العودة   منتديات تونيزيـا سات > قسم التعليم والعلوم والتكنولوجيا > منتدى الشعر والأدب


منتدى الشعر والأدب فضاء للإبداع الأدبي و المحاولات الشعرية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-07-2010, 11:09 رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي الشعر النثري

يقول الأخ فيصل في مشاركته الأخيرة في ركن خاص بالأعضاء "مجلس الأدب والشعر"

اقتباس:
وإن كنت لا أحسن كتابة الشعر إلا أن نفسي تطرب لمنظوم الكلام. وهو مايدفعني دوما للاستمتاع بماتجود به أقلام الإخوة الكرام،إلا أنني في الكثير من الأحيان أحتار في الجنس الأدبي للنص المقدم.فلئن كان النص االنثري واضحا كما هو الحال بالنسبة لقصيد التفعيل أو الشعر الحر فإن مايسمى بقصيدة النثر تربكني،حيث أجد في بعض الأحيان نصا ما يحتوي على كامل مكونات النص النثري إلا أنه ينتمي إلى غير ما أعتقد.
وهنا أتوجه بطلب أرجو تلبيته وأعول خاصة على الأخوين أبو أحمد ونديم،وهو بيان خصائص هذا الجنس الأدبي ومايميزه عن غيره من الأجناس.
بإمكان الجميع البحث عبر الشبكة العنكبوتية ولكن طريقة الأخوين الكريمين في إيضاح الأمور وبسطها تعجبني أكثر.
وشكرا سلفا.
قبل البدئ سوف لن أدّعي بأنّي متمكّن بشكل تام من الموضوع الذي طرحته - ولا يفوتني أن أشكرك على الثقة التي أوليتني إياها - لكن سأحاول من خلال ما توفر لي من مراجع، وما أتيح من مقالات على الشبكة العنكبوتية، أن أسلّط الضوء على ما يتعارف على تسميته بقصيدة النثر - وإن كان الإجماع على هذه التسمية يكاد يكون مفقودا - إذ أنّ البعض أسماه النثيروالنثيرة...
فكما هو معلوم فإنّ الشعر بما هو "هو الكلام الموزون المقفّى الدال على معنى ." وجه من أوجه الكتابة العربية على غرار النثر والذي يعني "التعبير عن الأفكار والعواطف والانفعالات بكلام جميل لا يتقيد بالوزن ولا القافية". فهما يلتقيان - أي الشعر والنثر - في كونهما يعبران عن الأفكار والمشاعر من خلال استعمال اللغة بعناية فائقة، مع توظيفهما للخيال والصورة الفنية لتوضيح المعنى وتزيينه.
لكن هذا التقارب يقابله اختلاف في عدّة جوانب منها كون النثر لا يتقيّد بالأوزان مع كونه أكثر قدرة من الشعر على عرض الأفكار والإقناع بالرأي، وعلى الجمع بين الفكرة والعاطفة بتوازن دقيق جدّا.
كما أنّ النثر يتشكّل على أنواع متعدّدة تختلف من زمن إلى آخر، والتي يمكن حصرها في أربعة أنواع هي : المقالة والخطابة والقصّة والمسرحية وبقية التقسيمات تنضوي تحت هذه الأبواب الأربعة من خاطرة وأقصوصة وحكاية ومسرحية ذهنية وما إليها من المسميات والأجناس الأدبية النثرية.
بعد هذه المقدّمة سوف ألخص ما وصلت إليه من استنتاجات حول الشعر النثري في النقاط التالية:
- كون شعر النثر جنس أدبي غربي المنشأ ومن أهمّ رواده الشاعر الفرنسي "برتران" و مواطنه "بودلير".
- كون قصيدة النثر ضرب من التقليد ولا أصول لها في تاريخ الأدب العربي.
- تناول النقاد لهذا الجنس المحدث من الأدب، لم يكن حياديا من حيث التحامل عليه أو الدفاع عنه، بل بقي رهين دوافع ذاتية مرتبطة بالمدارس التي ينتمي إليها النقاد في حدّ ذاتهم.من ذلك هذا الرأي الذي صرّح به الشاعر السوري "علي جمعة الكعود" في قوله "
قصيدة النثر فهي جلطة أصابت قلب القصيدة العربية، وهي غير شرعية وخارجة عن العدالة وما زالت سيوف الأصالة تطاردها في كل مكان."
وحتّى لا أتورط في تقديم صورة تخصّ شعر النثر من منظور خاص سوف أكتفي بنقل بعض المقالات التي أراها تتضمّن إجابات شافية عن كلّ التساؤلات التي تتعلّق بهذا الموضوع.






رد مع اقتباس
الأعضاء ال 12 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
اعلانات
قديم 07-07-2010, 11:10 رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي

أمين دمق ـ شاعر من تونس

إن قضية الشعر النثري قضية شائكة ومعقدة للغاية فهي قصيدة ناشزة وغير ناجزة. لذلك فهي تتطلب قارئا غير عابئ بأنواء الكلاسيكية وجلاميدها هذا القارئ ناقدا كان أوجمهورا لا بد أن يتسلح برؤيا مختلفة ومنفتحة على المجهول وما دامت أعداد هؤلاء القراء عزيزة على الإحصاء فقصيدة النثر تلقى الغبن وشتى أنواع القمع والتنكيل من قارئ جاهل يجهل أنه يجهل أومن ناقد متعالم يجعل من الشعر مخبرا قاتما ليمارس فيه عادته السرية في الكتابة على نصوص تلمس بالروح وتنأى عن العقل.

من ناحية أخرى فإن قصيدة النثر متهمة بفتح الباب على مصراعيه أمام مليشيات الشعارير وفاقدي الأهلية الشعرية فالقصيدة الموزونة عمودية كانت أوحرة،كانت تحاصرهؤلاء الزنادقة بخندق العروض أما اليوم وفي إطار(ديمقراطية النشر) الورقي أوالالكتروني صرنا نطالع ونشهد على مجازر في حق(سيبويه) بعد صلب (الخليل) من طرف شعراء قصيدة النثر لذلك يجب التأكيد على أن هذا الشكل الشعري الحديث عصي ويتطلب موهبة في الصياغة والقراءة قلما توجد أمام هذا الزخم من الرداءة.






رد مع اقتباس
الأعضاء ال 10 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
قديم 07-07-2010, 11:14 رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي

قصيدة النثر
بقلم باسم الأنصار(قاص وكاتب عراقي مقيم في الدنمارك)
حينما كتب الشاعر الفرنسي ( برتران ) مجموعة قصائده النثرية اليتيمة ( غاسبار الليل ) ، لم يكن يعلم بأنه من الممكن أن يُكتب الشعر من دون اوزان جاهزة ، ولهذا فهو ربما لجأ الى النثر لتفريغ شحناته الشعرية المنفلتة من قيود تلك الاوزان . أي بمعنى ، أنه لم يفكر بالخروج والتمرد على قصيدة التفعيلة في شكلها المعروف في زمنه حينما كتب قصائده النثرية . أي أن وعيه الشعري لم يسعفه في أكتشاف الشعر المتحرر من الاوزان في السياق الشعري العام ، لذلك راح يبحث عنه في سياق النثر العام . وسقط ( بودلير) بالقصور ذاته ، حينما لجأ الى النثر لكتابة شحناته الشعرية الثرية التي لاتقبل التأطير في أطار الاوزان الشعرية التي كان يسير على منوالها . أي أن ( بودلير ) لم يكن يعلم بأنه كان بالامكان كتابة الشعر الموسيقي اللاموزون ضمن سياق الشعر الخالص ومن دون الحاجة الى اللجوء الى النثر ، مثلما صنع الشاعر الامريكي ( والت ويتمان ) حينما كتب تنهداته الشعرية المنفلتة من الاوزان ( اوراق العشب ) ضمن أطار الشعر وليس النثر . بحيث صار ( ويتمان ) الرائد الاول للقصيدة الحرة التي ظهرت نتيجة تمردها على قصيدة التفعيلة .

ولكن هل أن عدم اكتشاف بودلير مثلا القصيدة المتحررة من الاوزان والمتمثلة ( بالقصيدة الحرة ) هو السبب الوحيد او الدافع الحقيقي الذي دفعه لكتابة قصيدة النثر ؟ وكيف سيكون الحال ، لو افترضنا مثلا أن ( بودلير ) قد توصل الى قناعة ( ويتمان ) في كتابة القصيدة الحرة ، فهل ان هذه القناعة ستغير من رغبته في كتابة قصيدة النثر ؟

الاجابة على السؤال الاول برأينا ستكون : لا . بينما أجابتنا على السؤال الثاني ستكون : نعم .

وذلك لان بودلير لجأ الى قصيدة النثر ليس هربا من قيود الاوزان فقط ، وأنما لانه أكتشف أمكانية أستخراج الشعر من السياق النثري ( وهذا مانعتقد أنه السبب الدفين من قبل بودلير في كتابته لقصيدة النثر ) . أي أن الهرب من الاوزان كان الحجة الظاهرة لكتابة قصيدة النثر ، بينما الحجة او الدافع الحقيقي لكتابتها هو قدرة النثر على انجاب القصيدة .

والشئ الذي يرسخ قناعتنا هذه هو أن بودلير لم يقصد في كتابته لقصيدة النثر ، التخلي عن قصيدة التفعيلة التي كان يكتبها وكتبها في مجموعته الشهيرة ( أزهار الشر ) . وهذا يعني أن قصيدة النثر لم تظهر نتيجة تمردها على قصيدة التفعيلة ، مثلما حدث مع القصيدة الحرة ، وأنما للسبب الذي ذكرناه قبل قليل .

فقصيدة النثر بأختصار لاتنتمي الى السياق الشعري المألوف ، وانما هي تنتمي بالاساس الى السياق العام للنثر اولا وللسياق الشعري العام ثانيا ، بفعل أدخال الادوات الشعرية الاساسية عليها . وأيضا يمكننا القول ان قصيدة النثر ليست مزجا بين الشعر والنثر كما يعتقد البعض ، وأنما هي خارج هذه المعادلة تماما ، على أعتبار أن المزج بين الشعر والنثر يؤدي بنا الى مايسمى ( بالنص المفتوح ) .

قصيدة النثر بأختصار ، هي نثر غايته الشعر .

سأوضح الامر بطريقة أخرى : حينما نتحدث عن الشعر العمودي الكلاسيكي ، فاننا لانتذكر شعريته فقط ، وانما نتذكر الاوزان التي تتحكم به . لذا حينما برزت الحاجة الى قصيدة التفعيلة ، فأن هذه الحاجة أتت من خلال رغبة الشاعر بالخروج عن قوانين الاوزان التقليدية . أي أن قصيدة التفعيلة نتجت بسبب جدلها مع القصيدة العمودية . وهذا الحال ينطبق على القصيدة الحرة ، التي نتجت من حاجة الشاعر الى الخروج على أوزان قصيدة التفعيلة المعروفة . أي انها ظهرت نتيجة جدلها مع قصيدة التفعيلة .

أما قصيدة النثر ، فأن بروزها الى الساحة الشعرية لم يكن نتاج جدلها مع القصيدة الحرة ولا مع قصيدة التفعيلة ولا مع القصيدة العمودية ، وانما هي نتجت بسبب رغبة الشاعر في استخراج الشعر من سياق النثر . أي ان قصيدة النثر ، تجربة شعرية متنوعة ومتحررة آتية من سياق آخر غير السياق الشعري المتعارف عليه .

ولهذا السبب ، أحتفظ الشعراء الفرنسيين والاوربيين والامريكيين فيما بعد على القوانين الاساسية لقصيدة النثر في كتابتهم لها على الرغم من مرور اكثر من مئة عام على ظهورها . أي أنهم لم يتجاوزوا شروطها الاساسية لكتابتها الا وهي ( الاختزال ، التكثيف ، اللاغرضية ، وشكلها المقطعي ) .

وحينما حاول البعض منهم أضافة بعض اللمسات الفنية عليها ، فأنهم لم يفكروا بتحطيم شروطها الاساسية المذكورة أعلاه ، وأنما فكروا بأجراء بعض الاضافات على الشروط الاخرى التي تتحكم بها . ولهذا ظهرت لنا اشكال وأساليب جديدة في كتابتها ودُبجت تحت تسميات مختلفة مثل ( قصيدة النثر السريالية ، قصيدة النثر المفتوحة ، قصيدة النثر الكتعيبية ) .

فعدم خروج شعراء فرنسا وامريكا مثلا ( وهم روادها القدماء والحديثين ) على شروط قصيدة النثر الاساسية ليس نابعا من عدم ديناميكتهم ، وأنما نابع من أيمانهم بأن الخروج عليها معناه خلق نص شعري مغاير ومختلف عن قصيدة النثر ، وبالتالي يتحتم عليهم أطلاق تسمية أخرى على هذا النص ، غير تسمية قصيدة النثر .

وأذا أنتقلنا الى التجربة العربية في كتابة قصيدة النثر فأننا نرى أن بعض الشعراء العرب البارزين ، ألتزم بالقوانين الاساسية المتحكمة بقصيدة النثر بحكم أستيعابهم لها بشكل صحيح ، ولكن الغالب الاعم من الشعراء العرب لم يلتزم بهذه القوانين ، ليس رغبة منهم بالتمرد على الشكل الاساسي لها ، او رغبة منهم بأجراء الاضافات عليها ، وأنما بسبب سوء فهمهم لشروط قصيدة النثر . فصار البعض منهم مثلا يشيع مصطلح ( قصيدة النثر المشطرة ) وهو مصطلح ( مع اعتزازنا وتقديرنا لمن أطلق هذه التسمية ) ليس تمرديا او نابعا من رغبة حقيقية لخلق خصوصية عربية في كتابة قصيدة النثر . فهذا المصطلح ظهر بعد أن كتب الكثير من الشعراء العرب قصيدة النثر بشكل خاطئ . أي أنهم كتبوا قصيدة النثر على طريقة الشطر بسبب سوء فهمهم لها وليس حبا منهم للمغايرة . ومن اطلق هذه التسمية كان يريد أن يغطي على تنظيراته الخاطئة بعد أن أكتشف خطأها ، ولكنه لم يصرح بذلك لأسباب لاعلم لنا بها .

فكل من يفكر بالتمرد على حالة ما موجودة من اجل خلق المغاير والمختلف عليه أن يوضح لنا شيئين :

الاول : لماذا يتمرد على الشكل السائد ؟

والثاني : ماهي الاضافة التي يريد أضافتها على الشكل السائد ؟

وكذلك هناك نقطة اخرى في غاية الاهمية مرتبطة بنفس القضية ، ألا وهي أن من يتمرد على شكل فني او شعري ما عليه أن يستوعب أولا حد التخمة هذا الشكل الفني او الشعري قبل أن يتمرد عليه . والسؤال يبرز هنا تلقائيا : هل أن الشعراء العرب هضموا وكتبوا قصيدة النثر بشكلها المتعارف عليه في اوربا وامريكا حد التخمة لكي يظهر لديهم مبرر التمرد عليها ؟ وهل أن خروجهم على قوانين قصيدة النثر الاساسية نابعة من رغبة حقيقية لخلق شكل مغاير لها أم انه تمرد ناتج من سوء الفهم لها ؟

نحن نظن بأن قصيدة النثر العربية المشطرة خاطئة لأنها خرجت أولا على واحد من أهم شروط قصيدة النثر ، ألا وهو شرط شكلها المقطعي ، وهو شرط لم ينتج أعتباطا ولم يوضع لكي يتميز بشكله عن شكل قصيدة التفعيلة في زمن نشوءها فقط ، وأنما هو شرط نابع من طبيعة شكل النصوص النثرية الذي تنتمي اليه قصيدة النثر .

وكذلك هي خاطئة بسبب نسيانها دوافع التشطير في الشعر . فتشطير القصيدة ، يعني وجود ايقاع وموسيقى داخلية او خارجية مفروضة عليها من قبل النظام الذي تكتب به ( كقصيدة التفعيلة ) واحيانا من قبل الشاعر الذي يكتبها ( كالقصيدة الحرة ) . بمعنى أن حجم وشكل الشطر الشعري يتبع شروط الاسلوب الشعري الذي تُكتب به .

ولهذا نقول بأن بناء الجملة في القصيدة الحرة أو شكلها العام لم يظهر أعتباطا بشكلها المشطر . فعلى الرغم من أن شكل القصيدة الحرة لايتبع الاوزان المعروفة ، الا أن هندستها بالشكل المشطر ظهر بسبب الايقاع أو الموسيقى الشعرية التي تملى على الشاعر من أعماقه في لحظة كتابته ، وهي ايقاعات مستمدة بالاساس من مزاجه النفسي والذاتي ومن المزاج العام الموضوعي المحيط به ، أي من طبيعة حركة وأيقاع الحياة المحيطة بالشاعر ، غير أن الفرق بينها وبين ايقاعات قصيدة التفعيلة ، أن الاولى تكتب من دون اطار محدد مسبقا لموسيقاها وايقاعاتها ، بينما الثانية تُكتب حسب أطر أيقاعية مسبقة وثابتة . ومن يدري ربما سيظهر لنا ( فراهيدي ) آخر في زمن ما ، ويحدد للشعراء طبيعة الايقاعات التي كتب على غرارها شعراء القصيدة الحرة .

والشئ الاخر الذي يدعونا للتحفظ على قصيدة النثر العربية المشطرة ، هو تجاوزها على الشكل العام للقصيدة الحرة ولقصيدة التفعيلة أيضا . فلايجوز مثلا أن نقول عن القصيدة العمودية بأنها قصيدة تفعيلة سيّابية مثلا ، وكذلك لايجوز أن نقول عن القصيدة السيّابية أنها قصيدة حرة ، مثلما لايجوز أن نقول عن قصيدة التفعيلة أنها قصيدة نثر ، وهكذا . فلكل هذه الاشكال الشعرية شروطها وقوانينها الاساسية التي خلقتها ومن ثم خلقت تسمياتها .

أن مايكتبه الشعراء العرب بشكل عام هو القصيدة الحرة وهو النمط الشائع الان تقريبا في اوربا وامريكا وربما في العالم . ولكن تسميتهم لهذا النوع الشعري خاطئ . ففي غالب الاحيان يطلقون هذا المصطلح على قصيدة التفعيلة ، وأحيانا أخرى يطلقون مصطلح قصيدة النثر على القصيدة الحرة ، الى الحد الذي أوصلنا الى عدم تناول مصطلح القصيدة الحرة في الشعر العربي المعاصر مع أن الكثير منه ينتمي الى سياقها .

قد يظن البعض أن قضية التسمية والمصطلحات ليس لها أية أهمية تذكر ، بل وليس لها أية علاقة بشعرية النص الشعري . ونحن نقول أن هذا التصور خاطئ أيضا . لأننا حينما نكتب قصيدة نثر ، فأنه سيتبادر الى أذهاننا أن بناء الجملة فيها وبناءها العام هو بناء نثريا ، أي أن اللغة المستخدمة فيها في الغالب وليست دائما لكي نتوخى الدقة في الكلام ، هي لغة نثرية بالاساس اكثر مماهي لغة شعرية . بينما لغة القصيدة العمودية والتفعيلة والحرة ، هي لغة شعرية بالاساس ونثرية احيانا قليلة . ولهذا فحينما يكتب البعض قصيدة حرة بلغة غير لغتها ، أي بلغة قصيدة النثر مثلا ، فأنه يُحدث خللا لايستهان به في شعرية القصيدة الحرة ، وهنا مكمن الاساءة الى الشعر بشكل عام .

حينما يكتب شاعر ما أعتقادا منه بأن قصيدة النثر هي الشكل الاخير للشعر ( وهي ليست كذلك طبعا ) ، ولأعتقاده بأنها نتاج السياق الشعري الخالص فأنه سيكتب الشعر وخصوصا القصيدة الحرة بلغة النثر أكثر مما يكتبها بلغة الشعر . أي انه سيجعل الجملة وسيلة توصله الى الصورة الشعرية ، أكثر مماهي كائن مستقل يمكن أستخراج السؤال والرؤى والتصورات الشعرية منها .

الشئ الذي نود قوله أن الخلط بالتسميات للاشكال الشعرية ليس هينا وليس عابرا ، لانه يؤثر بشكل أو بآخر على شعرية القصيدة . فقصيدة النثر ليست الشكل الاخير للشعر ، وأنما برأينا أن ( القصيدة الحرة ) هي الشكل الشعري الاخير النابع من السياق الشعري العام .

وحتى هذه اللحظة فأن الكثير من شعراء اوربا وامريكا والعالم يكتبون القصيدة الحرة بالدرجة الاساس على اعتبار انها الشكل او القالب الاخير في كتابة القصيدة الشعرية الذي يناسب أيقاع العصر وموسيقاه ويناسب مزاج الشاعر النفسي في الوقت ذاته . بينما تأتي كتابتهم لقصيدة النثر لانها تستوعب شحناتهم الشعرية الانفعالية المتشكلة على هيئة النثر في اعماقهم وليس على هيئة الشعر المعروفة .

فكما هو معروف أن النثر سلسلة متواصلة من الجمل ، وهذه السلسلة تكون مترابطة عبر ادوات النثر المألوفة ، بينما جمل الشعر المشطرة غير مترابطة او متواصلة بطريقة النثر ، على الرغم من ترابطها وتواصلها الظاهر والباطن . وسبب اختلاف شكل الشعر عن شكل النثر برأينا هو بسبب أن الاول شعر ، وأن الثاني نثر . أي أن سبب أختلاف الشعر عن النثر ، ليس بسبب تحكم الاوزان التقليدية به ، وأنما لانه شعر قبل كل شئ . والشعر ، لايختزل بالاوزان والايقاعات ، وانما هو اكبر واوسع من هذا الجانب . ومن هذا المنطلق نقول ان الشعر يكمن في كل شئ في الوجود ، بما فيه النثر .

الشئ الذي نود قوله أن قصيدة النثر بالاساس لم تظهر لكي تزيح شكلا شعريا سابقا لها ، وأنما ظهرت لكي تصبح اضافة فنية راقية للاشكال الشعرية السائدة ، كالاضافة الشعرية الجميلة التي ستنتشر بالمستقبل أكثر من قبل والمتمثلة ( بالنص المفتوح ) أو ( النص متعدد الاجناس ) كما يحلو لنا التعبير عنه . حينذاك سنجد أن الشعراء سينشغلون بهذا النوع الكتابي أيضا وسينشغلون بالتنظير للشعرية الكامنة فيه ، وهي موجودة طبعا ، ولكن ليس ليثبتوا بأنه الشكل الشعري الاخير لانها ليست كذلك برأينا ، وأنما لان النص المفتوح سيكون مؤهلا لاستيعاب الشحنات الشعرية والنثرية أكثر مماتستوعبه قصيدة النثر او القصيدة الحرة ، مثلما لايستوعب النص المفتوح الشحنات الشعرية لقصيدة النثر وللقصيدة الحرة . ومن هنا نصل الى قناعة ان ضرورة قصيدة النثر نابعة كونها تستطيع استيعاب الشحنات الشعرية الكامنة في اعماق الشاعر التي لاتستطيع استيعابها القصيدة الحرة ، مثلما لاتستطيع قصيدة النثر استيعاب الشحنات الشعرية التي تستوعبها القصيدة الحرة .

فالعلاقة بين قصيدة النثر والقصيدة الحرة ، علاقة قائمة على المودة والصداقة وليس على النزاع والصراع ، لسبب بسيط جدا هو لانهما يسيران بخطين متجاورين وليس متصادمين . اذن لندعهما هكذا ولنبعد عنهما شروط الصراع لان الشعر لايصارع نفسه ليقهرها وانما ليجعلها تتوهج اكثر فاكثر كتوهج النار في المواقد القديمة .






رد مع اقتباس
الأعضاء ال 7 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
قديم 07-07-2010, 11:21 رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي

ما هي قصيدة النثر؟

بقلم / عبد القادر الجنابي (أديب عراقي مقيم في فرنسا)

1- صحيح أن مصطلح قصيدة النثركان شائعا منذ القرن الثامن عشر. فوفقا لسوزان برنار أن أول من أستخدمه هو اليميرت عام 1777، ووفقا لمونيك باران في دراستها عن الايقاع في شعر سان جون بيرس، أن المصطلح هذا يعود إلى شخص اسمه غارا في مقال له حول "خرائب" فونلي، وذلك عام 1791. وفي دراسة قيمة، صدرت فيباريس عام 1936، حول "قصيدة النثر في آداب القرن الثامن عشر الفرنسية"، يتضح أن المصطلح كان متداولا في النقاشات الأدبية. على أن بودليرأحدث تغييرا في مصطلح قصيدة النثر، وأطلقها كجنس أدبي قائم بذاته، بل أول من أخرج المصطلح من دائرة النثر الشعري إلى دائرة النص: الكتلة المؤطرة. ولم يكن اعتراف بودلير بمرجعية اليزيوس برتران في هذا المجال اعتباطيا أو مجرد اعتراف بالجميل،وإنما كان تلميحا إلى "معجزة نثر شعري" كان يحلم بانجازها. ذلك أن اليزيوس برتران،هذا الشاعر الرومانتيكي، قد ترك تعليمات إلى العاملين على طبع كتابه "غاسبارالليل"، أن يتركوا فراغا بين فقرة وأخرى مشابها للفراغ المستعمل عادة في تصميم اتكتب الشعر، وبهذا يكون أول من التفت إلى تقديم نص نثري ملموم ومؤطر في شكل لم يُعرف من قبل. كما أن بودلير كان واضحا أنه يعني شيئا جديدا غير موجود، وذلك عندما كتب في رسالته الشهيرة إلى هوسييه، "من منا لم يحلمْ، في أيام الطموح، بمعجزة نثرٍ شعري". إذن من الخطأ الكبير أن نحاول العثور على أشكال لقصيدة النثر البودليرية في ماضي النثر الفرنسي. ذلك أن بودلير في مشروعه نحو لغة شعرية تستطيع ان تتقاطب وما يتجدد مدينيا في شوارع الحياة الحديثة، جعل كل الشظايا والقِطَع التي كتبت قبله، تنام كأشباح في ليل النثر الفرنسي؛ آثارا توحي ولا تُري أية إمكانية نظرية تأسيسية.
2- من الخطأ الشائع اعتبار قصيدة النثر تطورا للنثر الشعري الكلاسيكي الفرنسي وتكملةً له. ذلك أن ما كان يُطلق عليه قصيدة نثر هو أعمال روائية تتوسل محاسن البديع وتستعير إيقاعات النظم، لكي ترتقي إلى مصاف الأعمال الشعرية. بينما قصيدة النثر هي قصيدة أداتها النثر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن، أولا، السبب وراء الفكرة التي تقول أن ظهور قصيدة النثر كان تصديا لطغيان العروض، هو أن النثر،أداة قصيدة النثر، خال من كل قواعد عروضية وبالتالي يمنح حرية أكبر للشاعر لكي يعبرعن انفعالاته الباطنة. وثانيا، أن تصاعد الرومانتيكية أعطى معنى جديدا لمفردة "الغنائية" lyrique. فبعد أن كانت تُطلق على الشعر الذي يُنظم بقصدِ التغنّي به فيموضوعات أو الرواية أو السرد القصصي على أوتار القيثارة القديمة المسماة بالليرا أي القيثارة، (وهذا يعني ان عنصر الموسيقى جزء حاسم في صياغتها)... صار لها معنى جديد اعتبارا من الربع الأول من القرن التاسع عشر، هو: الوظيفة المشاعرية كالحسية المُعبَّر عنها بالصور، بالعاطفة الفردية وأحاسيس الفرد الداخلية، وباتت مصطلحا يطلق على كل عمل أدبي حتى النثر (وفقا لقاموس ليتريه) يعبر عن الوجدان والعواطف ومتحرر كليا من مضمرات الموسيقى: واقترِحُ كلمة "الوجدانية" كمقابل لـ Lyrique لكييتضح هذا التغيير الانقلابي والحداثي في الحسية الشعرية التي مهدت الطريق لظهورقصيدة النثر.
3- قصيدة النثر ولدت على الورقة أي كتابيا، وليس كالشعر على الشفاه، أي شفويا. لم ترتبط بالموسيقى كالشعر ولم يقترح كتابها أن تُغنّى، ولا يمكن أن تُقرأ ملحميا أو بصوت جهوري يحافظ على الوقفة الإيقاعية القائمة بين بيت وآخر/ سطر وآخر كما في قصائد حركة "النظم الحر" (وأقصد Vers Libre، لأن ترجمة هذا المصطلحبـ"شعر حر" يخلق سوء فهم مفاده أن الصراع بين الشعر Poésie والنثر، بينما في الحقيقة الصراع هو بين النثر والنظم).
إن غياب التقطيع أو التشطير في قصيدةالنثر يشكل علامتها الأساسية. ففي النظم الحر، في نهاية كل سطر / بيتٍ فراغ يسميه كلوديل البياض.. وهذا البياض هو لحظة تنفس إيقاعي ضروري لجمالية القصيدة المشطّرة،كما يتغير فيها الإيقاع من شاعر إلى شاعر بسبب هذه الوقفة القطع في سير الإيقاع،هذا البياض يمنح القصيدة الحرة هيئتها الشعرية، بينما قصيدة النثر تكتسب هيئتها وحضورها الشعري من بنية الجملة وبناء الفقرة... والبياض غير موجود (رغم وجود الفواصل والعلامات فيها لأسباب يقتضيها بناء الجملة) إلا في نهاية الفقرة التي تجعل القارئ مستمرا في القراءة حتى النهاية. وألا ننسى أن أغلب قصائد النثر تتكون منفقرة واحدة، وبعضها من فقرتين. علينا ألا ننسى أيضا أن "الشعر" كلمة عامة وشاملة يمكن أن تطلق على أي شيء، بينما كلمة قصيدة تدل على وجود مستقل، بناء لغوي قائم بذاته...
4- قصيدة النثر لا يختلف بناؤها عن قصر المتاهة المذكور في الأساطير اليونانية. يمكن لشاعر قصيدة النثر أن يبدأ من أي مدخل يشاء:
"كان ياما كان... "
"عندما كنا... "
"ذات ليلة، عندما.... "
أو على طريقة الشاعرالصديق عباس بيضون، التي تختار الدخول على نحو مفاجئ:
"الأربعة النائمون على الطاولة وسط الجبال لم يشعروا بخيال الطائر وهو يتضخم في الغرفة.."
المدخل إذن سهل جدا، ما هو صعب المنال في كتابة قصيدة النثر هو الخروج/ نهاية القصيدة. لا يكفيأن تعرف كيف تبدأ فحسب وإنما عليك أن تعرف كيف تخرج من، أي تختم، القصيدة، كما يقول روبرت بلاي.
5- شاعر قصيدة النثر يَعرفُ مسبقا وذهنيا وإلى حد ما حجم الكتلة/ مساحة القَصر. ذلك أن قَصر المتاهة بناء مكون من حيطان تتعاقب وتتقاطع؛قصيدة النثر فقرة مكونة من جمل تتلاحق بحدةٍ شديدةٍ هبوطا وصعودا، مما تدفع القارئ إلى أن "يستقرئ العواطف البعيدة أو يجسّ الرِعدات الدقيقة... مستضيئا بالجملة اللاحقة ليُبصر السابقة"، كما قال بشر فارس في تلخيصه عن نوع من القصة القصيرة دون أن يدري انه كان يعرف قصيدة النثر.
6- على أن هناك عنصرا مكونا أساسيا الذي فقط من خلاله يمكننا أن نُميز قصيدة النثر عن باقي الكتل، النصوص والأشعار النثرية. إنه اللاغرضية (والبعض يترجم gratuité بالمجانية). وهو أشبه بالخيط الذي أعطته أريان إلى ثيسيوس الذي بقي يتتبعه حتى عرف طريقه الى المخرج من المتاهة.
الاختصار brièveté إذن، هو نتيجة تقاطب عنصرين اساسيين يعملان داخل قصيدة النثر،كل وفق حركته؛ قاعدته: الحدّة intensité حيث السرد المتحرك المنقطع السلك بين حائط وآخر، جملة وأخرى، يشدنا بسلسة واحدة من البداية حتى النهاية دون أي تباطؤ.. واللاغرضية gratuité ، هو سلك الخيط الذي يقود من المدخل / البداية إلى المخرج /الخاتمة وعلينا أن نتتبعها، وإلا سنضيع في متاهة نثر شعري له ألف رأس وألف ذيل،بينما غايتنا كتلة "لا رأس لها ولا ذيل" كما وضح بودلير..
تكمن شعرية قصيدة النثر في هذه اللاغرضية... المجانية. فالنثر بحد ذاته غير قادر على التخلص من وظيفة الوصف بغرضية منطقية. فبفضل عنصر اللاغرضية، يتخلص السرد الذي هو سمة رئيسية في قصيدة النثر، من جفوته، ومنطقيته النثرية، فهو هنا ليس وصف مخطط روائي يريد أن يصل إلى نتيجة ما، وإنما لغرض فني جمالي محض. عندما يبدأ أنسي الحاج قصيدة له بـ"ذلك العهد يدُ ما موت لم تكن ظهرتْ..." "ذلك العهد" ليس هنا لغاية سياقية تاريخية معلومة، وإنما لخلق إيحاء جمالي لحدث غير موجود.
7- يجب ألا نخلط بين قصيدة النثر والشظية الفلسفية كما عند نيتشه، ففي هذه الشظايا/ الكتل النثرية القصيرة،ثمة قصد فلسفي وغرضية واضحة، أو متسترة وراء موعظة ما. قصيدة النثر هي النثر قصيدةً: كتلة "يتأتى قصَرُها من نظامها الداخلي، ومن كثافتها النوعية ومن حدتها المتزنة". ليس لها أية غرضية، بل خالية من أي تلميح إلى مرجع شخصي: كتلة قائمة بذاتها.. أو كما كتب الشاعر الفرنسي ادموند جالو عام 1942، "قطعة نثر موجزة على نحو كاف، منتظمة ومرصوصة مثل قطعة الكريستال يتلاعب فيها مائة انعكاس مختلف... إبداع حر لا ضرورة أخرى له سوى متعة المؤلف، خارج أي تصميم ملفق مسبقا، في بناء شيء متقلص،إيحاءاتُه بلا نهاية، على غرار الهايكو الياباني
8- تنطوي قصيدة النثر" النثر، كما تقول سوزان برنار، "في آن على قوة فوضوية، هدامة تطمح إلى نفي الأشكال الموجودة، وقوة منظِمة تهدف إلى بناء (كلٍّ) شعريٍّ؛ ومصطلح قصيدة النثرنفسه يُظهرُ هذه الثنائية". في قصيدة النثر، إذن، توتر كامن يطيح بأية إمكانية توازن بين نقيضين بقدر ما يحتضنهما. وهذا يعني أن قصيدة النثر، كما تقول بربارة جونسن في دراستها الرائدة عن ثورة بودلير الثانية، تتسم بقوتين: إذا الشعرُ هوعَرْضٌ ذو سمة بمواجهة النثر كعرض بلا سمة واضحة، فقصيدة النثر إذا، تتميز بقوتين متعارضتين: حضور ضد غياب السمة و"إحالة الى قانون الشعر" ضد "إحالة الى قانون النثر"... فقصيدة النثر لا هي نقيض ولا هي توليف، إنما هي المجال الذي اعتبارا منه تبطل وظيفة الاستقطابية وبالتالي التناظر بين الحضور والغياب، بين الشعر والنثر".
ومن هنا يتفق معظم النقاد على أنهم أمام جنس أدبي شاذ غرضه تهديم الأنواع genres . ناهيك من أن شكلها الوحيد الأوحد، ينطوي أيضا على بعد تهديمي بصري وبالتالي مفهومي، يقوم بنسف الأفكار المسبقة والعادات المفهومية لدى القارئ الذي ما أن يرى أبياتا أو عبارات مقطعة حتى يصرخ أنها قصيدة، إذ في نظره ليستنثرا.
9- سيداتي سادتي: ما هي قصيدة النثر؟ إنها كل هذا وليس. لكن الشيءَ المؤكد هو انها نقيض قصيدة النثر العربية السائدة التي لا تلبي مطلبا واحدا مما أتفق جل النقاد عليه، رغم كل الاختلافات بينهم، بشأن قصيدة النثر. هناك أنماط من قصيدة النثر: البارناسية، الرمزية، التكعيبية، السوريالية، الظاهراتية، والأمريكية الغارقة بقضية اللغة والسرد الغرائبي. لكن في كل هذه الأنماط، الشكل واحد أوحد: كتلة قوامها نثر متواصل في جمل تجانس أي نثر آخر.
10- بطبيعة الحال يحق لكل شاعر أن يكتبَ كلٌ وفق نبض أحاسيسه وصوته الخاص، وليسمّ مخلوقاتَهُ كما يشاء، فقط عليه أن يَعرفَ إن مصداقية الشكل والمضمون هي عين ثقة الشاعر بما يقول. وقد يعترض شاعر على أن التسمية ليست ضرورية، ربما، لكن لماذا يسمي "قصيدة نثر" عملا اعتنى بتقطيعه موسيقيا متوسلا كل المحاسن البديعية التي ترفضها قصيدة النثر... بل حتى شدد على وقفات تُعتبر عاملَ بطءٍ إذا استخدمت في كتلة قصيدة النثر؟ أليس اعتباطا أن يسمّيَ شاعرٌ يكتب عادةً أشعارا موزونة، كلّ قصيدة لا يتمكن من ضبطها عروضيا، قصيدة نثر وليس شعرا فحسب! وكأن الشعرَ في نظره ليس سوى تفعيلات قُررت سلفا.
11 -رفض الحدود المرسومة لا يتم إلا عندما يعرف الشاعر ما هي هذه الحدود، وبماذا تتميز... حتى يكون لرفضه فضاؤه هو، مُنقى من كل شوائب التسميات التي كانت من طبيعة تلك الحدود المرفوضة. لقد وقف بروتون ضد فكرة الأجناس الأدبية، معتبرا أن الشعرتعبيرٌ عن استرداد المخيلة البشرية لحقوقها، وليس جنسا أدبيا خاضعا لقوانين مدرسية.... ومن هنا لم يسمّ كـُتـَلهُ النثرية قصائد نثرية رغم أن النقادَ يعتبرون بعضَها قصائدَ نثرٍ بامتياز!

إن الإصرار على تسمية عمل جوهرُه يتعارض، شكلا ومضمونا، مع ما يتميز به هذا الاسم، لهو في نظري، تعبيرٌ عن اعتباطية العمل نفسه
.






رد مع اقتباس
الأعضاء ال 7 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
قديم 07-07-2010, 11:27 رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي

قصيدة النثر شعر الانكسار

د. جميل حمداوي (عمرو) (
شاعر وناقد و مؤرخ وباحث تربوي مغربي)


ظهرت في المغرب مؤخرا مجموعة من الكتب والدراسات تتخذ قصيدة النثر موضوعا لها. ومن أهم هذه الدراسات:
أ- الشعري والنثري لرشيد يحياوي (1)
ب- شيخوخة الخليل، بحثا عن شكل لقصيدة النثر العربية لمحمد الصالحي (2)
ج- القصيدة الرؤيا: دراسة في التنظير الشعري لحسن مخافي (3)
د- في شعرية قصيدة النثر لعبد الله شريق (4)

وفي هذه الدراسة، سنركز على المحاولة التي ألفها الأستاذ عبد الله شريق، وهي دراسة مكثفة في ستين صفحة تقريبا. وتتضمن جوانب نظرية وتطبيقية علاوة على بعض التوصيات والمقترحات. وتستند هذه الدراسة إلى خمسة فصول على النحو التالي:
1- الحداثة والتراث في الشعر العربي المعاصر؛
2- إشكالية قصيدة النثر العربية؛
3- تحولات الشكل والتجربة في الشعر المغربي المعاصر؛
4- تجربة قصيدة النثر في المغرب: التصور النظري والإنجاز النصي؛
5- قصيدة النثر وإشكالية الإيقاع.

وتمتح مرجعية عبد الله شريق في هذه الدراسة من كتابات الشكلانيين الروس ومن رواد الشعرية الغربية أمثال: هنري ميشونيك، وجون كوهن، وجاكبسون، وجان مولينو، وطامين، والانفتاح على رولان بارت، وروني ويليك، وأوسطين وارين. أما على المستوى العربي، فينهل من كتابات أدونيس ومحمد بنيس وكمال أبو ديب وشكري عياد ويمنى العيد ومحمد مفتاح ومحمد العمري.
ويلاحظ على هذه المرجعية التنوع والثراء المعرفي والتوفيق بين الحداثة العربية والغربية، والانفتاح على التراث الشعري العربي الأصيل. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى سعة ثقافة عبد الله شريق وتمكنه من أدوات الشعر ومفاهيم الشعرية الإجرائية.
وينطلق عبد الله شريق على المستوى النظري من تقديم نمذجة تصنيفية لإبدالات الشعر المغربي الحديث والمعاصر وتجاربه حاصرا إياها في:
1- التجربة الكلاسيكية
2- التجربة الرومانسية
3- التجربة الواقعية
4- التجربة الإسلامية
5- التجربة الحداثية
وقد استخلص الباحث هذا التقسيم من خلال قراءته للشعر العربي بصفة عامة، والمغربي بصفة خاصة. ويضيف كذلك تقسيما للتجربة الشعرية المرتبطة بالشكل إلى ثلاثة أنماط:
1/ التجربة الشعرية العامة المرتبطة بحركة شعرية أو جيل معين من الشعراء في مرحلة تاريخية محددة.
2/ التجربة الشعرية الفردية الخاصة بشاعر معين.
3/ التجربة الشعرية النصية المرتبطة بنص شعري معين أو بمجموعة من النصوص.
وبعد ذلك، يرى الدارس أن الشكل الجديد أو شكل الشعر الحر يضم مجموعة من التجارب الشعرية، كالتجارب الواقعية ذات الأبعاد الاجتماعية والسياسية التي تسترشد بالواقعية الاشتراكية، وتجارب يتداخل فيها الوجدان الفردي مع الوجدان الجماعي، وتجارب صوفية ووجودية، وتجارب ذات أبعاد إسلامية.
ولقد تناول عبد الله شريق إشكالية الحداثة والتراث في الشعر العربي المعاصر، والمغربي خصوصا، مبينا أن الشعر المعاصر اتخذ طابعا حداثيا من سماته: الغموض والرمزية والتشكيل البصري.
ويلاحظ أن هناك كسادا شعريا بسبب غياب القارئ وتمييع الحداثة، والتخلي عن توظيف التراث الإيجابي توظيفا إبداعيا فنيا يخدم العمل الأدبي ويحقق الحداثة والعولمة الحقيقية. وقد ذكر مجموعة من الأوهام الأدونيسية التي ميعت الحداثة، وسجلت انفصال الشاعر عن تراثه؛ كوهم الزمنية والاختلاف عن القديم والمماثلة والتشكيل النثري والاستحداث المضموني.
هذا، ويسجل الدارس ثلاثة مواقف من توظيف التراث في الشعر:
1- موقف تقليدي محافظ يمثله التيار التراثي الذي يرتكن إلى الاجترار وتقديس الماضي.
2- موقف حداثوي ضعيف أو قليل التعامل مع التراث وانفتاحه على الحداثة الغربية باعتبارها مصدر الإبداع و التجديد والفرادة والتميز.
3- موقف حداثي يتعامل مع التراث برؤية فنية إبداعية، وكثير من تجارب الشعر المغربي المعاصر على الخصوص تندرج ضمن الموقف الأخير.
ويحدد الباحث كذلك طبيعة التعامل مع التراث في هذا الشعر المعاصر، فيقرر أن هناك ثلاث طرائق في التوظيف:
1- طريقة ديكورية بسيطة للرموز التراثية.
2- طريقة جزئية لبعض الرموز التراثية.
3- طريقة كلية لبعض الرموز التراثية.
وبعد هذا التصور النظري العام حول طبيعة الشعر المغربي والعربي: تصنيفا ونمذجة لتجاربه وتعامله مع التراث، ينتقل الباحث إلى قصيدة النثر لدراستها أجناسيا ونظريا وتطبيقيا.

يرفض عبد الله شريق مصطلح "قصيدة النثر" وكل المفاهيم التي تمت بصلة إليها؛ لأن هذا المفهوم يجمع بين جنسين متناقضين، كل واحد له ثوابته وقواعده. بينما قصيدة النثر هي إبدال من إبدالات الشعر العربي الحديث وأحد أشكاله الجديدة؛ لذلك يختار مصطلح "التجربة الشعرية الجديدة"، بدلا من "القصيدة النثرية" التي هي ترجمة حرفية لـ poème "en prose"، عنوان كتاب سوزان برنار Susan Bernard(5) الصادر سنة 1959. وقد عملت مجلة "شعر" اللبنانية على إشاعة هذا المصطلح في الساحة العربية الأدبية والنقدية. وقد سبب هذا المفهوم بلبلة أجناسية وتلفيقا مما جعل الدكتور عز الدين المناصرة يكتب دراسة بعنوان: قصيدة النثر جنس كتابي خنثى(6)، أي يجمع بين مقومات الشعر والنثر.
أما عبد الله شريق فينطلق من داخل جنس الشعر ليعتبر المنتوج الجديد تنوعا من تنويعات الشعر وإبدالاته قائلا: إن "القارئ المتتبع سوف يلاحظ أن النماذج الجيدة في قصيدة النثر تتوفر على هذه الخصائص [الشعرية مثل:التشكيل اللغوي، والتشكيل الإيقاعي، والرؤيا الشعرية]، أما النماذج الضعيفة في مستواها الفني والإبداعي فهي أقرب إلى النثر العادي من الشعر علما بأن الجنس الأدبي، ونحن هنا بصدد الشعر، يخضع للتحديد والتحول الداخلي وليس ذا طبيعة، مع محافظته طبعا على هويته الأساسية وعناصره الجوهرية المميزة له كنوع أدبي"(7)
ويذهب الباحث إلى أن قصيدة النثر ظهرت في العالم العربي "منذ أواخر الخمسينيات مع الماغوط وأنسي الحاج ويوسف الخال وغيرهم، تطويرا وتحويلا لتجربة أدباء المهجر. أما في المغرب فلم يتبلور [هذا الشكل الجديد] إلا مع أواخر السبعينيات على الرغم من المحاولات المحدودة التي ظهرت من قبل" (8)

وإذا كان كثير من المبدعين والنقاد يرفضون هذا المولود الجديد الذي يسمى (قصيدة النثر) بسبب إهماله للإيقاع الخارجي(9)، فإن عبد الله شريق يعترف بشعريته إذا كانت النصوص جيدة والتجارب الإبداعية صادقة ذات رؤيا إنسانية وفلسفة جادة، ولا تنفصل عن تراثها بشكل من الأشكال، وترتكز، بالتالي، على التشكيل الإيقاعي؛ لأنه دال جوهري عند هنري ميشونيك، بينما الوزن الخارجي ليس ضروريا مادامت هناك دوال إيقاعية أخرى تساهم في إثراء الإيقاع الداخلي للقصيدة كالتكرار الصوتي، والتوازي بكل أنماطه، والتجانس الإيقاعي، والترديد الموسيقي، والتشكيل الهندسي لفضاء النص.

وعلى مستوى التطبيق، اختار عبد الله شريق متنا شعريا مغربيا يشكل ما يسمى بـ (قصيدة النثر) أو (التجربة الشعرية الجديدة). وقد اعتمد على نصوص مجموعة من الشعراء المغاربة أمثال: محمد بوجبيري، وحسن نجمي، ووفاء العمراني، وإدريس علوش، وعز الدين حمروش، وحسن الوزاني، وعبد السلام موساوي، وإدريس عيسى، ومحمد عبد الغني، والزهرة المنصوري، وأحمد هاشم الريسوني، وأحمد محمد حافظ، ومحمد حجي، ووداد بنموسى، وجمال موساوي...
واستخلص الباحث من خلال قراءته لهذه النصوص الشعرية مجموعة من الملاحظات والاستنتاجات قد تساهم في تجنيس قصيدة النثر وتقعيدها، وتتمظهر في انطباعات تقويمية وتصورات نظرية ومنهجية يراد منها توجيه دفة هذه التجربة الشعرية الجديدة وتأطيرها تأطيرا إيجابيا.
وهكذا يصل الدارس إلى أن الشعر المغربي المعاصر "عرف نفس التحولات الكبرى التي عرفها الشعر العربي بالمشرق في الأشكال والتجارب العامة، مع اختلافات جزئية نسبية، وهو في الوقت الراهن يتنازعه شكلان حداثيان عامان هما: شكل الشعر التفعيلي أو الحر، وشكل الكتابة الجديدة أو قصيدة النثر. وأحيانا تتداخل مميزات هذين الشكلين في بعض النصوص. أما شكل القصيدة التقليدية فقد أصبح حضوره ضعيفا ومحدودا"(10)
فعلى مستوى البناء النصي الهيكلي ثمة ثلاثة أنواع:
1- نصوص قصيرة مقتصدة على شكل ومضات أو مشاهد وصور تلتقط حالات ولحظات محددة بإيجاز وكثافة.
2- نصوص قصيرة أو متوسطة الطول ذات بناء شبه دائري يقوم على التوازي التركيبي والدلالي.
3- نصوص طويلة نسبية متعددة المقاطع وذات طبيعة مركبة ومتنامية في بنائها يتقاطع فيها الغنائي مع السردي أو الدرامي، أو يهيمن أحدها عليها.
وإذا انتقلنا إلى الإيقاع، فهناك كذلك ثلاثة أشكال من النصوص الشعرية:
1- نصوص لا تهتم كثيرا بالإيقاع إلا ما جاء عفويا، وتعنى أكثر بشعرية الصور والتركيب والدلالة.
2- نصوص توظف التكرار والتوازي.
3- نصوص يتقاطع فيها أحيانا إيقاع التفعيلة مع إيقاع التكرار والتوازي من غير خضوع للتقنينات العروضية الصارمة.
أما على مستوى اللغة والتركيب، فيلاحظ أن النصوص الشعرية النثرية المغربية توظف إما لغة الانزياح والخرق والرمز، وإما لغة الحديث اليومي، وإما تستعمل أسلوب السرد والحوار.
وينتج عن هذا تعدد للرؤى الشعرية العامة إذ تصدر بعض النصوص الشعرية الجديدة عن رؤية ذاتية، أو رؤيا يتشابك فيها الوجدان الفردي بالوجدان الجماعي، وتنفتح على آفاق اجتماعية ووطنية وإنسانية، وهناك نصوص تهيمن عليها ظلال الرؤيا الصوفية اجترارا وتناصا وامتصاصا، كما توجد ملامح الرؤيا الوجودية والسريالية في نصوص أخرى.

ومن ثم، فقصيدة النثر في المغرب - يقول الدارس - اتخذت أشكالا "ورؤى متباينة، ونهلت من منابع متعددة، فهي تجربة تتقاطع فيها النصوص الطويلة والقصيرة، البسيطة والمركبة، ويتداخل فيها الغنائي والسردي، الدرامي والتشكيلي، الزمني واللازمني، ويتشابك فيها الذاتي والإنساني، اليومي والواقعي، الصوفي والمأساوي، الفوضى والنظام، الوحدة والتشظي، الانسجام واللانسجام... وهي ذات مستويات شعرية متفاوتة، فيها النثري البسيط والشعري المتألق، وفيها السطحي والعميق، والمقلد المكرر والمبدع الخلاق"(11)

وعلى مستوى الاقتراحات، يوصي عبد الله شريق الشعراء المعاصرين أو شعراء التجربة الشعرية الجديدة ألا يتخلوا عن التراث، وأن يوظفوه توظيفا إبداعيا جيدا، بطريقة يتطلبها السياق والمقال والرؤيا الشعرية قصد خلق حداثة متميزة. ويدعو كذلك إلى عقد مؤتمر عربي أدبي حول قصيدة النثر تحت إشراف اتحاد الأدباء العرب أو اتحاد كتاب المغرب أوبيت الشعر في المغرب (يرأسه محمد بنيس زعيم القصيدة النثرية بالمغرب وتلميذ أدونيس)، أو أية مؤسسة ثقافية عربية أخرى، بحضور الشعراء والنقاد لإيجاد مصطلح بديل لـ "قصيدة النثر". وقد سمعنا فعلا حسن نجمي رئيس اتحاد كتاب المغرب يقترح في برنامج الاتحاد لهذه السنة (2003- 2004) عقد مؤتمر عربي لقصيدة النثر. وهذا المؤتمر ليس فقط لتحديد المصطلح كما يقول الدارس، بل أيضا في – رأيي - وهو الأهم لوضع معايير تجنيسية لهذه القصيدة الجديدة وتقنينها؛ وإلا سيتعذر علينا وعلى النقاد والمبدعين أن يميزوا بين الشاعر والمتشاعر والشعرور والشويعر. وقد لاحظنا في هذا العقد الأخير زخما من النصوص الشعرية تدعي أنها تنتمي إلى قصيدة النثر، وهي لا علاقة لها بالشعر أصلا ولا بالقصيدة النثرية أيضا. فلا يعني أن نوظف الانزياح والاستعارات والغموض والإبهام لندعي بأننا شعراء، فكل الناس يوظفون هذه الخصائص في كلامهم وليسوا شعراء؛ لأنهم يحيون بها في حياتهم.
ويقترح الباحث كذلك اقتراحا آخر ويشدد عليه أيما تشديد ألا وهو ضرورة حرص شعراء التجربة الشعرية الجديدة على التشكيل الإيقاعي الذي يختلف اختلافا كثيرا عن قواعد الوزن الخليلي وبنوده في القافية والروي.

ومن خلال قراءتي المتواضعة لهذه الدراسة المفيدة والمركزة، أرى أنها دراسة نظرية وتطبيقية وتوجيهية تقوم على النقد الأجناسي أو شعرية "قصيدة النثر". بيد أن هناك بعض الملاحظات الإضافية على هذه الدراسة التي لا تنقص من قيمتها، بل تعمق النقاش في ما تطرحه من آراء و مفاهيم.
يلاحظ في البداية التداخل في فصول الكتاب وتكرار في الأفكار والمعلومات؛ وهذا راجع إلى أن الكتاب عبارة عن مقالات منفصلة قيلت أو أعدت لتقال في مهرجانات وندوات خاصة بالشعر المغربي المعاصر. ويلاحظ أيضا أن الدارس لم يحدد قواعد التجربة الشعرية الجديدة ومعاييرها التجنيسية بدقة وضبط واضح مادام يبحث في شعرية قصيدة النثر، كما أن أدوات التشكيل الإيقاعي في القصيدة الجديدة كالتكرار والتوازي... محدودة جدا، بينما هناك أنماط إيقاعية ودوال موسيقية كثيرة يمكن استمدادها من التراث البلاغي والشعري القديم أو من خطاب الصور البلاغية الغربية "La rhétorique"
ولم يحدد لنا الدارس كذلك الاستحداث المضموني في هذه النصوص الشعرية أو ما تميزت به القصيدة النثرية على مستوى المواضيع والتيمات والأبنية بالمقارنة مع القصيدة التفعيلية المغربية أو العربية بصفة عامة. ولم يبين لنا السياق التاريخي والسوسيولوجي الذي أفرز هذا الخطاب الشعري الجديد في المغرب ودلالات انكساره في علاقته بالواقع، علما أن ما ذكره الباحث من حيثيات سياقية خارجية تنطبق كذلك على الشعر التفعيلي. وما ينبغي أن يثار هنا كذلك، هل شبع القارئ المغربي من نصوص شعر التفعيلة؟ََ‼ وهل كانت هناك نماذج جيدة ارتاح لها المتلقي؟‼ وعلى ماذا يعبر هذا الكساد في الدواوين الشعرية وانقطاع القراء عن الإقبال على دواوين الشعرية المغربية؟‼ وهل وصلنا إلى مرحلة قصيدة النثر واللاعقلانية، ونحن لم ندخل بعد إلى مرحلة العقل والنظام والتقنين وشفافية الديمقراطية؟‼ هل يعقل أن نقفز إلى اللاعقل ونحن لم نجرب العقل بعد أن تخبطنا في "البيان" خبط عشواء؟‼
وإذا انتقلنا إلى المصطلح الذي يرتضيه الأستاذ عبد الله شريق "التجربة الشعرية الجديدة"، فنجده غير واضح؛ لأن المعيار الزمني هنا غير محدد بدقة لوجود تداخل في الأجيال وقفز على النصوص؛ إذ هناك من يكتب شعر التفعيلة ومازال الشعراء يكتبونها، وفي نفس الوقت هناك من يكتب الشعر المنثور، ويمكن في أية لحظة أن تفاجئنا تجربة شعرية جديدة، فيصبح هذا المعطى لا يعبر عن هذا الجديد. لذلك أسمي شخصيا هذه التجربة الشعرية الجديدة إما بالشعر الحر، وإما بشعر الانكسار. وما كان يسمى بالشعر الحر سيسمى بشعر التفعيلة؛ لأن ما كتبه السياب ونازك الملائكة ينبني على احترام التفعيلات العروضية، وهنا أوافق تسمية جبرا إبراهيم جبرا الذي يقول: "الشعر الحر، ترجمة حرفية لمصطلح غربي هو (free verse) بالإنجليزية، (vers libre) بالفرنسية. وقد أطلقوه على شعر خال من الوزن والقافية كليهما. إنه الشعر الذي كتبه والت وايتمان، وتلاه فيه شعراء كثيرون في أدب أمم كثيرة. فكتاب الشعر الحر بين الشعراء العرب اليوم، هم أمثال محمد الماغوط وتوفيق صايغ وكاتب هذه الكلمات. في حين أن قصيدة النثر هي القصيدة التي يكون قوامها نثرا متواصلا في فقرات كفقرات أي نثر عادي"(12)
وهذا المفهوم نجده كذلك عند سركون بولص الذي يعد من أبرز رواد قصيدة النثر في الشعر العربي منذ الستينيات من القرن الماضي: "نحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطئ وفي الشعر العربي عندما نقول قصيدة النثر نتحدث عن قصيدة مقطعة، وهي مجرد تسمية خاطئة. وأنا أسمي هذا الشعر الذي أكتبه بالشعر الحر كما كان يكتبه إيليوت وأودن وكما يكتبه شعراء كثيرون في العالم الآن، وإذا كنت تسميها قصيدة النثر فأنت تبدي جهلك؛ لأن قصيدة النثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارميه وتعرف بـ (Prose Poem) أي قصيدة غير مقطعة"(13)
إذاً، فالشعر الجديد ينطبق عليه مصطلح الشعر الحر؛ لأنه يتحرر من الوزن والإيقاعات العروضية المعروفة، أي – باختصار – إن قصيدة النثر قتلت الخليل وأعلنت شيخوخته على حد عنوان كتاب محمد الصالحي(14)
وأفضل مصطلحا آخر أكثر تعبيرا ودقة ألا وهو "شعر الانكسار"؛ لأن القصيدة الجديدة كسرت كل شيء، وخرجت عن كل معايير الكتابة الشعرية القديمة وطرائق شعر التفعيلة وأوغلت في الانزياح والتمرد والخرق والفوضى على كل الأصعدة والنواحي الموضوعية والفنية والتشكيلية.

ويذهب عبد الله شريق إلى أن البدايات الأولى لقصيدة النثر ظهرت "في المشرق منذ أواخر الخمسينيات مع الماغوط وأنسي الحاج ويوسف الخال وغيرهم، تطويرا وتحويلا لتجربة أدباء المهجر."(15) لكن أرى أن شعر الانكسار أو قصيدة النثر ظهر أو ظهرت مع بداية الشعر التفعيلي منذ أواخر الأربعينيات؛ بل يمكن أن نجد للشعر المنثور جذورا قديمة وحديثة تعود إلى السرد القديم، وإلى كتابات مصطفى صادق الرافعي خاصة في كتابه "رسائل الأحزان"، وكتابات المهجريين أمثال: جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة.
ويذهب شربل داغر في كتابه "الشعرية العربية الحديثة" إلى أن قصيدة النثر "لم تكن، تاريخيا وإنتاجيا، منفصلة أبدا عن حركة الشعر الحر. فبداياتها ترقى بدورها إلى نهاية الأربعينيات مثل حركة (الشعر الحر). كما أننا نجد شعراء يكتبونها منذ بداية الخمسينيات. وفي مجلة الآداب تحديدا. إنهم شعراء من سوريا وفلسطين، لا من لبنان فقط: محمد الماغوط، جبرا إبراهيم جبرا، توفيق الصايغ، نقولا قربان، أنسي الحاج"(16) بل يرى شربل داغر أن "ديوان سريال للشاعر السوري أورخان ميسر، الذي نشر بعد موته في 1979، عن منشورات اتحاد كتاب العرب بدمشق... يكشف عن وجود قصائد نثرية ترقى إلى نهاية الأربعينيات"(17)

ومن الضروري بعد كل هذا أن نحدد مجموعة من الضوابط والمعاييرالتجنيسية لتحديد شعر الانكسار أو ما يسمى بقصيدة النثر على حد تسمية سوزان برنار، وهي معاييراستنبطناها من الدراسات التي كتبت حول قصيدة النثر أو التجربة الشعرية الجديدة كما يسميها عبد الله شريق.
وإليكم هذه المعايير والضوابط التي تحدد إلى حد ما شعرية شعر الانكسار:
1- إعلان نية التجنيس أو القصدية في الكتابة،
2- الإيقاع الداخلي أو إيقاع التجربة؛
3- الانسياب أو الجريان المسترسل؛
4- الانكسار والتشويش والتمرد والتمرد على الانتظام؛
5- اللاعقلانية؛
6- بلبلة الأنواع الأدبية؛
7- نثرية اللغة؛
8- تكسير أفق القارئ وتخييب توقعه على مستوى التلقي؛
9- الإكثار من الإبهام والغموض؛
10- التنويع في التشكيل الفضائي والبصري؛
11- الجمع بين الشاعرية والنثرية؛
12- التمادي في الانزياح والخرق الأسلوبي والبلاغي؛
13- التجريب والتثوير نحو المجانية والفوضى والتبعثر والتمرد؛
14- الوحدة النصية بدل وحدة البيت أو الجملة الشعرية؛
15- التكثيف الإيحائي والتركيب الإشراقي؛
16- تيمات الحداثة (الجنوح نحو الذات والجنون والروح والحرية والثورة على العقل والتقنين وحضارة المدينة...)؛
17- الشعر الرؤيا.

وخلاصة القول: يبقى عمل عبد الله شريق في هذه الدراسة القيمة عملا مثمرا ومفيدا لا يستهان به. ولا يمكن لأي باحث إذا كان يدرس القصيدة النثرية القفز عليه لما يطرحه من أدوات ومفاهيم في مقاربة القصيدة النثرية: فهما وتفسيرا، أوتفكيكا وتركيبا. ولا يمكن كذلك الاستغناء عن هذا العمل لما يزخر به من توجيهات ومقترحات هامة ومقاربات نظرية وتطبيقية وأجناسية ناجعة وفعالة، ولا سيما أن هذه المحاولة بداية جادة لطرح الأسئلة والإشكاليات المتعلقة بشعرية هذه الكتابة الجديدة وطريقة التعامل معها إبداعا ونقدا وتوجيها، وإلا سيبقى باب القصيدة النثرية مفتوحا لكل من هب ودب، وسيؤدي ذلك إلى تمييع الشعر وكساده كما هو الواقع الآن.









آخر تعديل بواسطة nadime ، 07-07-2010 الساعة 11:30
رد مع اقتباس
الأعضاء ال 7 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
قديم 07-07-2010, 11:36 رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي

قصيدة النثر
بين التأصيل والاستقلالية

د. بهنام عطاالله (شاعر وكاتب من العراق)

قصيدة النثر ، جنس أدبي يستمد من الحداثة والثقافة أهم مقوماته ، وهي ضرورة فرضت نفسها إزاء التطورات الحاصلة في المجتمعات ، من أهم مبادئها الأساسية : الحصر ، الإيجاز ، شدة التأثير والوحدة العضوية .
لقد عرفE. Jalous أفضل تعريف حين قال :( إنها قطعة نثر موجزة بما فيها الكفاية ، موحدة ومضغوطة كقطعة من بلور ، تتراءى فيها مائة من الانعكاسات المختلفة في خلق حر ، ليس له ضرورة ، غير رغبة المؤلف في البناء ، خارجاً عن كل تحديد ، وشيء مضطرب إيحاءاته لا نهائية .
ومن الناحية الإبداعية ، لا تشكل قصيدة النثر قطيعة مع القصيدة العمودية أو قصيدة الشعر الحر . إن البعض يعد قصيدة النثر خارجة عن القواعد العامة لحركة الشعر ، بحجة عدم التزامها بأوزان الشعر المعروفة ، إلا أن ما يؤكد عكس ذلك هو قول دي بوس : (إن هناك الكثير من القصائد الجميلة بلا أبيات شعرية ، كما أن هناك الكثير من الأبيات الشعرية التي تخلو من الشعر) . ولكن بالرغم من ذلك تبقى للقصيدة الموزونة تأثيراتها الجذابة والمدهشة .
لقد برزت قصيدة النثر وتطورت في الغرب ، وعلى وجه الدقة في نهاية القرن التاسع عشر ، إلا أن جذرها مستمد من الشرق ، بل إن القارئ الفاحص والذي يمتلك ذائقة شعرية يستطيع أن يستنتج : إن قصيدة النثر قد ظهرت أول ما ظهرت في ملحمة كلكامش ، التي كتبها السومريون في بلاد ما بين النهرين ، كما ان النتاجات النثرية الآرامية لاحيقار الحكيم ، كاتب الملك سنحاريب وحامل أختامه وقصته المعروفة مع نادان ابن أخته ، والتي ترقى إلى القرن السابع قبل الميلاد ( 680 ق . م ) ، هي ايضاً نمطاً من الكتابة النثرية . وإذا أمعنا البحث والاستقصاء سنرى في كتاب العهد القديم (التوراة) ، نماذج لقصيدة النثر ، كما في سفر نشيد الإنشاد - الذي هو عبارة عن قصيدة تنشد الحب البشري - ومزامير داود النبي وسفري الجامعة والأمثال وغيرها . فضلاً عن هذا وذاك فان القصيدة (الآرامية) لشعراء سريان أمثال : مار افرام السرياني ونرساي وابن العبري ، والتي نشأت في الشرق ، قد أخذت هذا المنحى ، فضلاً عن كتابات الصوفية النثرية وكتاب النفري ورسائل ابن العربي والبوني وغيرهم ، ومن ثم نصوص يوسف الخال وأدونيس وانسى الحاج ومحمد الماغوط وتوفيق الصائغ أصحاب مجلة (شعر) ، ثم أصحاب مجلة (أبولو) وجماعة مجلة (الكلمة) العراقية ويأتي في مقدمتهم الكاتب حميد المطبعي . فقصيدة النثر أصولها مشرقية ، بل إن بعض الشعراء في الغرب قد تأثروا بما مضى ذكره ، منهم الشاعر ت س . اليوت في (الأرض اليباب) ، والذي يستمد فكرة قصائده من الكتب المقدسة ، التي ظهرت في الشرق .
وقصيدة النثر جنس أدبي مستقل ، بل إنها ‘عدَت نوعاً أدبياً حقيقياً ، وان لم تكن ملامحها واضحة لحد الآن ، وقد استطاعت أخيراً أن تتحول من (الهامش إلى المركز) ، كونها نوع من الكتابة الحرة ، وهذا ما أكده الشاعر عز الدين المناصرة في اطروحته للدكتوراه والمعنونة (الجنس المستقل) ، حيث يرى : إن قصيدة النثر هي نص مفتوح على أنواع سردية نثرية ، وفيه درجات عالية عن النثرية ، أي أنه كتابة حرة ، وبالتالي فهو جنس مستقل ، لأن من مميزات قصيدة النثر : الاستقلالية بجانب الإيجاز والوحدة الموضوعية .
ومن اجل أن تتطور قصيدة النثر وتستقل بذاتها كجنس أدبي معترف به ، يجب أن تسعى إلى أن تكون ظاهرة فنية ، ولن يكون لها ذلك ، إلا إذا (تمكنت بمقدرة كتابها من امتلاك أدواتها السليمة معرفياً ورؤيوياً . فالأدب - والشعر منه بشكل خاص - ليس طريقة خاصة في التعبير حسب وانما هو طريقة خاصة في الرؤيا كذلك ، وان والتلاعب باللغة وحده ولن يخلق قصيدة النثر ويدفعها إلى مستوى الشعرية ، ما لم تنهض الرؤيا لتحرك ذلك النسيج اللغوي والخاص بتشكيلاته المتميزة ، تحركه وتتحرك داخله .
كما أنها ليست كما يعلن البعض سهلة الكتابة ، بل إنها صعبة الكتابة ، كونها قد تخلت عن الوزن ، فكان لا بد من إحلال إيقاع داخلي محله ، يعمل على شد بنية القصيدة نحو المركز ، ولخلق علاقات حيوية بين مفاصل القصيدة ، لتترك أثرها الواضح على ذائقة المتلقي ، ومن هنا فان كاتب قصيدة النثر يحتاج إلى دراية خاصة بهذا النوع من الجنس الأدبي .
وقصيدة النثر متمردة (لأنها ولدت من تمرد على الاستعبادات الشكلية التي تحول دون أن يخلق الشاعر لنفسه لغة فردية ، والتي تضطره إلى أن يصب مادة ‘جملهِ اللدنة في قوالب جاهزة) ، كما تؤكد سوزان برنار في كتابها الموسوم (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا) . نعم إنها متمردة على كافة القوانين الكلاسيكية في نظم الشعر ، فهي تستمد قوتها من الحداثة والمغايرة والتنافر والفنطازيا في محاولة لتغير القوالب الشعرية الجامدة والجاهزة ، بل إنها محاولة جادة لتجديد الشكل الشعري العربي .
لقد أضفت قصيدة النثر للمشهد الأدبي ، جنس أدبي ينزع نحو التجدد والعصرنة والحداثة ، جنس مستقل متجرد من طوق الصرامة والقيود ، سيعزز بلا شك طريق الأدب ، ويرفده بقوة التكثيف والتخييل والشفافية






رد مع اقتباس
الأعضاء ال 6 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
قديم 07-07-2010, 11:39 رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي

قصيدة النثر.. ومأزق الشعر والشعرية

فاطمة المحسن (ناقدة عراقية)

لأول مرة يتواجه فريقان من الشعراء في مدينة واحدة، ولأول مرة تتخذ الخلافات الأدبية " الجمالية"، صيغة التمثيل والنيابة، بل صيغة الحرب المعلنة.
في القاهرة عقد مؤتمران، مؤتمر نظمه المجلس الأعلى للثقافة، والثاني أقامه شعراء قصيدة النثر.اعتذر الكثير من المدعوين الى المؤتمر الأول،حتى الذين يقفون مع الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي منظم هذا اللقاء،وكان اعتذارهم لاسباب شتى، ولكن الخوف من أن تكون الكلمة مسرح حرب،تشطر الشعراء فريقين، وتتمثل فيها الموجات الأدبية على هيئة أبطال للخير والشر، هذا ما لم يتوقعه وما لا يستسيغه الكثيرون.
المعركة لا تبدو عربيا على المستوى ذاته من الأهمية والدلالات، كما حالها في مصر، ففي مصر اليوم كل شيء يتخذ صيغة التأويل والإحالة الى السياسة وفوضى الكلام والاتهامات بالعمالة والعمالة المضادة.
كأن أحمد عبد المعطي حجازي فيما كتب عن قصيدة النثر، قد أيقظ الفتنة من سباتها، بل كأنما أيقظ سؤال القصيدة الذي يقف خلف الكواليس دون ان يجرؤ على طرحه احد. جاء كتاب حجازي عن قصيدة النثر التي اطلق عليها تسمية (القصيدة الخرساء) لتنشط الأقلام في الدفاع عنها، بل وتعريفها او إعادة تعريفها، وتحديد موقعها في الشعرية العربية. ولكن كل تلك الكتابات التي حاولت اعادة لاعتبار الى قصيدة النثر لم تكن قادرة على اخفاء مأزقها ومأزق الشعر عموما ،ولعل موقف حجازي الذي قيل بأنه قدم جائزة الشعر هذا العام الى نفسه، يشير الى ان الشعر وصل الى نهاية مشواره، ولم يعد هناك من مزيد.
بقيت قصيدة النثر مقبولة في حياتنا دون أسئلة مؤرقة،وهذا أخطر ما في الشعر،واستوت كالعُرف لاينشر الخلق سواها،فهي حاضرة في المواقع الالكترونية والمنابر الصحافية،و لن تجد إلا استثناءات نادرة من الشباب الذين يكتبون التفعيلة، ولم يبق لهذه القصيدة من المشاهير، إلاّ شعراء من الأجيال التي أوشكت أن تصل نهاية شوطها.
ولكن قصيدة النثر، مكثت في الكثير من نماذجها في العزلة، لا تجد جمهورا يصغي اليها، ولا مسوقا لديوانها،وتبدو وكأن عصر جماهيريتها الذهبي انتهى بموت الماغوط.
في حين استطاع الشعر الحر احتلال موقع متميز في الأدب العربي خلال فترة قياسية، لم تتجاوز العقد او العقدين،وغدا هو الشعر المفضل شكلا وحساسية وذائقة. وانزوى شعر القريض مدحورا حتى بات الشعراء الذين يكتبونه يصنفون دون تردد بانتسابهم الى عالم قديم. أما شعراء التفعيلة فقد داوموا على البقاء كرواد دون منازع الى يومنا، يناكد بعضهم قصيدة النثر ويؤرقون يومها في أحيان. درويش يقول كلمة مستنكرة بحقها، ويحجم عن التثنية، وسعدي يمرر مكره ونزقه دون الإمعان في التجريح، وقلة منهم يعلن ما أعلنه حجازي،لأن ذاكرة الكثير منهم ما زالت طرية،ولم تتصلب شرايينها كي تنسى مجابهات رواد الشعر الحر،وكيف خرجت قصيدتهم منتصرة، لأنها قبل كل شيء حاجة أملتها تطورات المعرفة والقراءات والحساسيات، وهكذا تملي " الحتميات" قانونها.
تتعين قصيدة النثر اليوم بكتّاب قلائل يقال عن كل واحد فيهم هذا شاعر جيد، وليس بها كجنس يجري الخوض في جمالياته وتحديد اتجاهاته وطرائق كتابته وتمايزات كتابه ؟ . ولعل هذا الحال سبب مشكلة يتبادل فيها النقاد والشعراء الإتهامات، فالشعراء محبطون من جهل النقد وافتقاده الى أدوات القراءة الحديثة وفهم ما يبتكرون، والنقّاد ينعون على هذا الشعر تشتت أجياله وتحوله الى مطية لكل من هب ودب من العاطلين عن الادب.
ولا شك ان قصيدة النثر انتشرت في زمن غادر فيه الشعراء الى الأجناس الأخرى من الكتابة، وما عادت تجربة الكتابة عند الكاتب تبدأ بالشعر، كما كان التقليد في السابق. وبار ديوان الشعر في الأسواق، وانصرف القراء عنه الى الرواية، وبات ناشر الشعر مثل مغامر تحركّه حمية الدفاع عن شيء نبيل ينبغي أن لا يغرب عن حياتنا. ولن تجد في مراجعات الكتب اوالبحوث والدراسات الاّ حصة ضئيلة للشعر، وناقد القصائد الجديدة مثل الحاطب في ليل، إزاء هذا الفيض من الكتابات التي تندرج في باب قصيدة النثر. في هذه المعمعة تعرّض الكثير من شعراء قصيدة النثر الى الاهمال والتجاهل، كأنما النقد قد ختم على الشعرية عموما بالصمت.
إذن هي أزمة شعر وشعرية، وليست أزمة نوع شعري، ولكن هل اسهم هذا النوع، اي قصيدة النثر، في تحطيم عرش الشعر عند العرب، وذبح بقرتهم المقدسة؟ .
المؤكد ان الحياة الجديدة تنتظم في ايقاع يختلف عن السابق، ولكن الشعر لن يغادرها مهما عز مناله، فقصيدة النثر، مثل الأنواع التي سبقتها أنتجت شعراء من أفضل ما انتجته الشعرية العربية على الأقل في العقود الاخيرة،على الرغم من جهل الناس بهم، او قلة تداول مطبوعهم، وهم لاينافسون سعدي ودرويش مثلا، لانهم يقفون في فضاء آخر من الإبداع الشعري .
وجود قصيدة النثر في الأساس يعني فيما يعني، خذلان جماهيرية الشعر وشعبيته، تحطيم فكرة التواصل في الشعر الكلاسيكي عموما وليس الشعر العربي وحده. أبقت قصيدة التفعيلة عرى التواصل قائمة من خلال الوزن، ولكن قصيدة النثر بتخليها عنه بقيت عارية من ذاكرة كان يمرر من خلالها الجديد دائما وفي كل تقاليد القول. ان فكرة الانقطاع في قصيدة النثر إقتضت مجالا للقول وحساسية ولغة مختلفة، ولكن نماذجها السائدة في الغالب، بقيت تحوم حول قصيدة التفعيلة، ولا تملك التصميم على الإنفصال عنها.
يحدد النقاد الذين ادلوا بدلوهم في تعريف قصيدة النثر، ان شرط التواصل يأتي من غنائية القصيدة وتكثيفها وجعلها مصقولة كالبلور، وتلك المصطلحات كما أراداتها سوزان برنار،واضعة دستورها عند العرب، ينضاف اليها ما جاء به رامبو ومالارميه ( السحر الايحائي) و (الابجدية السحرية، والطلسم الغامض)، وهي تعبيرات بالكاد تمسك باصولها ومنطقها معادلات النقد .
أنسي الحاج يقدم شروطه : الايجاز والتوهج والمجانية . ولا يقيم كبير وزن الى الايقاع والتصويت : رنة الاحساس، توقيع الجملة، سجع المشاعر، وسواها من المصطلحات التي رافقت ظهور قصيدة النثر.
ان مشكلة قصيدة النثر هي شرعة الشيوع فيها، استباحتها، فيما هو الشعر كلام لايلزم صاحبه معرفة قوانينه، وما دامت تلك القوانين في الأصل من المبهمات.
هل نعود الى تأثير غياب النقد؟ ربما، وربما ان روح العصر على اختلاف مع روح عصرنا نحن العرب، فنحن نبحث في القصيدة على ما نعرفه من قواعد وجدت في شعر غير شعرنا، دون بيان المتطلبات الجوهرية الجمالية والروحية تبعا للعصور والأفراد، حسبما فُسرت قصيدة النثر في مصدرها الفرنسي.
الشعر يبقى حاجة ، ولن تطوى صفحاته، فهو حاضر في كل فن، وهو حاضر في كل هنيهة من حياتنا، ولكن كيف يمسك الشاعر ذلك الحضور وتلك الهنيهات الفالتة، تلك قضية تعود الى اختلاف مبدع عن مبدع، وهذا يشمل الشعر مثل الرواية وكل أجناس الإبداع، فلماذا نحّمل قصيدة النثر تلك الحمولة الثقيلة






رد مع اقتباس
الأعضاء ال 6 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
قديم 07-07-2010, 12:17 رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي

مفهوم قصيدة النثر

فرزند عمر (ناقد وباحث من سوريا)

بالرغم من كثرة ما كُتِب عن قصيدة النثر, لا بد من الإشارة إلى أن النصوص النقدية التي حاولت تناول هذا المصطلح, لم ترقَ إلى مستوى الانغماس الحقيقي مع طبيعة هذا الجنس الأدبي و هويته, فجاءت النصوص النقدية إما بشكل يأخذ طابع الحماس لهذه التجربة, أو طابع العداء له, من هنا و بسبب هذه الإشكاليات, وجدنا نفسنا مضطرين لبعض التوضيح, لأن مفهوم قصيدة النثر بوحدتيها (مصطلح / معنى) يعتبر من أهم الإشكاليات التي ساقت العديد من الأقلام في صفحات الأدب العربي الحديث.
و مع أن هذا النوع الجديد للنسيج الأدبي الذي اقتحم الساحة الشعرية، و فرض هيمنته الفعلية في أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينيات من القرن المنصرم - بحيث أصبح حتى المعارضون الشرسون لهذا النوع الشعري لا يجدون مصطلحاً لغوياً بديلاً عن قصيدة النثر ينعتون به هذا الكائن الجديد الذي فرض حضوره بقوة - لكن الجدال مازال عن الهوية التي تمتلكها هذه القصيدة, فالمصطلح بشكله اللغوي جاء ترجمة ل Poetic Prose.
و أجدني مضطراً لعدم الخوض في عملية إثبات لوجود هذا الكائن الأدبي, و الذي لا تخلو مجلة أو كتاب عن الإشارة لهذا الجنس الأدبي الجديد, بنعته كمصطلح متعارف عليه و هو (قصيدة النثر).
لكننا سنحاول الدخول في تاريخ هذا الجنس الأدبي و طبيعته و هويته.
- لمحة تاريخية:
مع أواخر القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين, و مع التطور الهائل الذي تعرضت إليه البشرية في العالم, كان لا بد من أن تتفاعل منظومة الثقافة العربية مع تلك التغيرات التاريخية, و كان لا بد من إيجاد صيغ معرفية للدلالة على نتاجات لم تتم صياغتها ضمن هذه المنظومة, كذلك كان لا بد من إيجاد طريقة للمثاقفة مع الآخر في ظل ثورة حقيقية بدأت تقرب المسافات الجغرافية.
وفي ظل الحركة الأدبية الموجودة كجزء من هذه المنظومة الثقافية, بدأت هذه الحركة بالانخراط ضمن هذه التغيرات بخطوات تعثرية تارة و جدية تارة أخرى.
و بدأ القارئ العربي بالاطلاع على منتجات أدبية بمصطلحات جديدة في الساحة الأدبية العربية (مسرح – قصة – رواية – و آخرها قصيدة النثر) لكن الملفت للنظر أن الأشكال الأخرى للأدب - عدا قصيدة النثر – لم تلقى التشنج من قبل المتلقي العربي كما لاقاه هذا الجنس الأدبي, و الذي اصطلح فيما بعد على تسميته بقصيدة النثر, على الرغم من أن تلك الأجناس كانت من الجدة ما تفوق قصيدة النثر كالمسرح مثلاً.
و الأسباب الكامنة لهذا التشنج تعود في رأينا لما يلي:
1 – الإرث التاريخي الثقافي للمنطقة بشكل عام:
حيث أن تاريخ الثقافة العربية من الجاهلية و حتى تاريخ الثورة الثقافية السابقة الذكر, كان في أغلبها مستندة على بنية القصيدة الشعرية الموزونة ذو الشطرين بطريقة أو بأخرى, حتى أنه سمي الشعر بديوان العرب و كان الشعر يوازي اللغة كقيمة وظيفية في نقل الحاضر نحو المستقبل.
مثلاً نجد أن الجوائز الأدبية و التقريب من الحاكم كان في جلها تُرصَد لكتّاب الشعر, بينما النثر في كل أشكاله أعتبر كنمط أدبي من الدرجة الثانية.
و إن الاقتراب من هذه الذاكرة الكبيرة, و محاولة تطعيمها بما هو جديد, لهو أمر في غاية الصعوبة, و إننا نعتبر هذا التشنج مبرراً من الناحية العاطفية الاجتماعية, لكن لا يمكن استهجانه من الناحية الثقافية المعرفية, فالمثاقفة أمر لا بد منه, حتى أننا في هذا العصر نكاد لا نستطيع التعبير عما نريد بدون الرجوع إلى المصطلحات المعرفية التي وردتنا من الغرب
2 – قصيدة النثر كانت كغيرها من الأجناس الأدبية:
لقد جاءت قصيدة النثر في لحظة بدت و كأنها ثورة على ثورة, فالجدال عن مفهوم قصيدة التفعيلة كان مازال في بداياته, جاءت قصيدة النثر و كأنها تعلن نفسها البديل لكل ما سبق, من هنا كانت الصدمة أكبر من أن تستوعب.
3 - إقحام الدين من قبل بعض الكتاب:
إن بعض المهتمين بهذا المجال قام بإقحام الدين الإسلامي, من خلال المقاربة مع كتاب الله عزّ و جل – القرآن الكريم – على أن البذور الأولى لقصيدة النثر تتجلى في كتاب الله عزّ و جل, و الفهم الخاطئ لهذه المقاربة. بالإضافة لما شاع عن قصيدة النثر من مفاهيم تتضمن الهدم للإرث التاريخي, و الدين الإسلامي باعتباره الحجر الأساس في ذلك الإرث الكبير, تخوف بعض رجالات الدين من أن تطال مساحة الحرية الممنوحة لهذه القصيدة ذلك الإرث.
4 – المعركة التي حاولت إسناد قصيدة النثر لم تكن معركة شعرية
إن مدافعي قصيدة النثر في الأغلب كانوا من الأيدلوجيين و المعارك الناشبة كانت في أساسها معارك ايدلولجية بين من يحمل أفكاراً ثورية تريد إقصاء الماضي و استبعاده من الذاكرة العربية و بين أيدلوجيات تحاول الإبقاء على التراث و كانت قصيدة النثر الملعب الذي تتم فيه تلك المعارك.
- هوية قصيدة النثر من خلال سرد تاريخي لتطوره 2:
ذهب بعض النقاد إلى إحالة قصيدة النثر كصنف غربي خالص, أتى إلينا في مطلع القرن الماضي من خلال بعض الرواد المتأثرين بشعراء الحداثة الغربيين, أمثال ت.أس.اليوت الإنكليزي و رامبو الفرنسي, و اعتبروه دخيلاً على الشعر العربي و يجب استئصاله, كونه يؤدي إلى نسف الذاكرة العربية, و هدم أسسها المعرفية.
لكن سنحاول من خلال جولة سريعة تاريخية دراسة بذور قصيدة النثر في التراث العربي.
1 – فن المقامات
فن انتشر في القرن الرابع للهجري, و هو عبارة عن مآلفة بين الشعر و النثر, مستنداً على لغة أدبية خاصة, تعتمد على النزوع إلى الأطناب و الإكثار من الجمل المترادفة و التزام السجع للحفاظ على التوازن الصوتي الخاص بالمقامة, و أهم من يمثلون هذا العصر: (بن العميد والصاحب بن عباد وبديع الزمان الهمذاني وأبي عامر بن شهيد وأبي بكر الخوارزمي).
و استمر هذا الأسلوب الخاص حتى مطلع القرن الماضي لدى المويلحي، في (ديث عيسى بن هشام) ولدى أحمد شوقي في (واق الذهب).
و فن المقامة تنهل من الطرفين النثري و الشعري معاً, فهو فن نثري شعري, و قد أطلق عليه صفة النثر الفني, ففيه من الإيقاع ما يقارب الشعر, لكنه لا يصله من حيث الوزن و القافية و الشطرين الذين أحاطوا بمفهوم القصيدة آن ذاك.
2 – النثر الشعري لدى الصوفيين:
كحركة موازية لحركة المقامات الآنفة الذكر ظهرت حركة أكثر عمقاً و أكثر تعقيداً لكنها مهمشة و ضائعة آن ذاك بسبب المناخ السياسي السائد حينها, و هي النثر الشعري للصوفيين و نجدها في طواسين الحلاج، ومواقف النفري، ومخاطباته والإشارات الإلهية للتوحيدي، حيث نشهد ثورة باللغة على اللغة لتأسيس مشهد جديد، يكشف عن تجارب روحية هادرة تنزع للتحرر.
3 – النثر الشعري الرومانسي:
ظهرت في مطلع القرن العشرين تجارب تحاول محاولة جادة في أن تغرف من الشعر في أسلوب الكتابة النثرية, و كان أهم من مثل هذه المدرسة (بران خليل جبران وأمين الريحاني والرافعي، وأحيانا كثيرة لدى المنفلوطي والزيات وطه حسين).
4 – الشعر المنثور:
و هي مرحلة تعتبر كمرحلة نضج للنثر الشعري الرومانسي و امتداداً له, و هنا نجد أن التجربة تقترب كثيراً من قصيدة النثر، لا في شكله الظاهري فحسب، إنما في نظامه الإيقاعي الداخلي والخارجي وما يفرضه هذا النظام من هيمنة على البناء النحوي الخاص بشعرية النص، و كبداية لذلك نجد (قصيدة المساء 1902 لخليل مطران و مرثيته التي أنشدها في حفلة تأبين الشيخ إبراهيم اليازجي، بعنوان شعر منثور 1906، وما كتبه أمين الريحاني اعتبارا من سنة 1907، ثم ما كتبه جبران).
5 – بدايات مفهوم قصيدة النثر 3:
تظهر في جماعة أبوللو في مصر التي أسست مجلة سميت بنفس الاسم في أيلول عام 1932 هذه الجماعة بدأت بتأسيس المفاهيم الأولية لقصيدة النثر, لكن ما كان يعيب عليهم تأثرهم الأعمى بالقصيدة النثرية التي وفدت من الغرب, و التجارب السريالية و الدادئية التي اتخذوا منها نبراساً لتجاربهم.
6 – توطيد مفهوم قصيدة النثر:
بدأت التجارب الجادة لبلورة مفهوم قصيدة النثر لدى جماعة شعر في سورية (دونيس - أنسي الحاج..إلخ)
حيث أخذت قصيدة النثر تفرض نفسها كجنس أدبي جديد, لها ميزاتها و لغتها الشعرية و اصطلاحاتها اللغوية, معتمدين على تجارب من التراث العربي, وأخص بالذكر الشاعر الكبير أدونيس, حيث نظّر لهذا المفهوم بالإضافة لما كتب.
إذاً من خلال هذا السرد التاريخي الموجز, لا نجد قصيدة النثر نشازاً, أو ورماً خبيثاً في جسد الشعر العربي, إنما تطوراً طبيعياً لما كان في الماضي, مع مرور بحالات جمود و سكينة, نتيجة الظروف التاريخية التي تعرضت لها المنطقة بشكل عام, و ليس دخيلاً على الشعر العربي أو غريباً عنه, بل حركة تجديد و تطوير طبيعيتين لأي منتج أدبي, فهو لم يكن كما المسرح مثلاً, إذ أن الثقافة العربية لم تسمع بهذا المصطلح قبل قرن و نصف تقريباً.
مفهوم قصيدة النثر:
سنقوم بإيجاز شديد للإحاطة و لو بشكل مختصر بتعريف هذا الجنس الأدبي الذي شكل ثورة في اللغة على كل المستويات صياغة و تركيباً, و فتح آفاقاً جديدة أمام الكلمة, و ارتأينا لتوضيح هذا المفهوم بالقيام على شرح لبعض المفاهيم و ذلك لفهم وشرح هذا الجنس الأدبي الخاص, و سنقوم في البداية بشرح لمفهوم الشعر و شرح مفصل لمفهوم الإيقاع لما فيه من غموض, و علاقته بشكل أو بآخر للمعارك التي نشبت بين الشعراء قديمهم و حديثهم.
مفهوم الشعر:
هذه الكلمة التي ربما إلى الآن - بالرغم من التعريفات الكثيرة التي أحاطت بهذا المفهوم الغامض (لسهل الممتنع) - لم يستطع الكتّاب وضع صورة نهائية لها, و السبب في رأينا عائد إلى كون الشعر أقرب الفنون إلى اللاشعور, فهو:
أصدق ترجمة لحظية للاشعور المتدفق في لحظة انفعالية أقرب إلى اللاوعي منها إلى الوعي لكن ليس هو الإحساس أو التجربة أو الانفعال بل هو الصياغة اللغوية النهائية التي تروض الانفعال للمعنى و الغاية الأساسية منها إعطاء دفقة شعورية, مهمتها الأولى إرجاع السكينة للأنا المزدوجة (نا الكاتب و المتلقي) نتيجة تعرض تلك الأنا لحالات قلق متأتية أصلاً نتيجة وضعها أمام العدم, بغرض مصالحة مع الأنا أو إعطائها قدرة على المواجهة.
و الفرق الجوهري بين أنا الكاتب و المتلقي, هو أنّ الكاتب يتعرف على بقعة القلق الخاصة به قبل هذه الدفقة الشعورية, بينما لدى المتلقي تأتي بعد استقبال هذه الدفقة.
و بهذا يكون الشعر وسيطاً لنقل القلق بين الكاتب و المتلقي باتجاه واحد و هو (تب متلقي), و يتم ذلك من خلال فهم متبادل للشعور بين الكاتب و المتلقي بأدوات لها قدرة على حمل و إيصال هذه الدفقة الشعورية.
فالشعر بهذا المعنى هو صورة اللغة الانفعالية هذا الانفعال الذي يقوم على خلخلة اللغة كي يفتح أمامها فضاء دلالياً جديد
وإن الأفكار أو الصور الرائجة في الثقافة التي أنتجت النص، تتحول عن حالة البداهة، والانتظام والنسقية النثرية التي تكون عليها في ميدان الفكر والمعرفة العامة، إلى حالة الخلخلة والتشكيك أحيانا، في نظام آخر، هو النظام الشعري
و إذا كان المفكر ينزع نحو المعرفة البديهية التي بها يستكشف الحقيقة، فإن الشاعر وهو يؤسس القصيدة فإنه ينزع نحو معرفة تمكنه من تلمس تداعيات الحقيقة، فالأفكار عنده تصبح شكلا من أشكال العمل التخيلي، وهنا لا تضحي البداهة دليلا على قوة الأفكار كما هو شأن المفكر، يل استجلاء الصورة المتخيلة التي تنصهر بالأفكار المتداعية هو الدليل على قوة القصيدة الشعرية
فالشعر هو معرفة الظهور بوصفها اكتشافا لمناطق من الكينونة ما تزال مجهولة
وذهب بودلير إلى اعتبار "الشعر تجاوزا للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة سوى ضمن عالم مغاير وأخروي" (15). ويقول جوزيف جوبير "إن الشاعر يعرف ما يجهله
فالشعر تساؤل يريد جواباً بينما الفكر و العلم هي أجوبة على تساؤلات مطروحة
و تعتبر اللغة العلمية مغايرة الغائية لأنها تجد تأسيسها خارجها، في حين تعتبر اللغة الشعرية ذاتية الغائية لأنها تجد غايتها داخلها
من هنا نجد أن الشعر مرتبط بالذات الفاعلة بالدرجة الأولى (ذات الكاتب و المتلقي), و بالحركة بالدرجة الثانية, فهي عبارة عن حركة ذاتية, و كما يشير أدونيس في أكثر من مناسبة أن الحركة تعني التجاوز أي الرفض و الهدم, و الرفض ليس بمعنى العدم, إنما الرفض المبني على الرؤيا, و الرؤيا هي نوع من الاتحاد بالغيب يخلق صورة جديدة للعالم أو يخلق العالم من جديد.
و يقول الناقد الفرنسي جان إيف تادية " الشعر فضاء جديد "
و ربما الأسلوب أو القالب الذي يحمل هذا الانفعال الشعوري هو ما تم الاختلاف حوله, لكن مع الثورة التي سبق ذكرها و التي طالت بنيان اللغة, كان لا بد من توسيع مفهوم الشعر إلى مفهوم أشمل و أوسع من مفهوم الأوزان الخليلية, و هذا ما نحن بصدده.
- ما هو الإيقاع؟
هناك بعض الحقائق العلمية الطبية أردنا ذكرها كبداية لشرح هذا المفهوم و هي 4:
حقيقة علمية طبية و مفادها " التنبيه المتناوب للتشكيلات الشبكية الموجودة تحت السرير البصري في الدماغ, تؤدي إلى زيادة في إفراز المورفينات الداخلية, و بالتالي إعطاء حالة استرخاء للجسد البشري, و الاستمرار في هذا التنبيه يؤدي إلى النوم ".
من الحقائق الطبية الأخرى " الاختلاف في الأنماط الشخصية تعود إلى التنوع الإيقاعي الذي يحيط بالشخصية لا إلى المورثات "
فأي تنبيه غير منتظم لا يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تغيرات فيزيولوجية نفسية في الشخص المعرض لتلك التنبيهات.
" الإيقاع بكل أشكاله (لحواسي و اللاحواسي) - الحواسي و الذي يتم استنباطه من خلال الحواس الخمس و اللاحواسي الذي يتم استنباطه من خلال التفكير – في النهاية تؤدي إلى نفس التأثيرات في الدماغ, من خلال إفراز لمادة تسمى بالسيرتونين, و التي تعتبر الوسيط للتنبيهات التي تتم في البنى الشبكية لما تحت السرير البصري, و هي ما أشرنا به في الحقيقة الأولى "
هذه الحقائق الطبية يمكن لمن يريد الاطلاع عليها الرجوع إلى أي مرجع طبي في بحث (وار النوم و فيزيولوجية الدماغ).
من خلال تلك الحقائق يمكن تقسيم الإيقاع إلى حواسي و لا حواسي, و تجاوزاً في هذه الدراسة سنقوم بتسمية الأخير بالإيقاع الادراكي الفكري, و ذلك لأنني من خلال بحثي لم أجد أي مرادفة مناسبة تشير إلى هذا النوع اللاحواسي و ذلك للتفريق بينهما.
و ندرج فيما يأتي أمثلة واقعية لتأكيد تلك الحقائق.
النشوة التي يصل إليها المتصوفون في حلقات الذكر, و التي تأتي بعد حالة إيقاعية تشترك فيها كلا النوعين (لحواسي و الادراكي الفكري), تتطابق مع نشوة مدمني المخدرات, و لمن يريد الاطلاع يستطيع أن يقارن بين الأعراض التي تصيب المتصوف في لحظة التجلي, و الأعراض التي تصيب مدمني المخدرات في لحظات الانتشاء, و إن الإيقاع الصوتي لوحده إن حاولنا فصلها في حلقات الذكر غير كفيلة بإيصال المتصوف إلى تلك الحالة الآنفة الذكر.
التنويم المغناطيسي و هو الوصول إلى حالة من الاسترخاء و النوم نتيجة حالة إيقاعية يأخذ الإيقاع البصري فيه الأولوية بجانب الإيقاع الادراكي الفكري.
هناك في الطب ما يسمى بالتخدير النفسي, و أثبت العلماء أنه يمكن إجراء العمليات من خلال هذا التخدير, و هو يستند إلى إخضاع المريض لحالات إيقاعية شديدة تؤدي في النهاية من خلال تفعيل حلقة السيرتونين إلى إفراز غزير للمورفينات الداخلية و بالتالي إلى التخدير.
تغير التأثيرات الإيقاعية مع تغير الحالة الفكرية للأشخاص, و قد أثبتته التجارب العملية بكل فئاتها, فحالة إيقاعية معينة يمكن لها أن تصل بشخص ما إلى حالة من الاسترخاء, بينما شخص آخر لو تعرض لنفس الحالة الإيقاعية لن يصل إلى تلك الحالة, و هذا دليل على تغير في التأثيرات الإيقاعية بين شخص و آخر.
تتغير المفاهيم الإيقاعية الصوتية بتغير البنية الإيقاعية بشكلها الكلي 5 فهي في تأثير و تأثر مستمرين, وفي هذه الفقرة ندخل إلى صلب موضوعنا, فالقوانين التي استنبطها الفراهيدي ذات يوم, و التي أعني بها البحور العروضية, كانت متأثرة بشدة بالحالة الإيقاعية التي تحدثها خطوات الجمال.
إذاً
الإيقاع متصل مباشرة بالدماغ عبر قنوات ادراكية معينة, مهمتها الأساسية كما أسلفنا السيطرة على الحالات الانفعالية لدى الكائن البشري, و إن هذا الإيقاع و تأثيره على الدماغ مرتبط مباشرة بالحالة الفكرية المعرفية لهذا الكائن أو ذاك.
و عندما نعلم أن قشر الدماغ و الذي يقوم بالسيطرة على كل التنبيهات الواردة إلى الدماغ من لجم أو زيادة تفعيل لهذه التنبيهات, و الارتباط المباشر بين القشر الدماغي و عمليات الذاكرة و التعليم, نعلم مدى الارتباط الوثيق بين التعديلات التي تتم لمختلف التنبيهات الواردة إلى الدماغ و ذلك بتغير المخزون الفكري من شخص إلى آخر.
إذاً نحن أمام أمرين اثنين متغيرين, التنبيه و مستقبل هذا التنبيه و هما في حالة تأثير و تأثر بالبنية الإيقاعية الجمعية و النتيجة النهائية لتفاعل الاثنين يعطينا حالة شعورية ما
بذلك يمكن الإجابة الآن على السؤال المطروح سلفاً و هو ما هو الإيقاع
1 – البنية الإيقاعية تعني انتظاماً معيناً محسوساً أو مدركاً و إن كان الإيقاع الصوتي أحد أهم الأنواع المدركة حواسياً أو فكرياً و ذلك لتجربة الأذن الطويلة في الإدراك الإيقاعي
2 – لهذه البنية مستويان مستوى ظاهر محسوس و مستوى باطن مدرك فكرياً 6
3 – المستوى الباطن أكثر تعقيدياً نظراً لتوضعه المخفي (بالنسبة للمنبه و المستقبل للتنبيه) في لاوعي الطرفين, و بما أنه من الصعوبة إدراكه كذلك من الصعوبة وضع قوانين له.
4 – ترتبط البنية الإيقاعية في مستوييها الباطن و الظاهر بالبنى الكلية المحيطة, و أخص بالذكر البنية اللغوية في مجاليها النظمي و الإيحائي و هي في تأثر و تأثير مستمرين.
5 – للإيقاع وظيفة مهمة و تكمن في تنظيم وظائف الدماغ, و أكبر مثال عليها النوم الذي يعتبر السبيل الوحيد لاستعادة الدماغ نشاطه من جديد, فهو يأتي في شكل إيقاع فكري خالص من خلال التنظيم الدوري للحلم خلال النوم (وار النوم), بحيث أن الشخص عندما ينام يمر بأربع أو خمس أطوار متكررة, يمتد كل طور حوالي الساعتين, في نهاية كل طور يتم استدراك الماضي من خلال عمليات فكرية معقدة و هو ما يسمى بالحلم, و ضمن الطور الواحد هناك تواتر لعمليات إيقاعية فيزيولوجية متشابهة في كل طور.
و ربما يتساءل سائل أن الشخص لا يدرك سوى حلم واحد, و هذه أيضاً حقيقة, فلا يمكن تذكر الأحلام الأربع أو الخمسة كلها, و يتم تذكر الحلم الأخير و الذي يتم الاستيقاظ أثناءه.
6 – من خلال الفكرة الخامسة نصل إلى الفكرة السادسة و هي أهمية الإيقاع الادراكي الفكري كوظيفة دماغية, على الرغم من أهمية الإيقاع الصوتي لسهولة إدراكه.
الإيقاع الشعري:
الفن مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقلق فهو المصنع الرئيسي الذي تتم فيه العمليات المعقدة لأي حالة إبداعية.
و القلق هي حالة من اللاتوازن النفسي التي تصيب الأنا, ضرورية لاستمرارية هذه الأنا في المسيرة الحياتية, عبر عمليات أشبه بالشحن و التفريغ.
فالقلق المتأتي بالدرجة الأولى نتيجة وضع الأنا أمام العدم, هذا القلق المدرك من خلال الشعور بالفراغ و أبعاده المبهمة, لا يجوز أن يستمر, لأن استمراريته تؤدي إلى اضطرابات عميقة في الحالة النفسية و بالتالي إلى ما يسمى بالأمراض النفسية المعروفة.
لذلك كان لا بد من إيجاد عمليات تفريغية في سبيل الوصول إلى حالة من التوازن, الذي يمكن له و في أي لحظة أن يختل من جديد, لتبدأ الأنا في البحث عن وسيلة جديدة للإفراغ.
و كلما كانت عتبة الاستثارة للأنا منخفضة (عتبة الاستثارة و نعني بها الطاقة أو الموقف الذي بإمكانه إدخال الأنا إلى حالة القلق المخلة بالتوازن المذكورة سابقاً) كلما كانت الذات قريبة من الإبداع في أي لحظة و أخص بالذكر الإبداع الفني.
و إن عمليات الإفراغ لهذا القلق المتولد, تتم عبر عدة أقنية وإن كان الإفراغ الجنسي هو الأهم حسب نظرية التحليل النفسي 7 لكن و حسب نفس النظرية و تعديلاتها التي أتت فيما بعد فرويد - أمثال ايرك فروم و يونغ - تؤكد أن طرقاً أخرى تشارك في المسألة الافراغية و نذكر منها:
التسامي: و ذلك من خلال التمسك بالفضائل و الأخلاق السامية كما نجدها لدى الرهبان.
عن طريق الإبداع: و هو موضوع بحثنا, فالمبدع يحاول تفريغ شحنة القلق من خلال حالة إبداعية تحمل قلقه باتجاه الغير المرتقب و هو المتلقي.
هناك عمليات معقدة: لا داعي لشرحها هنا كالنكوص و التفريغ المرضي.
نصل في النهاية إلى أن الإبداع حالة صحية تبحث فيها الأنا السليمة عن وسيلة لتفريغ القلق الناشئ و الضروري لاستمرارية الأنا في الحضور ضمن الجماعة.







رد مع اقتباس
الأعضاء ال 6 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
قديم 07-07-2010, 12:18 رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
nadime
nadime غير متواجد حالياً
كبار الشخصيات

الصورة الرمزية nadime

إحصائية العضو





nadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond reputenadime has a reputation beyond repute

افتراضي

بقية المقال السابق
مفهوم قصيدة النثر

فرزند عمر (ناقد وباحث من سوريا)


و ندخل بذلك إلى صلب موضوعنا و هو الشعر كحالة إبداعية لها خصوصيتها, تتأتى هذه الخصوصية من كونه أقرب الحالات الإبداعية للاوعي - المبهم المعالم – الممثل لتلك الحالة الشعورية, التي تحمل كمية كبيرة من القلق, أكبر من الكمية التي تحملها الأجناس الأخرى من الأدب, و الذي يحتاج بدوره إلى أدوات مساعدة قادرة على حمل هذا القلق و إخراجه من الذات الشاعرة باتجاه المتلقي المفترض.
و يأتي هنا دور الإيقاع كأداة هامة مساعدة لحمل هذا الكم الهائل من القلق المتأتي من تلك الحالة الإبداعية الخاصة.
لذلك كله آثرنا أن نقول أن الشعر = إيقاع و هذا أمر لا يختلف عليه اثنان قديمه و حديثه
لكن ما هو الإيقاع و الإيقاع الشعري تحديداً.
- تعريف الإيقاع الشعري:
يمكن تعريفه الآن من خلال كل ما سردناه عن الإيقاع و الشعر و علاقته بالذات الشاعرة و اللاوعي لتلك الذات بالشكل التالي:
بما أنه إيقاع إذا فهو حالة من الانتظام للتنبيهات الواقعة بين سكونين سكون البداية و سكون النهاية و بما أنه شعري فهو يحمل صفة معينة و هي الشعرية, و كما نوهنا أن الإيقاع وجد لأداء وظيفة دماغية, إذاً فهو:
عبارة عن تنبيهات منتظمة تقع بين سكونين تصل الدماغ (دماغ الشاعر و المتلقي) ليقوم هذا الدماغ على إرجاع السكينة للذات المتفاعلة (ذات الشاعر و المتلقي) بغرض مصالحة مع الأنا أو إعطائها قدرة على المواجهة.
هذا الإيقاع الذي هو حركة الكلام في الكتابة حيث يكون على أشده في القصيدة الشعرية سواءً النثرية أم العمودية أو قصيدة التفعيلة بينما يتناهى نحو السكون في الخطاب النثري العلمي و قد شبه بول فاليري الكتابة الشعرية بالرقص مقارنة مع الكتابة النثرية من حيث رصد الحركة في كلتا الحالتين
و يكون بهذا المعنى النثر والشعر قمتين شامختين يمكن أن يقاس الفرق بينهما إنهما ليس أكثر أو أقل تباعدا من رقمين مختلفين فهما مثل الرقمين في التماس ولكنهما متغايران نتيجة للفرق عينه الموجود في الكم، والجديد الذي أوحت به الدراسات اللسانية الشعرية هو قياس "درجة الشاعرية" في القطبين معا، حيث "الفرق بين الشعر والنثر كمي أكثر مما هو نوعي"، لهذا افترض النثر العلمي الطرف المقابل للشعر
أما بالنسبة لموضوعنا الأساسي الشعر و كيفية تجلي الإيقاع في الأجناس الشعرية المختلفة من قديمه إلى حديثه فنقول:
الإيقاع في القصيدة العمودية أو قصيدة الوزن:
و يشترك فيه أكثر من نوع من الإيقاع
1 – الإيقاع السمعي:
و هو الإيقاع الواصل إلى الدماغ من خلال إدراك الأذن للموسيقى المتأتية من الموسيقى الظاهرية للنظام الصوتي للحروف, و المنتظمة في نظام تعارف عليه بالبحور العروضية, و هي البحور التي تم وضعها من قبل أبو خليل الفراهيدي مع القافية التي يجب الالتزام بها من قبل الشاعر, و التي تضيف إلى البحور إيقاعا صوتياً إضافيا.
و كلنا يعلم أن القوانين التي وضعت من قبل الفراهيدي كانت قوانين استنتاجيه للقصائد التي جاءت من قبله, هذه القوانين التي فرضتها البنية الإيقاعية الجمعية المدركة من خلال الطبيعة (تأثرها بخطوات الجمال).
و يخطر في بال أحدنا سؤال:
على ماذا كان الشعراء يعتمدون قبل الفراهيدي؟
هل كان الفراهيدي هو الحكم فيما بينهم؟
إذاً
نستخلص من كل ذلك أن الإيقاعات الصوتية السمعية إذ جاءت كضرورة من ضرورات الشعرية آن ذاك, و تم التركيز على الإيقاع السمعي و ذلك لسهولة الإدراك السمعي للإيقاع - هذا ما أشرنا به سابقاً - إذ أن الإيقاع السمعي لا يحتاج إلى عمليات فكرية كبيرة.
2 – الإيقاع البصري:
و نراه من خلال التنضيد الذي يتم للبيت الشعري الواحد في شطرين مع القافية المتكررة آخر كل بيت.
3 – الإيقاع الادراكي الفكري:
و التي تأتي من خلال الانكساريات المتعددة و بؤر التوتر التي تحملها القصيدة ومن خلال الصياغة اللغوية و الصور البيانية و الجماليات التي تتمتع بها القصيدة الشعرية.
و هنا أطرح بعض الأسئلة التي يمكن أن تفيدنا
في أيامنا هذه بعد تطور وسائل التعليم كيف يمكن للأصم استساغة قصيدة شعرية؟

أليس من حقه في أن يرقي نفسه و يخلصها من القلق؟ و ذلك باعتبار ما للشعر من وظيفة كما أسلفنا سابقاً.
أيمكن للأوزان الخليلية أن تفيد الأصم!؟
كيف يمكن أن نبرر سقوط كثير من الشعراء الماضين من القاموس الشعري العربي مع أنهم كانوا ملتزمين بالأوزان العروضية؟
كيف يمكن أن نبرر وقوف قصيدة النثر موقف الند للند مع القصيدة العمودية في أيامنا هذه ؟ مع أن هذه الأخيرة لم يمضي عليها أكثر من نصف قرن مقابل تراث يصل إلى العشرين قرناً و.
- و إن كان الأمر ليس كذلك لماذا هذه الحرب بينهما؟
ألا يمكن أن تحمل قصيدة النثر شعرية حقيقية نحن غائبين عنها و إلا لما استمرت؟
أهو الغرب فعلاً شماعتنا الجاهزة بأن نعلق عليها كل الأشياء التي نظنها رديئة؟
لماذا لا نحاول البحث و التقصي؟
الإيقاع في قصيدة النثر:
على ضوء ما ذكرناه عن مفهوم الإيقاع نصطدم سلفاً بما أوردناه من علاقة الانتظام مع الإيقاع, و علاقة القصيدة النثرية بتحطيم القوانين.
ربما هذه النقطة بالتحديد هي أكثر النقاط شائكة في بحثنا, فهي النقطة الرئيسية التي تم الجدال حولها باستمرار بين مدافعي قصيدة الوزن و مدافعي قصيدة النثر, و هي التي أودت بكثير من المتطفلين على حشر نتاجاتهم ضمن هذا الصنف الأدبي الجديد الذي لا قوانين له و لا حساب و لا محاسبة, مما استدعى وقوف الطرف الآخر و نعني مدافعي قصيدة الوزن موقف المتفرج الفرح, لأن ما كانوا يحذرون منه قد حدث, و نسي الاثنين أن الحرية هي عبارة عن فسحة الحركة المتاحة بين الخطأ و الصواب, و مهما بلغت الحرية فهي لا تعترف بالقتل كفعل يجب امتلاكه كي نكون.
إذا نحن أمام معضلة كبرى أو متناقضات كبيرة مثل (فوضى / انتظام).. (ية / قوانين)...(هدم / بناء)...(لوزن / موسيقى)...(ة / سكون).
و هذه المتناقضات هي أساس القوانين الإيقاعية التي تبنى عليها قصيدة النثر.
و هنا أطرح تساؤلات
أليست الحرية بحد ذاتها قانوناً؟
لماذا الغضب و التشنج الذي يصيب معتنقي قصيدة النثر كلما جاءت سيرة القوانين ؟ لماذا كلما دق الكوز بالجرة تأتي سيرة الحرية؟ و أنها سبب البلاء, و أنها سوف تصبح وباءً علينا, و أن مجتمعنا لديه قوانينه الأبدية, و أن الهدم لن يصحبه الا الاستغناء عن الماضي... و ما إلى هنالك من كلمات و جمل يتذرعون بها مدافعون قصيدة الوزن.
من قال ذلك؟
هل استغنى رواد قصيدة النثر عن الماضي؟
لماذا إذاً عذّب أدونيس نفسه و ضيع وقته لدراسة الماضي و إحيائه من جديد...
هل من مجنون واحد حتى أولئك المتطفلين على قصيدة النثر قال مرة أن المتنبي ليس بشاعر؟
هل قُرِأتْ قصيدة للحطيئة أو امرأ القيس أو أبو تمام أو... الخ و تم رفضها؟
لماذا نحاول دائماً أن نبني حروبنا على أساس نفي الآخر؟
الإيقاع الظاهري:
و يوازي الإيقاع السمعي و البصري الذي تحدثنا عنه في قصيدة الوزن.
ويعتمد على البنية الصوتية للحروف كما في قصيدة الوزن, لكن ليس بترتيبية الفراهيدي و الأوزان العروضية, إنما من خلال مبادئ خاصة, من أهمها على سبيل المثال و ليس الحصر, التكرار المقطعي في ترتيبية صوتية معينة ضمن المقطع الشعري الواحد, أو التكرار اللفظي لبعض الكلمات التي يريد الشاعر إعطاءها الأهمية في الإظهار, و إلى ما هنالك من أساليب اتبعها بعض شعراء الحداثة لإطفاء روح من الغنائية, و التي هي غير ضرورية لبناء قصيدة النثر, فالإيقاع الظاهر لا يأخذ الأهمية هنا كما في شعر الوزن.
الإيقاع الداخلي:
و هو نفسه الإيقاع الادراكي الفكري الذي تم بحثه في قصيدة الوزن هذا الإيقاع يتبلور في قصيدة النثر عبر عدة مفاهيم نذكر منها:
مفهوم وحدة الأضداد:
و هو المفهوم العام الذي منه تتفرع باقي المفاهيم, فكما أسلفنا سابقاً من خلال عرضنا لمفهوم الإيقاع و الإيقاع الشعري, أن قصيدة النثر تعتمد على متناقضات كبيرة أمثال فوضى / انتظام – حرية / قانون – حركة / سكون – كسر الوزن / موسيقى.
هذه المتناقضات هي أساس القوانين التي تبنى عليها قصيدة النثر, و نسوق هنا تصورنا عن هذا المفهوم.
قبل كل شيء لا بد من تنويه عاجل إلى الطبيعة البشرية, و التي منذ أن وجدت و هي في عراك مرير مع سلطة الفضاء الخارجي, و الصيغ التي يبتدعها للتخلص من تلك السلطة, من هنا كانت الحرية, الحلم الكبير الذي مازال الإنسان يبحث لها عن معناً حقيقي, هذه الحرية التي أفردت لها صفحات من التاريخ, عن الحلم الذي راود البشر في التحليق, و التخلص من سلطة الطبيعة المدركة على أنها تلك الجاذبية التي تربطه بالأرض.
لذلك نجد الإنسان دائم المحاولة للوصول إلى نقطة تنعدم معها القوى, في هذه النقطة التي تقع بين نقيضين, يشعر معها الإنسان بالنشوة و القلق في نفس اللحظة, لما تحمله هذه النقطة من إحساس بالعدم و إحساس موافق بالأمان الذي يأتي نتيجة التخلص من سلطة الفضاء الخارجي, إنه الضياع اللذيذ.
و التي على أساسها كانت تدور أغلب النظريات الفلسفية و الدينية, فمن فرويد و الذي يعتبر الأنا هي نقطة الصراع بين الهو و الأنا الأعلى, هذه الأنا الواقعة بين الوعي و اللاوعي, إلى كل الأفكار الدينية التي تؤكد أن الإنسان هو نتاج لقوتين أساسيتين بين الخير و الشر, فالإنسان هو مساحة الحرية الحقيقية في الطبيعة و الذي في بوتقته تنصهر قوى الطبيعة سالبها مع موجبها.
و الإنسان في دأب مستمر لأن يبرز مفاتنه, و الفن أحد أهم الوسائل المتاحة لذلك و قصيدة النثر التي برأينا هي الأرقى حالياً, كأسلوب يحمل نتاجاً فكرياً بشرياً جمعياً من خلال استناده على كل التقنيات الفنية, و من خلال مساحة الحرية التي تمتلكها هذه القصيدة, كان لا بد لها أن تبرز هذا التناقض و توحده ضمن جسد القصيدة.
لذلك نجد الصورة الشعرية و الصياغة اللغوية و المعنى في قصيدة النثر مبنية على وحدة المتناقضات, كأن يقول شاعر مثل محمد الماغوط مثلاً " لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء " أو كما يقول أدونيس في مقدمة لملوك الطوائف " وجه يافا طفل / هل الشجر الذابل يزهو؟ / هل تدخل الأرض في صورة عذراء؟ / مَنْ هناك يرجّ الشرق؟ / جاء العصف الجميل ولم يأت الخراب الجميل/ صوت شريد.. / " فالخراب لدى أدونيس يحمل الجمال.
مفهوم التركيب و الصياغة:
التركيب:
و هو أقرب ما يكون إلى العلاقة النحوية, و بالتالي هو أقرب إلى النظام و الثبات أي السكون.
بينما الصياغة:
تشير إلى تفجير هذا النظام و خلخلة التركيب اللغوي المألوف لإيجاد بنى تعبيرية جديدة و خلق حالة من الحركة داخل السكون, و هنا يكمن قدرة الشعر على خلق لغة خاصة به.
مفهوم التوتر و التوتر ضمن النص:
التوتر و هو البؤرة الانفعالية التي لا يخضع لها الشاعر و المتلقي بطريقة عادية - و المقصود بكلمة عادية كل ما يتفرع عنها من تداع و حلم و انسيابية - و إنما توقظه و تثيره و تهز كيانه, أو بمعنىً آخر تصدمه بما تحمله من شحنة توترية.
وهذا التوتر ينشأ داخل النص من التقاطعات التي تكونت منها بنيته, و من علاقات التضاد المتمثلة بانكسار سياقه اللغوي, و ما يحمله إلينا من اضطراب في مفاهيم الصيغ و علاقاتها, و قيمة التوتر تأتي من كونه يساعد على تعميق دلالات النص, و يعمل على تحريك الشعور عند الشاعر و المتلقي على السواء, و بالتالي على التوصيل الدقيق للحالة الشعورية لدى الكاتب.
مفهوم الصورة الشعرية:
و هي حركة ذهنية تتم داخل الشعور, لكنها في ذاتها تعد انعكاسا مكثفاً لمختلف جوانب الطبيعة و المجتمع و ظواهرها مع الاحتفاظ بخصوصية التجربة و فرادتها, كما تدل على أشياء غير مرئية موجودة في وجدان الشاعر, ترسخت عبر المسيرة الحياتية, و هنا يتدخل اللاوعي لدى الشاعر في تشكيل الصورة بحذف أو إضافة ما يراه ملائماً لإخراجها صورة شعرية لها خصوصيتها الناجمة عن الحالة الانفعالية للشاعر.
و بذلك فالصورة الشعرية:
هي عبارة عن عكس للب الظواهر من خلال الفردي الذاتي و خصوصيته فهي تدل على العام من خلال الجزئي من الظاهرة.
مفهوم وحدة القصيدة:
و هي موجودة بشكل رئيس في قصيدة النثر, حيث أن القصيدة تدور حول فكرة جوهرية أصلية تتفرع عنها مجموعة من الأفكار الجزئية التي لا يمكن فهمها إلا من خلال إضاءة الفكرة الرئيسية و بلورتها.
مفهوم التكثيف:
يقول النفري " كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤيا " من هذا المبدأ يكون للتكثيف أهمية قصوى لإحاطة الجزء بالكل, و الذي هو هدف الفن الحقيقي, و التكثيف ليس بمعنى الشطب الذي يؤدي للإبهام, إنما بمعنى الاختزال المبني على رؤية شاملة للفضاء الخارجي, و خلق حالة من التوتر قادرة على حمل القلق الذي تحدثنا عنه.
مفهوم الرؤيا:
يشير جبران خليل جبران في أحد رسائله إلى ماري هاسكل سنة 1929 إلى أن الطموح الجوهري للإنسان الشرقي هو أن يكون نبياً, و النبوة بهذا المعنى ليست النبوة الدينية, إنما النبوة بمعنى الإدراك العميق لما يدور حوله و استقراء الغيب من خلال رؤية عميقة للمستقبل ترتكز على فهم عميق للواقع.
و يعرف ابن خلدون الرؤيا على أنها " مطالعة النفس لمحنة من صور الواقعات مقتبساً بها علم ما تتشوق إليه من الأمور المستقبلية "
بهذا المعنى يجب على الشاعر أن يمتلك رؤية واضحة للمستقبل تمكنه من الانخراط مع الواقع و المصالحة معه, و ربما نسوق هنا مثالاً قريباً عن تلك الرؤيا التي يمتلكها الشاعر الحقيقي, عندما تناقلت الأخبار الثقافية مدى تقاطع أحداث 11 سبتمبر مع مضمون قصيدة قبر لنيويورك للشاعر أدونيس, علماً بأن الأخير قد كتب تلك القصيدة قبل الأحداث بعشر سنوات تقريباً.
من كل ما سبق نؤكد على
أولاً – الشعر = إيقاع:
و هذا متفق عليه, كذلك كل أنواع الفنون لكن الشعر له ارتباط حميم به, و ذكرنا الأسباب النفسية لذلك, لكن الإيقاع لا يعني الأوزان الخليلية بل الأوزان الخليلية هي أحد الأساليب المتخذة لبلورة هذا الإيقاع.
هذا الإيقاع الذي هو عبارة عن تنبيهات تأتي من العلاقة بين العناصر المكونة لبنية القصيدة, و تأتي في القصيدة الشعرية الموزونة من المصدر الصوتي للكلمة بشكل أساسي, و بشكل ثانوي من الدلالات اللغوية للكلمة.
بينما في قصيدة النثر, يعتبر الإيقاع حاصلاً للعلاقات الداخلية للقصيدة, أي هناك ارتباط وثيق بالدلالة المرتبطة أساساً بالصياغة اللغوية, هذه الصياغة التي هي عبارة عن سلسلة من الحركات الصوتية المقترنة بسلسلة من الحركات الفكرية.
و بهذا يكون الإيقاع في قصيدة النثر حركة مرتكزها الأساسي الدلالة اللغوية المصاغة, تسير مع النص و تنهض في نسيج مكوناته لتوليد الدلالة النهائية, بحيث تكون هناك علاقة تأثير و تأثر بين الإيقاع و الدلالة.
و بهذا نجد أن الإيقاع له صلة وثيقة بالقصيدة بشكليها الموزون و النثري, و ذلك لتمكين الشعور من السيطرة على الحالة الانفعالية من قبل الكاتب و المتلقي, و ربما هذه النقطة هي أكثر النقاط خلافاً بين مؤيدي قصيدة الوزن و مؤيدي قصيدة النثر.
و لا أجد أي مبرر للغضب و المشاحنات عندما تتبدل الأساليب لتأدية نفس المهمة.
ثانياً – قصيدة النثر ليست جنساً غريباً:
حتى أننا لا نجد أي مبرر لهذا المصطلح, الذي ربما في بعض جوانبه يحمل الاغتراب و الانفصال, لأنه جاء كتكريس للترجمة الحرفية من المصطلح الأجنبي, و برأينا الشخصي يجب التخلي عن هذا المصطلح و الاستبدال بقصيدة شعرية, فقصيدة النثر هو امتداد طبيعي لما كان, فالشعر هو شعر مهما تغيرت الأساليب.
ثالثاً – الأوزان الخليلية ليست مقدسة:
الأوزان الخليلية وضعها بشر في حقبة ما, و ما يضعه البشر قابل للتطوير و التجديد و الحذف و الشطب و ما إلى ذلك من عمليات بشرية, و إن هذا التقديس للأوزان الخليلية لا نجد له مبرراً.
رابعاً – قصيدة النثر ليست بديلاً عن أي جنس أدبي:
قصيدة النثر لا تعرض نفسها بديلاً يقوم على رفض الآخر (قصيدة الوزن), بل العكس تماماً مؤيدي هذا النوع الثاني و نعني قصيدة الوزن يحاولون شطب الآخر و نفيه, بينما أهم الأسس التي تقوم عليها قصيدة النثر هي الاعتراف بالآخر.
خامساً – كل فن فيه السيئ و الجيد:
كما هي قصيدة الوزن لا تصل إلى الكمال, قصيدة النثر كذلك, و كما في قصيدة الوزن متطفلون, في قصيدة النثر نرى ذلك, و ربما أكثر من ذلك لاستسهال الموضوع و عدم فهمهم للأصول الأدبية, و هذا شيء جد طبيعي و الزمن كفيل بالتصفية.
سادساً – ضرورة التقصي و التدقيق قبل إطلاق الأحكام الهوجاء:
النقطة الأخيرة مع أنها ربما كانت نشازاً عن الموضوع, لكننا رأينا ضرورة ذكرها من مبدأ أن لكل قاعدة شواذها, و الشواذ تؤكد القاعدة, و هي النقطة التي دعتنا للقيام بتحضير هذه الدراسة المتواضعة لتسليط الضوء على مفهوم ربما كان الجدال عليه قبل عقدين من الزمن مبرراً, لكني و بمفاجئة مثيرة للريبة وجدت الموضوع مثاراً إلى يومنا هذا و أرجو أن أوفق فيما أتيت.







رد مع اقتباس
الأعضاء ال 6 الذين شكروا nadime على هذا الموضوع
إضافة رد

أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع




الساعة الآن :05:37 بتوقيت GMT +1.

*منتديات تونيزيـا سات*