الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف بقلم العلّامة يوسف القرضاوي

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة cherifmh, بتاريخ ‏25 أكتوبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:09
    تقديم بقلم : عمر عبيد حسنة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله وبعد:

    فلقد أصبح ما أسمي "بالتطرف الديني " قضية باتت تشغل بال الغيورين على هذه الأمة، وما يدبر لها من مكائد الأعداء ومكرهم لإبادة الجيل المسلم، ومصطلحاً شائع الاستخدام على ألسنة الناس وفي وسائل الإعلام، جند لتأكيده الكثير من الكتاب والصحفيين والدبلوماسيين والسياسيين، ولا يخرج في حقيقته عن أن يكون من صنع أعداء الإسلام الذين يعمدون إلى بعض المظاهر الشاذة فيضعونها تحت المجاهر، يوجهون إليها الأنظار، ويغرون بها الحكام والمتنفذين، وكثيراً ما استخدم هذا المصطلح،ولا يزال يستخدم بهدف إيجاد حالة من الرعب والإرهاب الفكري لشل حركة الدعوة إلى الله، والتشكيك بوسائلها، وإحاطتها بجو من الإرهاب لتحنيطها وتعطيل مسارها، والدعوة الإسلامية تخضع لمعايير منضبطة ووسائل مشروعة من الله عز وجل لا يد للإنسان فيها..

    والأمر الملفت للنظر أن هذا الاصطلاح استعمل أول ما استعمل في "إسرائيل " عندما بدأ الشباب المسلم في الأرض المحتلة يعي ذاته، ويتعرف إلى طريقه بعد أن أخفقت التجمعات كلها، وسقطت الشعارات جميعها وعجزت عن أن تقدم شيئاً للقضية.

    هذه الشعارات التي لم تخرج في حقيقتها عن أن تكون وسيلة من وسائل يهود لامتصاص النقمة، وتنفيس الطاقات للحيلولة دون انفجارها، والتسلل من خلالها إلى العالم الإسلامي، من هنا بدأت توجهات الشباب من جديد لتلمس الشخصية الحضارية للأمة والعودة إلى الإسلام.. درع وقايته، وعدة كفاحه، والاحتماء بالمسجد حصن ثقافته...

    ولم تخف إسرائيل خوفها وتخويفها من عودة المتطرفين المسلمين وخطورة ذلك على كيانها، والعمل بكل وسيلة للقضاء على الصوت الإسلامي في كل مكان.

    ولا شك أن الإسلام دين التوسط والاعتدال، وأن الغلو والتطرف والانحراف أمر مرفوض شرعاً مهما كانت الأسباب والمسوغات، وليس من الإسلام في شيء. والغلو في الدين ظاهرة أصيب بها أتباع الأديان السابقة، وكانت سبب هلاكهم ودمارهم، وهي من علل التدين التي قصها الله علينا ليحذرنا منها فلا نقع بما وقع به غيرنا من الغلو والتطرف والتحريف والتأويل الفاسد والتدين المغشوش، ونحن لا ننكر أن الغلو والتطرف يمكن أن يتسرب إلى بعض جوانب الحياة الإسلامية، ومن السهل على الناظر في التاريخ الإسلامي أن يرى ألواناً من التطرف والغلو، وأن يتعرف أن فترات الرفض والتطرف والخروج هي رؤوس الفتن ذات النقاط السود في تاريخنا، التي أنهكت الأمة، وشلت قواها، وشغلتها عن عدوها ومتابعة أداء رسالتها الإنسانية، لكن المشروعية العليا في حياة المسلمين كانت دائماً للكتاب والسنة، وهما المعيار الدقيق والمقياس المنضبط الذي يجب أن يحكم الأمور.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ".

    والمشكلة الخطيرة في معظم الكتابات السابقة عن ما أسمى بظاهرة التطرف، أنها اكتفت بمعالجة آثار الظاهرة وأهملت البحث في أسبابها إلا بعض لمسات خفيفة قد لا تسمن ولا تغني من جوع.

    والأخطر من ذلك أيضاً أن معظم هذه الكتابات شاركت فيها أقلام يعوزها الكثير من العلم، ويفتقر أصحابها إلى الحد الأدنى من السلوك الاسلامي، لذلك كان لا بد من تنقية الواقع الثقافي لبعض جوانب العمل الإسلامي، وتصويب التصور وتصحيحه الذي يمكن أن يكون قد شابه شيء بسبب من ردود الفعل، والأخذ بيد الجيل المسلم وترشيده لالتزام المقياس الإسلامي في الحكم على الأشياء وكيفية التعامل معها.

    لقد أصبح هذا الأمر ضرورة شرعية ومسؤولية دينية على العلماء العاملين العدول الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم بقوله: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ".

    يقول الله تعالى: ((والمُؤمنون والمُؤمِنات بعضُهم أولياءُ بعضٍ يأمُرون بالمعروفِ وينْهوْن عنِ المُنكرِ ويُقيمون الصلاة ويؤْتون الزكاة ويُطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إنّ الله عزيزٌ حكيم )) [التوبة:71 ]، فقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هو معلوم حق من حقوق الموالاة في الإسلام.

    "والأمّة " إذ تتقدم بكتابها الثاني -الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف - للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، الذي يجمع إلى حسن الفقه والدراية التجربة الميدانية في حقل الدعوة الإسلامية، والذي أثرى المكتبة الإسلامية بمجموعة من الكتب العلمية الأصيلة في بابها ونخص منها بالذكر كتابه القيم "فقه الزكاة " إلى جانب الكتب الكثيرة الأخرى التي لقيت قبولاً عاماً في العالم الإسلامي، وترجم الكثير منها إلى عدد من لغاته الحية، والتي يتميز مؤلفها بدقة العالم وإشراقة الأديب وحرارة الداعية.

    لترجو الله أن يحقق به النفع ويجزل مثوبته للأخ الدكتور القرضاوي، ويلهمنا السداد في الرأي والإخلاص في العمل، والله من وراء القصد.
     
  2. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:10
    المقدمة


    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى... (أمّا بعد )..

    فقد كنت قدمت دراسة سابقة استغرقت مقالين في مجلة "الأمة " الغرّاء (عددي رمضان وشوال سنة 1401هـ ) تحت عنوان (صحوة الشباب الإسلامي ظاهرة صحية يجب ترشيدها لا مقاومتها )، وكان من فضل الله علي أن نوهت بإيجابيات هذه الصحوة المباركة، ونبهت على سلبياتها، مما أخذه عليها المراقبون والغيورون من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، وبيّنت ما يجب أن يتبع مع هؤلاء الشباب، من الحوار العلمي، والتعاطف الأبوي، حتى تكون ثمرة هذه الصحوة للإسلام لا عليه.

    ومما أحمد الله عليه أن وجدت هذه الدراسة صدىً واسعاً في العالم الإسلامي، حتى إن بعض المخلصين ترجمها إلى لغات أخرى، كما أن شباب الجامعات الإسلامية أنفسهم، وضعوها موضع الدراسة والاهتمام، على ما فيها من نقد لهم، أو لفئة منهم.

    ومما ينبغي الإشادة به:

    أن الجماعة الإسلامية بجامعة القاهرة حين أقامت معسكرها الإسلامي التاسع في إجازة الصيف المنصرم (1981م )، تبنت هذه الدراسة ، وطبعتها ووزعتها على المشتركين في المخيم، وعلى غيرهم من الشباب المهتم بأمر الإسلام، وهذا يدل على وعي محمود من هذا الشباب، ومناصرة لخط الاعتدال.

    وقد حدث في بعض البلاد الإسلامية أحداث أدّت إلى الاصطدام بهذا الشباب، وانتهت إلى نتائج دموية، لا نخوض فيها، لأنها ذات طابع خاص ليس من منهج "الأمة" أن تنفخ في ناره، أو تسبح في تياره، فقد التزمت أن تعمل للبناء لا للهدم، وللجمع لا للتفريق، وأن تكون لأمة الإسلام جمعاء، لا لفريق دون فريق.

    إنما الذي يهمنا هنا ما أثارته هذه الأحداث من جدل طويل، وحوار ساخن، حول ما سموه "التطرف الديني" شارك فيه من يحسنون ومن لا يحسنون، ممن لهم بالدين نسب، ومن ليس لهم بالدين صلة إلا صلة الجهل والغباء، أو الخصومة والعداء، أو السخرية والاستهزاء!

    ومنذ أشهر طلبت إليّ مجلة "العربي" أن أسهم في الكتابة عن قضية "التطرف الديني" وكان المطلوب مني أن أكتب عن حقيقة التطرف وعلاماته.

    ولما ظهر المقال في عدد المجلة الخاص ـ يناير 1982م - لا مني بعض الأصدقاء، لأني خضت مع الخائضين في هذا الأمر الذي تُستغل فيه كلمة الحق لتأييد الباطل، وإن لم يعترضوا على مضمون ما كتبت. وقد تشكك هؤلاء الأصدقاء وشككوا في البواعث والأهداف من وراء هذه الحملة التي شنت على التطرف الديني في الآونة الأخيرة، وتساءلوا:

    هل المقصود منها مقاومة الغلو والتطرف في الدين حقًا، ورد الغلاة إلى منهج الاعتدال أم لها هدف آخر، مثل ضرب التحرك الإسلامي قبل أن يبلغ أشده ويهيمن على القاعدة الشعبية، ويصبح له دور سياسي بارز؟!

    وهم يرون أن الاحتمال الثاني هو الراجح، بدليل أن السلطات لم تلق بالاً للشباب المتدين إلا بعد أن وقف في دور المعارضة للخط الذي تنتهجه الحكومة في كثير من القضايا الكبرى التي يرى فيها خروجاً عن أحكام الإسلام.

    ومما يؤكد ذلك عندهم أن بعض الاتجاهات الدينية المتطرفة حقيقة لا دعوى، رحبت بها بعض السلطات وأجهزة الأمن في بعض البلاد، كأنما رأت أن تضرب بها حركات إسلامية أخرى، ثم تضربها هي بعد ذلك، حين ينتهي دورها.

    ويقول هؤلاء الإخوة:

    هل صحيح أن اصطدام السلطات بالجماعات الإسلامية، كان نتيجة لظهور التطرف الديني فيها؟!

    ويجيبون:

    لا.. فالسلطة في بلادنا الإسلامية تعتبر الحركة الإسلامية خصمها الأول، وعدوها اللدود، وقد تتحالف أو تتقارب مع اليمين أو اليسار، ولكنها لا تتحالف مع الحركة الإسلامية بحال، قد تهادنها مرحلياً، أو تحاول الصعود على أكتافها، أو ضرب خصومها العقائديين أو السياسيين بها، لتضربها بعد ذلك بهم، وتورطها في معركة لا ناقة لها فيها ولا جمل، ثم سرعان ما تقلب لها ظهر المجن، وتجد الآخرين أقرب إليها منها في الغاية والوسيلة، وصدق الله إذ يقول:

    ((وإنّ الظالمِين بعْضهم أوْلياءُ بعضٍ والله وليُّ المُتّقين )) [الجاثية:19 ].

    ويعزز هؤلاء رأيهم بأن الجماعات الإسلامية في مصر كان يغلب عليها التطرف في سنوات نشأتها الأولى، ثم أخذت تنحو نحو الاعتدال والوسطية في سنواتها الأخيرة، بفضل كثير من المفكرين والدعاة المعتدلين، الذين كان لهم تأثيرهم في تفكير هؤلاء الشبيبة وسلوكهم، حتى أصبح الاعتدال هو السمة البارزة لأغلبهم، فكيف نفسر السكوت عنهم عند غلبة التطرف، وضربهم عندما اتجهوا إلى الاعتدال؟!
     
  3. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:11
    وهذه الاعتبارات التي ذكرها الإخوة لم تخف عليَّ، وهي التي جعلتني أبدأ مقالتي لمجلة "العربي " [تركت المجلة من مقالتي بعض فقرات لها دلالتها وأهميتها في نظري، وإن لم تغير من جوهر الموضوع الذي كتبت ]، بهذه السطور:

    برغم اقتناعي بنبل الهدف الذي دفع "مجلة العربي " لفتح باب الحوار حول ما سمي "التطرف الديني " وبرغم إيماني بأهمية الموضوع وخطورته في واقعنا المعاصر، لا أخفي على القارئ أنني ترددت أول الأمر في الكتابة فيه، في هذا الوقت خاصة، خشية أن يساء تفسيرها، أو تستغل في غير ما أريد، وما أرادت المجلة نفسها.

    وشيء آخر، هو أن "التطرف الديني " اليوم في قفص الاتهام، والألسنة والأقلام تصوب سهامها إليه من كل جانب، ولا أحب لنفسي أن أكون مع الطرف القوي ضد الطرف الضعيف. والسلطة دائماً هي الطرف القوي، وخصمها المتهم من الأفراد والجماعات هو الضعيف، وحسبه من الضعف أنه لا يملك الدفاع عن نفسه، وكيف يدافع عن نفسه من لا يملك صفحة ولا عموداً في جريدة، ولا موجة في محطة إذاعة ، ولا قناة في تلفاز، حتى منبر المسجد لا يستطيع أن يعتليه دفاعاً عن نفسه!

    وزاد من ترددي في البداية، أن العاملين للإسلام منذ عقود من السنين تصب عليهم التهم صباً من قبل خصومهم، فطالما وصفوا بـ "الرجعية " ودمغوا بـ "التعصب " ورموا بـ "الإرهاب " بل اتهموا بـ "العمالة " مع أن أي مراقب أو دارس يرى ويلمس: أن الشرق والغرب، واليمين واليسار، يعاديهم ويتربص بهم.

    ولكني بعد تأمل وتفكر، وجدت القضية تهم العالم الإسلامي كله، ولا تخص بلداً بعينه، ورأيت السكوت ليس حلاً ، ووجدت رفض الدعوة الموجهة إليَّ، لا يسعه ديني، وهو يشبه الفرار من المعركة، لذا فضلت الكتابة، متوكلاً على الله "وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ".

    أضف إلى ذلك، أن أقلاماً كثيرة: جاهلة أو حاقدة أو مأجورة، خاضت في الموضوع بغير علم ولا هدى، ولا كتاب منير، فكان على أقلام أهل العلم بالإسلام، أن تبين ولا تكتم، فتأتي البيت من بابه، وتضع الحق في نصابه.

    ومما قوى عزمي على الكتابة في الموضوع، أن اهتمامي به ليس ابن اليوم، ولا وليد الأمس، فقد عنيت به من زمن بعيد، ونشرت منذ سنوات، في مجلة "المسلم المعاصر " عن "ظاهرة الغلو في التكفير " الذي صدر في رسالة مستقلة فيما بعد، كما نشرت في مجلة "الأمة" القطرية منذ أشهر دراستي (التي أشرت إليها آنفاً ) عن "صحوة الشباب الإسلامي ".

    فضلاً عن أحاديث طويلة مع كثير من هذا الشباب، خلال السنوات الماضية في مخيماتهم وحلقاتهم، تدور كلها حول محور أساسي، هو الدعوة إلى الاعتدال، والحذر من "التطرف "...

    غير أن ما كتبته في "العربي " كان محكوماً بالنقطة التي طلبت مني، وبالمساحة التي تُعطى لمقالة مهما طالت.

    لهذا كان لا بد أن أعود إلى الموضوع "ظاهرة التطرف الديني " لاستكمال دراستها من جوانبها المتعددة: حقيقتها وأسبابها وعلاجها، دراسة علمية موضوعية، من منطلق إسلامي أصيل، لا يخرجه الغضب عن الحق، ولا يدخله الرضى في باطل.

    ولا يمنعني من ذلك دخول أصحاب الأهواء في الساحة، ولا استغلال المستغلين لما يكتب أو يقال، فإن الحق أحق أن يقال، وأحق أن يتبع، وفي الحديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ".

    فهذه مسؤولية أهل العلم: أن يبينوا ولا يكتموا، حتى لا يلعنهم الله ولا يلعنهم اللاعنون.. وبقيت مسؤولية غيرهم من الأطراف الأخرى ذات الصلة بالقضية، فالواقع أن المسؤولين عنها متعددون.

    وليس من العدل ولا من الأمانة، أن نُحمِّل الشباب وحدهم مسؤولية ما تورطوا فيه، أو تورط فيه بعضهم من غلو في الفكر، أو تطرف في السلوك.

    فمما لا ريب فيه أن كثيرين يحملون معهم ـ بل قبلهم ـ المسؤولية، وإن حاولوا أن يتبرأوا منها. يحملها معهم الآباء المربون، والعلماء والموجهون، والقادة الحاكمون، الذين ينتمون إلى الإسلام بالاسم والعنوان، وإن لم يعطوه حقه من الانقياد والإذعان، فعاش الإسلام بهم غريباً في دياره، وعاش دعاة الإسلام في أوطانهم غرباء.

    العجيب أننا ننكر على الشباب التطرف، ولا ننكر على أنفسنا التسيُّب، ننكر على الشباب الإفراط، ولا ننكر على أنفسنا التفريط..

    إننا نطالب الشباب بالاعتدال والحكمة، والعدول عن التطرف والتشدد، ولا نطالب الشيوخ والكبار أن يطهروا أنفسهم من النفاق، وألسنتهم من الكذب، وحياتهم من الغش، وأعمالهم من التناقض.
     
  4. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:11
    إننا نطالب الشباب بكل شيء، أداء لواجباتهم، ورعاية لحقوق غيرهم، ولكننا في الوقت نفسه لا نطالب أنفسنا بشيء، كأنما لنا كل الحقوق، وعلى الشباب كل الواجبات ، مع أننا نقرر في مناسبات كثيرة: أن كل حق يقابله واجب.

    يجب أن نكون شجعانا ونعترف بأن كثيراً من تصرفاتنا هي التي دفعت هذا الشباب دفعاً إلى ما نسميه "التطرف "، فنحن ندعي الإسلام ولا نعمل به، ونقرأ القرآن ولا نطبق أحكامه، ونزعم حب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نتبع سنته، ونسجل في دساتيرنا أن دين الدولة هو الإسلام، ولكننا لا نعطيه حقه في الحكم والتشريع والتوجيه.

    لقد ضاق الشباب ذرعاً بنفاقنا وتناقضنا، فمضى وحده في الطريق إلى الإسلام دون عون منا، فقد وجد الآباء له مثبطين، والعلماء عنه مشغولين، والحكام له مناوئين، والموجهين به ساخرين.

    ولذا كان علينا أن نبدأ بإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا وفق ما أمر الله، قبل أن نطالب شبابنا بالهدوء، والتزام الحكمة والسكينة والاعتدال. ولا أنسى هنا أن أشير إلى نقطة يركز عليها بعض المسؤولين، وبعض الكاتبين، وهي: واجب المؤسسات الدينية "الرسمية " ودورها في علاج ظاهرة الغلو، وترشيد الصحوة الشبابية الإسلامية، ويكاد بعضهم يحملها مسؤولية ما حدث ويحدث من تطرفات أو انحرافات.

    والحق أقول: إن المؤسسات الدينية الرسمية على أهميتها وعراقتها وسعة قواعدها، لم تعد قادرة على القيام بهذه المهمة المنشودة منها، ما لم ترفع السلطات السياسية أيديها عنها، وعن اتخاذها أداة لتأييد خطواتها، ولساناً للثناء على مواقفها، وعن تقريب رجالها وإبعادهم، تبعاً لموافقتهم على هذا النوع من السلوك أو رفضه.

    إن المؤسسات الدينية الكبرى في عالمنا الإسلامي تستطيع أن تسهم بدور إيجابي في توعية الشباب، وتثقيفهم ثقافة نقية من الشوائب والفضول، إذا ترك أمرها لأهلها، ولم يدرها رجال السياسة في فلكهم، تشرق معهم حيث يشرقون ، وتغرب حيث يغربون، وإلاّ فرغت من خيرة أبنائها، وصفوة علمائها، وبهذا تبقى هيكلاً ضخماً بلا روح ولا حياة.

    ومما لا ريب فيه أن لا قيمة لأي كلام يقال ما لم يثق الشباب بقائله، فإذا فقدت الثقة، فهو ليس إلا صيحة في واد، ونفخة في رماد.

    والواقع اليوم أن جلّ الشباب قد فقد الثقة بهذه المؤسسات، ومن وضع على رأسها من الرجال، لأسباب وملابسات جعلتهم يعتقدون أنها لم تعد تعبر عن كلمة الشرع خالصة مصفاة، بل عن وجهة نظر الحكومة القائمة، فإذا تغيرت غيرت.

    وليت هذه المؤسسات تعكف على إصلاح نفسها من الداخل، وترفض الانغماس في دوامة السياسة المحلية المتقلبة، وتجعل أكبر همها تخريج الأجيال من العلماء الفاقهين لدينهم، البصيرين بعصرهم، من ((الذين يُبلِّغون رِسالاتِ الله ويخشونه ولا يخْشون أحداً إلاّ الله )) [الأحزاب:39 ].

    إن هذا النوع البصير من علماء الدين، الذين يجمعون بين البصيرة والتقوى، هو الذي تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم، وهو القادر على أن يقوم بمهمته في ترشيد الصحوة الإسلامية.

    وأمر آخر هو: أن الذي يعيش مجرد متفرج على الصحوة الإسلامية، أو مجرد ناقد لها، وهو بعيد عنها، وعن معاناتها، والإحساس بآلامها وآمالها، لا يستطيع أن يقوم بدور إيجابي سليم في تسديدها وترشيدها، وقديماً قال الشاعر:

    لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده ولا الصبابة إلاّ من يعانيها

    فمن لم يعش للإسلام ودعوته، ولم يهتم لقضايا أمته، ولم تشغله همومها ومآسيها، في الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وعاش حياته لنفسه ومصالحه الشخصية والأسرية، فليس أهلاً لأن يقول لمن يعيشون للإسلام وبه: أخطأتم فصوِّبوا خطأكم. ولو قال ذلك لم يجد من يسمع له.

    نصيحتي لكل من يتصدى لنصح الشباب أن ينزل من برجه العاجي، أو يخرج من صومعته الفكرية ليعايشهم، ويعرف ما يحيون فيه من آمال كبيرة، وعواطف حارة، وعزائم صادقة، وبواعث خيرة، وأعمال صالحة، ليعرف ما لهم من إيجابيات بجوار ما لهم من سلبيات، حتى إذا نصح... نصح على بصيرة، وإذا حكم لهم أو عليهم، حكم علي بينة.

    عصمنا الله من الغلو والتفريط، وهدانا صراطه المستقيم...
     
  5. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:11
    التطرف بين الحقيقة والاتهام


    يقول علماء المنطق: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، إذ لا يمكن الحكم على المجهول، كما لا يمكن الحكم على شيء مختلف في تحديد ماهيته، وتصوير حقيقته: أي شيء هي؟

    لهذا كان علينا بادئ ذي بدء أن نكشف عن معنى "التطرف الديني " وحقيقته وأبرز علاماته.

    والتطرف في اللغة معناه: الوقوف في الطرف، بعيداً عن الوسط، وأصله في الحسيات، كالتطرف في الوقوف أو الجلوس أو المشي، ثم انتقل إلى المعنويات، كالتطرف في الدين أو الفكر أو السلوك.

    ومن لوازم التطرف: أنه أقرب إلى المهلكة والخطر، وأبعد عن الحماية والأمان، وفي هذا قال الشاعر:

    كانت هي الوسط المحمى فاكتنفت بها الحوادث، حتى أصبحت طرفاً!

    دعوة الإسلام إلى الوسطية وتحذيره من التطرف

    والإسلام منهج وسط في كل شيء: في التصور والاعتقاد، والتعبد والتنسك، والأخلاق والسلوك، والمعاملة والتشريع.

    وهذا المنهج هو الذي سماه الله "الصراط المستقيم " وهو منهج متميز عن طرق أصحاب الديانات والفلسفات الأخرى من "المغضوب عليهم " ومن "الضالين " الذين لا تخلو مناهجهم من غلو أو تفريط.

    و "الوسطية " إحدى الخصائص العامة للإسلام، وهي إحدى المعالم الأساسية التي ميز الله بها أمته عن غيرها ((كذلِك جعلناكم أمّةً وسطاً لِتكونوا شُهداء على الناس )) [البقرة:143 ]، فهي أمة العدل والاعتدال، التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يميناً أو شمالاً عن خط الوسط المستقيم.

    النصوص الشرعية تعبر عن التطرف بـ "الغلو "

    والنصوص الإسلامية تدعو إلى الاعتدال، وتحذر من التطرف، الذي يعبر عنه في لسان الشرع بعدة ألفاظ منها: "الغلو " و"التنطع " و "التشديد ".

    والواقع أن الذي ينظر في هذه النصوص يتبين بوضوح أن الإسلام ينفر أشد النفور من هذا الغلو، ويحذر منه أشد التحذير.

    وحسبنا أن نقرأ هذه الأحاديث الكريمة، لنعلم إلى أي حد ينهى الإسلام عن الغلو، ويخوف من مغبته.

    1- روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه في سننهما، والحاكم في مستدركه عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إيّاكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين " قال شاكر: إسناده صحيح، ونقل المناوي في الفيض: 3/126 عن ابن تيمية قوله: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم .

    والمراد بمن قبلنا: أهل الأديان السابقة، وخاصة أهل الكتاب، وعلى الأخص: النصارى، وقد خاطبهم القرآن بقوله: ((قل يا أهْل الكتابِ لا تغْلوا في دينكم غيْر الحقِّ ولا تتَّبِعوا أهواء قومٍ قدْ ضلُّوا مِنْ قبل وأضّلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواءٍ السّبيل )) [المائدة:77 ]، فنهانا أن نغلو كما غلوا، والسعيد من اتعظ بغيره.

    وسبب ورود الحديث ينبهنا إلى أمر مهم، وهو أن الغلو قد يبدأ بشيء صغير، ثم تتسع دائرته، ويتطاير شرره، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل المزدلفة في حجة الوداع قال: لابن عباس: هلمّ القط لي ـ أي حصيات ليرمي بها في منى ـ قال: فلقطت له حصيات من حصى الخذف - يعني حصى صغاراً مما يخذف به - فلما وضعهن في يده، قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإيّاكم والغلو في الدين... الحديث يعني: لا ينبغي أن يتنطعوا فيقولوا: الرمي بكبار الحصى أبلغ من الصغار، فيدخل عليهم الغلو شيئاً فشيئاً، فلهذا حذرهم.
     
  6. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:12
    وقال الإمام ابن تيمية: قوله "إيَّاكم والغلو في الدين " عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد... والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، بقوله تعالى: ((لا تغْلوا في دينِكُم ْ)) [النساء:171 ].

    2 - وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هلك المتنطعون " قالها ثلاثاً. (رواه مسلم، ونسبه السيوطي إلى أحمد وأبي داود أيضا ً).

    قال الإمام النووي: أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

    ونلاحظ أن هذا الحديث والذي قبله جعلا عاقبة "الغلو والتنطع " هي الهلاك، وهو يشمل هلاك الدين والدنيا، وأي خسارة أشد من الهلاك، وكفى بهذا زجراً.

    3 - وروى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا تشددوا على أنفسكم، فيشدّد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشُدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: رهْبانِيّةً ابتدعُوها ما كتَبْناها عليهِمْ )) [ذكره ابن كثير تفسير سورة الحديد ].

    ومن أجل ذلك قاوم النبي صلى الله عليه وسلم كل اتجاه ينزع إلى الغلو في التدين، وأنكر على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف، مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال الذي جاء به الإسلام، ووازن به بين الروحية والمادية، ووفق بفضله بين الدين والدنيا، وبين حظ النفس من الحياة وحق الرب في العبادة، التي خلق لها الإنسان.

    فقد شرع الإسلام من العبادات ما يزكي نفس الفرد، ويرقى به روحياً ومادياً، وما ينهض بالجماعة كلها، ويقيمها على أساس من الأخوة والتكافل، دون أن يعطل مهمة الإنسان في عمارة الأرض، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، عبادات فردية واجتماعية في نفس الوقت، فهي لا تعزل المسلم عن الحياة ولا عن المجتمع، بل تزيده ارتباطاً به، شعورياً وعملياً، ومن هنا لم يشرع الإسلام "الرهبانية " التي تفرض على الإنسان العزلة عن الحياة وطيباتها، والعمل لتنميتها وترقيتها، بل يعتبر الأرض كلها محراباً كبيراً للمؤمن، ويعتبر العمل فيها عبادة وجهاداً، إذا صحت فيه النية، والتزمت حدود الله تعالى.

    ولا يقر ما دعت إليه الديانات والفلسفات الأخرى من إهمال الحياة المادية لأجل الحياة الروحية، ومن حرمان البدن وتعذيبه حتى تصفو الروح وترقى، ومن إهدار شأن الدنيا من أجل الآخرة، فقد جاء بالتوازن في هذا كله ((ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً )) [البقرة:201 ]. "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي " [رواه مسلم في صحيحه ] "إنّ لبدنك عليك حقًّا " [متفق عليهٍ ].

    لقد أنكر القرآن، بل شدد النكير، على أصحاب هذه النزعة في تحريم الطيبات والزينة التي أخرج الله لعباده، فقال تعالى في القرآن المكي: ((يا بني آدم خُذوا زينتكم عِند كلِّ مسجدٍ وكُلوا واشربوا ولا تُسرفوا إنّه لا يُحبُّ المُسرفين. قُل مَنْ حرّم زينة اللهِ التي أخرج لِعبادهِ والطّيِّبات من الرِّزْق ِ)) [الأعراف:31 ].

    وفي القرآن المدني يخاطب الجماعة المؤمنة بقوله: (( يا أيُّها الذين آمنوا لا تُحرِّموا طيِّباتِ ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يُحبُّ المعتدين وكلوا ممَّا رزقكم الله حلالاً طيِّباً واتّقوا الله الذي أنتم به مؤمنون )) [المائدة:87،88 ].

    وهاتان الآيتان الكريمتان تبينان للجماعة المؤمنة حقيقة منهج الإسلام في التمتع بالطيبات، ومقاومة الغلو الذي وجد في بعض الأديان، فقد روي في سبب النزول أن رهطاً من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كالرهبان! وروى أن رجالاً أرادوا أن يتبتلوا أو يخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح (ملابس الرهبان ) فنزلت..

    وجاء عن ابن عبّاس: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله إنّي إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء، وإني حرمت عليّ اللحم. فنزلت: ((يا أيُّها الذين آمنوا لا تُحرِّموا )) [ذكر هذه الروايات ابن كثير في تفسيره ].

    وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فكأنهم تقالُّوها (أي عدّوها قليلة ) فقال بعضهم: لا آكل اللحم.. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: "ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنتي فليس مِني ".

    وسنته ـ عليه الصلاة والسلام ـ تعني منهجه في فهم الدين وتطبيقه، وكيف يعامل ربه عز وجل، ويعامل نفسه وأهله والناس من حوله - معطياً كل ذي حقٍ حقَّه، في توازن واعتدال.

    العيوب والآفات الملازمة للغلو في الدين

    وما كان هذا التحذير من التطرف والغلو إلاّ لأن فيه عيوباً وآفات أساسية تصاحبه وتلازمه. منها:

    العيب الأول:

    أنه منفِّر لا تحتمله طبيعة البشر العادية، ولا تصبر عليه، ولو صبر عليه قليل منهم لم يصبر عليه جمهورهم، والشرائع إنما تخاطب الناس كافة، لا فئة ذات مستوى خاص، ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم على صاحبه الجليل "معاذ " حين صلى بالناس فأطال حتى شكاه أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له: أفتان أنت يا معاذ؟! وكررها ثلاثاً [رواه البخاري ].

    وفي واقعة مماثلة قال للإمام في غضب شديد لم يغضب مثله: "إن منكم منفرين... من أَمَّ بالناس فليتجوز، فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة " [رواه البخاري ].

    ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً وأبا موسى إلى اليمن أوصاهما بقوله: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا ... " [متفق عليه ].

    وقال عمر رضي الله عنه: لا تبغِّضوا لله إلى عباده، فيكون أحدكم إماماً فيطول على القوم الصلاة حتى يبغِّض إليهم ما هم فيه .
     
  7. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:13
    والعيب الثاني:

    أنه قصير العمر، والاستمرار عليه في العادة غير متيسر، فالإنسان ملول، وطاقته محدودة، فإن صبر يوماً على التشدد والتعسير، فسرعان ما تكل دابته أو تحرن عليه مطيته في السير. . وأعني بهما جهده البدني والنفسي ، فسيأم ويدع العمل حتى القليل منه. أو يأخذ طريقاً آخر، على عكس الطريق الذي كان عليه.. أي ينتقل من الإفراط إلى التفريط، ومن التشدد إلى التسيب، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

    وكثيراً ما رأيت أناساً عرفوا بالتشدد والتطرف حيناً، ثم غبت عنهم أو غابوا عني زمناً فسألت عنهم بعد، فإما ساروا في خط آخر، وانقلبوا على أعقابهم، والعياذ بالله. . وإما قد فتروا وانقطعوا كالمنبت الذي جاء ذكره في الحديث "فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " [رواه البزار عن جابر بإسناد ضعيف ] يريد بالمنبت الذي انقطع عنه رفقته بعد أن أجهد دابته.

    ومن هنا كان التوجيه النبوي بقوله صلى الله عليه وسلم : "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا.. وإنّ أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قل " [رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها ].

    وعن ابن عباس قال: كانت مولاة للنبي صلى الله عليه وسلم تصوم النهار وتقوم الليل فقيل له: إنها تصوم النهار وتقوم الليل! فقال صلى الله عليه وسلم: "إن لكل عمل شِرَّة (حدة ونشاطاً ) ولكل شرة فترة (استرخاء وفتوراً ) فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل " [رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ].

    وروى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجال ينصبون في العبادة من أصحابه نصباً شديداً، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك ضراوة الإسلام وشرته، ولكل ضراوة شرّة، ولكل شرّة فترة.. فمن كانت فترته إلى الكتاب والسنة فلآمّ ما هو.. ومن كانت فترته إلى معاصي الله فذلك الهالك" (قال شاكر: إسناده صحيح )، ومعنى "لأمّ ما هو " أي يرجع إلى أصل ثابت عظيم أشار إليه بكلمة "آم " وتنكيرها دلالة التعظيم، وعلى الفتح "أم " من القصد.. أي قصد الطريق المستقيم.

    (وفي رواية الطبراني لهذا الحديث:... فمن كانت فترته إلى اقتصاد، فنعم ما هو... ومن كانت فترته إلى المعاصي فأولئك هم الهالكون ).

    وما أجمل الوصية النبوية العامة لكل المكلفين: الوصية بالقصد والاعتدال، وأن لا يحاولوا أن يغالبوا الدين، فيغلبهم، وأن يقاوموه بشدة، فيقهرهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا... " [رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ].

    وقال العلامة المناوي في شرحه: يعني لا يتعمق أحد في العبادة ويترك الرفق كالرهبان، إلاّ عجز، فيغلب.. "فسدِّدوا " أي: الزموا السداد، وهو الصواب بلا إفراط ولا تفريط.. "وقاربوا " أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه "وأبشروا " أي: بالثواب على العمل الدائم وإن قل.
     
  8. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:14
    والعيب الثالث:

    أنه لا يخلو من جور على حقوق أخرى يجب أن تُرعى، وواجبات يجب أن تؤدى.. وما أصدق ما قاله أحد الحكماء: ما رأيت إسرافاً إلاّ وبجانبه حق مضيع... وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو حين بلغه انهماكه في العبادة انهماكا أنساه حق أهله عليه: ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟

    قال عبد الله: فقلت بلى يا رسول الله.. فقال صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم. فإن لجسدك عليك حقاً.. وإن لعينيك عليك حقاً.. وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك (زوَّارك ) عليك حقاً.. [رواه البخاري في كتاب الصوم ].

    يعني: فأعط كل ذي حق حقه، ولا تغلّ في ناحية على حساب أخرى.

    وكذلك قال الصحابي الفقيه سلمان الفارسي لأخيه العابد الزاهد أبي الدرداء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهما، فزادت بينهما الألفة، وسقطت الكلفة، فزار سلمان أبا الدرداء، فوجد أم الدرداء - زوجته - متبذلة (يعني: لابسة ثياب البذلة والمهنة لا ثياب الزينة والتجمل كما تفعل المرأة المتزوجة ) فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء فرحب بسلمان، وقرب إليه طعاماً فقال: كل، فإني صائم! فقال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل. وفي رواية البزار: أقسمت عليك لتفطرن... قال: فأكل... فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم... فقال سلمان: نم.. فنام. ثم ذهب ليقوم، فقال سلمان له: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن... فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه... فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق سلمان. [رواه البخاري والترمذي ] وفي رواية ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لقد أشبع سلمان علماً... ".

    ولكن ما معنى التطرف الديني؟ وما المقصود به الآن؟ وما معالمه؟ ومتى يعتبر المرء متطرفاً دينياً؟!

    تحديد مفهوم التطرف الديني. وعلى أي أساس يقوم؟

    إن بيان هذا التطرف وتحديد المراد به بعلم وبصيرة، هو الخطوة الأولى في طريق العلاج، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة.

    ولا قيمة لأي بيان أو حكم هنا ما لم يكن مستنداً إلى المفاهيم الإسلامية الأصيلة، وإلى النصوص والقواعد الشرعية الثابتة، لا إلى الآراء المجردة، وقول فلان أو علان من النّاس، فلا حجة في قول أحد دون الله ورسوله، قال تعالى: ((فإن تنازعتُم في شيءٍ فرُدُّوه إلى اللهِ والرسولِ إنْ كُنتم تُؤمِنون باللهِ واليومِ الآخِرِ )) [النساء:59 ]، وقد اتفقت الأمة، سلفها وخلفها، على أن الرد إلى الله تعالى يعني: الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يعني: الرد إلى سنته عليه الصلاة والسلام.

    وبدون هذا التوثيق الشرعي لن يُعير الشباب المتهم بالتطرف التفاتاً إلى فتوى هذا أو مقال ذاك، وسيضربون عرض الحائط بهذا الاتهام الذي ينكرونه، ويتهمون موجهيه بالتزييف، وتسمية الأشياء بغير أسمائها. وقديماً قيل: إن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وهو من هو في أهل السنة، نسبت إليه تهمة "الرفض " فضاق بهذا الاتهام الرخيص، وقال متحدياً:

    إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أنِّي رافِضي

    وحديثاً قال أحد الدعاة: اللهم إن كان المتمسك بالكتاب والسنة رجعياً، فأحيني اللهم رجعياً، وأمتني رجعياً، واحشرني في زمرة الرجعيين!

    والواقع أن تحديد مفاهيم مثل هذه الكلمات الشائعة "الرجعية " "الجمود " "التطرف " "التعصب " ونحوها، أمر في غاية الأهمية، حتى لا تترك مادة هلامية رجراجة، يستخدمها كل فريق كما يحلو له، وتتناولها القوى الفكرية والاجتماعية المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فيفسرها كل بما شاء وكيف شاء. .

    وهنا نجد أننا لو تركنا تحديد مفهوم "التطرف الديني " لآراء الناس وأهوائهم لتفرقت بنا السبل، تبعاً للأهواء التي لا تتناهى ((ولوْ اتّبع الحقُّ أهواءهُم لفَسدتِ السماوات والأرض ومَنْ فيهن َّ)) [المؤمنون:71 ].
     
  9. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:14
    ملاحظتان مهمتان

    وأود أن أنبه هنا إلى ملاحظتين جديرتين بالاهتمام في موضوعنا:

    الملاحظة الأولى:

    أن مقدار تدين المرء، وتدين المحيط الذي يعيش فيه، من حيث القوة والضعف، له أثره في الحكم على الآخرين، بالتطرف أو التوسط أو التسيب.

    فمن المشاهد أن من كانت جرعته من التدين قوية، وكان الوسط الذي نشأ فيه شديد الالتزام بالدين، يكون مرهف الحس لأي مخالفة أو تقصير يراه، حتى إنه ليعجب أن يوجد مسلم لا حظّ له من قيام الليل، أو صيام النهار، وفي هذا ورد القول المأثور:

    "حسنات الأبرار، سيئات المقربين ".

    ويحضرني هنا ما قاله أنس بن مالك لمعاصريه من التابعين: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات!

    وكانت عائشة رضي الله عنها تنشد بيت لبيد بن ربيعة:

    ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب!

    وتقول: رحم الله لبيداً، كيف لو عاش إلى زماننا هذا؟ وكان ابن أختها عروة بن الزبير، وقد عاش بعدها زمناً، ينشد البيت، ويقول: رحم الله لبيداً وعائشة، كيف لو عاشا إلى زماننا هذا؟!

    وفي مقابل هذا نجد الشخص الذي قل زاده من التدين علماً وعملاً، أوعاش في محيط تجرأ على محارم الله وتنكر لشرائعه، يعتبر التمسك بالحد الأدنى من الدين ضرباً من التعصب أو التشدد.

    وكلما زادت مسافة البعد بينه وبين الدين، زاد استغرابه بل إنكاره، بل اتهامه لكل من يستمسك بعروة الدين، ويلجم نفسه بلجام التقوى، ويسأل في كل شيء يعرض له أو يعرض عليه: حلال هو أم حرام؟

    وكثير من أولئك الذين يعيشون في أوطاننا بأسماء إسلامية، وعقول غربية، يعتبرون مجرد الالتزام بأوامر الله ونواهيه تطرفاً دينياً!

    وكثير ممن غزته الأفكار والتقاليد الأجنبية يعتبر الذين يتمسكون بآداب الإسلام في المأكل والمشرب والملبس والزينة ونحوها، غاية في التطرف والتعصب!

    لقد رأينا من يعد إطلاق اللحية من الفتى، أو التزام الحجاب من الفتاة، تطرفاً في الدين!

    ورأينا من يعتبر الدعوة إلى تحكيم شريعة الله، وإقامة دولة الإسلام في أرض الإسلام، تطرفاً في الدين!

    ورأينا من يرى الغيرة على الدين وحرماته، والأمر بالمعروف إذا ضُيِّع ،والنهي عن المنكر إذا وقع، تطرفاً في الدين، وتدخلاً في الحرية الشخصية للآخرين!

    ورأينا من يرى أن اعتبار الآخرين من غير المؤمنين بدينه كفاراً، تعصب وتطرف، مع أن أساس الإيمان الديني أن يعتقد المؤمن أنه على حق، وأن مخالفه على باطل، ولا مجاملة في هذه الحقيقة.

    والملاحظة الثانية:

    أنه ليس من الإنصاف أن نتهم إنساناً بالتطرف في دينه لمجرد أنه اختار رأياً من الآراء الفقهية المتشددة، ما دام يعتقد أنه الأصوب والأرجح، ويرى أنه ملزم به شرعاً، ومحاسب عليه ديناً، وإن كان غيره يرى رأيه مرجوحاً أو ضعيفاً، لأنه ليس مسؤولاً إلاّ عما يراه ويعتقده هو، وإن شدد بذلك على نفسه، بل حسبه أن يرى أن ذلك هو الأفضل والأورع، وإن لم يكن فرضاً ولا واجباً، إذ كانت همته لا تقف عند حد الفرائض، وإنما يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حتى يحبه.

    ومن حقائق الحياة، أن الناس يتفاوتون في هذه القضية، فمنهم المتساهل الميسر، ومنهم المتشدد المعسر، وقد كان في الصحابة المترخص كابن عبّاس، والمتشدد كابن عمر رضي الله عنهم.

    ويكفي المسلم في هذا المقام أن يستند رأيه الذي تبناه إلى مذهب من المذاهب المعتبرة عند المسلمين، أو يعتمد على اجتهاد صحيح قائم على استدلال شرعي سليم؛ فإذا كان هناك من أئمة المذاهب المتبوعة من يقول بوجوب إعفاء اللحية وتركها وحرمة حلقها، فهل يوصف بالتطرف من اقتنع بهذا المذهب وأخذ به، وطبقه على نفسه لأنه خالف رأيي ورأيك ورأي زيد وعمر من العلماء، ولا سيما المعاصرين؟ وهل من حقنا أن نصادر حق امرئ في ترجيح رأي على آخر، وخاصة أنه يتصل بحياته وسلوكه هو، لا بحياة غيره.
     
  10. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      25-10-2007 00:15
    إن جماً غفيراً من علماء السلف والخلف، رأوا أن على المرأة المسلمة أن تستر جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها، فقد اعتبروهما مما استثني في قوله تعالى: ((ولا يُبْدين زينتهُنّ إلاّ ما ظهر مِنْها )) [النور: 31 ]، وأكدوا ذلك بأحاديث ووقائع وآثار.. ورجح ذلك كثيرون من علماء عصرنا، وأنا منهم.

    ولكن عدداً آخر من العلماء المرموقين، ذهبوا إلى أن الوجه والكفين عورة يجب سترها، واستدلوا على ذلك بنصوص من القرآن والحديث والآثار، وأخذ بقولهم كثيرون من علماء هذا العصر، وخصوصاً في باكستان والهند والسعودية وأقطار الخليج، وأرسلوا نداءاتهم إلى كل فتاة تؤمن بالله وباليوم الآخر، أن تلبس النقاب، ليستر وجهها، والقفاز ليستر يديها.

    فهل تدمغ بالتطرف فتاة أو سيدة آمنت بهذا المذهب، واعتبرته جزءاً من دينها؟ أو يدمغ به رجل دعا إلى ذلك ابنته أو زوجته فاستجابت؟ وهل يحق لنا أن نجبر هذا أو ذاك أو تلك على التنازل عما يعتقده شرع الله، ونلزمه أن يبيع الجنة ويشتري النار إرضاءاً لخاطرنا، وفراراً من تهمة التطرف؟

    ومثل ذلك يقال فيمن يتبنى الآراء المتشددة في الغناء والموسيقي والرسم والتصوير وغيرها، مما يخالف اجتهادي شخصياً في هذه الأمور، واجتهاد عدد من علماء العصر البارزين، ولكنه يتفق مع العديد من علماء المسلمين، متقدمين ومتأخرين ومعاصرين.

    والواقع أن كثيراً مما ينكر على من نسميهم "المتطرفين " مما قد يعتبر من التشدد والتنطع، له أصل شرعي في فقهنا وتراثنا، تبناه بعض العلماء المعاصرين، ودافعوا عنه ودعوا إليه، فاستجاب لهم من الشباب المخلص من استجاب، رجاء في رحمة الله تعالى وخوفاً من عذابه، وذلك كلبس الثوب (الجلباب ) بدل القميص والبنطلون، وتقصيره إلى ما فوق الكعبين، والامتناع عن مصافحة النساء، وغيرها.

    ومن هنا لا نستطيع أن ننكر على مسلم، أو نتهمه بالتطرف، لمجرد أنه شدد على نفسه، وأخذ من الآراء الفقهية بما يراه أرضى لربه، وأسلم لدينه، وأحوط لآخرته.

    وليس من حقنا أن نجبره على التنازل عن رأيه ونطالبه بسلوك يخالف معتقده. كل ما نملكه أن ندعوه بالحكمة، ونحاوره بالحسنى، ونقنعه بالدليل، عسى أن يدخل فيما نراه أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً.

    مظاهر التطــــرف

    فما التطرف إذن، وما دلائله ومظاهره؟

    التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر:

    1- إن أولى دلائل التطرف: هي التعصب للرأي تعصباً لا يعترف معه للآخرين بوجود، وجمود الشخص على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق، ولا مقاصد الشرع، ولا ظروف العصر، ولا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين، وموازنة ما عنده بما عندهم، والأخذ بما يراه بعد ذلك أنصع برهاناً، وأرجح ميزاناً.

    ونحن هنا ننكر على صاحب هذا الاتجاه ما أنكرناه على خصومه ومتهميه، وهو محاولة الحجر على آراء المخالفين وإلغائها.
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...