التعليم في تونس: هل هو هرم مقلوب؟

mkochkar

مفكّر وباحث
إنضم
21 ماي 2010
المشاركات
323
مستوى التفاعل
1.229
التعليم في تونس: هل هو هرم مقلوب؟ مواطن العالم د. محمد كشكار
استوحيت هذه الخواطر من معاناتي في القسم كأستاذ تعليم ثانوي في ضواحي تونس. أدرس علوم الحياة و الأرض بالفرنسية للسنة الأولى من التعليم الثانوي. في الثلاثي الثاني من السنة الدراسية 2009-2010, طلبت من تلامذتي واجبا منزليا يتمثل في انجاز تمرين عدد 3 صفحة 73 من الكتاب المدرسي الوحيد بعد ما شرحت لهم كتابيا في القسم تمرين عدد 1 صفحة 62 من نفس الكتاب. تشجيعا و ترغيبا لهم و رفعا لمعنوياتهم المتردية لتدني معدلاتهم في علوم الحياة و الأرض في الثلاثي الأول, وعدتهم بإسناد 20 على 20 في فرض الأشغال التطبيقية لكل تلميذ يقوم بواجبه المنزلي، نعم و للأسف الشديد بواجبه المنزلي البسيط. في الحصة الموالية, و كما هو منتظر في هذا الزمن الردئ، لم يقم بالواجب إلا 36 تلميذا من مجموع 180 تلميذ، عدد تلامذتي في ست أقسام. لم يتفطن إلا تلميذ واحد منهم (صاحب معدل 17 من 20) أن التمرينين, المشار إليهما أعلاه, متشابهان تماما. قلت لهم معاتبا: لن تجدوا أستاذا يشجعكم و يرغّبكم في العمل أكثر مني و لن أجد أنا, تلامذة أذكى منكم في الضرر بأنفسهم.

لماذا لا يعمل التلميذ التونسي؟ هل هو كسول بطبيعته؟ لماذا يلجأ التلميذ التونسي إلى العنف؟ لماذا يلجأ التلميذ التونسي إلى الغش؟ هل هو عنيف بطبيعته؟ هل هو غشاش بطبيعته؟ هل هو المسؤول الوحيد على عنفه و على غشه و على تردي مستواه التعليمي؟ هل الأستاذ يفهم أن تلامذته لا يفهمون؟ هل الوزير يعرف مستوى التلاميذ؟ هل الدولة تستشرف مستقبل التعليم في تونس؟

تخصّص الدولة ميزانية ضعيفة جدا للمرحلة الأولى من التعليم الأساسي: أقدم لكم هذا التقرير التقريبي في أكثر المدارس الابتدائية: أقسام مكتظة, تلامذة لا يلعبون الرياضة, لا يستعينون بالحاسوب, لا توجد مخابر و وسائل إيضاح و مجسّمات لتدريس العلوم, لا يوجد معلم مختص في مجال معين, لا توجد في بعض المدارس لا آلة ناسخة و لا أنترنات ولا قاعة معلمين و لا حتى بيت راحة خاص بهم, لا يوجد مقياس علمي للنجاح فالارتقاء أصبح تقريبا آليا. ألغي امتحان "السيزيام", الغربال الوحيد في الابتدائي. ينجح التلميذ إلى السابعة أساسي و هو لم يتملّك كفاءات الابتدائي الأساسية الثلاث و هي التعبير الشفوي و التعبير الكتابي بالعربية و الفرنسية و الحساب. يفشل أكبر عدد من التلامذة في السنة الأولى إعدادي أو السابعة أساسي لعدم تأهيلهم في الابتدائي لهذه المرحلة.

ترتفع ميزانية المدرسة الإعدادية و المعهد كثيرا بالمقارنة مع المدرسة الابتدائية لكن تصرف في استهلاك الإضاءة و الماء و الطباشير و الطباعة و تسخين مكاتب الإداريين. ألغي امتحان "النوفيام", الغربال الوحيد في الإعدادي. ينجح التلميذ إلى الأولى ثانوي فتنزل عليه الصاعقة الكبرى ألا و هي تدريس كل المواد العلمية بالفرنسية بعد ما كان يدرسها بالعربية طيلة تسع سنوات تعليم أساسي. في السنة الأولى ثانوي, ألاحظ أن النجاح الآلي و تدريس العلوم بالعربية أوصل إلينا أكثرية من التلامذة لا يستوعبون الدرس باللغة الفرنسية و لا يفهمون منه شيئا و في هذه الحالة يلجؤون إلى تعطيل سير الدرس و التشويش و العنف و الغش الواضح و الفاضح و الوقح ليفرضوا أنفسهم بعد ما أخرجهم النظام التعليمي الجديد من المنظومة التربوية. هنا يندرج تشكي الأساتذة من عنف و غش تلامذتهم و يتهمونهم بشتى التهم من غباء و عدم تربية و قلة انضباط و استهتار بالقيم. أنا لا أنزّه التلميذ و لا الولي بل أحاول فقط تسليط نظرة شاملة على المشكل و قد تبين لي أن التلميذ ضحية و مسؤول في نفس الوقت. التلميذ هو نتاج ما صنعت أيدينا من سياسة تربوية فاشلة سنها و طبقها كهول و ليس مراهقين, فعلينا إذا قبل أن نلوم التلميذ و الولي, أن ننقد أنفسنا و وزارتنا و المبرمجين و المتفقدين و الإداريين. أما مسؤولية التلميذ فتتمثل في عدم قدرته على التأقلم مع هذا الوضع السيئ و إهماله لدروسه, السهل منها و الصعب.
بقي امتحان "الباكلوريا" شكليا و ألغي فعليا باحتساب المعدل السنوي بنسبة الـ25% في معدل النجاح في الباكلوريا. قد يتحصل التلميذ عل شهادة "الباكلوريا" بـ 8 معدل فقط في الامتحان الرسمي، لكن مع احتساب المعدل السنوي بنسبة الـ25% في المعدل النهائي للنجاح في الباكلوريا، قد يصل إلى معدل 9 من 20 يؤهله للنجاح بالإسعاف. يرتقي التلميذ إلى الجامعة و هو لم يستعد لها تمام الاستعداد في الثانوي.

ترتفع، على حد علمي، ميزانية الجامعة كثيرا بالمقارنة مع الابتدائي و الإعدادي و الثانوي لكن لا تصرف في البحث العلمي و تجهيز المخابر. رغم بناء عشرات الكليات و المعاهد العليا في كل الولايات التونسية ما زالت جامعات السبعينات تستوعب بنفس الفضاءات آلاف الطلبة في 2010 ككلية العلوم و كلية الحقوق و كلية الهندسة بالمركب الجامعي و كلية 9 أفريل بتونس العاصمة.

خلاصة القول: حسب وجهة نظري المحدودة جدا كغير مختص في تقييم أداء وزارة التربية, أرى أن فشل التلميذ التونسي في الدراسة مسؤولية يتحملها البنك العالمي و الوزير و المدير و الأستاذ و المعلم و الولي و التلميذ. تهتم الدولة بالتعليم الجامعي أكثر من اهتمامها بالثانوي و الابتدائي و حسب اجتهادي المتواضع, لو عكست لأصابت. تبني الدولة هرما تعليميا مقلوبا و الذي يقلب الهرم التعليمي يحذر يوما ما من سقوطه.
سمي التعليم الابتدائي تعليما أساسيا لأنه يمثل قاعدة الهرم و نقط ارتكازه. توفر الدولة لتلامذة الثانوي أساتذة أصحاب شهائد عليا و تجهز القاعات ببعض الحواسيب و بعض السبورات البيضاء و بعض وسائل الإيضاح و تبخل بكل هذا على تلامذة الابتدائي و هم أحوج الناس لمثل هذه القدرات و لمثل هذه التجهيزات. في أمريكا يطالب المعلم بشهائد أعلى من شهائد الأستاذ. إذا أهملنا التكوين في الابتدائي فلا نستطيع تدارك الخطأ في الثانوي لأن التصورات غير العلمية التي رسخناها في أذهان التلاميذ لا تزول بسهولة لكن إذا أكسبنا التلميذ مهارات متعددة و كفاءات متينة في الابتدائي نستطيع أن نظيف و نبني على أساسها الصلب في الثانوي و الجامعي و إلا نكون كمن يبني عمارة على الرمال المتحركة!
أذكّر دائما بمثال التعليم في كوريا الجنوبية أين استقر الهرم التعليمي و ثبت على قاعدته العريضة فدولتهم عكس دولتنا تخصص ميزانية اكبر للتعليم الأساسي. نهضت كوريا الجنوبية و أقلعت في ظرف عشريتين و أصبحت من الدول المتقدمة بعد ما كانت تصنف كثالث أفقر دولة في العالم. حققت نجاحا بفضل استثمارها الوطني في التعليم و العبرة لمن يعتبر.

أريد أن أوضّح للقراء الأعزاء أنني, و إن كنت ضد الارتقاء الآلي و ضد توسيع ثقوب الغرابيل في الامتحانات, لست مع الرسوب المجاني و لا أؤيد سياسة الانتقاء المجحفة. تابعت أخيرا برنامجا تلفزيا مهمّا, بالفرنسية طبعا, لأن كل البرامج بالعربية تقريبا تشترك في اللغة و اللسان الخشبيان. يتحدث هذا البرنامج عن المدرسة "الفنلندية" حيث لا يرسب التلاميذ و مع ذلك حققت نجاحا باهرا بفضل الدعم و التشجيع الفعال للتلاميذ المحتاجين لذلك. أما المدرسة "الفرنسية" حيث يرسب 50 في المائة من التلامذة خلال مسيرتهم الدراسية, عاما على الأقل [و العهدة على الراوي], فهي أسوأ المدارس في أوروبا و هي في نفس الوقت قدوة و قبلة بالنسبة لنا. كنا نحن الأساتذة النقابين نعارض سياسة الانتقاء التي طغت في تونس السبعينات و حرمت العديد من أبنائنا من مواصلة تعليمهم و اليوم نعارض النجاح الآلي الذي أراه سببا للعنف و التسيب في معاهدنا بجانب أسباب أخرى من بينها تردي القدرة الشرائية لدى المدرس و تدني التمويل الحكومي في التعليم العمومي. أنا لا أملك البديل التربوي لهذه السياسة الديمقراطية في ظاهرها و الفاشلة في داخلها و لا أملك أيضا البديل البشري لتعويض جمهور الأساتذة و المعلمين غير المؤهلين للقيام بواجبهم (لا أستثني شخصي طبعا رغم اجتهادي العصامي لتكوين نفسي علميا و ثقافيا) و على سبيل الذكر لا الحصر أذكّر ببعض عيوب تكويننا: لم نتلقى تكوينا أكاديميا لا في علم نفس الطفل و لا في علم التقييم و لا في علم التواصل و لا في فلسفة المعرفة و لا في البيداغوجيا و لا في التعلمية و لا في المنهجية و لا في إدراك عملية الإدراك, فكيف تطلب منا النجاح في مهمتنا و نحن لا نفقه منها إلا الجانب المعرفي و هذا لا يكفي. لا يملك البنك العالمي و زمرة الخبراء و المبرمجين البديل أيضا و لن يستنبطوه و حدهم مهما استعانوا بخبراء أجانب مرتزقة مأجورين. مهما نقدت زملائي و نقدت نفسي لا نستطيع أن نستغني عن الخبراء الحقيقيين, أعني المعلمين و الأساتذة و قد يتعلم الإنسان الوطني الصادق من أخطائه و يتطور نحو الأفضل.

أوجه ملاحظة أخيرة إلى بعض القراء الذين قد يلومونني على إغفال بعض الجوانب أو عدم ذكر بعض الأسباب: كل علم و كل خطاب منقص [ réduit] بطبيعته لأنه يقوم بتحول منهجي من حقل معرفي إلى آخر أخص و أدق و أضيق و أكثر أصالة [ réductionnisme] فما بالك بمقال تحسيسي في صفحة. لذلك أرى أن المقاربة الشاملة [ approche systémique ] أفضل من المقاربة التحليلية [ approche analytique] في تناول أي مسألة مهما كانت بسيطة. تتضافر و تتكامل العلوم مجتمعة في تفسير أي ظاهرة. لذلك أطالب بتكوين شامل للمدرس و لا نقتصر على المعارف فقط [ les connaissances ] بدعوى حياد العلم و العلم لم و لن يكون يوما محايدا بل نركز أيضا على القيم [ les valeurs ] و الممارسات الاجتماعية المرجعية [ les pratiques sociales de référence]. العلم ليس محايدا في تاريخه مثل صانعيه العلماء البشر. تهتم برامج تعليمنا في كل مراحله بالمعرفي النظري أكثر من اهتمامها بالتطبيقي لأن التكوين النظري لا يكلف الدولة كثيرا و تهمل تماما القيم الحضارية و السلوكيات الاجتماعية المدنية.
أمضي مقالي كالعادة بجملتين مفيدتين: "أنا أكتب - لا لإقناعكم بالبراهين أو الوقائع - بل بكل تواضع لأعرض عليكم وجهة نظر أخرى"....."على كل مقال سيّئ نردّ بمقال جيّد لا بالعنف اللفظي".
ملاحظة: اقتبست عنوان المقال و فكرته الرئيسية من حديث تلفزي لصحافي تونسي من جريدة الشعب
 

nadourmiled

نجم المنتدى
إنضم
9 ماي 2008
المشاركات
3.506
مستوى التفاعل
6.778
لقد وضعت إصبعك على موطن الداء
 

ammar

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
19 نوفمبر 2005
المشاركات
806
مستوى التفاعل
2.817
تشخيصك عميق و تحليلك صائب و أنا مندهش أن يصدر تحليل كهذا من أستاذ علوم الحياة و الأرض. فما أعرفه عن أساتذة العلوم اليوم أنهم لا يعرفون شيئا خارج نطاق اختصاصهم أكثر مما يعرفه غيرهم من ثقافة كروية أو غنائية أو رقصية.. فمن المؤكد أنك أستاذ متخرج منذ سنوات عديدة جدّا و لست من جيل المتخرجين الجدد. هذا الجيل الجديد الذي لا يستوعب المادة التي يدرّسها ناهيك عن الثقافة العامة و فهم الظواهر و تحليلها.
 

nizman

عضو نشيط
إنضم
2 أكتوبر 2007
المشاركات
273
مستوى التفاعل
30
تشخيصك عميق و تحليلك صائب و أنا مندهش أن يصدر تحليل كهذا من أستاذ علوم الحياة و الأرض. فما أعرفه عن أساتذة العلوم اليوم أنهم لا يعرفون شيئا خارج نطاق اختصاصهم أكثر مما يعرفه غيرهم من ثقافة كروية أو غنائية أو رقصية.. فمن المؤكد أنك أستاذ متخرج منذ سنوات عديدة جدّا و لست من جيل المتخرجين الجدد. هذا الجيل الجديد الذي لا يستوعب المادة التي يدرّسها ناهيك عن الثقافة العامة و فهم الظواهر و تحليلها.
no comment, Mr ce sujet est fait pour discuter et non pas pour attaquer la "nouvelle génération" de profs et t'es qui au juste pour juger du potentiel de la nouvelle génération. Sincèrement c'est avec ces mentalités de m**de qu'on n'avancera jamais
 

vivaystn

عضو نشيط
إنضم
14 نوفمبر 2009
المشاركات
139
مستوى التفاعل
371
De mon poit de vue ce monsieur a juste dit la vérité et vous n'avez pas le droit de l'attaquez de cette manière. Si vous êtes contre alors dis à lui que vous n'avez pas d'accord pour telle ou telle raison mais pas avec la citation de ce genre "Sincèrement c'est avec ces mentalités de m**de qu'on n'avancera jamais" .
C'est que je demande içi un moidre respet et un démarche analytique dans le critique, c'est tout.
une mot a mkochkar: bravo and continuez avec l'espoire et la patience.
 

ابو غيث

عضو
إنضم
10 نوفمبر 2006
المشاركات
180
مستوى التفاعل
244
أنا أستاذ لغة عربية للأسف . أقول ما قاله عادل امام في أحد أفلامه الساخرة مخاطبا المصابين بالبرود الجنسي:bang::bang::bang::bang::tunis:: قولوا آه آه آآآآآه
 

eerrajel

عضو
إنضم
8 سبتمبر 2008
المشاركات
194
مستوى التفاعل
162

no comment, Mr ce sujet est fait pour discuter et non pas pour attaquer la "nouvelle génération" de profs et t'es qui au juste pour juger du potentiel de la nouvelle génération. Sincèrement c'est avec ces mentalités de m**de qu'on n'avancera jamais
[/quote
ça ne reflète pas une large instruction et connaissances!!!]
 
أعلى