"جمنة" الخمسينات تعطي درسا في التربية الحديثة: التربية البنا

mkochkar

مفكّر وباحث
إنضم
21 ماي 2010
المشاركات
323
مستوى التفاعل
1.229
"جمنة" الخمسينات تعطي درسا في التربية الحديثة: التربية البنائية للأطفال. مواطن العالم من أصل جمني د. محمد كشكار
حسب مقاربته "البنائية" [ le constructivisme ] في اكتساب المعرفة لدى الطفل, يقول "بياجي", عالم معرفة نمو الطفل السويسري (Épistémologue génétique de l’enfant), أن الطفل يتملك المعرفة عندما يتفاعل مع محيطه المادي. أما "فيقوتسكي" عالم البيداغوجيا الروسي فيقول, حسب مقاربته "البنائية الاجتماعية" [ le socioconstructivisme ], أن عامل التفاعل مع المحيط المادي غير كاف لاكتساب المعرفة و يضيف عاملا ثانيا يتمثل في التفاعل البشري مع الآخرين أندادا و بالغين.
سكان قرية "جمنة" الخمسينات لم يقرؤوا لا "بياجي" و لا "فيقوتسكي" و لا يعرفون شيئا عن نظريات علوم التربية الحديثة لكن يطبقون ما جاء فيها أحسن تطبيق: كنا أبناء حي واحد. كلنا ذكور صغار لم نتجاوز سنّ السادسة. نغادر بيوتنا صباحا دون كهل مرافق. نتجمع بكل حرية في مكان فسيح غير بعيد عن أهالينا. بستان فيه نخل و ظل دون زرع. نبقى فيه بالساعات, نلعب و نلهو كما يحلو لنا دون كهل رقيب. نتشاجر بعض الأحيان و لكن سرعان ما نتصالح حتى يستمر اللعب. نصنع لعبنا بأنفسنا من معلبات سمك "السردين" و معجون الطماطم, سيارات و شاحنات مصغرة تنقل الرمل و تفرغه آليا. نتقمص أدوارا متنوعة بالتداول, البائع و الشاري, السائق و الشرطي, الأب و الابن, الفائز و الخاسر, الغالب و المغلوب. لباسنا خفيف و أقدامنا حافية و أرضنا حنون و مناخنا حار. لمجتنا تنزل دون سابق إعلام من السماء بلحا أخضرا و أصفرا أو "نرمي من كان عن الأحقاد مرتفعا فيتساقط علينا رطبا جنيا" و عندما نجوع فعلا, نعود إلى ديارنا. نجد أما حنونا في انتظارنا لا تلومنا و لا تنهرنا بل تقدم لنا ما جنت و طحنت و طبخت بأيديها الربانيتين, وجبة بيولوجية صحية خالية من الأغذية المصنعة المغشوشة باهظة الثمن. في المساء, نعيد الكرّة مع تغيير "وضعيات التعلم" التي نختارها بأنفسنا مثل صيد الطيور أو الجري وراء إطار حديدي لعجلة دراجة أو القفز داخل مربعات أو الاحتفاء بسحابة أمطرت في غير موضعها. عرفت بعد خمسين عاما و أنا أدرس دكتورا علوم تربية في جامعة كلود برنار بفرنسا أن هذه الطريقة من اكتساب المعرفة و المهارات و الكفاءات تسمى "البنائية الاجتماعية". كبرنا قليلا, أخذونا للكتّاب "الخلوة" لتعلم القرآن الكريم في الجامع الكبير. الفناء كان مظلما في النهار و المؤدب-المعلم جالس و عصاه تتنقل فوق رؤوسنا برأفة و حنان. نردّد وراءه لساعات ما ينشد من كلام حلو و موزون. نحفظه عن ظهر قلب دون شرح أو تفسير و نستوعب حسن نطقه و بلاغته و نطرب لموسيقاه. عرفت بعد خمسين سنة أن هذا النوع من التلقين يسمى "حمّاما لغويا"(Bain de langue). هذا الحمّام يطهّرك من الداخل و يغمرك بالمفاهيم و يكسبك في مرحلة الاستيعاب زادا لغويا ثمينا و نطقا سليما تستثمره في مرحلة الفهم في شرح و تفسير أي أثر مكتوب, قرآنا كان أو نثرا أو شعرا.
في التسعينات هبّت علينا ريح التحضر و التمدن المشوه فانبطحنا لها دون مقاومة و فتحنا دكاكين تبيع تربية مسمومة للملائكة و سميناها رياضا للأطفال و سجننا فيها فلذات أكبدتنا داخل فضاء ضيق و حرمناهم من متعة حرية اللعب و التعلم مجانا في مساحات شاسعة, هبة من رب العالمين. هل صادفت في حياتك من يغش أو يتاجر بالملائكة؟ من اغتصب حقوق طيور الجنة فهل يا ترى يدخل الجنة؟ تخلينا عن دورنا التربوي و أوكلناه لـمربين غير مختصين في التربية, أغلبهم فاشلين في مسيرتهم الدراسية أو ينتظرون وظيفة عمومية, يتقاضون أجورا زهيدة, ناقمين على أنفسهم و على ظروف عملهم, يصبون جام غضبهم على أبرياء رضع أو أكبر قليلا. لا يعلّمونهم شيئا و لا يتركونهم يتعلمون بأنفسهم أو بمعية أترابهم. يفرضون عليهم الانضباط المحبط للإبداع ليتجنبوا حركيتهم التلقائية. قتلوا فيهم الخلق و التخيل و زرعوا في قلوبهم الخوف و الجبن و الامتثال للأوامر حتى و لو كانت نابعة من جاهل و ظالم. يعلّمونهم لغة ركيكة لا يستوعبونها في صغرهم و لا تنفعهم في كبرهم. يجهّزون روضاتهم بالرديء و الرخيص و المضرّ صحيا من اللعب و الأدوات المدرسية و يطعمونهم وجبة غير متوازنة مطهية على نار الربح الحرام. يدرّسون البرنامج الدراسي الرسمي للسنة الأولى أساسي و هم يظنون أنهم أحسنوا فعلا و قد صح عليهم قول " يفعل الجاهل بأولاد الجاهل أو المكره ما يفعل العدو بعدوه". عندما أردت مرة مكرها إدخال ابني, البالغ من العمر خمس سنوات, للروضة لأن أمه تعمل 14 ساعة في المعمل الأجنبي الملكية, سألت المروض أو المروضة و ما أبشع هذه الصفة التي توحي بترويض الوحوش في "السرك": هل تلقنون قرآنا؟ هل تتركون الأولاد يلعبون بحرية؟ أجابتني بالنفي بكل فخر و جهل و اعتزاز كأنها تتبرأ من تراثها و ثقافتها و دينها. أبشّركم أنه من حسن حظنا و من محاسن التخلف الاقتصادي في تونس أن الروضات لم تنجح و لم تتكاثر حتى الآن و هي لا تستوعب إلا القليل من أبنائنا.
خلاصة القول: لو فهمتم مقصدي و هدفي من سلسلة "وجهة نظر مبتكرة" و هي في حلقتها السابعة, أنا لا أدعو لرفض العلم الحديث و لا للرجوع إلى الوراء بل أدعو إلى إحياء عاداتنا الجيدة و إعادة صقلها من جديد و غربلة تراثنا علّنا نجد فيه ما يتلاءم مع التطور الحقيقي لا المزيف. لم يأتي علم الغرب من فراغ أو نزل من السماء و لم يكتشفوه صدفة بل صنعوه بعقولهم و تجاربهم حسب حاجتهم و وفق ثقافتهم و تراثهم و دينهم فأصابوا و أخطؤوا. وصل "بياجي" إلى نظرياته في "البنائية" بدراسة نمو أبنائه البيولوجيين و توصّل "فيقوتسكي" إلى "البنائية الاجتماعية" بعد تجارب عديدة في المدرسة السوفياتية. هيا تعالوا نفعل مثلهم و ننبش التراب عن تراثنا و تقاليدنا لنطورها و نستنبط منها نظريات في التربية السليمة تتناسب مع واقعنا الاقتصادي و لا تتناقض مع مبادئنا و جغرافيتنا و مناخنا الاجتماعي و الطبيعي.
v "جمنة": مدينة-قرية جميلة في الجنوب الغربي التونسي, أعشقها, ولدت فيها سنة 1952 و ترعرعت في مائها و ترابها و كبرت تحت شمسها و ظلها و درست في جامعها و مدرستها الابتدائية. تنشقت عطرها و تحمّمت بتراثها و تنشفت بنورها و ما زالت تلاوة البردة في الجامع ترن في أذني و تسكن قلبي حتى الآن.
 
أعلى