الأولويات في مجال الفتوى والدعوة

paraasite

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 أكتوبر 2007
المشاركات
1.166
مستوى التفاعل
7.265
:besmellah2:


أولوية التخفيف والتيسير
على التشديد والتعسير



ومن الأولويات المطلوبة هنا ٬ وخصوصا في مجال الإفتاء والدعوة: تقديم التخفيف
والتيسير على التشديد والتعسير.
فقد دلت النصوص من الكتاب والسنة أن التيسير والتخفيف أحب إلى الله تعالى وإلى
رسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول الله تعالى: (
يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
ويقول سبحانه: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا).
ويقول عز وجل: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج).
ويقول الرسول الكريم: "خير دينكم أيسره" ٬ "أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة".
وتقول عائشة: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين ٬ إلا أخذ أيسرهما ما
لم يكن إثما ٬ فإذا كان إثما كان أبعد الناس عنه.

ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه ٬ كما يكره أن تؤتى
معصيته".

ويتأكد ترجيح الرخصة واختيار التيسير ٬ إذا ظهرت الحاجة إليها ٬ لضعف أو مرض أو
شيخوخة أو لشدة مشقة ٬ أو غير ذلك من المرجحات.
روى جابر بن عبدالله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ٬ فرأى زحاما
ورجلا قد ظلل عليه ٬ فقال: "ما هذا؟" فقالوا: صائم ٬ فقال: "ليس في البر الصيام في
السفر".

أما إذا لم يكن في السفر مثل هذه المشقة فيجوز له أن يصوم ٬ بدليل ما روته عائشة:
أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأصوم في السفر؟ وكان
كثير الصيام ٬ فقال: "إن شئت فصم ٬ وإن شئت فأفطر".
وكان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول بشأن الصوم والفطر للمسافر ٬ واختلاف
الفقهاء: أيهما أفضل ٬ كان يقول: أفضلهما أيسرهما عليه. وهذا قول مقبول ٬ فمن الناس
من يكون الصوم مع الناس أهون عليه من أن يقضي بعد ذلك والناس مفطرون ٬ وغيره
بعكسه ٬ فما كان أيسر عليه فهو الأفضل في حقه.
ودعا عليه الصلاة والسلام إلى تعجيل الفطور وتأخير السحور ٬ تيسيرا على الصائم.
ونجد كثيرا من الفقهاء في بعض الأحكام التي تختلف فيها الأنظار يرجحون منها ما يكون
أيسر على الناس ٬ وخصوصا في أبواب المعاملات ٬ وقد اشتهرت عنهم هذه العبارة: هذا
القول أرفق بالناس!!
هذا ومما أحمد الله تعالى عليه أني تبينت منهج "التيسير" في الفتوى ٬ و"التبشير"
في الدعوة ٬ اتباعا للمنهج النبوي الكريم ٬ فقد بعث أبا موسى ومعاذ إلى اليمن
وأوصاهما بقوله: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ٬ وتطاوعا".
وروى عن أنس أنه قال: "يسروا ولا تعسروا ٬ وبشروا ولا تنفروا".
قلت مرة في إجابتي عن الأسئلة بعد إحدى المحاضرات: إنني إذا وجدت أمامي قولين
متكافئين أو متقاربين في مسألة شرعية ٬ وكان أحدهما أحوط ٬ والآخر أيسر ٬ فإني
أفتي لعموم الناس بالأيسر ٬ وأرجحه على الأحوط.
فقال لي بعض الإخوة الحاضرين: وما دليلك على ترجيح الأيسر على الأحوط؟
قلت: دليلي هدى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ما خير بين أمرين إلا اختار
أيسرهما. وأمره للأئمة في صلاة الجماعة أن يخففوا عن المأمومين ٬ لأن فيهم الضعيف
والكبير وذا الحاجة.
قد يفتي العالم بالأحوط لبعض أهل العزائم والمتورعين من المتدينين ٬ أما العموم
فالأولى بهم الأيسر.

وعصرنا أكثر من غيره حاجة إلى إشاعة التيسير على الناس بدل التعسير ٬ والتبشير
بدل التنفير ٬ ولا سيما من كان حديث عهد بإسلام ٬ أو كان حديث عهد بتوبة.
وهذا واضح تمام الوضوح في هدى النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمه الإسلام
لمن يدخل فيه ٬ فهو لا يكثر عليه الواجبات ٬ ولا يثقله بكثرة الأوامر والنواهي ٬ وإذا سأله
عما يطلبه الإسلام منه ٬ اكتفى بتعريفه بالفرائض الأساسية ٬ ولم يغرقه بالنوافل ٬ فإذا
قال له الرجل: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه ٬ قال: "أفلح إن صدق" ٬ أو "دخل الجنة إن
صدق".
بل رأيناه صلى الله عليه وسلم يشدد النكير على من يشدد على الناس ٬ ولا يراعى
ظروفهم المختلفة ٬ كما فعل مع بعض الصحابة الذين كانوا يؤمون الناس ٬ ويطيلون في
الصلاة ٬ طولا اشتكى منه بعض مأموميهم.
فقد أنكر على معاذ بن جبل تطويله ٬ وقال له: "أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟
أفتان أنت يا معاذ".
وعن أبي مسعود الأنصاري: أن رجلا قال: والله يا رسول الله ٬ إني لأتأخر عن صلاة الغداة
(الصبح) من أجل فلان ٬ مما يطيل بنا! فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
موعظة أشد غضبا منه يومئذ! ثم قال: "إن منكم منفرين ٬ فأيكم ما صلى بالناس ٬
فليتجوز (يخفف) فإن فيهم الضعيف ٬ والكبير ٬ وذا الحاجة".

وقد ذكرت بعض الروايات أن هذا الذي طول بالناس كان أبي بن كعب ٬ وهو من هو علما
وفضلا ٬ وأحد الذين جمعوا القرآن. ولكن هذا لم يمنع أن ينكر النبي عليه ٬ كما أنكر على
معاذ ٬ برغم حبه له وثنائه عليه.
ويقول خادمه وصاحبه أنس: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ٬ ولا أتم صلاة من النبي
صلى الله عليه وسلم ٬ وإن كان ليسمع بكاء الصبي ٬ فيخفف ٬ مخافة أن تفتن أمه.

وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأدخل في الصلاة ٬ وأنا أريد إطالتها ٬
فأسمع بكاء الصبي ٬ فأتجوز في صلاتي ٬ مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه".

ويروي عنه أبو هريرة قوله: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف ٬ فإن فيهم السقيم ٬
والضعيف والكبير ٬ وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء".

يوسف القرضاوي في فقه الأولويات
"يتبع" إن شاء الله
 

paraasite

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 أكتوبر 2007
المشاركات
1.166
مستوى التفاعل
7.265
:besmellah2:

وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد ما يكون إنكارا للتشديد إذا كون اتجاها ٬ وتبناه
جماعة ٬ ولم يكن مجرد نزعة فردية عارضة ٬ وهذا ما نلاحظه في إنكاره على الثلاثة
الذين اتخذوا خطا في التعبد غير خطه ٬ وإن كانوا لا يريدون إلا الخير ومزيد من التقرب
إلى الله تعالى.
عن أنس رضي الله عنه قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه
وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا:
أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال
أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا ٬ وقال آخر: وأنا أصوم ولا أفطر ٬ وقال آخر: وأنا أعتزل
النساء فلا أتزوج أبدا ٬ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: "أنتم الذين
قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ٬ لكني أصوم وأفطر ٬ وأصلي وأرقد ٬
وأتزوج النساء ٬ فمن رغب عن سنتي فليس مني".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هلك
المتنطعون"! قالها ثلاثا.

المتنطعون: المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد.
وعن ابن هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر ٬
ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ٬ فسددوا ٬ وقاربوا ٬ وأبشروا ٬ واستعينوا بالغدوة والروحة ٬
وشيء من الدلجة" رواه البخاري ٬ وفي رواية له: "سددوا وقاربوا ٬ واغدوا وروحوا ٬
وشيء من الدلجة ٬ القصد القصد تبلغوا".

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا غلبه": أي غلبه الدين وعجز ذلك المشاد عن مقاومة
الدين لكثرة طرقه. "الغدوة": سير أول النهار. و"الروحة": آخر النهار. و"الدلجة": آخر
الليل. وهذا استعارة وتمثيل ٬ ومعناه: استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في
وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم ٬ بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون ٬ وتبلغون مقصودكم ٬
كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ٬ ويستريح هو ودابته في غيرها فيصل
المقصود بغير تعب ٬ والله أعلم.
وقد هالني ما سمعت في نشرات الأخبار ٬ وما قرأته في الصحف: أن سلطات الحج في
المملكة العربية السعودية أعلنت عن ( ۲۷۰ ) مائتين وسبعين حاجا في مرمى
الجمرات ٬ قتلوا وطئا بالأقدام في غمرة الزحام الهائل على الرمي بعد الزوال!
ومع هذا العدد الكبير من القتلى لازال كثير من العلماء يفتون الناس بعدم جواز الرمي
قبل الزوال بحال ٬ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يسر في أمر الحج ٬ وما سئل عن
أمر قدم ولا أخر فيه ٬ إلا قال: "افعل ولا حرج". والفقهاء سهلوا في أمر الرمي حتى
أجازوا أن يجمع الحاج الرمي في اليوم الأخير ٬ وأجازوا الإنابة فيه للعذر. وهو أمر يتم بعد
التحلل النهائي من الإحرام.
وقد أجاز الرمي قبل الزوال ثلاثة من الأئمة الكبار: فقيه المناسك عطاء ٬ وفقيه اليمن
طاووس ٬ وكلاهما من أصحاب ابن عباس ٬ وأبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين
من فقهاء آل البيت.
ولو لم يقل فقيه بجواز ذلك لكان فقه الضرورات يوجب علينا التسهيل على عباد الله ٬
وإجازة الرمي خلال الأربع والعشرين ساعة حتى لا نعرض المسلمين للهلاك.
وجزى الله الشيخ عبدالله بن زيد المحمود خيرا ٬ فقد أفتى منذ أكثر من ثلث قرن بجواز
الرمي قبل الزوال في رسالته "يسر الإسلام".
"يتبع" إن شاء الله
 

paraasite

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 أكتوبر 2007
المشاركات
1.166
مستوى التفاعل
7.265
:besmellah2:

الاعتراف بالضرورات الطارئة

ومن التيسير المطلوب هنا: الاعتراف بالضرورات التي تطرأ في حياة الناس ٬ سواء أكانت
ضرورات فردية أم جماعية ٬ فقد جعلت الشريعة لهذه الضرورات أحكامها الخاصة وأباحت
بها ما كان محظورا في حالة الاختيار من الأطعمة والأشربة والملبوسات والعقود
والمعاملات ٬ وأكثر من ذلك أنها نزلت الحاجة في بعض الأحيان خاصة كانت أو عامة
منزلة الضرورة أيضا ٬ تيسيرا على الأمة ودفعا للحرج عنها.
والأصل في ذلك ما جاء في القرآن الكريم عقب ذكر الأطعمة المحرمة في أربعة مواضع
من القرآن الكريم رفع فيها الإثم عن متناولها مضطرا غير باغ ولا عاد.
(فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ٬ إن الله غفور رحيم).
وما جاء في السنة بعد تحريم لبس الحرير على الرجال: أن عبد الرحمن بن عوف والزبير
بن العوام شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حكة بهما فأذن لهما بلبسه
تقديرا لهذه الحاجة.

 

paraasite

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 أكتوبر 2007
المشاركات
1.166
مستوى التفاعل
7.265
:besmellah2:

تغيير الفتوى بتغير الزمان والمكان

ومن التيسير المطلوب هنا أيضا: ضرورة الاعتراف بالتغير الذي يطرأ على الناس سواء
أكان سببه فساد الزمان كما يعبر الفقهاء ٬ أو تطور المجتمع ٬ أو نزول ضرورات به ٬ ومن
ثم أجاز فقهاء الشريعة تغيير الفتوى بتغير الأزمان والأمكنة والأعراف والأحوال ٬
مستدلين في ذلك بهدي الصحابة وعمل الخلفاء الراشدين الذين أمرنا النبي صلى الله
عليه وسلم أن نهتدي بسنتهم ونعض عليها بالنواجذ. بل هو ما دلت عليه السنة
النبوية ٬ وقبلها القرآن الكريم ٬ كما بينا ذلك في رسالتنا عن "عوامل السعة والمرونة في
الشريعة الإسلامية".
وهذا ما يوجب علينا في هذا العصر أن نعيد النظر في أقوال قيلت ٬ وآراء اتخذت في
أعصار سابقة ٬ ربما كانت ملائمة لتلك الأزمنة وتلك الأوضاع ٬ ولكنها لم تعد ملائمة لهذا
العصر بما فيه من مستجدات هائلة ٬ لم تكن لتخطر للسابقين على بال. والقول بها
اليوم يسيء إلى الإسلام وإلى أمته ٬ ويشوه وجه دعوته.
من ذلك: تقسيم العالم إلى دار إسلام ٬ ودار حرب ٬ واعتبار أن الأصل في علاقة
المسلمين بغيرهم هو الحرب ٬ وأن الجهاد فرض كفاية على الأمة إلى آخر تلك الأقوال.
والواقع أن هذه الأقوال لم تعد تصلح لزماننا ٬ ولا يوجد من نصوص الإسلام المحكمة ما
يؤيدها ٬ بل في هذه النصوص ما يناقضها.
فالإسلام ينشد التعارف بين البشر جميعا: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
ويعتبر السلام والكف عن الحرب نعمة. ولقد عقب على غزوة الخندق بقوله: (ورد الله
الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ٬ وكفى الله المؤمنين القتال
).
ويعتبر صلح الحديبية فتحا مبينا يمتن به على رسوله ٬ وينزل فيه سورة الفتح: (إنا فتحنا
لك فتحا مبينا
).
ويمتن على رسوله وعلى المؤمنين في هذه السورة أنه كف أيدي الفريقين بعضهما
عن بعض ٬ فيقول سبحانه: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من
بعد أن أظفركم عليهم
).

والرسول صلى الله عليه وسلم ينفر من كلمة "حرب" حتى إنه يقول: "أصدق الأسماء
حارث وهمام ٬ وأقبح الأسماء حرب ومرة".
والجهاد الذي شرعه الإسلام في الأزمان الماضية ٬ كان له هدف واضح ٬ وهو إزالة
العوائق المادية من طريق الدعوة. وقد كان الأباطرة والملوك في تلك الأزمنة يقفون
حائلا دون وصول دعوة الإسلام إلى شعوبهم ٬ ولهذا بعث الرسول إليهم برسائله
يدعوهم فيها إلى الإسلام ٬ ويحملهم إثم ضلال أممهم ٬ التي عزلوها عن الاستماع إلى
أي صوت خارجي ٬ خشية أن يوقظهم من سباتهم ٬ ويشعرهم بذاتيتهم ٬ فيهبوا من
رقدتهم ٬ ويتمردوا على طواغيتهم. ولهذا نجدهم قتلوا الدعاة حينا ٬ أو بادروا المسلمين
بالقتال حينا ٬ أو أعدوا العدة لغزوهم وهددوهم في عقر دارهم.
أما اليوم ٬ فلا عوائق أمام الدعوة ٬ وخصوصا في البلاد المفتوحة التي تقبل التعددية ٬
ويستطيع المسلمون أن يبلغوا دعوتهم بالكلمة المقروءة ٬ والكلمة المسموعة ٬ والكلمة
المشاهدة. ويستطيعون بالإذاعات الموجهة أن يبلغوا العالم كله بلغاته المختلفة ٬ وأن
يتكلموا مع كل قوم بلسانهم ليبينوا لهم.
ولكنهم في الواقع مقصرون كل التقصير ٬ وهم مسؤولون أمام الله تعالى عن جهل أمم
الأرض بالإسلام.
يتبع إن شاء الله
 

mohamed85

نجم المنتدى
إنضم
28 ديسمبر 2006
المشاركات
2.448
مستوى التفاعل
5.141
هناك برنامج أكثر من رائع للعلامة علي جمعة على قناة اقرأ اسمه " مفاهيم افتائية "
و الحلقات موجودة على النات
 

paraasite

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 أكتوبر 2007
المشاركات
1.166
مستوى التفاعل
7.265
:besmellah2:

مراعاة سنة التدرج

ومن التيسير المطلوب هنا: مراعاة سنة التدرج ٬ جريا على سنة الله تعالى في عالم
الخلق ٬ وعالم الأمر ٬ واتباعا لمنهج التشريع الإسلامي في فرض الفرائض من الصلاة
والصيام وغيرهما ٬ وفي تحريم المحرمات كذلك.
ولعل أوضح مثل معروف في ذلك هو تحريم الخمر على مراحل معروفة في تاريخ
التشريع الإسلامي ٬ لا يجهلها دارس.
ولعل رعاية الإسلام للتدرج هي التي جعلته يبقي على "نظام الرق" الذي كان نظاما
سائدا في العالم كله عند ظهور الإسلام ٬ وكان إلغاؤه يؤدي إلى زلزلة في الحياة
الاجتماعية والاقتصادية ٬ فكانت الحكمة في تضييق روافده بل ردمها كلها ما وجد إلى
ذلك سبيل ٬ وتوسيع مصارفه إلى أقصى حد ٬ فيكون ذلك بمثابة إلغاء للرق بطريق
التدرج.
وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس عندما يراد
تطبيق نظام الإسلام في الحياة اليوم ٬ بعد عصر الغزو الثقافي والتشريعي والاجتماعي
للحياة الإسلامية.
فإذا أردنا أن نقيم "مجتمعا إسلاميا حقيقيا" فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرة قلم ٬ أو
بقرار يصدر من ملك أو رئيس ٬ أو مجلس قيادة أو برلمان.
إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج ٬ أعني بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية
والاجتماعية ٬ وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المحرمة التي قامت عليها مؤسسات
عدة لأزمنة طويلة.
ولا نعني بالتدرج هنا مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ ٬ واتخاذ كلمة التدرج "تكأة" لتمويت
فكرة المطالبة الشعبية الملحة بإقامة حكم الله ٬ وتطبيق شرعه ٬ بل نعني بها تعيين
الهدف ٬ ووضع الخطة ٬ وتحديد المراحل ٬ بوعي وصدق ٬ بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما
بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم ٬ حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة
والأخيرة التي فيها قيام الإسلام ٬ كل الإسلام.وهو نفس المنهاج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الحياة الجاهلية إلى
حياة إسلامية ٬ كما بينا ذلك في الفصل السابق.
ومن المواقف التي لها مغزى ما رواه المؤرخون عن عمر بن عبد العزيز ٬ الذي يعده
علماء المسلمين "خامس الخلفاء الراشدين" وثاني العمرين ٬ لأنه سار على نهج جده
الفاروق عمر بن الخطاب: أن ابنه عبد الملك وكان شابا تقيا متحمسا قال له يوما: يا
أبت ٬ مالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!!
يريد الشاب التقي الغيور من أبيه وقد ولاه الله إمارة المؤمنين أن يقضي على
المظالم وآثار الفساد والانحراف دفعة واحدة ٬ دون تريث ولا أناة ٬ وليكن بعد ذلك ما
يكون!
ولكن الأب الراشد قال لابنه: لا تعجل يا بني ٬ فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين ٬
وحرمها في الثالثة ٬ وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة ٬ فيدعوه جملة ٬
ويكون من ذا فتنة!
يريد الخليفة الراشد أن يعالج الأمور بحكمة وتدرج ٬ مهتديا بسنة الله تعالى في تحريم
الخمر ٬ فهو يجرعهم الحق جرعة جرعة ٬ ويمضي بهم إلى المنهج المنشود خطوة
خطوة. هذا هو الفقه الصحيح.
يتبع إن شاء الله
 

paraasite

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 أكتوبر 2007
المشاركات
1.166
مستوى التفاعل
7.265
:besmellah2:


تصحيح ثقافة المسلم

ومن المهم واللازم اليوم في تثقيف المسلمين وتفقيههم في دينهم: أن نعرف ما
ينبغي أن يقدم لهم ٬ وما ينبغي أن يؤخر ٬ وما ينبغي أن يحذف من ثقافة المسلم.
في المعاهد الدينية ٬ والجامعات والكليات الإسلامية: تدرس أشياء تستغرق من جهود
الطلاب وأوقاتهم وتحصيلهم ما لو قضوا نصفه أو ربعه فيما هو أجدى عليهم في دينهم
أو دنياهم لكان ذلك أحرى وأولى.
أذكر أننا كنا في كلية أصول الدين ندرس من كتاب "المواقف" للإيجي ٬ وشرحه
للجرجاني بعض الفقرات ولا أقول الفصول في "الطبيعيات" من الكتاب ٬ وفي
"المقدمات" ونتعنى في فهمها وهضمها ٬ ويعاني شيوخنا في شرحها ٬ وحل غوامضها ٬
وكشف اللثام عن معانيها.
ولو أننا أنفقنا هذا الوقت وهذا الجهد في متابعة فلسفات العصر والرد عليها ردا علميا
موضوعيا ٬ أو في متابعة مصادر الإسلام الأساسية وشروح الأئمة الكبار عليها ٬ أو في
النبش عن الأفكار والمفاهيم الأصيلة في المدارس التجديدية في الإسلام ٬ لعاد ذلك
علينا بالخير الكثير ٬ والنفع الغزير.
ولازال هناك قصور ملحوظ فيما يدرس في تلك المعاهد والجامعات ٬ فهناك تمدد لبعض
المواد ٬ على حساب مواد أخرى لا تأخذ حقها.
ولازال "علم الكلام" يدرس على الطريقة القديمة نفسها ٬ وهو في حاجة إلى أن يتجدد
ليتحدث بلغة القرآن التي تخاطب الفطرة ٬ وتخاطب العقل والقلب معا ٬ وليس بأسلوب
الفلسفة اليونانية ٬ وقد ألف الإمام ابن الوزير كتابه القيم "ترجيح أساليب القرآن على
أساليب اليونان".
كما أنه في حاجة إلى أن يتسلح بعلم العصر ٬ وثقافة العصر ٬ ويقتبس من البراهين
والآيات المبثوثة في الكون ما يشد أزر الإيمان ٬ ويقطع دابر الإلحاد ٬ كما في الكتب
الشهيرة في ذلك: "العلم يدعو إلى الإيمان" ٬ "الله يتجلى في عصر العلم" ٬ "مع الله
في السماء" ٬ "الله والعلم الحديث" وغيرها.وعلم الفقه في حاجة إلى أن ييسر للناس ٬ وأن يعرض عرضا جديدا ٬ ويهتم فيه بما يهم
الناس في هذا العصر ٬ من شركات ومعاملات وأعمال بنوك ٬ وعقود مستحدثة ٬ وعلاقات
دولية جديدة ٬ وأن يترجم المعايير القديمة من نقود ومكاييل وأوزان وأطوال إلى لغة
العصر.
وإلى جوار ذلك لابد من العناية بالثقافة التي تقدم إلى الجمهور المسلم ٬ وضرورة
تنويعها وتلوينها ٬ فمنها ما يقدم إلى المثقفين ثقافات مدنية مختلفة.
ومنها ما يقدم إلى العامة وأشباه العامة من العمال والفلاحين ٬ ومن قاربهم.
فكثيرا ما حشا الوعاظ والمدرسون أو المؤلفون المكثرون أدمغة الناس بأفكار
ومعلومات دينية يرددونها ٬ ويحفظونها عن ظهر قلب ٬ وما أنزل الله بها من سلطان ٬ ولا
قام عليها من محكمات الشرع برهان ٬ مصدرها الإسرائيليات في التفسير ٬ والأحاديث
الواهية والموضوعة وما لا أصل له!
مثل الكلام عن "الحقيقة والشريعة" ٬ أو "الحقيقة المحمدية" أو أن النبي هو أول خلق
الله ٬ أو الكلام المبالغ عن عالم "الأولياء" و"الكرامات" مما لم يقم عليه دليل من دين ٬
ولا برهان من علم ٬ ولا سند من منطق.
ونحو ذلك شغل آخرين لهم بالمسائل الخلافية بين المذاهب بعضها وبعض ٬ أو بافتعال
معركة مع التصوف كله ٬ والمتصوفة جميعا ٬ بما فيهم من متسنن ومبتدع ٬ ومستقيم
ومنحرف ٬ والواجب هو التمييز والتفضيل ٬ وعدم تعميم الأحكام في هذا المقام.

 

paraasite

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
17 أكتوبر 2007
المشاركات
1.166
مستوى التفاعل
7.265
:besmellah2:


معيار لا يخطئ ٬ الاهتمام بما اهتم به القرآن


ومن المعايير التي ينبغي الرجوع إليها في بيان ما هو أحق وأولى بالرعاية والتقديم
على غيره: أن نعنى بالأمر على قدر ما عني به القرآن الكريم.
فما اهتم به القرآن كل الاهتمام ٬ وكرره في سوره وآياته ٬ وأكده في أمره ونهيه ٬ ووعده
ووعيده ٬ يجب أن تكون له الأولوية والتقديم والعناية في تفكيرنا وفي سلوكنا ٬ وفي
تقويمنا وتقديرنا.
وذلك مثل الإيمان بالله تعالى ٬ وبرسالاته إلى أنبيائه ٬ وبالدار الآخرة ٬ وما فيها من ثواب
وعقاب ٬ وجنة ونار.
ومثل أصول العبادات والشعائر من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ٬ والصيام والحج وذكر الله
تعالى وتسبيحه وتحميده واستغفاره والتوبة إليه ٬ والتوكل عليه والرجاء في رحمته
والخشية من عذابه ٬ والشكر لنعمائه ٬ والصبر على بلائه. إلى آخر تلك العبادات القلبية
الباطنة ٬ والمقامات الربانية العالية.
ومثل أصول الفضائل ومكارم الأخلاق ٬ ومحاسن الصفات من الصدق والأمانة والقصد
والعفاف ٬ والحياء والتواضع ٬ والبذل والسخاء ٬ والذلة على المؤمنين والعزة على
الكافرين ٬ والرحمة بالضعفاء ٬ وبر الوالدين ٬ وصلة الأرحام ٬ وإكرام الجار ٬ ورعاية المسكين
واليتيم وابن السبيل.
وما اهتم به القرآن اهتماما قليلا ٬ نعطيه مثل ذلك القدر من الاهتمام ولا نبالغ فيه ٬ مثل
"الإسراء" بالنبي عليه الصلاة والسلام ٬ الذي أعطاه القرآن آية واحدة ٬ وليس كالغزوات
التي أخذت سورا كاملة.
أما "مولد النبي" فلم يعره القرآن التفاتا ٬ فدل على أنه أمر غير ذي بال في الحياة
الإسلامية ٬ إذ لم يرتبط به معجزة كما ارتبط بميلاد المسيح ٬ كما لم يرتبط به عمل أو
عبادة تطلب من المسلمين على وجه الإيجاب ٬ ولا على وجه الاستحباب.
فهذا معيار لا يخطئ ٬ لأن القرآن هو عمدة الملة ٬ وأصل الدين ٬ وينبوع الإسلام ٬ والسنة
إنما تأتي شارحة مبينة. والله تعالى يقول: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) ٬ ويقول: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ٬ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام
ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم
).
وقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين).
والمقصود: أنه بين الأصول التي لابد منها ليقوم الدين على أساس مكين ٬ فما من أصل
من الأصول الكلية التي تحتاج إليها الحياة الإسلامية ٬ إلا وهو منبثق من القرآن ٬ إما
مباشرة أو بالاستنباط.
وقد جاء عن الخليفة الأول قوله: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله.

تم بحمد الله

من كتاب "في فقه الأولويات"(من الصفحة 46 إلى 59)
لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي
منقول بدون تصرف
 
أعلى