تكوين المدرسين في الإعلامية كــ"من يهدي نظارات طبية لضرير"

mkochkar

مفكّر وباحث
إنضم
21 ماي 2010
المشاركات
323
مستوى التفاعل
1.229
تكوين المدرسين في الإعلامية قبل تكوينهم في الإبستومولوجيا و علم نفس الطفل كــ"من يهدي نظارات طبية لضرير". مواطن العالم د. محمد كشكار
أنزلت وزارة التربية و التعليم التونسية أخيرا منشورا يحث المدرسين ابتدائي و إعدادي و ثانوي على التكون في مجال الإعلامية [ استعمال الحاسوب و البرمجيات و السبورة التفاعلية لأغراض التدريس في القسم ( .les T.I.C.E). احتج المدرسون النقابيون على الوزارة و عارضوا التكوين في العطل المدرسية و طالبوا بأجر مناسب للمدرس المكون بكسر الواو.
سيق لي أن عملت مكونا لأساتذة علوم الحياة و الأرض لمدة عامين. يستغرق إعداد حصة التكوين نصف شهر تقريبا. أعرضها و أناقشها مع الزملاء خلال أربع ساعات. أتقاضى على كل ساعة تقريبا دينارين و نصف [ ما يقابل دولارين و نصف ]. هل أجر عشرة دنانير يساوي جهد نصف شهر من البحث و التنقيب؟ عندما تستدعي الوزارة محاضرا جامعيا لتكوين أساتذة الثانوي أو معلمي الابتدائي تغدق عليه في الحصة الواحدة من 100 إلى 200 دينار. أنا أحترم العلم و العلماء و الأساتذة الجامعيين و الناس أجمعين و أطالب بمساواة المكونين في الأجر خاصة أن الكثير من المكونين من أساتذة الثانوي حاصلين على شهائد مرحلة ثالثة مثل الماجستير و الدكتورا.
أرجع الآن إلى موضوعي الأصلي الذي من أجله أكتب هذا المقال و هو يتمثل في تذكير الزملاء و الوزارة أن التكوين في الإعلامية مهم و لكن الأهم منه هو التكوين في العلوم الضرورية لأداء وظيفة المدرس على أحسن وجه و هي العلوم التالية: التعلّمية [ La Didactique ] و علم التقييم [ L'Evaluation] و علم نفس الطفل [ La psychologie de l'enfant] و الإبستومولوجيا [ L'Epistémologie ] و ربيبتها "إدراك عملية الإدراك" [ La Métacognition ]. لا تمثل الإعلامية علما بل أداة تكنولوجية عاجزة بذاتها وحدها و لا يمكن تفعيلها دون استعمال العلوم المنسية في التكوين. تحرص الوزارة على التكوين في الإعلامية فقط و تهمل العلوم الأخرى فمثلها كمثل "من يهدي نظارات طبية لضرير".
أذكّر زملائي أولا و الوزارة ثانيا بأهمية العلوم المذكورة أعلاه لعل الذكرى تنفع المتعلمين:
v تهتم التعلّمية [ La Didactique ] بالمعرفة و علاقتها بالتلميذ و المدرس أكثر من اهتمام البيداغوجيا بطرق التدريس. يركّز هذا العلم خاصة على كيفية تعلم المتلقي و يعلّمه كيف يتعلّم. عدم إلمام المدرسين بهذا العلم يفسر مقولة العالم الابستومولوجي الفرنسي باشلار " المدرسون لا يفهمون أن تلامذتهم لا يفهمون".

v علم التقييم [ L'Evaluation] علم قائم الذات يدرّس في الجامعات. تسمح آليات هذا العلم بتقييم مكتسبات التلميذ قبل و أثناء و بعد الدرس. تساعد نتائجه على تحسين مردود المعلم و المتعلم. مثل المدرس الذي لم يدرس أكاديميا التقييم كمثل "تاجر يزن سلعة دون ميزان".

v يفتح "علم نفس الطفل" [ La psychologie de l'enfant] عيون المدرسين على عالم الطفولة و المراهقة و يكشف لهم "ما خفي من جبل الجليد النفسي عند التلميذ" فتتوضّح لديهم الرؤيا و يظهر لهم أن "اللامعقول في تصرفات التلميذ هو في صلب المعقول النفسي", فيعذرون حينئذ و يفهمون أسباب و عمق بعض السلوكيات التلمذية العنيفة أو الخارجة عن المألوف و يكفّون عن التعامل مع التلميذ كما يتعامل " عالم النفس السلوكي مع فأر التجارب يحدد له المدخل و المخرج في المتاهة".

v الإبستومولوجيا [ L'Epistémologie ] هي "مبحث نقدي في مبادئ العلوم و في أصولها المنطقية" و تهدف إلى الكشف عن الآليات و المفاهيم التي تعتمدها الثقافة في إنتاج المعرفة و نقدها. هي "معرفة المعرفة أو نظرية المعرفة العلمية". يحتاج لهذا العلم كل من يدرّس العلوم معلما كان أو أستاذا. عندما يعرف المدرس أن العلم لم يلد كاملا بل تكوّن على مراحل و بعد أخطاء جسيمة ارتكبها العلماء العظام, حينئذ يعذر و يتسامح و يفهم أخطاء التلميذ و لا يحمّله ما لم يقدر عليه كبار العلماء و هو الفهم المباشر و السريع للمسائل المعقدة في الرياضيات و الفيزياء و علوم الحياة و الأرض.

v أما "إدراك عملية الإدراك" [ La Métacognition ] فيتمثل "في التفكير في آليات التفكير و في معرفة أننا نعرف و في اختيار الطريقة الأنسب لحل المشاكل" و كما قال بيار قريكو: " لو أن الإنسان الذي يقول لا أعرف, عرف لماذا يقول لا, لكان قادرا على تحديد نعم المستقبلية" أو كما يقول المثل الصيني المشهور " لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد" و السمكة في التعليم هي المعلومة و تعلّم الصيد هو "إدراك عملية الإدراك". أثناء "إدراك عملية الإدراك" ينشط التلميذ ذهنيا و ليس تطبيقيا و قد ثبت أن هذا النوع من النشاط الذهني البحت يسمح بالوعي و الشعور بالإجراءات و الطرق و السيرورات الذهنية الموظفة لحل المشاكل و يرسّخ اكتسابها ( wikipédia).
خلاصة القول: جل الأساتذة لم يدرسوا هذه العلوم في الجامعة و أنا اكتشفتها بعد 24 عام تدريس و الأستاذ أقل حظا من المعلم في هذا المجال و حتى من علم و تعلم لا يستطيع أن يطبق النظريات الجديدة في نظام تعليمي يعتبر الارتقاء الآلي ديمقراطية و التقشف في استعمال الطباشير حكمة. مدرسة ابتدائية دون ميزانية و ميزانية المعهد تصرف في تسخين مكاتب الإداريين و طباعة الامتحانات و المناشير. السبورة التفاعلية [Le tableau interactif ] ليست عصا سحرية سوف تخرج تعليمنا من المحلية إلى العالمية و لن تغير بين عشية و ضحاها وضعا متخلفا و تسيبا عاما و تجهيزات مهترئة و أجورا زهيدة و بيروقراطية متكلسة و قرارات فوقية و إملاءات خارجية و خريجين عاطلين عن العمل لمدة سنوات.
أنا عندي تجربة بسيطة مع توظيف التكنولوجيا الحديثة في التعليم: منذ ثماني سنوات و بضربة حظ, جهز لي وزير التربية التونسي السابق منصر رويسي مخبرا بعشر حواسيب لتدريس علوم الحياة و الأرض في معهد برج السدرية و منذ تاريخ مغادرة الوزير للوزارة في 2001 نسوني و تركوني أتخبط وحدي دون فأرة و دون برمجيات و دون صيانة و دون تجديد الحواسيب حتى هرمت و لم تعد صالحة للاستعمال.
في فرنسا لا تدرس الإعلامية كمادة مستقلة بل تستعمل كأداة تدريس في كل المواد منذ عام 2000.
أمضي مقالي كالعادة بجملتين مفيدتين: "أنا أكتب - لا لإقناعكم بالبراهين أو الوقائع - بل بكل تواضع لأعرض عليكم وجهة نظر أخرى"....."على كل مقال سيّئ نردّ بمقال جيّد لا بالعنف اللفظي".
 
أعلى