القياس المصدر الرابع للتشريع

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة أبوحميراء, بتاريخ ‏29 أوت 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. أبوحميراء

    أبوحميراء عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 أوت 2007
    المشاركات:
    83
    الإعجابات المتلقاة:
    3
      29-08-2007 22:05
    القياس المصدر الرابع للتشريع

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد:
    استكمالاً لما سبق في الحلقات السابقة، وما توقفنا عنده من مناقشة أدلة نفاة القياس من أهل الظاهر وعلى رأسهم ابن حزم - يرحمه الله -، نقول:
    لقد أجمع الصحابة والتابعون على العمل بالقياس واستنباط ما سُكت عنه مما نطق به الوحي، هذا أمر لا نزاع فيه.
    ومن جمد على النصوص ولم يُلحق المسكوت عنه بالمنطوق فقد ضلَّ وأضلَّ، ومن هذا النوع ما أجمع عليه جميع المسلمين حتى سلف ابن حزم وهو داود الظاهري كان لا ينكر القياس الجلي (قياس الأَوْلَى)، فقد أجمع جميع المسلمين على أن المسكوت عنه فيه يلحق بالمنطوق، وأن قول ابن حزم: إنه مسكوت عنه لم يتعرض له الشرع، محض افتراء على الشرع، والشرع لم يسكت عنه.
    ü ومن أمثلة ذلك، قوله تعالى: «فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ».
    يقول ابن حزم: إن هذه الآية ناطقة بالنهي عن التأفيف ولكنها ساكتة عن حكم الضرب.
    ورد عليه العلماء فقالوا: لما نهى الله تعالى عن التأفيف وهو أخف الأذى، فقد دلت هذه الآية من باب أَوْلى على أن ضرب الوالدين أشد حرمة، وأن الآية غير ساكتة عنها، بل نبهت على الأكبر بما هو أصغر منه.
    وكذلك قوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ».
    فمن جاء بأربعة شهود عدول لا نقول إن الأربعة مسكوت عنها، بل نقول: إن الآية التي نصت على قبول شهادة العدلين دالة على قبول شهادة أربعة عدول.
    وفي قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا».
    فلا نقول كما يقول ابن حزم أن الآية ساكتة عن إحراق مال اليتيم وإغراقه لأنها نصت على حرمة أكله فقط، بل نقول: إن الآية التي دلت على حرمة أكله ونهت عن ذلك، دلت على حرمة إغراقه وإحراقه بالنار لأن الجميع إتلاف.
    وكذلك في قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ»، لم يصرِّح في الآية إلاَّ أن يكون القاذف ذكرًا والمقذوفة أنثى، فلو حدث العكس وقذفت الأنثى ذكرًا، أو قذف ذكر ذكرًا أو أنثى أنثى، فهل نقول إن هذا عفو وهو غير مذكور في الآية، وأن القذف هنا لا مؤاخذة فيه.
    ü ومن أمثلة السنة: أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن التبول في الماء الراكد.
    فهل يمنع النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان عن أن يبول قطرات قليلة في الماء الراكد، ويجوز له أن يملأ عشرات التنكات بولاً ثم يصبها في الماء؟، هذا لا يقول به عاقل.
    وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضين أحدكم بين اثنين وهو غضبان». متفق عليه.
    فألحق به الفقهاء ما كان في حكمه مثل: الحزن الشديد المفرط الذي يذهل العقل، أو الفرح الشديد المفرط الذي يدهش العقل، أو الجوع الشديد، أو نحو ذلك من مشوشات الفكر، أو مثل مدافعة البول أو الغائط، فالإنسان إذا كان يدافع البول أو الغائط مدافعة شديدة كان مشوش الفكر مشغول الخاطر، لا يمكن أن يتعقل حجج الخصوم، لذا قال العلماء: لا يجوز للقاضي أن يحكم وهو مشوش الفكر.
    وكذلك لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالشاة العوراء، ونهى العلماء بقياس الأولى عن الشاة العمياء، فهل العمياء مسكوت عنها فيجوز أن نضحي بها؟.
    شروط القياس

    القياس لا يصح إلاَّ إذا توافرت فيه شروط خاصة، منها ما يتعلق بالأصل، ومنها ما يتعلق ببقية أركان القياس، كما سنرى.
    1- شروط الأصل: (والأصل هو المسألة التي ينبني عليها غيرها).
    أ- ألا يكون فرعًا لأصل آخر، مثلاً النبيذ فرع تمَّ قياسه على أصل وهو الخمر، فلا يجوز القياس على النبيذ لأنه فرع وليس أصلا.
    ب- أن يشتمل على علة يمكن تحقيقها في الفرع، أما إن كانت قاصرة على الأصل ولا يتصور وجودها في غير الأصل فلا يمكن القياس.
    مثال: قصر الصلاة في السفر: فإن علة القصر في السفر دفع المشقة ورفع الحرج، فمن وجد مشقة في الحضر لم يجوز له الشارع القصر، وذلك لأن العلة غير متعدية.
    2- شروط حكم الأصل: (حكم الأصل هو الحكم الشرعي الثابت بنص من الكتاب والسنة أو الإجماع).
    أ- ألا يكون الحكم تعبديًا، وذلك لأن الأحكام التعبدية محجوبة العلة فلا يمكن إدراكها، كالطواف حول الكعبة بعدد مخصوص، وقد توجد أحكام تعبدية عُرِفت علتها، ومثال ذلك شرب الخمر، فحينئذ يجوز القياس لإمكان تحقيق العلة في الفرع.
    ب- ألاَّ يكون الحكم مختصًا بالأصل، لأن اختصاصه به يمنع تعديته إلى الفرع، وإذا امتنعت التعدية امتنع القياس؛ لأن القياس في هذه الحالة مناقض للدليل الذي دلَّ على اختصاص الأصل بالحكم.
    فمن ذلك اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بإباحة الزواج بأكثر من أربع زوجات، وتحريم نكاح زوجاته من بعده، فلا يصح أن يقاس عليه غيره في هذا التحريم وتلك الإباحة.
    ومثله أيضًا: اختصاص خزيمة بن ثابت بقبول شهادته وحده، فهذا حكم خاص به، ثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من شهد له خزيمة فهو حسبه».
    فلا يصح أن يُقاس عليه غيره من أفراد الأمة مهما كانت درجته في الفضل والتقوى.
    جـ- أن يكون حكمًا شرعيًا عمليًا (فلا يصح القياس في العقائد والتوحيد)، ثبت بنص من الكتاب أو السنة، أمَّا إذا كان ثبوته بالإجماع ففيه خلاف، فمنهم من قال: لا يصح القياس على الإجماع، وذلك لأن القياس يقوم على معرفة علة الحكم، وعلى أساس وجودها في الفرع يسوّى بالأصل في حكم الأصل، والإجماع لا يشترط فيه ذكر مستنده، ومع عدم ذكر المستند لا تُعرف علة الحكم فلا يمكن القياس.
    ومنهم من قال: بل يصح القياس على الإجماع؛ لأن معرفة علة الحكم لها طرق، منها المناسبة بين الأصل وحكمه، فلا يضر عدم ذكر المستند للإجماع، ولا يحول هنا دون معرفة العلة، ولعل هذا القول هو الراجح، إن شاء الله.
    د- أن يكون معقول المعنى: بأن يكون مبنيًا على علة يستطيع العقل إدراكها، لأن أساس القياس إدراك علة الحكم وإدراك تحققها في الفرع حتى يمكن بهذا تعدية حكم الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة.
    فإذا تعذر على العقل إدراك العلة تعذر القياس، ولهذا قال العلماء: لا قياس في الأحكام التعبدية، وهي الأحكام التي استأثر الله تعالى بعلم عللها التي بنيت الأحكام عليها، ولم يجعل لأحد سبيلاً لمعرفتها، كأعداد الركعات، وتحديد جلد الزاني والزانية بمائة جلدة، والقاذف ثمانين جلدة... إلى غير ذلك.
    أمَّا إذا كان حكم الأصل معقول المعنى؛ أي أنه مبني على علة يمكن للعقل إدراكها، فالقياس يصح في هذه الحالة إذا ما عُرِفَتِ العلة وعُرف تحققها في الفرع، سواء كان حكم الأصل من أحكام العزيمة وهو ما شُرِعَ ابتداءً (كتحريم شرب الخمر، ومنع الوارث القاتل من الميراث)، أو كان من أحكام الرخصة، وهو ما شُرِعَ استثناءً (مثل أكل الميتة ونحوها من المحرمات عند الضرورة).
    هـ- أن يكون معمولاً به، أي غير منسوخ.
    3- شروط الفرع: (والفرع هو المسألة المطلوب بناؤها على الأصل، ولم يرد فيه نص ولا إجماع):
    أ- أن يكون الفرع غير منصوص على حكمه؛ لأن القياس يُرجع إليه إذا لم يوجد في المسألة نص، ومن المقرر عند الأصوليين: لا اجتهاد في معرض النص، فإذا وجد النص فلا معنى للقياس.
    ب- أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع، لأن شرط تعدي الحكم للفرع تعدي العلة، فلابد أن تكون العلة في الفرع نفس العلة الموجودة في الأصل التي ابتنى عليها الحكم، والقياس الذي لا يتحقق فيه هذا الشرط يقال له: قياس مع الفارق.
    ومثاله: مسألة قسمة العقار المشفوع فيه بين الشركاء الذين لهم حق الشفعة، أيقسم بينهم على عدد رؤوسهم ولا اعتبار لمقادير سهامهم، أم يقسم بنسبة سهامهم؟
    قال الحنفية: يُقسم بينهم بالسوية بغض النظر عن مقادير سهامهم، وقال غيرهم: يقسم بينهم بقدر حصصهم، مستدلين بالقياس، باعتبار أن المال المأخوذ بالشفعة يشبه غلة المال (الربح) المملوك على وجه الشركة، وحيث إن الغلة تقسم على الشركاء بنسبة حصصهم في هذا المال المشترك بلا خلاف بين الفقهاء، فيقاس عليه تملك المشفوع فيه من قِبل الشركاء بطريق الشفعة، فيقسم عليهم بنسبة حصصهم في الملك.
    فرد الحنفية على هذا القول: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الغلة (الربح) متولدة من الشيء المملوك، فيكون لكل شريك من هذه الغلة بقدر ما تولد من مِلْكِه، أما المأخوذ من الشفعة فليس متولدًا من ملكهم، إذ أن ملك الغير لا يمكن أن يكون ثمرة أو غلة لأحد.
    جـ- أن يكون متأخرًا عن الأصل: وذلك لأن تقدمه يعني خلوه من الحكم الشرعي، وهذا مستحيل.
    4- شروط العلة: (هي: الوصف الظاهر المنضبط، والمناسبة للحكم، والتعدي، وعدم إلغاء الشارع اعتبارها، أن يكون في إثباتها جلب مصلحة أو دفع مفسدة، أو رفع حرج).
    وقبل أن نتكلم عن هذه الشروط بالتفصيل، نبيّن معنى العلة وماهيتها؛ لأن العلة هي أساس القياس ومرتكزه وركنه العظيم، وعلى أساس معرفتها والتحقق من وجودها في الفرع يتم القياس وتظهر ثمرته، فيتبين للمجتهد أن الحكم الذي ورد به النص ليس قاصرًا على ما ورد فيه، وإنما هو حكم في جميع الوقائع التي تتحقق فيها علة الحكم.
    ما معنى العلة؟ العلة هي المعنى المشترك بين الأصل والفرع، وهي بمكانة وجه الشبه، وتسمى العلة بالمناط، والمؤثر، والمظنة، والسبب، والمقتضي... الخ).
    - فمن المقرر عند المحققين من الجمهور: أن الأحكام الشرعية ما شُرعت عبثًا من غير سبب دعا إلى تشريعها ومقاصد يراد تحقيقها، وإنما شرعت لمصلحة العباد في العاجل والآجل، وهذه المصلحة المقصودة، إما جلب منافع لهم، وإما دفع أضرار ومفاسد ورفع حرج عنهم.
    فالمصلحة بوجهيها أو بشقيها هي الباعث الأصلي على التشريع أمرًا أو نهيًا أو إباحة، وعلى هذا دل استقراء النصوص وأحكام الشريعة، سواء كانت عبادات أو معاملات، فالقرآن الكريم غالبًا ما يقرن بحكمه الحكمة الباعثة على تشريعه من جلب نفع أو دفع ضرر.
    - فمن ذلك قوله تعالى: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ» [البقرة: 179]. فهذه الآية أفادت أن الغرض من تشريع القصاص هو حفظ الحياة.
    - وفي قوله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» [الأنفال: 60]. بيّنت الآية أن المقصود من إعداد القوة إرهاب العدو لمنعه من العدوان.
    - وفي قوله تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» [المائدة: 90، 91].
    أفادت الآيتان أن الغرض من تحريم الخمر والميسر هو منع ما يترتب عليهما من مفاسد، ومنها العداوة والبغضاء.
    وفي قوله تعالى: «فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً» [الأحزاب: 37].
    أفادت أن المقصود بها هو رفع الحرج عن المسلمين في نساء أدعيائهم (الأبناء بالتبني).
    - ومثل ذلك ما جاء في في الحج: «لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ» [الحج: 28].
    - وما جاء في فرض الصلاة: «إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» [العنكبوت: 45].
    - والسنة سلكت هذا المسلك، فقد اقترن في معظمها ما يدل على القصد من تشريعها صراحة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج». وكذا قوله: «... فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة».
    الفرق بين العلة والحكمة:

    المقصود من تشريع الأحكام تحقيق مصلحة العباد، وشرع الله كله مصلحة، وهذه المصلحة هي التي تسمى بحكمة الحكم أو مئنته، فحكمة الحكم: هي المصلحة من جلب نفع، أو دفع ضر، أراد الشارع تحقيقها بتشريع ذلك الحكم.
    إلا أن الملاحظ أن الشريعة - غالبًا - لا تربط الحكم بحكمته وجودًا وعدمًا، وإنما تربطه بأمر آخر من شأنه ربط الحكم به وابتناؤه عليه (وهو العلة).
    وكان المتبادر أن يبني كل حكم على حكمته، وأن يرتبط وجوده بوجودها وعدمه بعدمها، لأنها هي الباعث على تشريعه والغاية المقصودة منه، لكن رئي بالاستقراء أن الحكمة في تشريع بعض الأحكام قد تكون أمرًا خفيًا غير ظاهر، أي لا يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة، فلا يمكن التحقق من وجوده ولا من عدم وجوده، ولا يمكن بناء الحكم عليه ولا ربط وجوده بوجوده وعدمه بعدمه، مثل إباحة المعاوضات التي حكمتها رفع الحرج عن الناس بسد حاجتهم، فالحاجة أمر خفي، ولا يمكن معرفة أن المعاوضة لحاجة، أو لغير حاجة، ومثل إباحة الفطر في رمضان للمريض، حكمتها دفع المشقة، وهذا أمر تقديري يختلف باختلاف الناس وأحوالهم، فلو بني الحكم عليه لا ينضبط التكليف ولا يستقيم.
    وكذلك استحقاق الشفعة للشريك أو الجار، حكمته دفع الضرر وهو أمر تقديري غير منضبط، فلأجل خفاء حكمة التشريع في بعض الأحكام، وعدم انضباطها في بعضها لزم اعتبار أمر آخر يكون ظاهرًا أو منضبطًا يبنى عليه الحكم ويربط وجوده بوجوده وعدمه بعدمه ويكون مناسبًا لحكمته، بمعنى أنه مظنة لها وأن بناء الحكم عليه من شأنه أن يحققها، وهو المراد بالعلة في اصطلاح الأصوليين. (مع ملاحظة أن العلة تكون هي الحكمة إن كانت منضبطة، وتكون أمرًا آخر إن كانت الحكمة غير منضبطة).
    - فالفرق بين حكمة الحكم وعلته: هو أن حكمة الحكم هي الباعث على تشريعه والغاية المقصودة منه، وهي المصلحة التي قصد الشارع بتشريع الحكم تحقيقها أو تكميلها، أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم دفعها أو تقليلها.
    وأما علة الحكم: فهي الأمر الظاهر المنضبط الذي بُني عليه الحكم ورُبط به وجودًا وعدمًا، لأن الشأن في بنائه عليه وربطه به أن يحقق حكمة تشريع الحكم.
    أمثلة ذلك: قصر الصلاة الرباعية في السفر، حكمته التخفيف ورفع المشقة، وهذه الحكمة أمر تقديري غير منضبط لا يمكن بناء الحكم عليه وجودًا وعدمًا.
    فاعتبر الشارع السفر مناطًا للحكم (العلة)، وهو أمر ظاهر منضبط، وفي جعله مناطًا للحكم مظنة تحقيق حكمته؛ لأن الشأن في السفر أن توجد فيه بعض المشقات.
    فحكمة قصر الصلاة الرباعية للمسافر رفع المشقة عنه، وعلته السفر.
    - استحقاق الشفعة بالشركة أو الجوار، حكمته رفع الضرر عن الشريك أو الجار وهذه الحكمة أمر تقديري غير منضبط، فاعتبرت الشركة أو الجوار مناط الحكم (العلة)، وفي جعله مناطًا للحكم مظنة تحقيق حكمته، إذ الشأن أن الضرر ينال الشريك أو الجار.
    فحكمة استحقاق الشفعة: رفع الضرر، والعلة: الشفعة أو الجوار. وعلى هذا فجميع الأحكام الشرعية تبنى على عللها، أي تربط بها وجودًا وعدمًا، لا على حِكَمِها، ومعنى هذا أن الحكم الشرعي يوجد حيث توجد علته ولو تخلفت حكمته، وينتفي حيث تنتفى علته ولو وجدت حكمته، لخفاء الحكمة في بعض الأحكام ولعدم انضباطها في بعضها، فلا يمكن أن تكون أمارة على وجود الحكم أو عدمه.
    لذا يقول الأصوليون: مناط الحكم الشرعي مظنته (علته) لا مئنته (حكمته)، فمن كان في رمضان على سفر يُباح له الفطر لوجود علة إباحته وهي السفر، وإن كان في سفره لا يجد مشقة.
    ومن كان شريكًا في العقار المبيع أو جارًا له يستحق أخذه بالشفعة، لوجود علة استحقاقها وهي الشركة أو الجوار، وإن كان المشتري لا يخشى منه أي ضرر.
    ومن كان في رمضان غير مريض ولا مسافر لا يباح له الفطر، وإن كان عاملاً في محجر أو منجم ويجد من الصوم أقسى مشقة.
    وما دام الحكم الشرعي - كما رأينا - يبنى على علته لا على حكمته فعلى المجتهد حين القياس أن يتحقق من تساوي الأصل والفرع في العلة لا في الحكمة، وأن يقضي بالحكم حيث توجد العلة بصرف النظر عن الحكمة.​
     
  2. أبوحميراء

    أبوحميراء عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏25 أوت 2007
    المشاركات:
    83
    الإعجابات المتلقاة:
    3
      29-08-2007 22:06
    هذه المراجع تتبع موضوع القياس

    المراجع:

    1- الوجيز في أصول الفقه: د. عبد الكريم زيدان.
    2- معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة: للجيزاني.
    3- علم أصول الفقه: عبد الوهاب خلاف.
    4- التأسيس في أصول الفقه: مصطفى سلامة.
    5- مذكرة في أصول الفقه: للشنقيطي.
    6- أصول الفقه: د. شعبان محمد إسماعيل.
    7- أقيسة الصحابة وأثرها في الفقه الإسلامي: د. محمود حامد عثمان.
    8- فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...