هل يوجد لدى الطفل مستويان من النموّ الذهنيّ ؟

mkochkar

مفكّر وباحث
إنضم
21 ماي 2010
المشاركات
323
مستوى التفاعل
1.229
هل يوجد لدى الطفل مستويان من النموّ الذهنيّ ؟ مواطن العالم د. محمد كشكار
أعتمد في مقالي هذا كلّية علي كتاب بالفرنسيّة عنوانه "Vygotsky aujourd’hui" نشر بباريس سنة 1985 تحت اشراف B. Schneuwly و .J.P. Bronckart
عندما نحدّد "العمر الذهنيّ" [ l'âge mental ] لدى الطفل بواسطة اختبارات [ الحاصل ألذكائي QI ], نتكلّم دائما على نوع واحد فقط من النمو و هو "النموّ الذهنيّ الفعليّ (الحالي)" لكن مثلما أثبتته التجارب, يعجز هذا الحاصل ألذكائي عن الإحاطة الكاملة بحالة النموّ الذهني عند طفل في لحظة معيّنة.
لنفرض جدلا أن لدينا طفلين اجتازا اختبار الحاصل ألذكائي و حدّدنا عمرهما الذهنيّ بسبع سنوات (لهما القدرة على حل المسائل المناسبة لأطفال في عمرهما). هل هذان الطفلان متساويان فعلا في النمو الذهني ؟ لو حاولنا إخضاعهما لإختبارات أخرى, قد يظهر بينهما اختلاف مهمّ : قد يستطيع أحدهما و بسهولة حل اختبارات مناسبة لأطفال يكبرونه بعامين, أما الآخر فلا يحل الا الإاختبارات التي تفوق سنه بستّة أشهر. نستنتج إذا أنهما ليس متساويان في الذكاء خاصة إذا أخذنا في الإعتبار القدرة الكامنة و الممكنة و المحتملة لدى الطفلين التي قد تظهر و تتجسّم لو وفّرنا لها وضعيّة إجتماعيّة تعلّميّة يحتكّ فيها الطفل مع الغير مدرّسين و أقران.
نصل هنا إلى تعريف النوع الثاني, غير المعروف لدى غير أهل العلم, من النموّ الذهني و المسمّى "المنطقة الأقرب للنمو (ZPD :
Zone proximale de Développement). هذا المفهوم اكتشفه عالم النفس و البيداغوجيا السوفياتي الإاشتراكيّ فيقوتسكي في أوائل القرن العشرين و الذي يعرّفه tفي النقاط التالية :
- ما يقدر الطفل على إنجازه, بمساعدة المدرسين و بحضور أقرانه, يحدّد مستوى "منطقته الأقرب للنمو".
- ما يقدر الطفل على إنجازه اليوم بمساعدة المدرّسين و بحضور أقرانه, يستطيع تحقيقه بمفرده غدا.
- يختلف مستوى حل المشاكل الذهنيّة الذي يصل اليه الطفل بمفرده عن مستوى حل المشاكل الذي يصل اليه مع أقرانه و تحت إشراف ومساعدة المدرّسين.
- نستطيع تحديد حالة النموّ الذهنيّ عند الطفل بالإعتماد على المستوين المذكورين أعلاه : "النموّ الذهنيّ الفعليّ ( الحاليّ)" و "المنطقة الأقرب للنموّ".
- لو تركنا الطفل المتخلّف ذهنيّا وحده دون رعاية تربويّة لما وصل الى أيّ شكل من أشكال التفكير المجرّد.
- لو أخذنا مثلا طفلا سليما يعيش في عزلة مع والدين "صم- بكم"’ يبقى أصم-أبكم رغم تمتّعه بالملكات البيولوجية للنطق و السمع و نتيجة لذلك لا تتطور في مخه الوظائف الذهنيّة العليا المرتبطة بالكلام و اللغة.
- لوأخذنا في الإعتبار في التعليم مستوى "النموّ الذهنيّ الفعليّ (الحاليّ)" فقط لما اكتشف الطفل طاقاته الكامنة.
- لو سبقنا نموّ الطفل المستقبليّ و قدّمنا له أنشطة أعلى من مستواه الحاليّ لكن تقع في "المنطقة الأقرب للنموّ" يعني غير مستحيلة الإنجاز و بحضور أقرانه و تحت إشراف و مساعدة مدرّسين لتحسّن مستواه.
- كل وظيفة ذهنيّة عالية تظهر مرّتين خلال نمو الطفل: أولا في شكل نشاط جماعيّ و اجتماعيّ كوظيفة ذهنيّة مشتركة و هذا يقع في القسم و أثناء التطبيق, ثم على شكل ملكية فردية كوظيفة ذهنية داخلية و هذا يحصل بعد الدرس عند إدراك عملية الإدراك.
- نصل الي الإستنتاج التالي : من المفروض أن لا يتزامن التعليم الحديث مع النمو الذهني للطفل بل يسبقه و ينشّطه و يوقظ فيه التطوّر التدريجيّ للنموّ الذهنيّ .
بعد هذا التقديم النظري المختصر و الضروريّ, نحاول توظيفه لتحليل واقعنا التعليميّ:
- هل اطّّلع مدرّسونا, ابتدائي و ثانوي, على هذه النظريّات البيداغوجيّة "الخلاّقة بالمعنى الحرفيّ للكلمة" يعني تخلق الذّكاء و التي ترتكز عليها المدرسة البنائيّة لـ"بياجي" و هي شعار وزارة التربية و التكوين.
- لنفرض أن مدرّسينا اطّلعوا عليها و نسأل: هل الدولة أوجدت الأرضيّة و المناخ الملائم لتطبيقها ؟ طبعا الجواب بالنفي و الدليل الذي أستحضره الآن ويقظّ مضجعي هو "الثلاثون تلميذا" الذين ينتظرونني يومين في الأسبوع في المعهد الّذي ادرّس فيه.
- لنحلم قليلا, لو اطّلع (أكاديميّا يعني في الجامعة) مدرّسونا في الابتدائي والثانوىّ و الجامعيّ على البيداغوجيا و التعلميّة و علم نفس الطفل و الايبستومولوجيا و علم التقييم ( l’évaluation )و إدراك عملية الإدراك ( la métacognition) و لو وفّرت لنا الوزارة قاعات واسعة لسبعة عشرة تلميذ في القسم كما يطالب الفرنسيّون و لو جهّزت كل قاعات الدروس بالحواسيب و ربطتها بالأنترنات و لو ضرب أجرنا في خمسة لصنع التلميذ التونسي المعجزات كما فعل زميله الكوري الجنوبي حيث يخصّص في بلاده أكبر ميزانيّة للتعليم الابتدائي, يأتي بعده الثانوي ثم العالي عكس ما عندنا بالضبط فهرمنا مقلوب و هرمهم ثابت على قاعدة عريضة و صلبة.
- نحن في تونس ما زلنا نعتبر التلميذ فأر تجارب, نرسم له مسبّقا متاهة و نعرف مسبقا من أين سيدخل و من اين سيخرج فلا نترك له حرّية التفكير و التفاعل مع الوضعيات التعلّميّة الجديدة و لا نلامس "منطقته الأقرب للنمو" و لا نعطي له الفرصة للتعلّم الذاتيّ البنّاء لتفجير طاقاته الكامنة فننقل شيئا فشيئا فشلنا و جهلنا و محدودية تفكيرنا الى مخّه المرن الفتي.
- عوض أن نوقظ فيه التطوّر التدريجيّ للنموّ الذهنيّ كما يقول فيقوتسكي, بالعكس يأتينا الطفل متعطّّّشا للمعرفة - و بفضل أساليبنا البالية و جهلنا بالعلوم التربويّة و الإجتماعّة و النفسيّة الحديثة - يتراجع نموّه الذهني تحت مستوى "النمو الذهنيّ الفعليّ (الحاليّ)" فيصبح ابن الست سنوات يحمل عمرا ذهنيا متخلفا سنتين عن عمره البيولوجي.
خلاصة القول: قال لي صديقي " أنت تحلم" فقلت أنا واع بأنني أحلم و أدرك حالة الحلم التي أمر بها. أحلم, لكنني واع أيضا بأن حلمي مشروع و ممكن التّحقيق لو توفّرت الظروف الملائمة فالكوريّون الجنوبيّون ليسوا أفضل منا كبشر عندما أقلعوا نحو التقدم في عشرين سنة بالاعتماد أساسا على تحسين التعليم.
في النهاية أنا لا أقصد فرض رأيي عليكم بالأمثلة و البراهين بل أدعوكم بتواضع إلى تجريب وجهة نظر أخرى. و على كل مقال سيئ نرد بمقال جيد لا بالعنف اللفظي.
 
أعلى