العودة   منتديات تونيزيـا سات > قسم التعليم والعلوم والتكنولوجيا > المنتدى التعليمي > الآداب والعلوم الإنسانية


إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02/11/2007, 11:10 رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
zaydoun72
zaydoun72 غير متواجد حالياً
عضو فعال

الصورة الرمزية zaydoun72

إحصائية العضو




zaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond reputezaydoun72 has a reputation beyond repute

افتراضي أبو تمّام و ثقافة عصره

إن‌ الحضارة‌ الإسلامية‌ التي‌ بُنيت‌ لبناتها الأساسية‌ منذ زمن‌ الرسول‌ (ص‌) لم‌ تلبث‌ أن‌ ازدهرت‌ بشكل‌ لافت‌ للنظر في‌ فترة‌ قصيرة‌ بعده‌ في‌ العصر العباسي‌، و ارتقت‌ بالمجتمع ‌العربي‌ الساذج‌ حيث‌ وصل‌ إلي‌ الرفاهية‌ المادية‌ و العقلانية‌ المعنوية‌، و ذلك‌ بفضل‌ الانفتاح ‌الحضاري‌ و القفزة‌ الثقافية‌ التي‌ رحّبت‌ بهما الأذواق‌ و العقول‌ آنذاك‌.
و إثر هذا المشروع‌ الثقافي‌ الذي‌ عُرض‌ بشكل‌ شامل‌ علي‌ المجتمع‌ أخذت‌ الأمة‌ بمنهج‌ جديد في‌ النظر الي‌ الكون‌ و ما فيه‌ من‌ الأشياء و الأحياء، فرقّت‌ الأذواق‌ و تعقّلت‌ المشاعر و التمعت ‌الأفكار؛ فقد كان‌ ما يترجم‌ ـ لأول‌ مرة‌ في‌ التاريخ‌ ـ يوزن‌ بالذهب‌، و قد كان‌ في‌ شروط‌ الصلح ‌مع‌ الروم‌ أن‌ يسلّموا إلي‌ العرب‌ بعض‌ ما عندهم‌ من‌ الكتب‌ في‌ مختلف‌ الموضوعات، كما أن ‌هناك‌ ظمأ غير مشتف‌ عند كثير من‌ العلماء و المفكرين‌ نحو إصدار العديد من‌ النصوص‌، فإلي‌ جانب‌ هذه‌ الحركات‌ التي‌ أدت‌ إلي‌ صحوة‌ عامة‌ و يقظة شاملة فتأثر الناس‌ بها و تحركت‌ الحياة‌ من‌ خلالها، قام‌ الأدب‌ و أسهم‌ كثيراً في‌ تحضير الأمة‌ و ايقاظ‌ روحها الكامنة ‌مكوناً لها مُثُلاً عليا، منعطفاً بها من‌ النظرة‌ الجلالية‌ إلي‌ النظرة‌ الجمالية‌ كما أنه‌ أدي‌ دوراً بارزاً في‌ نقل‌ الأمة من‌ العالم‌ الصحراوي‌ المترامية الأطراف‌ إلي‌ العوالم‌ الأنيقة‌ الخاصة، و انتقل‌ بها من‌ فترة النتوير و التجديد إلي‌ الكشف‌ و الاختراع‌... و الذي‌ يجب‌ التنبه‌ إليه‌ أن‌ هذا التطور العقلي‌ و الترف‌ المادي‌ لم‌ يكونا بعيدين‌ عن‌ كل‌ الناس‌، بل‌ كان‌ ملكاً لأغلبيتهم‌ دون ‌الاقتصار علي‌ طبقة‌ أو فرقة‌ أو جنس‌ خاص‌.
و في‌ نفس‌ الوقت‌ أن‌ هذا العصر الذي‌ عاش‌ فيه‌ شاعرنا العبقري‌ أبوتمام،‌ كان‌ عصراً مشحوناً بالخطر و الفوضي‌ و روح‌ الإنقسام‌ كما كان‌ عصراً متعدد الرؤي‌ غاصّا بالحاجات‌ الروحية‌ والجسدية‌ المتزايدة‌، و لعل‌ الأهم‌ من‌ هذه‌ كلها كان‌ عصراً جريئاً متحولاً من‌ المحاكاة إلي ‌الابداع‌ و الاختراع‌، معتقداً أن‌ الفن‌ أروع من‌ الواقع‌، و أن‌ التعقيد أفضل‌ من‌ التبسيط‌، و أن ‌الزخرفة‌ ليست‌ مجرد تفطن‌ و طرافة‌ بل‌ هي‌ نتيجة‌ لظروف‌ حضارية‌ دبّت‌ في‌ صميم‌ البنية ‌الفنية‌ للأدب‌ ساقته‌ إلي‌ الإثراء و التزود، و إلي‌ التجاوز من‌ الثبات‌ إلي‌ الحركة، و من‌ التجديدإلي‌ الجديد...
و كانت‌ البلاد العربية‌ آنذاك‌ محط‌ ازدهار الثقافة‌ الاسلامية‌ التي‌ التقت‌ في‌ تكوينها شعوب‌ متعددة‌، و قد فاضت‌ مظاهر هذه‌ الثقافة‌ علي‌ كل‌ جوانب‌ الحياة و سطعت‌ في‌ كل‌ النفوس‌ حيث‌ أصبح‌ الناس‌ أشبه ما يكونون‌ بزمانهم‌، و من‌ المعروف‌ أن‌ الفن‌ أو الأدب‌ و ليدة‌ عصره‌، فمن‌ الطبيعي‌ أن‌ يتأثر بما تأثرت‌ به‌ الحياة‌ الاجتماعية‌ من‌ التطور و الرقي‌، فامتزج‌ فيه‌ القديم ‌و الجديد، و إن‌ انتهي‌ ذلك‌ إلي‌ خلافات‌ عميقة‌ و تناحرات‌ واسعة‌، لكنها بدورها أفادت‌ حركة ‌النقد الأدبي‌ خير إفادة‌ و تقدمت‌ بها الي‌ الأمام‌ بخطوات‌ بعيدة‌.
و علي‌ كل‌ حال‌ فما نراه‌ الآن‌ من‌ ميزات‌ جمالية‌ و تعقيدات‌ لغوية‌ و زخارف‌ بديعية‌ كان ‌بلا شك‌ يتناسق‌ مع‌ الزمان‌ و المكان‌ و اللغه‌ و الذوق‌ و الخصائص‌ الاجتماعية و الحضارية‌، و بتعبير أدق‌ كان‌ ينسجم‌ مع‌ الروح‌ الحركي‌ الخصب‌ لهذه‌ المرحلة المسبقة‌ من‌ الحضارة الإسلامية‌، كما أن‌ ذلك‌ في‌ نفس‌ الوقت‌ كان‌ يعتبر مثالاً أعلي‌ للشكل‌ التعبيري‌ آنذاك‌. و هكذا بدأ التخطي‌ و التجاوز عن‌ المألوف‌ و السطحية للوصول‌ إلي‌ ماوراء الأشياء يتمثل‌ في‌ كل ‌مظاهر الحياة من‌ الواقع‌ و الفن‌.
و كما قلنا آنفاً أن‌ العصر لم‌ يكن‌ كله‌ يقوم‌ علي‌ التوافق‌ و التناغم‌، بل‌ إنه‌ إلي‌ جانب‌ ذلك‌، كان ‌يقوم‌ في‌ بعض‌ جوانبه‌ علي‌ التناقض‌ و التضاد حيث‌ يلتظي‌ و يرمي‌ بالشرر، و هذا أقرب ‌ما يكون‌ إلي‌ طبيعة‌ الشعر، فإنه‌ لا يتغذي‌ بالخير فإذا دخل‌ فيه‌ الخير ضعف‌ و لان‌ علي‌ نحو ما يقول‌ الأصمعي‌].
و لقد كان‌ أبوتمام‌ خير من‌ يمثل‌ في‌ شعره‌ مظاهر هذه‌ الحضارة‌، إذ شهد تلك‌ الفترة‌ التي ‌اطلع‌ فيها العرب‌ علي‌ كل‌ المنجزات‌ الحضارية‌ السابقة و المعاصرة لهم‌، و التي‌ أخذوا فيها مسلك‌ الإبداع‌ و الإختراع‌، كما شهد تلك‌ الصراعات‌ و الشقاقات‌ التي‌ أخذت‌ طريقها إلي‌ كل ‌شي‌ء: الصراع‌ العنصري‌ بين‌ العرب‌ و الموالي‌، الصراع‌ بين‌ المسلمين‌ و غير المسلمين‌، الصراع‌ المذهبي‌ بين‌ المسلمين‌ أنفسهم‌، الصراع‌ الأدبي‌ بين‌ أصحاب‌ القديم‌ و الجديد، الصراع‌ بين‌ أتباع‌ الفِرَق‌ و...]
والأهم‌ من‌ بين‌ هذه‌ الصراعات‌ في‌ هذه‌ الفترة‌ التي‌ عاصرها أبوتمام‌ هو الصراع‌ الذي‌ كان‌ يقوم‌ علي‌ أسس‌ عقلية‌، و أنه‌ كان‌ يتجدد و يتعمق‌ في‌ ظل‌ الشقاقات‌ و السياسات‌ و الاتجاهات‌ المختلفة و المتناقضة التي‌ تجعل‌ الانسان‌ يحس‌ أنه‌ في‌ شقاق و صراع مع الحياة لشدة وعيه‌ و عمق ‌احساسه‌ بما يدور حوله‌، و من‌ هنا لم‌ يكن‌ له‌ بدّ إلا أن‌ يتسلح‌ - كما فعل‌ أبوتمام‌ ـ بالعديد من‌ أسلحة‌ المعرفة‌. و إذا استقصينا في‌ أنواع‌ المعارف‌ و العلوم‌ السائدة‌ في‌ هذه‌ الفترة نجد أنها مدهشة لافتة‌ للنظر؛ و المهم‌ أنه‌ في‌ هذا الجو المليي‌ء بالأفكار نما و ازدهر أبوتمام‌ وحيداً، فقد كان‌ عليه‌ أن‌ يصنع‌ إطاره‌ الثقافي‌ بنفسه‌ و يتعلم‌ كل‌ شي‌ء بشكله‌ الطبيعي‌ و يلمس‌ بحواسه‌ و عقله‌ كل‌ شي‌ء ليدرك‌ من‌ خلال‌ كل‌ هذه‌ سرَّ المجتمع‌ الذي‌ انتقل‌ من‌ البداوة‌ إالي‌ الحضارة و أن ‌يثبت‌ لنفسه‌ نظرية‌ في‌ الشعر معتقداً بأنه‌ في‌ جوهره‌ خبرة جمالية‌ و تنسيق‌ و صياغه‌.
و لقد ساعده‌ في‌ أخذ جوانب‌ بعيدة‌ من‌ كل‌ هذه‌ المعارف‌ تخفّفُه‌ في‌ البدء من‌ أسرته‌، فبدأ يتنقل‌ بين‌ أقاليم‌ مختلفة‌ من‌ دمشق‌ و مصر و أرمينيا‌ و خراسان‌ و بغداد و... و اصطبغ ‌وجوده‌ بطابع‌ الرحلة فإذا بنفسه‌ يقول‌ إن‌ وطنه‌ «ظهور العيس‌»]، و بالتالي‌ نقول‌ إن‌ أفكاره ‌كذلك‌ لم‌ تعرف‌ الركود بل‌ هي‌ أيضاً كصاحبه‌ كانت‌ علي‌ العيس‌ تتطور و تنمو في‌ كل‌ واحد من ‌أسفاره‌.
اتصل‌ أبوتمام‌ بكثير من‌ الخلفاء و الأمراء، فكان‌ عصره‌ عصر خلافة‌ الرشيد و الأمين‌ والمأمون‌ و المتصم‌ و الواثق‌، و قد تعامل‌ معهم‌ بالسلم‌ تارة‌، و بالحرب‌ تارة أخري‌. إذ كانت‌ له ‌بعض‌ المشاركات‌ في‌ الحروب‌ التي‌ شنتها هؤلاء‌ الخلفاء ضد أعداءهم‌: فهذا العصر و إن‌ بلغ‌ فيه ‌العلم‌ و الثقافة‌ و الفكر أوج‌َ الإتساع‌ و الرقي‌، لكنه‌ كان‌ الشعر فيه‌ مضرجاً بالدم‌؛ و في‌ ضوء هذا يمكن‌ التعرف‌ إلي‌ بعض‌ خصائص‌ الشعر عامة‌ و شعر أبي‌¬تمام‌ خاصة‌ حيث‌ اقترن‌ فيه ‌الجمال‌ بالقبح‌ و اختلط‌ فيه‌ الخير بالشر، و قد ساعدت‌ علي‌ هذا حالات التشابك‌ التي‌ كانت‌ بين ‌ظواهر عديدة‌ من‌ ظواهر الحياة نتيجة‌ لوفرة‌ عنصرَي‌ الحرية‌ و العقل‌ إذ كان‌ الإثنان‌ من‌ خلفا، هذا العصر قد أسهما لحد بعيد في‌ تمهيد الأرضية‌ لمثل‌ هذا الجو الحر الطلق‌، و المأمون‌ كان‌‌ من أحدهما، حيث‌ كان‌ يقوم‌ بعملية‌ تعقيل‌ الدولة‌، و ثانيهما المعتصم‌ الذي‌ كان ‌يشجع‌ الفنون‌ و يسمح‌ للتيارات‌ و الفِرَق‌ المختلفة‌ أن‌ تبشّر بأفكارها و مبادئها في‌ الأوسط ‌الاجتماعية‌ مما يزيد علي‌ الصراعات‌ و يحتدمها أكثر فأكثر.
و أما قضية‌ البديع‌ التي‌ دارت‌ من‌ حولها ضجة كبيرة‌ بين‌ أصحاب‌ القديم‌ و الجديد فكانت ‌تقوم علي‌ حقيقة‌ اجتماعية دبّت‌ في‌ صميم‌ البنية‌ الفنية‌ للشعر، حيث‌ أصبح‌ الشعر الي‌ حد كبير أشبه‌ بالعصر و اقترب‌ من‌ النزعة‌ التأملية‌ التي‌ ظهرت‌ إثر المنجزات‌ و المعطيات‌ العقلية ‌في‌ هذه‌ الفترة‌ مما أضفي‌ علي‌ الشعر طابع‌ التأني‌ و ابتعد به‌ عن‌ الارتجال‌ و الانسياب‌، و من ‌ثَمّ‌ و بفضل‌ إكثار الشعراء من‌ البديع‌ قد أخذوا إلي‌ حد كبير يسيطرون‌ علي‌ انفعالاتهم‌ بعد أن ‌كانت‌ انفعالاتهم‌ تسيطر عليهم‌، و لم‌ يعودوا يلوكون‌ الألفاظ‌ كما يُتوهم‌، بل‌ كانوا يكدحون‌ كدحاً شديداً في‌ اختيارها ليكون‌ لها أدق‌ و أحسن‌ دلالة‌ علي‌ ذلك‌ المعني‌ الذي‌ كانوا بصدده‌. و مهما يكن‌ من‌ شي‌ء فلقد كان‌ البديع‌ جزءاً لايتجزأ من‌ الحياة‌ الاجتماعية‌ في‌ هذه‌ الفترة‌، و لم ‌يكن‌ هناك‌ فرق‌ كبير بين‌ البديع‌ في‌ الشعر و بين‌ البديع‌ في‌ القصور و الملابس‌ و المآ كل‌ و الغناء و...، فبديع‌ هذا العصر لم‌ يكن‌ حلية‌ أو زخرفة‌ زائدة‌ علي‌ الأصل‌، بل‌ كان‌ في‌ صميم‌ الحياة و هكذا و إثر هذه‌ التحولات‌ الاجتماعية‌ قد طرأت‌ تغييرات‌ أساسية‌ علي‌ الشعر العربي‌ في ‌هذا العصر، و ميّزته عن‌ الشعر العربي‌ في‌ العصور السابقة‌، فالشعر العربي‌ في‌ العصرالجاهلي‌ كان‌ كفن‌ العمارة جليلاً هائلاً و يغلب‌ عليه‌ العنصر الحسي‌، و يقوم‌ علي‌ التجاور لا التناغم‌، و إن‌ هذا الشعر بعد ذلك‌ في العصر الإسلامي قد أخذ شكل‌ النحت‌ الذي‌ يبرز فيه‌ الجانب‌ الانساني‌ بحيث‌ يتناسب‌ فيه‌ الشكل‌ مع‌ المضمون‌ إلي‌ حد كبير، فإن‌ الشعر العربي‌ في‌ العصر العباسي‌ أخذ تدريجياً طابع‌ الرسم‌ حيث‌ انتقل‌ الشعر من‌ عوالمه‌ الثابتة‌ العفوية‌ السابقة‌ إلي‌ عوالم‌ أنيقة جديدة تبدو فيه‌ عناصر الجمال‌ و الزمان‌ و الحركة و الايقاع‌ و اللون‌، فأصبح‌ كل‌ ما كان ‌خشنا صحراوياً جامداً يمسّه‌ غطاء من‌ الحرير و بريق‌ من‌ اللؤلؤ و نفخة‌ من‌ الحيوية...
كل‌ هذه‌ الميزات‌ تجعل‌ العصر العباسي‌ درة‌ لامعة بين‌ عصور الأدب‌ العربي‌، فظهرت‌ فيه ‌طائفة‌ من‌ كبار الشعراء استوعبت‌ ثقافة‌ العصر و حضارته‌؛ و كان‌ الشعر العربي‌ حتي‌ هذه ‌الفترة‌ قد مرت‌ عليه‌ حوالي‌ ثلاثة‌ قرون‌ فاتسعت‌ دائرته‌ و تنوعت‌ أغراضه‌، و كأنما الشعرالعربي‌ في هذه‌ الفترة‌‌ بتأثر التحولات‌ الاجتماعيه‌ كان‌ ينتظر تطوراً جديداً أكثر مما حدث‌ فيه ‌في‌ العصور المتقدمة‌ من‌ ناحية التعبير و طريقة‌ الصوغ‌، و قد بدأت‌ ارهاصات‌ هذا التطور علي ‌لسان‌ بشار بن‌ برد و أبي‌ نواس‌ و مسلم‌ بن‌ وليد إلي‌ أن‌ بلغ‌ ذروته‌ علي‌ لسان فتي‌ ناشي‌، أسمر اللون‌ طويل‌ القامة‌ أجش‌ الصوت‌ ذي‌ تمتمة‌ يسيرة من‌ قرية‌ جاسم‌، ألا‌ و هو أبوتمام ‌الطائي .
كانت‌ الحضارة الاسلامية‌ في‌ فترة‌ أبي‌¬تمام‌ في‌ أوج‌ التقدم‌ و الرقي‌، و كان‌ عصره‌ عصر خلفاء كبار امتد سلطانهم‌ من‌ الشرق‌ إلي‌ الغرب‌، و قد شاع‌ فيه‌ الترف‌ و الرفاهية‌ كما ازدهرت‌ فيه‌ أنواع‌ العلوم‌ و الثقافة‌ مما أثّر إلي‌ حد بعيد في‌ الشعر و الأدب‌، و كان‌ شاعرنا العبقري‌ من ‌أكبر من‌ تأثر بهذه‌ التحولات‌، و بامكاننا أن‌ نلمس‌ بوضوح‌ مظاهرها في‌ شعره‌؛ فمن‌ ناحية ‌الترف‌ الاجتماعي‌ تأثر بأبهة‌ الحضارة‌ و تفنّن‌ ألوان‌ الحياة‌ التي‌ قضاها في‌ البلاط‌ متصلاً بالخلفاء و الأمراء نائلاً جوائزهم‌، فمن‌ الطبيعي‌ أن‌ يكون‌ شعره‌ محلّيً‌ بأنواع‌ الزينة‌ مزخرفا بأنواع‌ البديع‌ و الصناعة من مثل الجناس‌ فيقول]‌:
يَمدّون‌ مِن‌ أيدٍ عواصٍ‌ عواصم‌ تصول‌ بأسياف‌ قواض‌ قواضب‌
مجانساً بين‌ عواص‌ و عواصم،‌ و بين‌ قواض‌ و قواضب‌ جناساً مذيلاً، و الطباق‌، مثل‌ قوله]‌:
لا تَشجينَّ‌ لها فإن ‌ بكاءها ضحك و إنّ بكاءك استغرام‌
فطابق‌ بين‌ البكاء و الضحك.‌
اما العلم‌ و الثقافة‌ فقد ازدهر في‌ عصره‌، و كانت‌ البلاد العربية‌ إلي‌ أقصي‌ حدودها تعجّ ‌بالعلماء في‌ مختلف‌ مجالات‌ المعرفة‌ من‌ الفقه‌ و الحديث‌ و التفسير و اللغة و النحو و الأدب‌ و... و قد تلمذ أبوتمام‌ علي‌ بعض‌ منهم‌ في‌ دمشق‌ و مصر و بغداد، و أخذ منهم.‌ و لا غرو إذا ظهرت‌ في‌ شعره‌ ثمرات‌ تلك‌ المعارف‌ الواسعة‌ و‌ ملامح‌ تلك‌ الثقافة‌ الراقية‌، فأصبح‌ شعره‌ يشع‌ بها من‌ داخله‌ في‌ موضع‌ بعد موضع‌ مما يسهل‌ العثور عليه‌ عند المطالعه‌، و يمكننا أن‌ نذكر أمثلة‌ متعددة‌ لذلك‌ الغني‌ الفكري‌ و ألوان‌ المعرفة‌ و الثقافة‌ في‌ شعره‌، لكننا نتركه‌ إلي‌ مجال‌ آخر نتطرق‌ إليه‌ عند تناولنا تجليات‌ التناص‌ في‌ شعره‌. و نؤثر هنا أن‌ نبين‌ بعض‌ جوانب‌ الابتكار و عناصر الطرافة في‌ شعره الذي‌ أثار ضجة‌ كبيرة‌ في ساحة النقد الأدبي ‌و جعل‌ القوم‌ أن‌ يتخذوا موقفين‌ متباينين‌ إزاء شعره‌، فمنهم‌ أشاد بشعره‌ و جعل‌ الشاعر رأساً علي‌ المتقدمين‌ منه‌ و المتأخرين‌ من بعده‌، و منهم‌ عاب‌ شعره‌ و حط‌ من‌ شأنه‌، و لايهمنا هنا شي‌، من‌ هذا الصراع‌، إذ الولوج‌ إليه‌ يتطلب‌ منا صفحات‌ طويله‌.
من‌ المعروف‌ منذ القديم‌ أن‌ أباتمام‌ كان‌ رأس‌ مدرسة‌ شعرية‌ جديدة‌ تركت‌ آثاراً واسعة علي‌ الشعر العربي‌، و يقول‌ عنه‌ الصولي‌ الذي‌ جمع‌ أخباره]: «رأس‌ في‌ الشعر مبتدي‌، لمذهب‌ سلكه ‌كل‌ محسن‌ بعده‌ فلم‌ يبلغه‌ فيه‌ حتي‌ قيل‌ مذهب‌ الطائي‌. و كل‌ حاذق‌ بعده‌ يُنسب‌ إليه‌ و يقتفي ‌أثره‌». و هذا ظل‌ و لايزال‌ متداولاً متعارفاً عليه‌ معترفاً به‌ عند القدامي‌ و المعاصرين‌. و المهم ‌أن‌ هذه‌ المدرسة‌ بما لها ميزات‌ و خصائص‌ افترقت‌ عن الشعر العربي‌ قبل‌ شاعرنا، بل‌ في ‌زمنه‌. إذن فما هي‌ مواطن‌ الافتراق‌ بين‌ المدرسة التمامية‌ و بين‌ الشعر العربي‌ عند الشعراء السابقين‌ عليه‌ و المعاصرين‌ له‌؟ خاصة‌ إذا قسنا هيكل‌ الفصيدة عنده‌ و عند‌ الآخرين‌، فما نري‌ كبير فرق‌ بينهما، فانه‌ كذلك‌ استهل‌ كثيراً من‌ قصائده‌ بذكر الأطلال‌ و وقف‌ عليها باكيا مستبكياً متذكراً الأيام‌ الخوالي‌ التي‌ كانت‌ له‌ في‌ هذه‌ الاماكن‌. و بهذا الصنيع‌ قد أعاد‌ اليها شاعرنا مقدمة‌ القصيدة‌ الطللية‌ التي‌ خرج‌ عليها أبونواس‌ داعياً فيه‌ إلي‌ معايشة‌ الشعراء حياتهم‌ الجديدة‌، و «أعطي‌ القصيدة العربية‌ شكلها النهائي‌ الذي‌ التزمته‌ الشعراء بعده‌، وسارت‌ عليه‌، فلم‌ تعد القصيدة‌ في‌ افتتاحها تتردد بين‌ الوقوف‌ علي‌ الأطلال‌ أو الوقوف‌ علي ‌غيرها»]. و لعل‌ هذا الكلام‌ يبدو متناقضاً مع‌ ما عرفنا من‌ أبي‌¬تمام‌ بأنه‌ كان‌ مجدداً في‌ الشعرالعربي‌، فكيف‌ يكون‌ ذلك‌، و قد انتكس‌ هو بالقصيدة‌ إلي‌ الوراء مبطلاً جهود سابقيهِ‌ من‌ الشعراء في‌ مجال‌ التجديد في‌ الشعر؟ فهذا الكلام‌ و إن‌ كان‌ فيه‌ بعض‌ الصحة‌، لكنه‌ ليس ‌بصحيح‌ علي‌ الاطلاق‌، إذ هو لم‌ يلتزم‌ في‌ كل‌ قصائده‌ طريقة‌ واحدة‌ في‌ افتتاحها، فإنه‌ و إن ‌وقف‌ في‌ قصائده‌ علي‌ الأطلال‌ كذلك‌ خرج‌ في‌ عدد غير قليل‌ منها علي‌ الأسلوب‌ المألوف‌ في‌ استهلال‌ القصيدة‌ بمقدمات‌ أخري‌ أو بالولوج‌ إلي‌ الموضوع‌ مباشره‌، و ذلك‌ علي‌ نحو ما نري ‌في‌ مدحه‌ للمعتصم‌ في‌ فتح‌ عموري‌، و حسن‌ بن‌ وهب و مقدمات‌ أخري‌ من‌ الطبيعه‌ صدّر بها القصيدة‌ مادحاً فيه‌ المعتصم‌ و غيره‌، ثم‌ إن‌ ما يجب‌ التنبه‌ إليه‌ أن‌ أبوتمام‌ في‌ مقدماته‌ الطللية ‌التقليدية قام‌ بكثير من‌ التحوير و التعديل‌، فقد حذف‌ منها بعض‌ عناصرها القديمة ‌مضيفاً إليها أشياء جديدة‌ تضفي‌ عليها بعض‌ طابع‌ الابتكار و الجدة‌، فهو من‌ هذه‌ الناحية‌ يعتبر امتداداً لتيار التجديد الذي‌ أراده‌ أبونواس‌.
اما التجديد الحقيقي‌ عند أبي‌¬تمام‌ فيكون‌ في‌ بنية‌ الشعر و تركيبه‌ أو عموده‌ علي‌ حسب‌ ما يقول‌ النقاد القدامي،‌ و هو من‌ هذه‌ الناحية‌ أكبر مجدد في‌ الشعر العربي‌ القديم‌، فقد تناول ‌الأغراض‌ القديمة‌ فوقف‌ حيناً علي‌ الطلول‌ و بكاها، و مدح‌ و رثي‌ و وصف‌ فاستعمل‌ كثيرا من ‌الالفاظ‌ العربية القديمة‌ و أغرب‌ فيها مما أوهم‌ البعض‌ في‌ أن‌ لا يدركوا حركة‌ التجديد العميقة‌ عند هذا الشاعر، و ينسبوا التجديد إلي‌ أبي‌¬نواس‌ الذي‌ إنما طرح‌ بعض‌ الأفكار الجديده‌ الخارجة ‌عن‌ العرف‌، و لكنه‌ كان‌ اتباعيا‌ في‌ شعره‌ بخلاف‌ أبي‌¬تمام‌ الذي‌ لم‌ يسلك‌ مسلكه‌. و الدليل ‌علي‌ ذلك‌ أن‌ النقاد القدامي‌ كانوا راضين‌ عن‌ أبي‌¬نواس‌ إلا في‌ إفحاشه‌ في‌ القول‌ و خروجه‌ عن ‌العادات‌، فلم‌ يبتعد هو عن‌ عمود العشر العرب الذي‌ كان‌ النقاد يقدسونه‌ مشدين‌ بكل‌ من ‌يحافظ‌ عليه‌. أما أبوتمام‌ فكان‌ القدامي‌ مجمعين‌ علي‌ خروجه‌ عن‌ عمود الشعر العربي‌، هذا مع‌ اطلاعه ‌الواسع‌ علي‌ اللغة‌ و علي‌ أساليب‌ العرب‌ البيانية‌، يروي‌ أن‌ أعربياً سمع‌ قصيدته‌:
طلل‌ الجميع‌ لقد عفوت‌ حميدا وكفي‌ علي‌ رزئي‌ بذاك‌ شهيدا
و سئل‌ كيف‌ تري‌ هذا الشعر فقال‌: «فيه‌ ما أستحسنه‌ و فيه‌ ما لا أعرفه‌ و لم‌ أسمع‌ بمثله‌، فإما أن‌ يكون‌ هذا الرجل‌ أشعر الناس‌ جميعاً، و إما أن‌ يكون‌ جميع‌ الناس‌ أشعر منه‌»]. كما يروي ‌أيضاً أن‌ اللغوي‌ المشهور ابن‌ الأعرابي‌ لما سمع‌ شعره‌ قال‌: «إن‌ كان‌ هذا شعراً فكلام‌ العرب‌ باطل‌» . هذا مع‌ أخبار كثيرة‌ أخري‌ تشير إلي‌ تجديد أبي‌¬تمام‌ و إلي‌ تعقيد شعره‌ كتعقيد تلك‌ الحضارة التي‌ امتد سلطانها من‌ الشرق‌ إلي‌ الغرب‌ و التقت‌ في‌ تكوينها شعوب‌ متعدده‌.
لعل‌ من‌ أهم‌ مظاهر التجديد في‌ شعر أبي‌¬تمام‌ تجديده‌ في‌ تحميل‌ الألفاظ‌ أكثر من‌ دلالتها بالاعتماد علي‌ المجاز و الاستعاره‌، و إن‌ كان هذان‌ معروفين‌ عند العرب‌ فإن‌ شدة اعتماد أبي‌تمام‌ عليهما قد أخرجت‌ اللفظ‌ عن‌ دلالته‌ الدقيقة و معناه‌ المضبوط‌، و جعلته‌ يوحي‌ من ‌وراءهما بمعني‌ آخر لمجرد علاقة من‌ العلاقات‌ فأصبحت‌ الألفاظ‌ عنده‌ لا تؤدي‌ دلالتها بالضبط‌ بل‌ هي‌ تشير إلي‌ شي‌ء آخر يستنبط‌ من‌ الوراء. و مَثلُ‌ أبي‌تمام‌ في‌ هذا الاسلوب‌ مثل ‌مصور يرسم‌ الخطوط‌ الرئيسة و الأصلية‌ للموضوع‌ دون اهتمام كثير بجزئيات‌ الرسم‌ و الخط، ‌و إنما يكون‌‌ اهتمامه‌ منصباً علي‌ لطخات‌ الألوان‌ و تعادلها و تناسبها و ما تحمله‌ من‌ ايحاء و ايقاع‌، هكذا فعل‌ أبوتمام‌ بالنسبه‌ إلي‌ دلالات‌ الألفاظ‌ في‌ شعره‌، فانها لم‌ تعد تدل‌ علي ‌معانيها الموضوعة‌ بالضبط‌، بل‌ أصحبت‌ تدل‌ عليها عن‌ طريق‌ التناسب‌ و مراعاة‌ النظير أو التضاد و التناقض‌، و لعلنا إذا ضربنا مَثلاً اتضح‌ المقصود تماماً؛ يقول‌ أبوتمام‌ في‌ قصيدة ‌مشهورة‌ في‌ فتح‌ عمورية]‌:
السيف ‌ أصدق‌ إنباء من ‌ الكتب‌ في ‌ حده ‌ الحد بين‌ الجد و اللعب‌
بيض‌ الصفائح‌ لاسود الصحائف‌ في‌ متونهن‌ جلاء الشك‌ و الريب‌
والعلم ‌ في ‌ شهب ‌ الأرماح‌ لامعة بين‌ الخميسين‌ لا في‌ السبعة‌ الشهب‌
فنجد هنا أن‌ أسلوب‌ التعبير يختلف‌ عما عرفناه‌ عند الشعراء الجاهليين‌ و الاسلامين‌، فالألفاظ ‌تحمل‌ أكثر من‌ معانيها، و كل‌ لفظ‌ ليس‌ مستقلا عن‌ الآخر، بل‌ يكون‌ بينه‌ و بين‌ الآخر تناسب ‌و تجانس‌ و تضاد؛ فالسيف‌ هنا رمز للقوة‌ و الحرب‌، و الكتب‌ رمز للتنجيم‌؛ و بين‌ الحد الأول‌ و هو حد السيف‌ و الحد الثاني‌ و هو الفصل‌ بين‌ الشيين‌ مجانسة‌، و لفظ‌ الجد لفظ مضاد للفظ‌ العب‌.
و البيت‌ الثاني‌ توكيد للبيب‌ الأول،‌ جاء في‌ ألفاظه‌ الطباق‌ بين‌ البيض‌ و السود، و الجناس‌ بين ‌الصفائح‌ و الصحائف‌، و البيت‌ الثالث‌ توكيد ثانٍ‌ للفكرة و هي‌ أن‌ العلم‌ الصحيح‌ في‌ الحرب‌ لا في‌ الاستدلال‌ بالنجوم‌ حيث‌ يشوبه‌ الحدس‌ و الظن‌، و قد اختار الشاعر لفظ‌ الشهب‌ للدلالة ‌علي‌ الرماح‌ و النجوم‌ من‌ أجل‌ الزخرفة‌ و التزويق‌ و المجانسة. و هكذا نري‌ أن‌ ألفاظ‌ هذه ‌الأبيات‌ مختارة‌ اختياراً خاصاً يخرجها من‌ دلالتها الدقيقة‌ ليوحي‌ إلي‌ ما بينها من‌ تناسب‌ وتجانس‌ و تضاد مما يضفي‌ عليها ايحاء و ظلالاً قويين‌.
و من‌ مظاهر أخري‌ لتحميل‌ اللفظ‌ أكثرمن‌ معناه‌ اعتماد الشاعر الكثير علي‌ التلميح‌ و الإشارة‌ إلي‌ أيام‌ العرب‌ و حوادث‌ التاريخ‌ والقصص‌ و الأمثال‌، و فيها ما فيها‌ من‌ إشارة‌ إلي‌ ثقافة‌ العصر عامة‌ و ثقافته‌ خاصة. و أشعاره‌ حافلة‌ بها حيث‌ تغنينا عن‌ ضرب‌ الأمثله‌ عليها.
و الميزة‌ البارزة‌ الأخري‌ في‌ شعر أبي‌¬تمام‌ هي‌ نزعته‌ الجدلية‌ التي‌ تحققت‌ عن‌ طريق‌ التضاد و التناقض‌ حيث‌ تبوأ حصة‌ كبيرة‌ في‌ شعره‌، و قد سماه‌ علماء البديع‌ طباقاً إذا وقع‌ بين ‌لفظين‌، و مقابلة‌ إذا وقع‌ بين‌ جملتين‌، فقد جمع الشاعر كثيراً‌ في‌ شعره‌ بين‌ الأضداد و العناصرالمتغايره‌ و المتنافره‌، فمثلاً يقول‌ في‌ نفس‌ القصيدة‌ التي‌ سُقنا منها مثلاً فيما سبق:
غادرت‌ فيها بهيم‌ الليل‌ و هو ضحي‌ يشله‌ وسطها صبح‌ من ‌ اللهب‌
حتي‌ كأن‌ جلابيب‌ الدجي ‌ رغبت‌ عن‌ لونها أو كأن‌ الشمس ‌ لم‌ تغب‌
ضوء من‌ النار و الظلماء عاكفة‌ و ظلمة من‌ دخان‌ في‌ ضحي‌ شحب‌
فالشمس‌ طالعة‌ من‌ ذا و قد أفلت‌ و الشمس‌ واجبة‌ من‌ ذا و لم‌ تجب‌
والقصيده‌ بأغلبها اتجه‌ فيها الشاعر نهج‌ هذه‌ الأبيات‌ من‌ الطباق‌ و المقابله،‌ و اعتمد فيها علي ‌اشتباك‌ المعاني‌ و تقابل‌ الصور و الأفكار مع‌ مراعاة‌ النسبة‌ الفنية‌ بينها كما التزم‌ النهج ‌نفسه‌ في‌ قصيدة‌ أخري‌ قائلاً]:
و لكنني‌ لم‌ أحو و فراً مجمعاً ففزت‌ به ‌ إلا بشمل‌ مبدّد
و لم‌ تعطيني‌ الأيام نوما مسكناً ألذّ به‌ إلا بنوم‌ مشرد
و طول‌ مقام‌ المرء في‌ الحي‌ مخلق‌ لديباجتيه فاغترب‌ تتجدد
فإني‌ رأيت‌ الشمس ‌ زيدت‌ محبة‌ إلي‌ الناس‌ أن‌ ليست‌ عليهم‌ بسرمد‌
فالوفر المجمّع‌ و الشمل‌ المبدّد و النوم‌ المسكّن‌ و النوم‌ المشرّد، و الإقامة‌ و الاغتراب‌، والإخلاق‌ و التجدد، كل‌ منها مقابل‌ للآخر، مشتبك‌ بعضها ببعض‌، حتي‌ الشمس‌ من‌ أجل‌ زيادة ‌المحبة‌ لا بدّ لها أن‌ تظهر و تغيب‌، فيُلاحظ‌ أن‌ التضاد هنا أساس‌ التفكير عند الشاعر.
و في‌ الحقيقة‌ لم‌ يخل‌ الشعر العربي‌ في‌ يوم‌ من‌ الأيام‌ من‌ هذه‌ المقابلات‌ المتضادة‌ التي‌ هي ‌من‌ خصائص‌ الفكر، و لكن‌ الفرق‌ كبير بين‌ بروزها في‌ حركة طبيعية‌ عند الآخرين‌ و بين ‌الاعتماد التام‌ عليها عند أبي‌¬تمام‌ من خلال‌ صوغ‌ التعابير و عرض‌ الأفكار بغية‌ الوصول‌ إلي‌الغرض‌ الفني‌ الذي‌ يكون‌ بصدده‌.
و لا غرو أن‌ يعتمد أبوتمام‌ علي‌ هذا النهج‌ الشعري‌ الفكري‌ القائم‌ علي‌ الصراع‌ و التضاد في ‌ذلك‌ العصر الذي‌ اشتد فيه‌ الشقاق‌ بين‌ طبقات‌ الشعب‌ علي‌ خلاف‌ ما كان‌ عليه‌ في ‌صدر الاسلام‌، فلقد تكونت‌ في‌ عصره‌ طبقات‌ اجتماعية بعضها متمولة‌ مترفة،‌ و بعضها فقيرة‌ منكوبة‌ كما تكونت‌ العنصرية‌ بين‌ العرب‌ و العجم حيث‌ كانت‌ تتنافس‌ علي‌ الحكم‌ خاصة الفرس‌ و هم‌ الذين‌ كانوا يشكلون‌ غالبية‌ الموظفين‌ في‌ الإدارات‌ والدواوين‌، و يُدخلون‌ في‌الدولة‌ عاداتهم‌ و أزياءهم‌ و تقاليدهم‌ الحكومية التي‌ ورثوها عن‌ أجدادهم‌، ثم‌ كان‌ الأتراك‌ من‌ بعدهم‌ في‌ زمن‌ المعتصم‌ قد تولوا مناصب‌ الجيش‌ و استبدوا بالأمور حتي‌ كان‌ الخليفة ‌ينصب‌ و يعزل‌ علي‌ أيديهم‌.
و لا عجب‌ من‌ أن‌ تنعكس‌ قضايا هذا العصر المعقدة و صوره‌ المتشابكة في‌ فن‌ شاعر كبير عاش‌ عصره‌ و شارك‌ حوادثه‌، فقد أدرك‌ رسالة‌ جديدة‌ للشعر في‌ ذلك‌ المجتمع‌ المعقد، وتَفَهّم‌ له‌ غاية سامية‌ نبيلة‌؛ فالشعر لم‌ يكن‌ عنده‌ مجرد فن‌ اكتملت‌ عناصره‌ و أُتقِنَت‌ أداته‌، وإنما هو وسيلة‌ للتحريض‌ علي‌ اكتساب‌ المعالي‌ و الحث‌ علي‌ تحقيق‌ القيم‌ الرفيعة و الدفاع‌ عن ‌الدولة‌ و التأليف‌ بين‌ أجزاءها و الإشادة بأبطالها الذين‌ يخدمونها، فإنه‌ سراج‌ يوضّح‌ سُبُل‌المكارم‌ علي‌ حد قوله]‌:
و لولا خلال‌ سنّها الشعر ما دري‌ بغاة ‌ العلاء من‌ أين‌ تؤتي‌ المكارم‌
فإنه‌ عندما يدخل‌ غمار المدح‌ أو الرثاء فإنما يصوّر الخصال‌ الحميدة و المآثر الكريمة‌ والصفات‌ الانسانية‌ المجيدة و المناقب‌ العالية‌ لتكون‌ كلها مثالاً أعلي‌ يُحتذي‌ به‌ و أسوة يُقتدي‌ بها و سبيلا يُسلك‌ فيه‌، كما كان‌ شاعراً ملتزما بالدين‌ مهتمّا بالقضايا الاجتماعية‌ متأثراً بالمشاعر العربية‌، فقلما ترك‌ موقعة‌ دخلها العرب‌، و هو دخل‌ معهم‌ بلسانه‌ فأبدع‌ فيها و وهبها صفة‌ الخلود، و من ‌أبرز نماذجها موقعة‌ عمورية‌ حيث‌ خلّدها بشعره‌، أو تأييده‌ للمعتصم‌ في‌ قتل‌ الأفشين‌ عندما ظهرت‌ خيانته‌، أو رثائه‌ لمحمد بن‌ حميد الطوسي‌ رثاء حاراً بعث‌ من‌ خلاله‌ هِمَم‌ القواد في‌ محاربة بابك‌ الخرمي‌ و... كل‌ هذه‌ جعلت‌ منه‌ شاعراً ملتزماً خدم‌ المجتمع‌ و الدولة‌ و حافظ ‌علي‌ الدين‌ و العروبة‌.
يمكن‌ القول‌ أن‌ هذا الشاعر العربي‌ كان‌ أكبر مجدد في‌ تاريخ‌ الشعر العربي‌ القديم‌، فقد جمع‌ ثقافة عصره‌ و تأثر بحوادثه‌ و ناضل‌ في‌ سبيل‌ المقاصد العربية‌ العالية‌ و رفع‌ رسالة‌ الشعر الفنية‌، متعمداً فيها إلي‌ سلوك‌ سبيل‌ جديد في‌ البيان‌ و الصنعة‌ و توليد الأفكار و المعاني‌ عجز عنها من‌ جاء بعده‌ من‌ أمثال‌ البحتري‌ و ابن‌ الرومي‌ و المتنبي‌ و المعري‌، فكلهم‌ كانوا متأثرين ‌إلي‌ حد بعيد بأبي‌¬تمام‌.
و قد أتيح‌ له‌ أن‌ يوائم‌ بين‌ وظيفة‌ الشعر و محسناته‌، و بين‌ طريقة‌ صوغ‌ الشعر و فنونه‌ و الظروف‌ المحيطة‌ به‌، فهو لم‌ يقف‌ عند السطحية و الواقعية‌ بل‌ تجاوزها إلي‌ عملية خلق‌ شعر لا ينفصل‌ فيه‌ الشكل‌ عن‌ المضمون‌. فتجاربه‌ المركبة المتداخلة كانت‌ تحتاج‌ إلي‌ محسنات ‌مركبة‌ متداخلة‌ حتي‌ لا يكون‌ هناك‌ خلل‌ بين‌ الشكل‌ و المضمون‌، فقد استوعب‌ الحياة‌ من‌ حوله‌ و خلق‌ منها عالماً خاصا به‌ لم يكن يعرف‌ الهدوء و السكون‌، بل‌ كان‌ دوماً في‌ صراع‌ و جدل‌ تجلّيا بوضوح‌ في‌ شعره‌، فإنه‌ كان‌ شاعراً عصرياً عرف‌ كيف‌ يتناغم‌ مع‌ روح‌ عصره‌، و كيف‌ يقوده‌ من‌ البداوة إلي‌ المدنية‌، و كيف‌ يتصور الحياة‌ لنفسه‌ وطناً لا مراره‌ فيه ‌و لا صعوبه‌.
و مع‌ هذا فقد ظل‌ شعره‌ دائماً عرضة‌ للأحكام‌ الظالمة فهو كان‌ رائداً بشّر بطريقة‌ جديدة‌ في ‌الشعر، و من‌ الطبيعي‌ أن‌ تكون‌ للرائد كبوات‌ و سقطات‌ فأخذها عليه‌ خصومه‌ دون‌ أن ‌يُنصفوا له‌ في‌ قسم‌ كبير من‌ شعره‌ أجاد‌ فيه‌ خير إجادة‌ لم‌ يسبق‌ عليه‌ بعد.

أخوكم زياد







رد مع اقتباس
الأعضاء ال 4 الذين شكروا zaydoun72 على هذا الموضوع
اعلانات
إضافة رد

أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع




الساعة الآن :06:19 بتوقيت GMT +1.

*منتديات تونيزيـا سات*