تكون بدلا من جملة ( الذي خلق ) بدل مفصل من مجمل إن لم يقدر له مفعول ، أو بدل بعض إن قدر له مفعول عام ، وسلك طريق الإبدال لما فيه من الإجمال ابتداء لإقامة الاستدلال على افتقار المخلوقات كلها إليه تعالى ; لأن المقام مقام الشروع في تأسيس ملة الإسلام . ففي الإجمال إحضار للدليل مع الاختصار مع ما فيه من إفادة التعميم ثم يكون التفصيل بعد ذلك لزيادة تقرير الدليل .

ويجوز أن تكون بيانا من ( الذي خلق ) إذا قدر لفعل ( خلق ) الأول مفعول دل عليه بيانه فيكون تقدير الكلام : اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق .

وعدم ذكر مفعول لفعل ( خلق ) يجوز أن يكون لتنزيل الفعل منزلة اللازم ، أي : الذي هو الخالق ، وأن يكون حذف المفعول لإرادة العموم ، أي : خلق كل المخلوقات ، وأن يكون تقديره : الذي خلق الإنسان ، اعتمادا على ما يرد بعده من قوله : ( خلق الإنسان ) فهذه معان في الآية .

[ ص: 438 ] وخص خلق الإنسان بالذكر من بين بقية المخلوقات ; لأنه المطرد في مقام الاستدلال إذ لا يغفل أحد من الناس عن نفسه ولا يخلو من أن يخطر له خاطر البحث عن الذي خلقه وأوجده ؛ لذلك قال تعالى : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) .

وفيه تعريض بتحميق المشركين الذين ضلوا عن توحيد الله تعالى مع أن دليل الوحدانية قائم في أنفسهم .

وفي قوله : ( من علق ) إشارة إلى ما ينطوي في أصل خلق الإنسان من بديع الأطوار والصفات التي جعلته سلطان هذا العالم الأرضي .

والعلق : اسم جمع علقة وهي قطعة قدر الأنملة من الدم الغليظ الجامد الباقي رطبا لم يجف ، سمي بذلك تشبيها لها بدودة صغيرة تسمى علقة ، وهي حمراء داكنة تكون في المياه الحلوة ، تمتص الدم من الحيوان إذا علق خرطومها بجلده ، وقد تدخل إلى فم الدابة وخاصة الخيل والبغال فتعلق بلهاته ولا يتفطن لها .

ومعنى ( خلق الإنسان من علق ) أن نطفة الذكر ونطفة المرأة بعد الاختلاط ومضي مدة كافية تصيران علقة ، فإذا صارت علقة فقد أخذت في أطوار التكون ، فجعلت العلقة مبدأ الخلق ولم تجعل النطفة مبدأ الخلق ; لأن النطفة اشتهرت في ماء الرجل ، فلو لم تخالطه نطفة المرأة لم تصر العلقة فلا يتخلق الجنين ، وفيه إشارة إلى أن خلق الإنسان من علق ثم مصيره إلى كمال أشده هو خلق ينطوي على قوى كامنة وقابليات عظيمة أقصاها قابلية العلم والكتابة .

ومن إعجاز القرآن العلمي ذكر العلقة ; لأن الثابت في العلم الآن أن الإنسان يتخلق من بويضة دقيقة جدا لا ترى إلا بالمرآة المكبرة أضعافا تكون في مبدأ ظهورها كروية الشكل سابحة في دم حيض المرأة فلا تقبل التخلق حتى تخالطها نطفة الرجل فتمتزج معها فتأخذ في التخلق إذا لم يعقها عائق كما قال تعالى : ( مخلقة وغير مخلقة ) فإذا أخذت في التخلق والنمو امتد تكورها قليلا فشابهت العلقة التي في الماء مشابهة تامة في دقة الجسم وتلونها بلون الدم الذي هي سابحة فيه وفي كونها سابحة في سائل كما تسبح العلقة ، وقد تقدم هذا في سورة غافر وأشرت إليه في المقدمة العاشرة .

[ ص: 439 ] ومعنى حرف ( من ) الابتداء .

وفعل ( اقرأ ) الثاني تأكيد لـ ( اقرأ ) الأول للاهتمام بهذا الأمر .


وربك الأكرم ( 3 ) الذي علم بالقلم ( 4 ) علم الإنسان ما لم يعلم ( 5 )

جملة معطوفة على جملة ( اقرأ باسم ربك ) فلها حكم الاستئناف ، و ( ربك ) مبتدأ وخبره إما ( الذي علم بالقلم ) وإما جملة ( علم الإنسان ما لم يعلم ) وهذا الاستئناف بياني .

فإذا نظرت إلى الآية مستقلة عما تضمنه حديث عائشة في وصف سبب نزولها كان الاستئناف ناشئا عن سؤال يجيش في خاطر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقول : كيف أقرأ وأنا لا أحسن القراءة والكتابة ، فأجيب بأن الذي علم القراءة بواسطة القلم ، أي : بواسطة الكتابة يعلمك ما لم تعلم .

وإذا قرنت بين الآية وبين الحديث المذكور كان الاستئناف جوابا عن قوله لجبريل : " ما أنا بقارئ " فالمعنى : لا عجب في أن تقرأ وإن لم تكن من قبل عالما بالقراءة ، إذ العلم بالقراءة يحصل بوسائل أخرى مثل الإملاء والتلقين والإلهام وقد علم الله آدم الأسماء ولم يكن آدم قارئا .

ومقتضى الظاهر : وعلم بالقلم ، فعدل عن الإضمار لتأكيد ما يشعر به ( ربك ) من العناية المستفادة من قوله : ( اقرأ باسم ربك ) وأن هذه القراءة شأن من شئون الرب اختص بها عبده إتماما لنعمة الربوبية عليه .

وليجري على لفظ الرب وصف ( الأكرم ) .

ووصف ( الأكرم ) مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم وليس مصوغا للمفاضلة ، فهو مسلوب المفاضلة .

[ ص: 440 ] والكرم : التفضل بعطاء ما ينفع المعطى ، ونعم الله عظيمة لا تحصى ، ابتداء من نعمة الإيجاد وكيفية الخلق والإمداد .

وقد جمعت هذه الآيات الخمس من أول السورة أصول الصفات الإلهية ، فوصف الرب يتضمن الوجود والوحدانية ، ووصف ( الذي خلق ) ووصف ( الذي علم بالقلم ) يقتضيان صفات الأفعال ، مع ما فيه من الاستدلال القريب على ثبوت ما أشير إليه من الصفات بما تقتضيه الموصولية من الإيماء إلى وجه بناء الخبر الذي يذكر معها . ووصف ( الأكرم ) يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص .

ومفعولا ( علم بالقلم ) محذوفان دل عليهما قوله : ( بالقلم ) وتقديره : علم الكاتبين أو علم ناسا الكتابة ، وكان العرب يعظمون علم الكتابة ويعدونها من خصائص أهل الكتاب كما قال أبو حية النميري :

كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل

ويتفاخر من يعرف الكتابة بعلمه ، وقال الشاعر :


تعلمت باجاد وآل مرامر
وسودت أثوابي ولست بكاتب


وذكر أن ظهور الخط في العرب أول ما كان عند أهل الأنبار . وأدخل الكتابة إلى الحجاز حرب بن أمية تعلمه من أسلم بن سدرة وتعلمه أسلم من مرامر بن مرة وكان الخط سابقا عند حمير باليمن ويسمى المسند .

وتخصيص هذه الصلة بالذكر وجعلها معترضة بين المبتدأ والخبر للإيماء إلى إزالة ما خطر ببال النبيء - صلى الله عليه وسلم - من تعذر القراءة عليه ; لأنه لا يعلم الكتابة فكيف القراءة إذ قال للملك " ما أنا بقارئ " ثلاث مرات ، لأن قوله : " ما أنا بقارئ " اعتذار عن تعذر امتثال أمره بقوله : ( اقرأ ) فالمعنى أن الذي علم الناس الكتابة بالقلم والقراءة قادر على أن يعلمك القراءة وأنت لا تعلم الكتابة .

والقلم : شظية من قصب ترقق وتثقف وتبرى بالسكين لتكون ملساء بين الأصابع ويجعل طرفها مشقوقا شقا في طول نصف الأنملة ، فإذا بل ذلك الطرف [ ص: 441 ] بسائل المداد يخط به على الورق وشبهه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : ( إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) في سورة آل عمران .

وجملة ( علم الإنسان ما لم يعلم ) خبر عن قوله : ( وربك الأكرم ) وما بينهما اعتراض .

وتعريف ( الإنسان ) يجوز أن يكون تعريف الجنس ، فيكون ارتقاء في الإعلام بما قدره الله تعالى من تعليم الإنسان بتعميم التعليم بعد تخصيص التعليم بالقلم .

وقد حصلت من ذكر التعليم بالقلم والتعليم الأعم إشارة إلى ما يتلقاه الإنسان من التعاليم ، سواء كان بالدرس أم بمطالعة الكتب ، وأن تحصيل العلوم يعتمد أمورا ثلاثة : أحدها : الأخذ عن الغير بالمراجعة والمطالعة ، وطريقهما الكتابة وقراءة الكتب ، فإن بالكتابة أمكن للأمم تدوين آراء علماء البشر ونقلها إلى الأقطار النائية وفي الأجيال الجائية .

والثاني : التلقي من الأفواه بالدرس والإملاء .

والثالث : ما تنقدح به العقول من المستنبطات والمخترعات . وهذان داخلان تحت قوله تعالى : ( علم الإنسان ما لم يعلم ) .

وفي ذلك اطمئنان لنفس النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن عدم معرفته الكتابة لا يحول دون قراءته ; لأن الله علم الإنسان ما لم يعلم ، فالذي علم القراءة لأصحاب المعرفة بالكتابة قادر على أن يعلمك القراءة دون سبق معرفة بالكتابة .

وأشعر قوله : ( ما لم يعلم ) أن العلم مسبوق بالجهل ، فكل علم يحصل فهو علم ما لم يكن يعلم من قبل ، أي : فلا يؤيسنك من أن تصير عالما بالقرآن والشريعة أنك لا تعرف قراءة ما يكتب بالقلم . وفي الآية إشارة إلى الاهتمام بعلم الكتابة وبأن الله يريد أن يكتب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ما ينزل عليه من القرآن ، فمن أجل ذلك اتخذ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كتابا للوحي من مبدأ بعثه .

وفي الاقتصار على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة ثم إخباره بأن الله علم الإنسان [ ص: 442 ] بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ; لأنها وصف مكمل لإعجاز القرآن قال تعالى : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ) .

وهذه آخر الخمس الآيات التي هي أول ما أنزل على النبيء - صلى الله عليه وسلم - في غار حراء .


كلا إن الإنسان ليطغى ( 6 ) أن رآه استغنى ( 7 ) إن إلى ربك الرجعى ( 8 ) أرأيت الذي ينهى ( 9 ) عبدا إذا صلى ( 10 )

استئناف ابتدائي لظهور أنه في غرض لا اتصال له بالكلام الذي قبله .

وحرف ( كلا ) ردع وإبطال ، وليس في الجملة التي قبلها ما يحتمل الإبطال والردع ، فوجود ( كلا ) في أول الجملة دليل على أن المقصود بالردع هو ما تضمنه قوله : ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) الآية .

وحق ( كلا ) أن تقع بعد كلام لإبطاله والزجر عن مضمونه ، فوقوعها هنا في أول الكلام يقتضي أن معنى الكلام الآتي بعدها حقيق بالإبطال وبردع قائله ، فابتدئ الكلام بحرف الردع للإبطال ، ومن هذا القبيل أن يفتتح الكلام بحرف نفي ليس بعده ما يصلح لأن يلي الحرف كما في قول امرئ القيس :


فلا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر


روى مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : " قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه ؟ - أي يسجد في الصلاة - بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ، فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته . فأتى رسول الله وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته ، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده . فقيل له : ما لك يا أبا الحكم ؟ قال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا . قال : فأنزل الله ، لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه ( إن الإنسان ليطغى ) الآيات اهـ .

[ ص: 443 ] وقال الطبري : ذكر أن آية ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) وما بعدها نزلت في أبي جهل بن هشام ، وذلك أنه قال فيما بلغنا : لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن رقبته . فجعل الطبري ما أنزل في أبي جهل مبدوءا بقوله : ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) .

ووجه الجمع بين الروايتين : أن النازل في أبي جهل بعضه مقصود وهو ما أوله ( أرأيت الذي ينهى ) إلخ ، وبعضه تمهيد وتوطئة وهو ( إن الإنسان ليطغى ) إلى ( الرجعى ) .

واختلفوا في أن هذه الآيات إلى آخر السورة نزلت عقب الخمس الآيات الماضية وجعلوا مما يناكده ذكر الصلاة فيها وفيما روي في سبب نزولها من قول أبي جهل ؛ بناء على أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ، وكان الإسراء بعد البعثة بسنين ، فقال بعضهم : إنها نزلت بعد الآيات الخمس الأولى من هذه السورة ، ونزل بينهن قرآن آخر ثم نزلت هذه الآيات ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإلحاقها ، وقال بعض آخر : ليست هذه السورة أول ما أنزل من القرآن .

وأنا لا أرى مناكدة تفضي إلى هذه الحيرة ، والذي يستخلص من مختلف الروايات في بدء الوحي وما عقبه من الحوادث أن الوحي فتر بعد نزول الآيات الخمس الأوائل من هذه السورة وتلك الفترة الأولى التي ذكرناها في أول سورة الضحى ، وهناك فترة للوحي هذه ذكرها ابن إسحاق بعد أن ذكر ابتداء نزول القرآن وذلك يؤذن بأنها حصلت عقب نزول الآيات الخمس الأول ، ولكن أقوالهم اختلفت في مدة الفترة . وقال السهيلي : كانت المدة سنتين ، وفيه بعد . وليس تحديد مدتها بالأمر المهم ، ولكن الذي يهم هو أنا نوقن بأن النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان في مدة فترة الوحي يرى جبرائيل ويتلقى منه وحيا ليس من القرآن . وقال السهيلي في الروض الأنف : ذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس ( أي العصر ) وصلاة قبل طلوعها ( أي الصبح ) ، وقال يحيى بن سلام مثله ، وقال : كان الإسراء وفرض الصلوات الخمس قبل الهجرة بعام اهـ . فالوجه أن تكون الصلاة التي كان يصليها النبيء - صلى الله عليه وسلم - غير الصلوات الخمس ، بل كانت هيئة غير مضبوطة بكيفية وفيها سجود لقول الله تعالى واسجد واقترب [ ص: 444 ] يؤديها في المسجد الحرام أو غيره بمرأى من المشركين ، فعظم ذلك على أبي جهل ونهاه عنها .

فالوجه أن تكون هذه الآيات إلى بقية السورة قد نزلت بعد فترة قصيرة من نزول أول السورة حدثت فيها صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفشا فيها خبر بدء الوحي ونزول القرآن ، جريا على أن الأصل في الآيات المتعاقبة في القراءة أن تكون قد تعاقبت في النزول إلا ما ثبت تأخره بدليل بين ، وجريا على الصحيح الذي لا ينبغي الالتفات إلى خلافه من أن هذه السورة هي أول سورة نزلت .

فموقع قوله : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى موقع المقدمة لما يرد بعده من قوله : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى قوله : لا تطعه ؛ لأن مضمونه كلمة شاملة لمضمون أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى قوله : فليدع ناديه .

والمعنى : أن ما قاله أبو جهل ناشئ عن طغيانه بسبب غناه كشأن الإنسان .

والتعريف في الإنسان للجنس ، أي : من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحس من نفسه الاستغناء ، واللام مفيدة الاستغراق العرفي ، أي : أغلب الناس في ذلك الزمان إلا من عصمه خلقه أو دينه .

وتأكيد الخبر بحرف التأكيد ولام الابتداء لقصد زيادة تحقيقه لغرابته حتى كأنه مما يتوقع أن يشك السامع فيه .

والطغيان : التعاظم والكبر .

والاستغناء : شدة الغنى ، فالسين والتاء فيه للمبالغة في حصول الفعل ، مثل استجاب واستقر .

وأن راءه متعلق بـ يطغى بحذف لام التعليل ; لأن حذف الجار مع أنه كثير وشائع ؛ والتقدير : إن الإنسان ليطغى لرويته نفسه مستغنيا .

وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره ، [ ص: 445 ] وأن غيره محتاج فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة ، ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يصبو خلقا ، حيث لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح ؛ فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم ; لأن له ما يدفع به الاعتداء من لامة سلاح وخدم وأعوان وعفاة ومنتفعين بماله من شركاء وعمال وأجراء فهو في عزة عند نفسه .

فقد بينت هذه الآية حقيقة نفسية عظيمة من الأخلاق وعلم النفس ، ونبهت على الحذر من تغلغلها في النفس .

ولا يجتمع ضميران متحدا المعاد : أحدهما فاعل ، والآخر مفعول في كلام العرب ، إلا إذا كان العامل من باب ظن وأخواتها كما في الآية . ومنه قوله تعالى : قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي في سورة الإسراء . قال الفراء : والعرب تطرح النفس من هذا الجنس ( أي *** أفعال الظن والحسبان ) تقول : رأيتني وحسبتني ، ومتى تراك خارجا ، ومتى تظنك خارجا . وألحقت ( رأى ) البصرية بـ ( رأى ) القلبية عند كثير من النحاة كما في قول قطري بن الفجاءة :


فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني مرة وأمامي


ومن النادر قول النمر بن تولب :


قد بت أحرسني وحدي ويمنعني صوت السباع به يضبحن والهام


وقرأ الجميع ( أن رآه ) بألف بعد الهمزة . وروى ابن مجاهد عن قنبل أنه قرأه عن ابن كثير ( رأه ) بدون ألف بعد الهمزة ، قال ابن مجاهد : هذا غلط . ولا يعبأ بكلام ابن مجاهد بعد أن جزم بأنه رواه عن قنبل ، لكن هذا لم يروه غير ابن مجاهد عن قنبل ، فيكون وجها غريبا عن قنبل .

وألحق بهذه الأفعال : فعل فقد وفعل عدم ، إذا استعملا في الدعاء ، نحو قول القائل : فقدتني وعدمتني .

[ ص: 446 ] وجملة إن إلى ربك الرجعى معترضة بين المقدمة والمقصد والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - ، أي : مرجع الطاغي إلى الله ، وهذا موعظة وتهديد على سبيل التعريض لمن يسمعه من الطغاة ، وتعليم للنبيء - صلى الله عليه وسلم - وتثبيت له ، أي : لا يحزنك طغيان الطاغي فإن مرجعه إلي ، ومرجع الطاغي إلى العذاب قال تعالى : إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا وهو موعظة للطاغي بأن غناه لا يدفع عنه الموت ، والموت : رجوع إلى الله كقوله : يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه .

وفيه معنى آخر وهو أن استغناءه غير حقيقي ; لأنه مفتقر إلى الله في أهم أموره ولا يدري ماذا يصيره إليه ربه من العواقب فلا يزده بغنى زائف في هذه الحياة فيكون الرجعى مستعملا في مجازه ، وهو الاحتياج إلى المرجوع إليه ، وتأكيد الخبر بـ ( إن ) مراعى فيه المعنى التعريضي ; لأن معظم الطغاة ينسبون هذه الحقيقة بحيث ينزلون منزلة من ينكرها .

والرجعى : بضم الراء مصدر رجع على زنة فعلى ، مثل البشرى .

وتقديم إلى ربك على الرجعى للاهتمام بذلك .

وجملة أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى آخرها هي المقصود من الردع الذي أفاده حرف كلا ؛ فهذه الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا متصلا باستئناف جملة إن الإنسان ليطغى .

و الذي ينهى اتفقوا على أنه أريد به أبو جهل ، إذ قال قولا يريد به نهي النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي في المسجد الحرام ، فقال في ناديه : لئن رأيت محمدا يصلي في الكعبة لأطأن على عنقه . فإنه أراد بقوله ذلك أن يبلغ إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فهو تهديد يتضمن النهي عن أن يصلي في المسجد الحرام . ولم يرو أنه نهاه مشافهة .

و ( أرأيت ) كلمة تعجيب من حال ، تقال للذي يعلم أنه رأى حالا عجيبة . والرؤية علمية ؛ أي : أعلمت الذي ينهى عبدا والمستفهم عنه هو ذلك العلم ، والمفعول الثاني لـ ( رأيت ) محذوف دل عليه قوله في آخر الجمل ألم يعلم بأن الله يرى .

[ ص: 447 ] والاستفهام مستعمل في التعجيب ; لأن الحالة العجيبة من شأنها أن يستفهم عن وقوعها استفهام تحقيق وتثبيت لنبئها ؛ إذ لا يكاد يصدق به ؛ فاستعمال الاستفهام في التعجيب مجاز مرسل في التركيب . ومجيء الاستفهام في التعجيب كثير نحو هل أتاك حديث الغاشية .

والرؤية علمية ، والمعنى : أعجب ما حصل لك من العلم ، قال الذي ينهى عبدا إذا صلى . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية لأنها حكاية أمر وقع في الخارج .

والخطاب في أرأيت لغير معين .

والمراد بالعبد النبيء صلى الله عليه وسلم . وإطلاق العبد هنا على معنى واحد من عباد الله أي : شخص كما في قوله تعالى : بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد أي : رجالا . وعدل عن التعبير عنه بضمير الخطاب ; لأن التعجيب من نفس النهي عن الصلاة بقطع النظر عن خصوصية المصلي . فشموله لنهيه عن صلاة النبيء - صلى الله عليه وسلم - أوقع ، وصيغة المضارع في قوله : ينهى لاستحضار الحالة العجيبة وإلا فإن نهيه قد مضى .

والمنهي عنه محذوف يغني عنه تعليق الظرف بفعل ينهى أي : ينهاه عن صلاته .


أرأيت إن كان على الهدى ( 11 ) أو أمر بالتقوى ( 12 )

تعجيب آخر من حال المفروض وقوعه ، أي : أتظنه ينهى أيضا عبدا متمكنا من الهدى فتعجب من نهيه . والتقدير : أرأيته إن كان العبد على الهدى أينهاه عن الهدى ، أو إن كان العبد آمرا بالتقوى أينهاه عن ذلك .

والمعنى : أن ذلك هو الظن به فيعجب المخاطب من ذلك ; لأن من ينهى عن الصلاة وهي قربة إلى الله فقد نهى عن الهدى ، ويوشك أن ينهى عن أن يأمر أحدا بالتقوى .

وجواب الشرط محذوف وأتى بحرف الشرط الذي الغالب فيه عدم الجزم بوقوع فعل الشرط مجاراة لحال الذي ينهى عبدا .

[ ص: 448 ] والرؤية هنا علمية ، وحذف مفعولا فعل الرؤية اختصارا لدلالة الذي ينهى على المفعول الأول ودلالة ينهى على المفعول الثاني في الجملة قبلها .

وعلى للاستعلاء المجازي وهو شدة التمكن من الهدى بحيث يشبه تمكن المستعلي على المكان كما تقدم في قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم .

فالضميران المستتران في فعلي كان على الهدى أو أمر بالتقوى عائدان إلى " عبدا " وإن كانت الضمائر الحافة به عائدة إلى الذي ينهى عبدا إذا صلى .

فإن السياق يرد كل ضمير إلى معاده كما في قول عباس بن مرداس :


عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا


والمفعول الثاني لفعل ( رأيت ) محذوف دل عليه قوله : ألم يعلم بأن الله يرى أو دل عليه قوله : ينهى المتقدم . والتقدير : أرأيته .

وجواب إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى محذوف تقديره : أينهاه أيضا .

وفصلت جملة أرأيت إن كان على الهدى لوقوعها موقع التكرير ; لأن فيها تكرير التعجيب من أحوال عديدة لشخص واحد .


أرأيت إن كذب وتولى ( 13 ) ألم يعلم بأن الله يرى ( 14 )

جملة مستأنفة للتهديد والوعيد على التكذيب والتولي ؛ أي : إذا كذب بما يدعى إليه وتولى أتظنه غير عالم بأن الله مطلع عليه .

فالمفعول الأول لـ ( رأيت ) محذوف وهو ضمير عائد إلى الذي ينهى والتقدير : أرأيته إن كذب . . . إلى آخره .

وجواب إن كذب وتولى هو ألم يعلم بأن الله يرى كذا قدر صاحب الكشاف ، ولم يعتبر وجوب اقتران جملة جواب الشرط بالفاء إذا كانت الجملة استفهامية . وصرح الرضي باختيار عدم اشتراط الاقتران بالفاء ونظره بقوله تعالى : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون فأما قول جمهور النحاة والزمخشري في المفصل فهو وجوب الاقتران بالفاء ، وعلى قولهم [ ص: 449 ] يتعين تقدير جواب الشرط بما يدل عليه ألم يعلم بأن الله يرى ، والتقدير إن كذب وتولى فالله عالم به ، كناية عن توعده . وتكون جملة ألم يعلم بأن الله يرى مستأنفة لإنكار جهل المكذب بأن الله سيعاقبه ، والشرط وجوابه سادان مسد المفعول الثاني .

وكني بأن الله يرى عن الوعيد بالعقاب .

وضمن فعل ( يعلم ) معنى يوقن فلذلك عدي بالباء .

وعلق فعل أرأيت هنا عن العمل لوجود الاستفهام في قوله : ألم يعلم .

والاستفهام إنكاري ، أي : كان حقه أن يعلم ذلك ويقي نفسه العقاب .

وفي قوله : إن كذب وتولى إيذان للنبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن أبا جهل سيكذبه حين يدعوه إلى الإسلام وسيتولى ، ووعد بأن الله سينتصف له منه .

وضمير كذب وتولى عائد إلى الذي ينهى عبدا إذا صلى وقرينة المقام ترجع الضمائر إلى مراجعها المختلفة .

وحذف مفعول كذب لدلالة ما قبله عليه . والتقدير : إن كذبه ، أي : العبد الذي صلى ، وبذلك انتظمت الجمل الثلاث في نسبة معانيها إلى الذي ينهى عبدا إذا صلى وإلى العبد الذي صلى ، واندفعت عنك ترددات عرضت في التفاسير .

وحذف مفعول يرى ليعم كل موجود ؛ والمراد بالرؤية المسندة إلى الله تعالى تعلق علمه بالمحسوسات .

كلا .

أكد الردع الأول بحرف الردع الثاني وفي آخر الجملة وهو الموقع الحقيق لحرف الردع ، إذ كان تقديم نظيره في أول الجملة ، لما دعا إليه لمقام من التشويق .


كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ( 15 ) ناصية كاذبة خاطئة ( 16 )

أعقب الردع بالوعيد على فعله إذا لم يرتدع وينته عنه .

واللام موطئة للقسم ؛ وجملة لنسفعن جواب القسم وأما جواب الشرط فمحذوف دل عليه جواب القسم .

والسفع : القبض الشديد بجذب .

والناصية مقدم شعر الرأس ، والأخذ من الناصية أخذ من لا يترك له تمكن من الانفلات فهو كناية عن أخذه إلى العذاب وفيه إذلال ; لأنهم كانوا لا يقبضون على شعر رأس أحد إلا لضربه أو لجره . وأكد ذلك السفع بالباء المزيدة الداخلة على المفعول لتأكيد اللصوق .

والنون نون التوكيد الخفيفة التي يكثر دخولها في القسم المثبت ، وكتبت في المصحف ألفا رعيا للنطق لها في الوقف ; لأن أواخر الكلم أكثر ما ترسم على مراعاة النطق في الوقف .

والتعريف في الناصية للعهد التقديري ، أي : بناصيته ، أي ناصية الذي ينهى عبدا إذا صلى ، وهذه اللام هي التي يسميها نحاة الكوفة عوضا عن المضاف إليه ، وهي تسمية حسنة وإن أباها البصريون فقدروا في مثله متعلقا لمدخول اللام .

و ( ناصية ) بدل من الناصية وتنكيرها لاعتبار الجنس ، أي : هي من *** ناصية كاذبة خاطئة .

و ( خاطئة ) اسم فاعل من خطئ من باب علم ، إذا فعل خطيئة ، أي : ذنبا . ووصف الناصية بالكاذبة والخاطئة مجاز عقلي . والمراد : كاذب صاحبها خاطئ صاحبها ، أي : آثم . ومحسن هذا المجاز أن فيه تخييلا بأن الكذب والخطأ باديان من ناصيته فكانت الناصية جديرة بالسفع .


فليدع ناديه ( 17 ) سندع الزبانية ( 18 ) كلا

تفريع على الوعد . ومناسبة ذلك ما رواه الترمذي والنسائي عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عند المقام فمر به أبو جهل فقال : يا محمد ، ألم أنهك عن هذا ؟ وتوعده ، فأغلظ له رسول الله ؛ فقال أبو جهل : يا محمد ، بأي شيء تهددني ؟ أما والله إني لأكثر أهل هذا الوادي ناديا ، فأنزل الله تعالى : فليدع ناديه سندع الزبانية يعني أن أبا جهل أراد بقوله ذلك تهديد النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأنه يغري عليه أهل ناديه .

والنادي : اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم ، يقال : ندا القوم ندوا ، إذا اجتمعوا . والندوة بفتح النون الجماعة ، ويقال : ناد وندي ، ولا يطلق هذا الاسم على المكان إلا إذا كان القوم مجتمعين فيه فإذا تفرقوا عنه فليس بناد ، ويقال النادي لمجلس القوم نهارا ؛ فأما مجلسهم في الليل فيسمى المسامر قال تعالى : سامرا تهجرون .

واتخذ قصي لندوة قريش دارا تسمى دار الندوة حول المسجد الحرام ، وجعلها لتشاورهم ومهماتهم وفيها يعقد على الأزواج ، وفيها تتدرع الجواري ، أي : يلبسوهن الدروع ، أي : الأقمصة إعلانا بأنهن قاربن سن البلوغ ، وهذه الدار كانت اشترتها الخيزران زوجة المنصور أبي جعفر وأدخلتها في ساحة المسجد الحرام ، وأدخل بعضها في المسجد الحرام في زيادة عبد الملك بن مروان وبعضها في زيادة أبي جعفر المنصور ، وبقيت بقيتها بيتا مستقلا ونزل به المهدي سنة 160 في مدة خلافة المعتضد بالله العباسي لما زاد في المسجد الحرام جعل مكان دار الندوة مسجدا متصلا بالمسجد الحرام فاستمر كذلك ، ثم هدم وأدخلت مساحته في مساحة المسجد الحرام في الزيادة التي زادها الملك سعود بن عبد العزيز ملك الحجاز ونجد سنة 1379 .

ويطلق النادي على الذين ينتدون فيه وهو معنى قول أبي جهل : إني لأكثر أهل هذا الوادي ناديا ، أي : ناسا يجلسون إلي يريد أنه رئيس يصمد إليه ، وهو المعني هنا .

[ ص: 452 ] وإطلاق النادي على أهله نظير إطلاق القرية على أهلها في قوله تعالى : واسأل القرية ونظير إطلاق المجلس على أهله في قول ذي الرمة :


لهم مجلس صهب السبال أذلة سواسية أحرارها وعبيدها


وإطلاق المقامة على أهلها في قول زهير :


وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل


أي : أصحاب مقامات حسان وجوههم .

وإطلاق المجمع على أهله في قول لبيد :


إنا إذا التقت المجامع لم يزل منا لزاز عظيمة جسامها


الأبيات الأربعة .

ولام الأمر في فليدع ناديه للتعجيز ; لأن أبا جهل هدد النبيء - صلى الله عليه وسلم - بكثرة أنصاره وهم أهل ناديه ، فرد الله عليه بأن أمره بدعوة ناديه ؛ فإنه إن دعاهم ليسطوا على النبيء - صلى الله عليه وسلم - دعا الله ملائكة فأهلكوه ، وهذه الآية معجزة خاصة من معجزات القرآن فإنه تحدى أبا جهل بهذا ، وقد سمع أبو جهل القرآن وسمعه أنصاره فلم يقدم أحد منهم على السطو على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أن الكلام يلهب حميته .

وإضافة النادي إلى ضميره لأنه رئيسهم ويجتمعون إليه قالت إعرابية " سيد ناديه ، وثمال عافيه " .

وقوله : سندع الزبانية جواب الأمر التعجيزي ، أي : فإن دعا ناديه دعونا لهم الزبانية ؛ ففعل سندع مجزوم في جواب الأمر ، ولذلك كتب في المصحف بدون واو وحرف الاستقبال لتأكيد الفعل .

والزبانية : بفتح الزاي وتخفيف التحتية جمع زباني بفتح الزاي وبتحتية مشددة ، أو جمع زبنية بكسر الزاي فموحدة ساكنة فنون مكسورة فتحتية مخففة ، أو جمع زبني بكسر فسكون فتحتية مشددة ، وقيل : هو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، مثل أبابيل وعباديد . وهذا الاسم مشتق من الزبن وهو الدفع بشدة ، يقال : ناقة زبون إذا كانت تركل من يحلبها ، وحرب زبون يدفع بعضها بعضا بتكرر القتال . [ ص: 453 ] فالزبانية الذين يزبنون الناس ، أي : يدفعونهم بشدة . والمراد بهم ملائكة العذاب ويطلق الزبانية على أعوان الشرطة .

و كلا ردع لإبطال ما تضمنه قوله : فليدع ناديه ، أي : وليس بفاعل ، وهذا تأكيد للتحدي والتعجيز .

وكتب ( سندع ) في المصحف بدون واو بعد العين مراعاة لحالة الوصل ؛ لأنها ليست محل وقف ولا فاصلة .


لا تطعه واسجد واقترب ( 19 )

هذا فذلكة للكلام المتقدم من قوله : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ، أي : لا تترك صلاتك في المسجد الحرام ولا تخش منه .

وأطلقت الطاعة على الحذر الباعث على الطاعة على طريق المجاز المرسل ؛ والمعنى : لا تخفه ولا تحذره فإنه لا يضرك .

وأكد قوله : لا تطعه بجملة ( واسجد ) اهتماما بالصلاة .

وعطف عليه " واقترب " للتنويه بما في الصلاة من مرضاة الله تعالى بحيث جعل المصلي مقتربا من الله تعالى .

والاقتراب : افتعال من القرب ، عبر بصيغة الافتعال لما فيها من معنى التكلف والتطلب ، أي : اجتهد في القرب إلى الله بالصلاة .