الموسيقى والغناء في حياة الصَّحابة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏30 أوت 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      30-08-2007 02:44
    الموسيقى والغناء في حياة الصَّحابة

    بَعْدَ استِعراضِ مَذهَب مَن ذَهَبَ إلى تَحريمِ الموسيقَى والغِناء وبَيانِ أدلتِهِ، وإظهارِ خطأ الاستِدلالِ بها، ففي هذه الجزئية سنقوم بتَحريرِ المذاهِبِ المنقولَةِ عن الجيلِ الأول والثاني من الصحابَةِ والتابعينَ، بأحسَنِ الأسانيدِ المرويةِ عنهُم، وكذلكَ في الإبانَةِ عَن حَقيقَة مَذاهبِ الفُقهاءِ الأربعَةِ من خلالِ عِباراتِهم المَحكيةِ عنهُم، ليُنظَرَ نَصيبُ القائلِ بالتحريمِ فيها، وليُعتَبَرَ مَدى صِدق مَقالَتِه في دَعوَى الإجماعِ على تَحريمِ مُطلَقِ السماعِ، وليُحتَرَمَ للمخالِفِ رأيُهُ.


    الموسيقى والغناء في حياة الصَّحابة
    وَرَدَت آثار صَحيحَةْ عن أصحابِ النبي في ذم الغِناءِ والمعازِفِ، وأخرَى صَحيحَة أيضاً في الترخيصِ في ذلكَ، وَلا رَيبَ أن لكل من الصورَتينِ مَحمَلاً صَحيحاً، وهذا بَيانُها:
    ما وَرَدَ من الأثَرِ عنهم في ذم الغِناءِ والمعازِف :
    ا- عَن عُثمانَ بن عَفانَ "ر" قالَ:
    لَقَد اختبأتُ عندَ رَبي عَشراَ: إني لرابع أربَعةٍ في الإسلامِ، وَلا تَغنيتُ، ولا تمنيتُ.. الحديثَ.

    قلتُ: هذا التَّركُ من ذِي النورَينِ للتغني مُناسِبْ للأحوالِ الكامِلَةِ، والغِناءُ لَهو، وتَركُهُ وإن كانَ مُباحاَ افضَلُ من فعلهِ، فأخَذَ عُثمانُ بأقضَلِ الخصلتينِ، لا تَتَجاوَزُ دَلالَةُ الأثَرِ أكثَرَ من ذلكَ.

    2- وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ "ر"، في تَفسيرِ قولِهِ تعالى: (و من الناس من يشتري لهو الحديث..)، قالَ: الغِناء.
    وكَذلكَ عَنِ ابنِ عباس بمِثلِهِ.
    و ق ناقشناه من قبل، ووضحنا أنه ليسَ في الغِناءِ المباحِ في مُفرداتِهِ، ولا المباحِ في الهَدَفِ من استِعمالِهِ، وإنما الآية في كُل لَهوِ حَديثِ، ومنه الغِناءُ، يُشْتَرى للإضلالِ به عن سَبيلِ الله والصد عن الدينِ.

    3- وَعَن ابن مسعود ، قالَ: إذا رَكِبَ الرجلُ الدابةَ فلم يَذكرِ اسمَ اللّه رَدِفَهُ الشيطانُ، فَقالَ له: تَغَن، فإن لم يُحسِنْ قالَ له: تَمَنَّ.
    وهذا غايَتُهُ أن يَكونَ الغِناءُ والأماني مِما يُشغِلُ بهِ الشيطانُ الغافِلَ عن ذِكرِ اللهَ، وليسَ فيهِ أن الغِناءَ والأماني مِمَا يحرُمُ، وما مِن إتسانِ يَخلو من تَمنٍ، لا يُحرِّمُ ذلكَ أحد، وإنما الأمانيُّ سَراب وعَجْز، والعاقِلُ مَن أبْدَلَها بفِكر نافعٍ وكَسب صالحٍ ، وَالغِناءُ يَكونُ بالشعرِ غالباَ، والشعرُ سَرابْ وَتية، إلا ما كانَ حِكًمَةَ أو عِلماً أو ذِكراً، كَما استَثنى اللهُ تعالى شِعرَ المؤمنينَ الصالحينَ الذاكرينَ اللهَ والمنافحينَ عنِ دينِهِ، والسرابُ لا شَيءَ، وشُغلُ النفسِ بِما لا يَتفَعُ صَد لَها عن الخيرِ بَقدِرِهِ، وَما كانَ على هذا الوَصفِ فهُوَ مَعدود في الباطلِ، وذلكَ مِما يتذرعُ بهِ الشيطانُ لمكروهٍ أو حَرام، كما تقدَمَ بَيانُ وَجهِهِ في الكَلامِ على إضافَةِ الغِناءِ أو المزاميرِ إلى الشَّيطانِ في بَعضِ الأحاديثِ معَ الإذنِ فيهِ.
    4- وَعَنِ ابنِ عباس، في قولِهِ تعالى: (وَأنتم ساَمِدُونَ)،
    قالَ: هُوَ الغِناءُ بالحِميَريةِ، اسمُدي لَنا: تَغني لَنا.
    قلتُ: فهذا أيضاَ تقدًمَ بيانُ وَجهِهِ، وأنه ليسَ في الغِناءِ الذي بينا إباحَتَه، إنما هُوَ الغِناءُ الذي كانُوا يُقابلونَ بهِ ما يُتلَى عليهم من آياتِ اللّه، صادينَ بهِ عنها.
    5- وَعن ابنِ عباسٍ ، أيضاً، قالَ:
    الدف حَرام، والمعازِف حَرام، والكُوبَةُ حَرام، والمِزمارُ حَرام.
    قلت: هذا النص- لو صَح- صَريح من ابنِ عباس في تَحريم المعازِفِ مُطلقاً، وبتَحديدِ بَعضِ أنواعِها المشهورَةِ يومئذِ، كالدف وا لمزْمارِ. ومِنَ الناسِ من يَقولُ: هذا لا يُقالُ من قِبَلِ الرأيِ، فلهُ حُكمُ الحَديثِ المرفوعِ إلى النبي .
    وأقولُ: هذا قول لا يُسلِّمُهُ التأصيلُ الصحيحُ، بل مثله يُقالُ من قِبَلِ الرأي والاجتِهادِ، وابنُ عباس من أهلِهِ، وله آراؤهُ ونَظَرُهُ في المسائلِ الكثيرَةِ، وباب الحَلالِ والحرامِ يتسِعُ فيهِ الاجتِهادُ من أهلِهِ. فاذا كانَ هذا رأياً لابنِ عباس، فان الراجِحَ في مَذهَبِ الصحابي عدَمُ الحجيةِ، إلا إذا وَقَعَ عليه الاتًفاق، وهو غيرُ حاصِلِ هنا، وعلى خِلافِ مَواردِ الأدلَّةِ التي شَرحناها، فالنصوصُ تواتَرَت بإباحَةِ الدُّفً في أحوالِ أو مُطلقاً، وابنُ عباس يُطلِقُ التحريم، ولم يَرِد في خَبَرِ واحدِ صَحيحِ ما يُوافِقُ هذا الإطلاقَ منهُ، كما صَح الخبَرُ بإباحَةِ المزمارِ، وابنُ عباس يُطلِقُ التحريم، والنص مُقدَّم على ما سِواهُ. ثم إن الجَميعَ مُقر بإباحَةِ الدف كسائرِ المعازِفِ عندَ طائفَة، وهو الذي رَجحناهُ، ودونَها عندَ كثيرينَ، وفي حالاتِ خاصةِ عندَ طائفةِ، بينَما ابنُ عباس حَكَمَ بحُرمَتِهِ بعُموم، وما نَعرِفُ مَن سَلَكَ هذا المسلَكَ.
    فإن قيلَ: استَثنَينا الدف بأدلتِهِ.
    قلنا: إنما يَصح ذلكَ في دليلينِ تكافآَ، وليسَ ذلكَ حاصِلاً بين مُستفادٍ بنَصهِ عن رَسولِ الله ، ومُستفادِ من اجتِهادِ الصحابي.
    على أننا بينَّا أن الدف مِعْزَف كسائر المعازِفِ، وأن إباحَتَه من حيثُ الأصل وسائرِ الآلات هِيَ الصوابُ، دونَ تفريقِ بينَ آلة وأخرى، لِفَقدِ الدليلِ المُفرِّقِ.
    لكن إذا أمكَنَ أن نَحمِلَ رأيَ الصحابي مَعَ ما يتفقُ مع النصً فذلكَ أولى من حَملِه على مُخالفَتِهِ، وعليه، فالوَجهُ فيما قالَ ابنُ عباس ، فيما أرى، مُتنزٌل على حالِ اتخاذِ هذهِ الآلاتِ لمعصِيَةِ اللّه، كما تقدم تَوجيهُ حَديثِ الاستِحلالِ عليهِ في الفَصلِ الأول، لا مُطلقاً.
    وَاعلم أن هذا الذي ذَكَرتُ حَولَ رَأيِ ابنِ عباس هنا مَفروضٌ جَميعُهُ لوثَبَتَ الخَبَرُ عتهُ، إذ فيهِ نَظَر.

    6- وَعن عَبدالله بن عُمَر،: أنه مَر عليهِ قَوْم مُحرِمونَ، وفيهم رَجُلْ يتغنى، فقالَ: ألا لا سَمِعَ اللّه لَكم، ألا لا سَمِعَ اللّه لَكُم. وعَتهُ أيضاً: أنه مَر بجارَيةِ صَغيرَةِ تُغَني، فَقالَ: لو تَرَكَ الشيطانُ أحَداً تَرَكَ هذهِ.
    قلتُ: وهذا لا يزيدُ على أن يكونَ ابنُ عُمَرَ كانَ يَكرَهُ الغِناءَ، وسَيأتي عنهُ بعض الأثَرِ المفيدِ الترخصَ فيهِ.



    ما وَرَدَ عَنِ الصحابَة في اباحَةِ الغِناءِ والمعازِف:
    وأما الآثار عنِ الصحابَة، في الترخصِ في ذلكَ والتسهل فيهِ، فكَثيرَة، منها:
    ا- عَن وَهبِ بن كَيسانَ، قالَ: قالَ عَبد ُالله بنُ الزبيرِ، وكانَ مُتَكئاً: تَغَنى بِلال، قالَ: فقالَ له رَجُلْ: تُغَني؟ فاستَوَى جالساً، ثُم قالَ: وأي رَجُلِ من المهاجرينَ لم أسمَعهُ يَتَغنى النَّصبَ؟!
    وَفي لَفظ: ما أعلَمُ رَجُلًا من المهاجِرينَ إلاً قَد سَمِعتُهُ يتَرَنَّمُ.
    (أثر صحيح أخرجه البيهقي (10/225)، و عبد الرازق في "المصنف"(11/5-6) ، و الفاكهي (3/27 رقم:1735) بإسناد صحيح)
    قلتُ: وهذا يَحكي زَماناَ شاملَا بعُمومِهِ زَمَنَ الصحابَة والنبي بينَ أظهُرهم وبَعدَه، فمثلُه له حُكمُ الحديثِ المرفوعِ، وفيهِ أن المهاجِرينَ لم يَكونوا يَرَونَ حَرجاَ في غِنائهم الشَعبي يومَئذِ والذي يُسفونَهً (النصبَ)، شَبيه بِما دَرَج عليهِ الناسُ من الأغاني الشعبيَّةِ التي يُرددُونَها في زَمانِنا في مُناسَبَة وغيرِها.

    2- وَعَنِ السائبِ بنِ يَزيدَ، قالَ: بَينا نَحنُ مَعَ عبد الرحمن بن عَوفٍ في طَريقِ الحَج، ونحنُ نؤم مكةَ، اعتَزَلَ عَبدُ الرحمن الطريقَ، ثُم قالَ لرَباحِ بن المغتَرِفِ: غَنِّنا يا أبا حَسانَ، وَكانَ يُحْسِنُ النصبَ، فبَينا رَباحْ يُغَنًيهِ أدرَكَهُم عُمَرُ بنُ الخطاب، في خِلافَتِهِ، فقالَ : ما هذا؟ فقالَ عبدُالرحمن: ما بأس بهذا، نَلهو ونُقَصِّرُ عَنَّا، فقالَ عُمَرُ، : فإن كُنتَ آخِذاَ فعليكَ بِشِعْرِ ضِرارِ بن الخطاب، وضِرار رَجُلْ من بَني مُحاربِ بن فِهر.
    (أثر صحيح أخرجه البيهقي (10/224) و ابن عساكر في "تاريخه" (24/400) بإسناد صحيح)
    وَرَوى عَبدُالرحمن بن حاطبِ بن أبي بَلْتَعَةَ، قالَ:
    خَرَجْنا مَعَ عُمَرَ بن الخطابِ في الحج الأكبَرِ، حتى إذا كُنا بالروحاءِ ، كَلمَ القَومُ رَباحَ بنَ المغتَرِفِ، وَكانَ حَسَنَ الصوت بغِناءِ العَرَبِ ، فَقالُوا: أسمِعنا يا رَباحُ، وَقَصر عَنا المسيرَ، قالَ: إني أفرَقُ من عُمَرَ، فكلَمَ القَومُ عُمَرَ، فَقالُوا: إنا كلمنا رَباحاً يُسمِعُنا وبُقصرُ عنا المسيرَ، فأبى إلا أن تأذَنَ لهُ، فَقالَ: يا رَباحُ، أسمِعْهُم، وقصر عنهُم المسيرَ، فإذا أسحَرْتَ (بلغت وقت السَحَر) فارْفَع. قالَ: وَحَدا لهُم من شِعرِ ضِرارِ بن الخطَّابِ، فرَفَعَ عَقيرَتَهَ يتغنى وهُم مُحرِمُونَ.
    (أثر حسن أخرجه الخطابي في "غريب الحديث"(1/658))
    قلت: فتأمل ما في هذَينِ الأثَرَينِ من سَماحَةِ المهاجِرينَ الأوَّلينَ، وفيهم عُمَرُ بن الخطابِ على ما هُوَ معروفْ عنه من شِدتِه في الحق، وهُم مُحرِمونَ، يغنيهم رجُلٌ منهم يُحسِنُ الغِناءَ بشِعرِ من شِعرِ العَرَبِ قبلَ الإسلامِ، يُؤنِسُهم بذلكَ، ويُذهِبُ عنهم وَحشَةَ الطريقِ، وثِقَلَ السفَرِ.
    وَهذا أولى وأحسن مِمَّا تقدَّمَ عَنِ ابنِ عُمَرَ في إنكارِ غِناءِ القَومِ المحرِمينَ، إلا أن يُحمَلَ على أنًه سَمِعَ منهم غِناء منكَراً في لفظهِ، أو سَمِعَهم يُغنْونَ في محل يَنبغَي فيهِ الاشتِغالُ بالعِبادَةِ، لا باللهو.

    3- وَعَن عَبْدِ اللّه بن عباس : أنه بَينَما هوَ يَسيرُ معَ عُمَرَ، في طَريقِ مَكةَ في خلافَتِهِ، ومَعَه المهاجِرونَ والأنصارُ، فترنمَ عُمَرُ ببييت، فقالَ له رَجل من أهلِ العِراقِ ليسَ معَهُ عِراقي غيرُهُ: غيرُكَ فليَقُلها يا أميرَ المؤمنينَ، فاستَحيا عُمَرُ من ذلكَ، وضَرَبَ راحِلَتَهُ حتى انقَطَعَت عن الركْبِ .
    (أثر صحيح أخرجه البيهقي (5/69) بإسناد صحيح)

    4- وَعَن أسلَمَ مَولى عُمَرَ بنِ الخطابِ، قالَ: سَمِعَ عُمَرُ رَجُلاً يَتَغنى بفَلاة مِنَ الأرضِ (وفىِ رِوايَة: وَهُوَ يَحدو بغِناءِ الركبانِ)، فَقالَ: الغِناءُ من زادِ الراكبِ.
    (أثر حسن أخرجه البيهقي (10/68) بإسناد حسن)

    5- وَعَن مُحمدِ بن عَبد الله بن نَوْفَلِ: انه رأى أسامَةَ بنَ زَيدٍ في مَسجِدِ الرسولِ مُضطَجِعاً، رافِعاً إحدَى رِجلَيهِ على الأخرى، يتغنى النصبَ .
    (أثر صحيح أخرجه البيهقي (10/225) و ابن عبد البر في "التمهيد" (22/197) و إسناده صحيح)

    6- وَعن عَبد الله بنِ عُتْبَةَ، أنه سَمِعَ عَبد َالله بنَ الأرقَمِ رافعاَ عَقيرَتَه يتغنى، قال عَبد الله: وَلا وَالله، ما رأيتُ رجُلَا قَط مِمن رأيتُ وأدرَكتُ، أراهُ قالَ: كانَ أخشَى لله من عبد الله بن الأرقَمِ.
    (أثر صحيح أخرجه البيهقي (10/225) بإسناد صحيح)

    قلتُ: وَجميعُ هذهِ الآثارِ في الغِناءِ الشعبي الدارجِ في أعرافِ الناسِ يومئذ، يُخففونَ بهِ وَيدفَعونَ السآَمَةَ عن أنفُسِهم، يُغنيهِ أحدُهم وَحدَه، أو يَسمَعُه منهُ غيرُهُ، لم يكونوا يَجدونَ فيهِ حَرَجاً.
    نَعم، هذا جَميعُهُ في الغِناءِ دونَ آلَة.

    7- وَتقدمَ ذكرُ الرٌوايَةِ عن أبي مَسعودِ عُقبَةَ بن عَمرِو وقَرَظَةَ بنِ كَعبِ وثابِتِ بنِ يزيدَ، وشُهودِهم الغِناءَ والضربَ بالدف في عُرسِ. وكَذلكَ ما في رِوايَةٍ صَحيحَةٍ عن أبي مَسعودِ عُقبَةَ بن عَمرٍو الأنصاريٌ من اجتِماعِهِ معَ نَفَرِ من الصحابَة على السماعِ من قَينَةِ تُغنيهم.
    (الروايتان جزء من حديث صحيح أخرجه النسائي و الطبراني و الحاكم و غيرهم)

    8- وَعن عُروَةَ بنِ الزبير:
    أن إتساناً عَمِلَ مأدُبَة في زَمانِ عُثمانَ، فَدَعا لَها أصحابَ رَسولِ الله ، وفيهم حَسانُ بنُ ثابتِ، وقد ذَهَبَ بَصَرُهُ، ومَعَه ابنُهُ عَبدُ الرحمن، قالَ: فجَعَلَ حسانُ يَقولُ لابنِهِ عَبد الرَّحمن إذا أتِيَ بطَعامِ: أطَعامُ يَد، أم طَعامُ يَدَينِ؟ قالَ: فإذا قالَ له: طَعامُ يَدَيْنِ، لم يأكُل، وهُوَ الشواءُ.
    قال عُروَةُ: وَكانَ في المأدُبَةِ قَينَتانِ تُغَنيانهم، وجَعَل عبدُ الرحمن بنُ حسانَ يُشيرُ إليهما تُغَنيانِهم شِعرَ حسانَ، فَغَنَّتا بقولهِ:
    انْظُر نَهاراً ببابِ جِلَّقَ هَلْ * تُؤْنِسُ دونَ البَلْقاءِ مِنْ أحَدِ؟
    قالَ: فبَكى حسانُ، وجَعَلَ ابنُهُ يُشيرُ إليهما تُغنيانِ بِشِعرِهِ أيضاَ، فيَبكي.
    (أثر حسن، أخرجه الزبير بن بكار في "الأخبار الموفَّقيات" ص:250.. و إسناده حسن)

    ورَوَى هذِهِ القصة أبو الزنادِ عَبْدُ اللّه بنُ ذَكوانَ، فَقالَ:
    قلتُ لخارجَةَ بن زَيدٍ : هَل كانَ الغِناءُ في العُرُساتِ؟ قالَ: قَد كانَ ذاكَ، وَلا يُحضَرُ بِما يُحضَرُ بهِ اليومَ مِنَ السفَهِ، دَعانا أخوالُنا بَنو نُبَيطٍ في مَدعاةٍ لهم، فَشَهِدَ المدعاةَ: حسانُ بنُ ثابتِ، وابنُهُ عبدُ الرحمنِ، وإذا جاريتانِ تُغَنيانِ...

    وَفي رِوايَة مُفسرَة بأكثَرَ من هذا، وفيها دَلائلُ، قالَ عَبْدُ الله بنُ ذَكْوانَ:
    ذُكِرَ عندَ خارجةَ بن زَيدِ بن ثابتِ الغِناءُ يَوْماً، فَقالَ: واللّه إن كانَ لَظاهِراَ كَثيراً في كُل مَأدُبَةِ، ولكنَّهُ يَؤمَئِذِ لم يَكُن يُحضَرُ فيما يُحْضَر اليومَ مِن سُوءِ الدَّعَةِ وسُوءِ الحالِ.
    قال خارجَةُ: فلقد رَأيتُنا في مَأدُبَةِ دُعِينا لَها في آلِ نُبَيط، وحَسانُ بنُ ثابتٍ بَيني وَبَيْنَهُ عبدُ الرحمن (يَعني ابنَ حسَّان)، وذلكَ بَعْدَما أصِيبَ بَصَرُهُ، فقُدِّمَ الطعامُ، فَلَم يُقَدم طَعام إلا قالَ حسانُ: أطَعامُ يَدِ يا بُنَي أم طَعامُ يَدَينِ؟ فيَقولُ: طَعامُ يد، وما أشبَهَهُ، حتَّى أتِيَ بالشواءِ، فَقالَ ابنُ حَسانَ: يا أبَتاهُ، طَعامُ يَدَينِ، فلم يَذُقهُ، ثم رُفِعَ الطعامُ، وأخرَجوا قَينَتَينِ، فغَنَّتا بشِعرِ حسانَ، لا أعلم إلا قالَ: حُرَّتَينِ، وقالَتا فيما تَقولان:

    انظر نَهاراَ ببابِ جِلَّقَ هَلْ * تُؤنِسُ دونَ البَلقاءِ من أحَدِ

    فجَعَلَ يَبكي وَيقولُ: لقد رَآني هنالكَ سَميعاً بَصيراً، فلما سكَتَتا همَدَ عنهُ البكاءُ، فيُشِيرُ إليهما عبد الرَحمنِ: غَنيا، فإذا غَنيا هاجَتا عليهِ البكاءَ، قال خارجَةُ: فعَجِبتُ لَعَمرُ الله، ماذا يُعجِبُهُ أن يُبكِيَ أباه!.

    قلتُ: وفي هذهِ القصة الغِناءُ من مُغنيَتينِ مُجيدَتينِ للغِناءِ، تُغنًيانِ الجَمعَ من الرجالِ من الصحابَة والتابعينَ في مُناسَبَةٍ ، لا يُنكَرُ ذلكَ أحد منهم.

    9- وعن سَعيدِ بن عَمرِو بنِ سَعيد بن العاصِ الأمَوي، قالَ:
    وَفَدَ عَبدالله بن جَعفَرٍ على مُعاويةَ بن أبي سُفيانَ، فأنزَلَهُ في دارهِ، فقالَت لَهُ ابنَةُ قَرَظَة امرَأتُهُ: إن جارَكَ هذا يَسمَعُ الغِناءَ، قالَ: فَإذا كانَ ذلكَ فأعلِميني، فاْعلَمَتهُ، فاطلَعَ عليهِ، فإذا جارَية لهُ تُغَنيهِ، وَهيَ تَقولُ:

    إنكَ والله لذو مَلَّةِ (ذو ملل) * يَطْرِفُكَ الأدْنى عَنِ الأبْعَدِ (أي تستطرف الجديد و تنسى القديم)

    وَهُوَ يقولُ: يا صِدْقَكاه! قالَ: ثُمَّ قالَ: اسقيني، قالت: ما أسقِيكَ؟ قالَ: ماء وعَسَلًا، قالَ: فاتصَرَفَ مُعاويةُ وَهُوَ يَقولُ: ما أرَى بَأساَ، فلما كانَ بعدَ ذلكَ قالت لهُ: إن جارَكَ هذا لا يَدَعُنا نَنامُ الليلَ من قِراءَة القراَنِ، قالَ: هكَذا قَومي، رُهبان بالليلِ، مُلوكْ بالنهارِ .
    (أثر لا بأس به.. أخرجه المعافى بن زكريا النهرَواني في "الجَليس الصالح" (3/272-237) ، ومن طريقهِ: ابن عَساكِرَ في "تاريخه " (27/263).
    وإسنادُهُ صالح، رِجالهُ ثقاتْ سِوى راوِيين فهُما مَستورانِ، وبابُ الآثار يُغتَفَرُ
    فيهِ ما لا يغتَفَرُ في الحديثِ، لأنها لا تَعدو أنَ تُعَد شَواهِدَ، ورواياتُ المستورينَ
    صالحَة للاستِشهادِ.)

    وشأنُ عَبدِالله بنِ جَعفر في السماعِ للغِناءِ والمعازفِ واتِّخاذِ ذلكَ مَشهور ثابِت، ومن ذلكَ غيرُ ما تقدمَ مِمَّا يضُم إليهِ أيضاً مَذهَبَ عَبدالله بن عُمَرَ بن الخطابِ في الترخيصِ:
    ما حدَّثَ بهِ مُحمدُ بنُ سِيرينَ: أن رَجُلاً قَدِمَ المدينَةَ بجَوارِ، (فنَزَلَ على ابنِ عُمَرَ، وفيهم جارَيةْ تَضرِبُ، فجاءَ رَجُلْ فساوَمَهُ، فلم يَهوَ منهُن شياَ، قالَ: اتطَلِق إلى رَجُلِ هُوَ أمثَلُ لكَ بَيعاً من هذا)، فأتَى إلى عَبد ِاللّه بنِ جَعْفَرِ، فعَرَضَهُن عليهِ، فأمَرَ جارَيةَ منهُن (فقالَ: خُذِي)، فأخَذَت (في رِوايَةٍ : بالدف، وفىِ أخرى: بالعُودِ)، حتى ظَن ابنُ عُمَرَ أنهُ قد نَظَرَ إلى ذلكَ، فقالَ ابنُ عُمَرَ: حَسبُكَ سائرَ اليومِ من مَزْمورِ الشيطانِ، فَساوَمَهُ، ثُم جاءَ الرجلُ إلى ابنِ عُمَرَ، فَقالَ: يا أبا عَبدِالرحمنِ، إني غُبِنتُ بِسَبعِ مئةِ دِرهَم، فأتَى ابنُ عُمَرَ إلى عبدِ اللَه بن جَعفَرٍ فَقالَ لهُ: إنهُ غُبِنَ بسَبعِ مئةِ دِرهَمٍ ، فإما أن تُعطِيَها أياهُ، وَإما أن تَرُد عليهِ بَيعَهُ، فقالَ: بل نُعطِيها أياهُ.
    (أخرجها ابن حزم في "المحلى" (9/62-63))

    قلتُ: وَقَد قالَ بعضُ المتأخرينَ: أينَ يَكونُ عَبدُالله بنُ جَعفر من كِبارِ فُقهاءِ الصًحابَةِ، كعَبد الله بن عُمَر وفُلان وفُلانِ؟ وأقولُ: هذا مَذهَبُ ابنِ عُمَرَ بَيِّنٌ، وقصتُهُ في حَديثِ زَمَّارَةِ الراعي تَشهَدُ لهذا أيضأً.
    على أن عَبدَ الله بنَ جَعفَير وإن لم يكُن في الكِبارِ المذكورينَ من فُقهاءِ الصحابَة، ولكنه كانَ مَحمودَ السيرَةِ كَبيرَ المكانَةِ في وَقت كانَ فُقهاءُ الصحابَة مُتوافرينَ، يَعرِفونَ لهُ قدرهُ ومنزِلَتَه، وشأنُهُ في الغِناءِ والموسيقَى واتخاذِ المغنِّياتِ مَشهور مَذكور، وما أنكَرَ عليهِ أولئكَ الفُقهاءُ شَياً من ذلكَ، ولم يكُن مثلُهُ في المحلٌ الذي يَخشَاه بسَبَبِهِ مثلُ عبدالله بن عُمَرَ وأبي هُرَيرَةَ وعائِشةَ أم المؤمنينَ وجابرِ بن عبداللّه، وأمثالهم من الصحابَة بالمدينَةِ.
    وًيكفيهِ تَزكِيَة في الجُملَةِ مَدْحُ رَسولِ الله ودُعاؤُهُ لَه، حيثُ ذَكَرَ عَبدُ اللّه بنُ جعفَرٍ في قصة مَجيءِ النبى لآلِ جَعفَر بن أبي طالب بعدَ مُرورِ ثَلاثِ لَيالىِ على استِشهادِهِ، عَنِ النبي قالَ:" ادعُ لي ابَني أخي"، قالَ: فجيءَ بِنا كأنا أفْرُخ، فقالَ: "ادعوا لي الحلاقَ"، فجيءَ بالحلاقِ، فحَلَقَ رءوسَنا، ثُم قالَ:" أمَّا مُحمد، فَشَبيهُ عَمنا أبي طالب، وأما عَبدُ الله فَشَبيهُ خَلْقِي وخُلُقِي"، ثُم أخَذَ بيَدي فأشالَها، فقالَ:"اللهَُم اخلُص جَعفراً في أهلِهِ، وَبارِك لعَبد اللّه في صَفقَةِ يَمينِهِ " قالَها ثَلاثَ مِرات (حديث صحيح أخرجه أحمد.. رقم 1750).

    وفي قِصتِهِ معَ ابنِ عُمَرَ، إباحَةُ ابنِ عُمَرَ بَيْعَ الجارَيةِ المغنًيَةِ، معَ اعتِبارِ إجادَتِها للغِناءِ في القيمَةِ، وَهذا أحسن وأولَى بالاتًباعِ مِن قول مَن جاءَ بَعْدُ من الفُقهاءِ، كما سيأتي في مَوضِعِهِ.

    10- وَعَن أمٌ عَلقَمَةَ مولاةِ عائشةَ:
    أن بَناتِ أخي عائشةَ "ر" خُفِضنَ ، فأَلِمنَ ذلكَ، فَقيلَ لعائشةَ: يا أم المؤمِنينَ، ألَا نَدعُو لَهُن مَن يُلهِيهن؟ قالَت: بَلى، قالَت: فأرْسِلَ إلى فُلانٍ المغني، فأَتاهُم، فَمَرَّتْ بهِ عائشَةُ "ر" في البَيتِ، فرأَتهُ يَتَغَنى ويُحَركُ رأسَه طَرَباَ، وكانَ ذا شَعرِ كَثير، فَقالَت عائشَةُ "ر": أُف، شَيطانُ، أخرِجُوهُ، أخرِجُوهُ، فَأخرَجوهُ.

    فهذا الخبَر شاهِد لشُهرةِ الغِناءِ في المدينَةِ في زَمانِ أمً المؤمنينَ عائشةَ، وكانَ له من يَتعاطاهُ حِرفةَ من الرجالِ، على ما هُوَ ظاهِرُ الخبَرِ، وهنا أتِيَ بالمغني ليُغنيَ حيثُ النًساءُ والجَواري، وفي مُناسَبَةِ خِتانِ، وكُل ذلكَ تقرهُ عائشَةُ، وإنما انكَرَت ما رأتهُ عليهِ من الحالِ والهَيةِ.

    11- وَعن خالدِ بنِ ذَكوانَ، قالَ: كُنا بالمدينَةِ يومَ عاشُوارءَ، والجَواري يَضرِبنَ بالدف ويتغنينَ، فدخَلنا على الرُبَيعِ بنتِ مُعَوِّذٍ ، فذكَرنا ذلكَ لَها، فقالَت: دَخَلَ علي رَسولُ الله صَبيحَةَ عُرسِي، وعندِي جارَيتانِ تتغنيانِ وتَنْدُبانِ آبائيَ الذينَ قُتِلُوا يومَ بدرِ، وَتقولانِ فيما تَقولانِ: وَفينا نبي يَعلَمُ ما في غَدِ، فقالَ: "أمَّا هذا فلا تَقولوهُ، ما يَعلَمُ ما في غَدِ إلا اللهُ " .
    (أخرجه ابن ماجة (رقم :1897) و إسناده صحيح)

    وهذا فيهِ إظهارُ الصوت بالعَزفِ والغِناءِ في يَؤمِ عاشُوراءَ، وكانَ يَوماً يَفرَحُ فيهِ المسلِمُونَ، وليسَ بفِطْرِ ولا أضحَى وَلا عُرسٍ ، وحين ذُكِرَ ذلكَ الصنيعُ للربيِّعِ استدلت لهُ بالإذنِ النبوي بمِثْلِهِ في عُرسِها، فَفَهِمَت من ذلكَ الإذنِ الفسحَةَ في كُل مُناسَبة دونَ قَصر على سَبَبِ وُرودِ القول النَّبوي، وهُوَ العُرسُ.
    كَما أن ظاهِرَ القصة سَماعُ الرجالِ للغِناءِ من الجَواري.

    12- وَسُئلَ الحسَنُ البصري عَنِ الحُداء؟ فقالَ: كانَ المسلِمونَ يَفعَلونَهُ .
    (أخرجه ابن أبي شيبة (4/263-القسم المستدرك) و إسناده لا بأس به)

    قلتُ: ومثلُ الحسَنِ إذا قالَ: (كانُوا) فإنَّما يَعني أصحابَ النَّبيٌ ، والحِداءُ غِناء.

    فهذهِ الآثار الثابِتةُ صَريحَة في ترخصِ خيرِ النَّاسِ بعْدَ رَسولِ الله في الغِناءِ، وهِيَ مَعَ ما يُظَن مُعارَضتُه لها، جَميعُهُ مُتوافق غيرُ مُتعارضِ، وذلكَ على التأويلِ المناسِبِ لِما تقدَّم من النصوصِ الصحيحَةِ.
    وأصحابُ النبي مَثَلُ الأمةِ الأعلى في الاقتِداءِ بعدَ رَسولِها ، كانُوا يأخُذونَ من اللهوِ ما يَدْفَعُ الملَلَ، وما يتحققُ بهِ العَونُ على العَودَةِ إلى الجِد، لَم يَكونوا يَرَونَ ذلكَ عَيباً ولا مَتقَصَة، فَضلَا عن كونِهِ مُخالفة أو مَعصِيَة.
    وقَد صَح عن أبي سَلَمَةَ بن عَبدالرحمن، قالَ: لم يَكُن أصحاب رَسولِ الله مُتحرِّفينَ، وَكانوا يَتَناشَدونَ الشعر في مَجالسِهم، وَيذكُرونَ أمرَ جاهليتهم، فإذا أُريدَ أحَدُهُم على شَيءِ من دينِهِ دارَت حَماليقُ عَينَيهِ كأنه مَجنون.
    (أثر صحيح .. أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "زوائد كتاب الزهد"(ص: 215) و إسناده صحيح)

    وعَن بَكرِ بن عَبداللّه المُزنيِّ، قالَ: كانَ أصحابُ رَسولِ الله يَتَبادَحونَ (يترامون) بالبطيخِ، فإذا كانَت الحقائقُ كانُوا هُمُ الرجالَ .
    (أثر صحيح. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" رقم 266)

    قلتُ: أي يأخُذونَ من اللهو، ويتسلونَ ويتَمازَحونَ، ومن ذلكَ اللهوُ بالسماعِ غِناء وإنشاداً واستِماعاَ، ما دامَ ذلكَ مِما لا يحولُ بينَهم وبينَ القِيامِ بحُقوقِ اللهَ.
    فإذا كانَ هذا حالَ أصحابِ النبي ، فحالُ مَن بَعدَهم دونَهم في الصبرِ على الجِد ومُداوَمَتهِ في جَميعِ الأحوالِ.

    خلاصة مذاهب الصحابة:
    المنقولُ عنهم في ذلكَ بالأسانيدِ الثابَتَةِ يدل على أنهم لم يكونوا يَرَونَ حُرمَة الغِناءِ، وليسَ في عِبارَةِ من عِباراتِهم ما يدل على الحُرمَة لأصلِ الغِناء غايَةُ ما يُستَفادُ من بعضها كَراهَةُ الغِناءِ في وَقتِ يَنبغي فيه الاشتِغالُ بِما هُوَ أولى.
    وَكذلكَ ليسَ في شيءِ من كلامِهم تَحريمُ الموسيقى، إلا ما جاءَ عن ابنِ عبَّاس وحدَهُ على نَظَرِ في ثُبوتِهِ، ولو صَح فهُوَ مَحمول على اتخاذِها وسائلَ للمعاصِي، لا مُطلَقاً، تَنزيلاً لقولهِ على مُوافَقَةِ مُقتَضى الأدلةِ في هذا البابِ.
    وأن الإباحَةَ المستَفادَةَ من سُلوكِ الصحابَة لا تَنحَصِرُ في عُرسِ أو عِيدٍ ، بل في الأحوالِ المختَلِفَةِ.
     
  2. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      30-08-2007 02:47
    الموسيقى و الغناء في مذاهب من بعد الصحابة

    جاءَ عَن جَماعَةِ من أئمةِ السلَفِ من التابعينَ فَمَن بَعدَهُم تَفسيرُ قولهِ تعالى: (و من الناس من يشتري لهو الحديث..) لقمان: 6، بالغِناءِ.
    صَح ذلكَ عن مُجاهِدِ بن جَبرِ المكيً ، وعِكرِمَةَ مولى ابنِ عباس ، وإبراهيمَ بن يَزيدَ النخَعي ، وَحَبيبِ بن أبي ثابتِ الكوفي، وَمَكحولِ الشافي.
    وَمِن قول مُجاهِدٍ في ذلكَ أيضاَ: الغِناءُ، والاستِماعُ لَهُ، وكُل لَهوِ. وفي رِوايَةِ: المغنيَ والمغنيَةَ بالمالِ الكَثيرِ، أو استِماع إليهِ، أو إلى مثلِهِ من الباطلِ.
    وَقالَ مَكحولْ: مَن اشتَرى جاريَةً لا يَشتَريها إلا للغِناءِ، فهُوَ ممن قالَ الله عَز وجل فيهم: (و من الناس من يشتري لهو الحديث). وفي رِوايَةِ قالَ: الجَواري الضارِباتُ.
    قلتُ: وإنما معنى الآية ما تقدَمَ شَرحُهُ وبَيانُهُ، حينَ يُستَعمَلُ الغِناءُ للإضلالِ بهِ عن سَبيلِ الله، شأنُهُ شأنُ كُل كلامِ ولَهو يُتخَذُ لذلكَ الغَرَضِ، حتى وإن كانَ حقا في نَفسِهِ، فإن الكلمَةَ تَكونُ حقا في نَفْسِها قد تُستَعمَلُ في الباطِلِ والهَوَى والصدً عن سَبيلِ الله، وحَملُ الآية على أن يُرادَ باللهوِ فيها الغِناءُ مُطلقاً، فهذا غَلَط تردهُ الأدلةُ.
    وَعَن عِكرِمَةَ في قولِهِ تعالى: (و أنتم سامدون) قالَ: هو الغناء بالحِميَرية. قلتُ: وتقدمَ عنْهُ ما يَدلُّ على معنى ما أرادَ هُنا، انه ليسَ الذم للغِناءِ بإطلاقِ، وإنما هُوَ في شأنِ من يَصُد عن القرآنِ مُشتغلاً بالغِناءِ عتهُ، على ما دل عليهِ بقيةُ سِياقِ الآيِ.
    وَصَح عَن سَعيدِ بن المسيبِ، قالَ: إني لأبعض الغناء و أحب الرجز. وَعَن عامِرِ الشعبي: انه كَرِهَ أجرَ المغنيَةِ.
    وَقالَ إبراهيمُ بنُ يزيدَ النخَعي: الغِناءُ يُتبِتُ النفاقَ في القلبِ.
    وقال الفُضَيلُ بنُ عِياضِ: الغِناءُ رُقْيَةُ الزِنا.

    قلتُ: وهذهِ الآثار جَميعاَ لا تدل على تَحريمٍ من قائليها، إنما تذم الغِناء الذي يثيرُ الشهَواتِ أو يَقودُ إلى المعاصِي، وليسَ في هذا تَحريم للغِناءِ لذاتِهِ ولا في أصلهِ.

    وَمِما حُكِيَ عنهُم في ذَمٌ الغِناءِ ولم يَثبُت: ما رُوِيَ عَنِ القاسِمِ بنِ مُحمد أنه كانَ يَتهَى عَنِ الغِناءِ، ولا يُحَزمُهُ. وعَن عامرٍ الشعبي لَعنَهُ المغني والمغنى له. وَعن عُمَرَ بن عَبدالعَزيزِ أنه أمَرَ مُؤدبَ أولادِهِ أن يَحولَ بينَهم وبينَ حُضورِ المعازفِ والأغاني لكونِ ذلكَ يُتبِتُ النفاق في القلبِ.
    كذلكَ ذكرنا من قبل ما ورد عن مُجاهدِ ومُحمدِ بن الحنفيةِ والحَسَنِ البصريٌ في تَفسيرِ: "لا يشهدون الزور" بالغِناءِ، ولا يَثبتُ. وأما المنقولُ عنهُم في أدواتِ الموسيقَى من الذمٌ مِا ثَبَتَ إسنادُهُ:
    فعَن أبي حَصِين عُثمانَ بن عاصِمِ الأسَديٌ (وَكانَ ثقةَ ثَبتاً): اْن رَجُلاً كَسَرَ طُنبوراً لرَجُلِ، فخاصَمَهُ إلى شُرَيحٍ ، فلم يُضَمنْهُ شَياً .
    وَعَن شُرَيح، أئه سَمِعَ صوت دف، فقالَ: الملإنكةُ لا يَدخُلونَ بَيتاً فيهِ دف.
    وعَنِ الحَسَنِ البَصري: أنهُ كانَ إذا دُعِيَ إلى الوَليمةِ يَقولُ: أفيها بَرابطُ؟ فإن قيلَ: نعم، قالَ: لا دَغوَةَ لهُم، ولا نعمةَ عينِ.
    وَعن أيوبَ السختِياني، قالَ: سُئِلَ إياسْ (يعني ابنَ معاوَيةَ) عنِ البَرْبَطِ؟ فقالَ: لَو أمِرتُ أن أميًزَ عَمَلَ أهلِ الجنةِ من عَمَلِ أهْلِ النَّارِ، لم أجعَل البَربَطَ من عَمَلِ أهلِ الجنةِ.
    وَقالَ إبراهيمُ النخَعيُّ: كانَ أصحابُ عَبد الله (يَعني ابنَ مَسعودِ) يَستَقبِلونَ الجَواريَ مَعهن الدفوفُ في الطرُقِ، فَيَخْرِقونَها.

    وَرُوَيت آثاز لم يَثبُت منها شيء عَمن عُزِيَت إليه من السلَفِ، فَمِنَ التَّابعينَ:
    رُوِيَ عَن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ: إن الملإنكةَ لا تَدخُلُ بيتاً فيهِ دُف.
    وَعَن عليٌ بن الحُسَينِ في ذم البربط.
    وَعَنِ الأوزاعي، قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بنُ عبدِالعَزيزِ إلى عُمَرَ بنِ الوَليدِ كِتاباً فيهِ: وَإظهارُكَ المعازفَ والمزمارَ بِدعَة في الإسلامِ . وَرُوِيَ عتهُ أنه كتَبَ إلى عُمَّالِه: وَقَد كانَت هذهِ الأعاجِمُ تلهو بأشياءَ زَينَها الشيطانُ لهم، فازجُر مَن قِبَلَكَ من المسلمينَ عن ذلكَ، فلعَمرِي لَقَد آنَ لهم أن يَترُكُوا ذلكَ معَ ما يقرأونَ من كتابِ الله، فازجُز عن ذلكَ الباطلِ واللهو من الغِناءِ وَما أشبَهَه، فإن لم يَتتَهوا فنَكل مَن أتى ذلكَ منهم، غيرَ مُتَعَد في النكالِ. وَحُكِيَ عنة أيضاً: أنه كَتَبَ بقَطْعِ اللهو كُلهِ إلا الدف وَحدَهُ بالعُرسِ.
    وَعَن الحَسَنِ البصري: صوتانِ مَلعونانِ: مِزماز عندَ نِعمَةِ، وَرَنَّة عندَ مُصيبَةٍ.
    وَعَتهُ أيضاَ: ليسَ الدف من سُنةِ المسلمينَ في شَيءِ. وَتَقدمَ عن مُجاهدِ تَفسيرُ لَهوَ اَلحَدِيث، بالطبلِ، وتَفسيرُ (وَاَسْتَفزِز مَنِ اَستطعت مِنهُم بِصَوْتِكَ)، بالمزامير.

    وَمِن أتباعِ التابعينَ مِمن جاءَ عتهُم ذم المعازِفِ ولا يَصح:
    عن زُبَيدِ بن الحارثِ اليامي أئه أخَذَ من صَبي زَمارةَ فشَقها، ثُم قالَ: لا يَنبَغي هذا .
    كَما رُوِيَ عنه: أنه كانَ إذا دُعِيَ إلى العُرسِ فإن سَمِعَ صوت بربط أو مِزمارٍ لم يَدخُل.
    وَفي طَبَقَة بعدَ هؤلاءِ الأعلامِ مِمن جاءَ عنهُم الإنكارُ أو الذم، جَماعة، فمن أعيانِهم:
    أبو عَمرو الأوزاعي، فإئه كانَ يَقولُ: لا يَدخُلُ وليمةً فيها طبل ولا مِعزاف.
    وَثَبَت عنهُ الترخيصُ بالدُفٌ يُضرَبُ بهِ سِرا يومَ العيدِ، فعَن عُمَرَ بنِ عَبد ِالواحدِ، قالَ: سَألتُ الأوزاعِيَ عَنِ الجَوارِي يَضرِبنَ بالدفٌ سِرا يَومَ العِيدِ؟ فَلم يَرَ بهِ بأساَ.
    قلتُ: فهذهِ الآثار عن هؤلاءِ العُلَماءِ من السلَفِ في المعازِفِ ظاهِرَة منهُم في عَيبِها وإتكارِها، لكن ليسَ في عِبارَةِ واحدِ منهم ما يدل على أنه كانَ يَذْهَبُ إلى تَحريمِها، كَذلكَ فالذم لَها جائر أن يَكونَ للغَرَضِ ائذي اتخِذَت لأجلِهِ، لا سيما معَ استِحضارِ الحالِ في زَمانِ التابعينَ وبَعدَهم من توسُّعِ الناسِ في الملاهِي، وشُهرَةِ بهضِ أهلِها بالفِسق والخَمرِ.
    كَما تُلاحِظُ هؤلاءِ الذامينَ الَّذينَ ثبَت عنهم النقلُ كانُوا جَميعاً من أهلِ العراقِ، سِوَى الأوزاعي فشامي، وكانَ عُلماءُ العراقِ يُشددونَ في إنكارِ الغِناءِ والمعازِفِ، كما رأيتَ في صَنيعِ أصحاب عبداللّه بن مَسعودِ من تَشقيقِ الدفوفِ، وهذا صَنيع تردهُ سُنةُ النبي ، أن تُخرقَ الدفوفُ بأيدي الصبيانِ وقَد أبيحَت في بَيتِ النبوةِ.
    ونبهتُ من قَبلُ على أن إتلافَ الآلَةِ التي تُستَعمَلُ في الفَسادِ مَشروعْ، وإن كانَت الآلَةُ في أصلِها جائزَةَ، لكن ليسَ الدف في أيدي الصبيانِ من ذلكَ، إنما جائز أن يكونَ منه إسقاطُ شُرَيح الضمانَ عمن كَسَرَ الآلَةَ.
    ؤأما أنَ الملإنكةَ لا تدخُلُ بيتاً فيهِ دف، فهذا لا يُسلََّمُ بحالٍ ، إذ لا يَجوزُ ادعاءُ مثلهِ إلا بدليلِ من الشارعِ، ولم يوجَد، خُصوصاً معَ إباحَةِ الشريعَةِ للدفوفِ، وأولى البُيوتِ بدخولِ الملإنكةِ بَيتُ رَسُولِ الله ، وَقَد ضُرِبَ فيهِ بالدف.
    فإن قلتَ: كيفَ يًقَعُ من مثلِ الحَسَنِ البصري أن يَدَع حُضورَ الوَليمَةِ من أجلِ المعازِفِ، وليسَت بحَرامٍ ؟
    قلتُ: جائر انه لم يكن يَرى وُجوبَ حُضورِها، إذ ليسَ كُل دَعوَةٍ واجِبَةَ الحُضورِ، وَيجوزُ التخففُ عن حُضورِ الدغوَةِ للمَكروهِ يَكونُ فيها، في تَفصيلِ ليسَ هذا محله.
    أمَّا ما رُوِيَ عن وَكيعِ بن الجراحِ، قالَ: خُذ الطنبورَ فاكسِرْهُ على رَأسِ صاحبهِ، كَما فَعَلَ ابنُ عُمَرَ.
    وَعَتهُ قالَ: ليسَ للمَعاصِي قِيمَةْ، مثلُ الطنبورِ وشِبهِهِ.
    فهذا من أقدَمِ العِباراتِ المصرِّحَةِ بكونِ المعازِفِ كالطنبورِ من المعاصِي، ووَكيع من أتباعِ التابعينَ من طَبَقَةِ الشافعي، غلَبَ عليهِ الزْهدُ والحديثُ، لا الاشتِغالُ بالفقهِ، وَما ذهَبَ إليهِ جائزٌ أن يَكونَ مردهُ إلى الأحاديثِ الضعيفَةِ والواهِيَةِ التي وردت في تَحريمِ الآلات.
    وقد وَتقَ متهُ ههُنا الاستِدلالُ على كَسِ آلَةِ المعازِفِ بفعل ابنِ عُمَرَ، وهُواستِدلاليوهِمُ بظاهِرِه ان ابنَ عُمَرَ كَسَرَ الطنبورَ الي هُوَ العودُ أو شِبُهُ على رأسِ صاحِبِهِ، وليسَ كذلكَ، وإنما الرايَةُ عنِ ابنِ عَرَ في كَسِ لُعَةِ تُسمى (الشهاردَه) أو (الأربع عَشرَة) كانُوا يَلهونَ بها. فقد صَح عن عبداللّه بن عُمَرَ انه رأى مَعَ بعضِ أهلِهِ أربَعَ عَشرَةَ، فكَسَرها على رأسِهِ.
    قلتُ: فلما رأى وَكيع الطنبورَ آلةَ المنكَرِ استدل على كَسرِها على رأسِ صاحبها بكَسرِ ابنِ عُمَرَ الشهاردَة على رأسِ مُتخِذِها، وهذا فيما أرى استدلال غيرُ مُطابقِ لِما صَنَعَ ابنُ عُمَرَ، حتَّى لو سلمنا كونَ الطنبور مُنكراً على مثلِ ما رأى ابن عُمَرَ في الشَهاردَة، فإن ابنَ عُمَر إنما فَعَلَ ذلكَ ببَعضِ أهلِهِ الذينَ هم تحتَ رِعايَتِهِ ومسؤوليَّتِه، وليسَ كذلكَ في حقً الأجنبي، ووَكيع أطلَقها رأياَ، وهذا لو فُعِلَ على ما ذَهَبَ إليهِ وَكيع لكانَ اعتداءَ على الغيرِ في نفسِه ومالهِ، وهذه صُوَر يَختلفُ فيها الرأيُ، فلا يَحِل لأحَد أن يَحمِلَ فيها الناسَ على رأيِهِ. على أن رأيَ الصحابي لا يُسلَّمُ حُجةَ في الدين، إنما هُوَ اجتِهادٌ يَجوزُ خِلافُهُ، ولا يَمتَنِعُ رَدهُ.

    مَذاهِبُ للسَّلَف جارِيَة على أصْلِ الإباحَةِ:
    مِما ثَبَتَت بهِ الرًوايَةُ عَن أئمةِ السَّلَفِ:
    عَن إبراهيمَ بن عبد الأعلى الجعفيً (وكانَ ثقة)، قالَ: كانَ سُوَيدُ بنُ غَفَلَةَ يأمُرُ غُلاماً له فَيَحدو لَنا .
    (أثر صحيح.. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(4/263) قسم المستدرك)

    قلتُ: وَسُويدْ هذا من سادَةِ كِبارِ التابعينَ، بلْ كانَ مُخَضرَماَ أدرَكَ اِلجاهليةَ، ورَحَلَ ليَرى النبي فوصَلَ المدينَةَ حينَ فرغً المسلِمونَ من دفنه.

    وعَن غُنَيمَةَ جارِيةِ سَعيدِ بن المسيبِ، قالَت: كانَ سَعيد لا يأذَنُ لابنَتِه في اللعب ببَناتِ العاج، وَكانَ يُرَخصُ لَها في الكَبَرِ، يعني الطبلَ.
    (أخرجه ابن سعد في "الطبقات" بإسناد صالح)

    وَعَن عَبد ِالملكِ بن عَبد ِالعَزيزِ بنِ جُرَيج، قالَ: سَألتُ عَطاء (هُوَ ابنُ أبي رَباحِ) عَنِ الغِناءِ بالشعرِ؟ فَقالَ: لا أرَى بهِ بأساً، ما لَم يَكُن فُحشاَ.
    (أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/225) و إسناده صحيح)
    وَفي لَفظ، قالَ: لا بَأسَ بِالغِناءِ وَالحُداءِ وَالشعر للمُحرمِ، مَا لَم يَكُن فُحشاً.
    وعَق إياسِ بنِ مُعاوَيةَ، وَذكَرَ الغِناءَ، فَقالَ: هُوَ بمنزِلَةِ الرِّيحِ، يَدخُلُ في هذِهِ، ويَخرُجُ من هذِهِ.
    قالَ سُفيانُ بنُ عُيينَة، وقد حدث بهذا: يَذْهب إلى أنه لا بأسَ بهِ .
    (أخرجه الفاكهي (رقم:1727) ووكيع في "أخبار القضاة" بإسناد حسن)

    وَعن عبد الله بنِ عَون، قالَ: كانَ في آلِ مُحمدِ (يَعني ابنَ سيرينَ) مِلاك (عقد زواج)، فلما أن فَرَغوا ورَجَعَ مُحمد إلى منزلِهِ قالَ لَهُن: وأينَ طعامُكُن؟ قالَ ابنُ عَون: يَعني الدْف .
    (أخرَجَه ابنُ أبي شَيبةَ في "مُصنفه"(1/193) وإسنادُهُ صَحيح)

    وَعن هِشامِ بنِ حسانَ: ان مُحمد بنَ سيرينَ كانَ يُعجِبُهُ ضربُ الدف عندَ المِلاكِ.

    وَقالَ يَزيدُ بنُ هارونَ: قَدِمَ عِكرِمَةُ (يعني مولى ابنِ عباس) البصرَةَ، وأتاهُ أيوب (يعني السَّختِياني) وسُلَيمانُ التيمي ويونُسُ بنُ عُبيد، فبَينَما هو يُحدثهم إذ سَمِعَ صوت غناءٍ ، فقالَ عكرِمَةُ: اسكُتوا، ثُم قالَ: قاتَلَه اللّه، لقَد أجادَ (أو قالَ: ما أجوَد ما غنى).

    وَعن المغِيرَةِ بنِ مِقسَمِ الضبي (وَكانَ من ثِقاتِ الكوفيين وفُقهائهم)، قالَ: كانَ عَونُ بنُ عَبد الله يَقُص، فَإذا فَرَغَ أمَرَ جاريةَ لَهُ تَقُص وَتُطَرب.
    قالَ مُغيرَةُ: فأرسَلتُ إليهِ أو أرَدت أن أرسلَ إليهِ: إنك مِن أهلِ بَيتِ صِدق ، وإن اللّه لم يَبعَث نَبِيهُ بالحُمقِ، وإن صَنيعَكَ هذا صَنيعُ أحمق.

    قلتُ: عَون هذا هُوَ ابنُ عَبد الله بنِ عُتبَةَ بن مَسعودٍ الهذلي من خِيارِ التابعينَ من أهلِ الكوفَةِ وعُبادِهم وثِقاتِهم، وَما عابَهُ عليهِ مُغيرَةُ فمن أجل أنه كانَ يأمُرُ جاريتَهُ أن تَفعل ذلكَ أمامَ الرجالِ، فتقص عليهم بصوت شَجي يَقَعُ أثَرُهُ من نُفوسِهم، ورُبما كانَ ذلكَ بإنشادِ وغيرِه.
    ولَيسَ قول مُغيرَةَ أولى بالصوابِ من صَنيعِ عَون، ولو كانَ هذا مُنكراً لكانَ قدحاً في عَون ، فكأن مُغيرَةَ أرادَ لعَون أن يَرتَفِعَ مثلُهُ عن مثلِ هذا، لمنزلتِهِ وفَضلِهِ، وهذا عائد إلى ما تَستَحسِنُهُ العُقولُ، لا إلى أحكامِ الحلالِ والحرامِ، وَلا يَخلو أن يَكونَ للعُزفِ فيهِ تأثير.
    وَحُكِيَ غَيرُ ذلكَ عَن سَعيدِ بن المسيبِ ، وَعَطاءِ بن أبي رَباح ، وسَعيدِ بنِ جُبير ، وخالدِ بن مَعْدانَ و ذلك بأسانيد ضعيفة.
    وَكانَ أمرُ الغِناءِ والعَزفِ من مَشهورِ أمرِ آلِ الماجِشونِ من فُقهاءِ المدينَةِ، من التابعينَ فمَن بَعدَهم.
    والماجِشونُ هُو لَقَبُ يَعقوبَ بنِ أبي سَلَمَةَ ، جَرى هذا اللقَبُ عليه وعلى اَلِ بَيتِهِ وبَني أخيهِ عبدالله، وكانَ من جُلَساءِ عُمَرَ بنِ عَبدالعَزيزِ وعُروَةَ بنِ الربيرِ، وهُوَ مَعدود في التابعينَ، منَ الثقاتِ، قالَ مُصْعَبُ بنُ عَبداللّه الزبَيري: "كانَ يُعلمُ الغِناءَ، ويتخِذُ القِيانَ، ظاهراَ من أمرِهِ في ذلكَ "، قالَ: "وكانَ أول مَن علمَ الغِناءَ من أهلِ المروءَةِ".
    وَابنُهُ يُوسُفُ، كانَ من الثقاتِ من أهلِ المدينَةِ، رَوى عن الزهري وغيرِه، وطالَ عُمُرُهُ حتى أدرَكَهُ الإمامانِ يحيى بن مَعينِ وأحمَدُ بنُ حنبلِ وطَبَقَتُهما، وكانَ يحيى بنُ مَعينِ يَقولُ: "كُنا نأتيهِ فيُحدثنا في بَيتٍ ، وَجَوارٍ له في بيتِ آخَرَ يَضرِبن بالمِعزَفةِ.
    وَقالَ الخليلي: هُوَ وإخوَتُهُ يُرَخصونَ في السماعِ، وذكَرَ عن يحيى بنِ مَعين حِكايَتَهُ، ثُم أتبَعَها بقولِهِ:"هُوَ وإخوَتُهُ وابنُ عمهِ يعْرَفونَ بذلكَ، وهُم في الحديثِ ثِقاتَ، مخرجونَ في الصحاحِ".
    وَقالَ الحافِظُ الذهبي بعدَ ذِكرِ الحِكايَةِ عنِ ابنِ مَعينٍ : "أهلُ المدينَةِ يَتَرَخصونَ في الغِناءِ، فم مَعرُوفونَ بالتسَمح فيهِ، وَرُوِيَ عَن النبي : إن الأنصارَ يُغجِبُهُم اللهو".
    وابنُ أخي الماجِشون عَبدُ العَزيزِ بن عَبد الله بن أبي سَلَمةَ، من أتباعِ التابعينَ، كانَ مُفتيَ المدينَةِ وفَقيهَها وعالِمَها معَ مالكِ بن أنسٍ ، قالَ عَبد الله بنُ وَفبِ المصري: حَجَجتُ سَنَةَ ثَمانِ وأربَعينَ ومِئَةِ، وصائح يَصيحُ: لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بنُ اْنَسٍ ، وعَندُ العَزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ. قالَ الحافِظُ أبو يَعلى الخليلي: "يَرى التسميعَ، وُيرَخصُ في العُودِ".
    وابنُهُ عَندُ الملكِ بن عَبدالعَزيزِ، كانَ من أعيانِ أصحابِ الإمامِ مالكِ بن أنسِ، ومُفتيَ المدينَةِ في زَمانِهِ، قالَ الحافِظُ أبو عُمَرَ بنُ عبدالبَرً: "كانَ فَقيهاً فَصيحاً، دارَت عليهِ الفُتيا في زَمانِهِ إلى مَوتِهِ، وعلى أبيهِ عَبد العَزيزِ قبلَه، فهُوَ فقيهٌ ابنُ فَقيهِ "، قالَ: "رَوى عن مالكِ وعَنْ أبيهِ، وكانَ مُولَعاً بسَماعِ الغِناءِ ارتِحالَا وغيرَ ارتِحالِ، قالَ أحمَدُ بنُ حنبلِ: قَدِمَ علينا وَمَعهُ مَن يُغنيهِ ".
    وأبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ سَعدِ بن إبراهيمَ بن عَبد الرَّحمن بن عَوفِ الزُّهريُّ، كانَ من الثقاتِ الحُفاظِ الكِبارِ، من أتباعِ التابعينَ، من أصحاب الزهري، احتَج بهِ البُخاريْ ومُسلم في "الصحيحَين "، كانَ أمرُهُ في الغِناءِ مَشهوراً.
    قالَ الذهبي: "كانَ إبراهيمُ يُجيدُ صِناعَةَ الغِناءِ".
    وعَنْهُ في ذلكَ حِكايَة مَروية بإسنادِ صالح، فيها الخَبَرُ عن مَذْهَبِهِ في الغِناءِ والموسيقَى، وَيحكي في ذلكَ شياً عن أبيهِ، وأبوهُ كانَ قاضِيَ المدينَةِ في زَمَنِ أعلامِها كالقاسِمِ بن مُحمد وغيرِه، وهُوَ من ثِقات صِغارِ التابعينَ، وفي القصَّةِ أيضاً شُهودُ مالكِ بن أنَس لذلكَ وهُوَ في مَطلَعِ شَبابِهِ.
    قالَ سَعيدُ بنُ كَثيرِ بن عُمَيرِ المصري: قَدِمَ إبراهيمُ بنُ سَعد الزهري العِراقَ سَنَةَ أربَع وثَمانينَ ومِئَةٍ ، فأكرَمَهُ الرشيدُ وأظهَرَ بِرهُ، وسُئِلَ عَنِ الغِناءِ؟ فأفتَى بتحليلهِ، وَأتاهُ بَعضُ أصحابِ الحَديثِ ليَسمَعَ منهُ أحاديثَ الزهري، فسَمِعَهُ يَتغَنى، فَقالَ: لَقد كنتُ حَريصاً على أن أسمَعَ منكَ، فأما الآنَ فَلا سَمِعتُ منكَ حَديثاً أبَداً، فَقالَ: إذاً لا افقِدُ إلا شَخْصَكَ، عَلَي وَعَلَي إن حدثت ببَغدادَ ما أقَمتُ حَديثاَ حتَّى أغَنيَ قبلَهُ.
    وَشاعَت هذهِ عنهُ ببَغْدادَ، فبَلَغتِ الرشيدَ، فدَعا بهِ فسَألهُ عن حَديثِ المخزوميةِ التي قَطَعَها النبي في سَرِقَةِ الحُليً، فدَعا بِعُودِ، فَقالَ الرشيدُ: أعُودُ المِجمَرِ (يعني الطِيب)؟ فَقالَ: لا، ولكن عُودُ الطرَبِ، فتَبَسمَ، ففَهِمَها إبراهيمُ بنُ سعدِ، فَقالَ: لعلهُ بَلغكَ يا أميرَ المؤمنينَ حَديثُ السفيهِ ائذي آذاني بالأمسِ وألجَأني أن حَلَقتُ؟ قالَ: نَعَنم، ودَعا له الرشيدُ بعُودٍ ، فغَناهُ:

    يا أم طَلْحَةَ إنَّ البَيْنَ قَدْ أَفِدَا * قَلَّ الشواءُ لَئِن كانَ الرحيلُ غَدا

    فَقالَ لهُ الرَّشيدُ: مَن كانَ مِنْ فُقَهائكم يَكْرَهُ السماعَ؟ قالَ: مَن رَبَطَهُ الله، قالَ: فَهَل بَلَغَكَ عن مالكِ بنِ أنس في هذا شَيء؟ قالَ: لا وَالله، إلا أن أبي أخبَرَني أنهم اجتمَعُوا في مَدعاةِ كانَتَ لبَني يَربوع، وهُم يومَئذِ جِلة، وَمالكَ أقَلهُم مِن فِقهِهِ وقدرهِ، ومَعَهُم دُفوف ومَعازِفُ وعِيدان، يُغَنونَ وَيلعَبونَ، ومَعَ مالك دف مُرَبعٌ ، وَهُوَ يُغَنًيهم:

    سلَيْمى أجْمَعَتْ بَيْنا * فأينَ لِقاؤها أيْنا
    وَقَدْ قالَت لأتْرابِ * لَها زهْرِ تَلاقَيْنا
    تَعالَيْنَ فَقَدْ طابَ * لَنا العَيْشُ تَعالَيْنا

    فَضَحِكَ الرشيدُ، ووَصَلَهُ بمالي عَظيبم.
    (أخرجه الخطيب في "تاريخه".. و ابن عساكر في "تاريخه" بإسناد صحيح)

    وسُفيانُ بنُ عُيَينَةَ الإمامُ الفَقيهُ الحافِظُ، لا ينكِرُ من صَنيعِ المغنِّي غيرَ ما يُرَغبُ في مَمنوعٍ .
    فقَد قالَ تلميذُهُ الزبيرُ بنُ بكارٍ : قَدِمَ ابنُ جامع مَكةَ، فقالَ سُفيانُ بنُ عُيينَةَ: بَلَغَني ان هذا السهمِي قَد جاءَ بِمالٍ كَثيرٍ ، قالَ: أجَل، وَعَلامَ يُعطونَهُ؟ فَقالَ: رَجُل يُغَنيهم، قالَ: وَبأي شَيءِ يُغَنيهم؟ قالَ: بِشِعر، قالَ: فَتَروي منهُ شَيئاً؟ قالَ: نَعم، قالَ: هاتِهِ، فأنْشَدَهُ:

    أطوف بالبَيْتِ في الطائفينَ * وَأرْفَعُ مِن مِئْزَرِي المسبَلِ

    فَقالَ: أحسن واأجمَلُ، هَيه، فَقالَ:

    وَأسْجُدُ بالليْلِ حتَّى الصباحِ * أتْلو مِنَ المُحْكَمِ المنْزَلِ

    فَقالَ: جَزَى اللّه هذا خيراً، هَيه، فَقالَ:

    عَسَى فارجُ الكَرْبِ عن يُوسفٍ * يُسخرُ لي ربَّةَ المَحْمِلِ

    قالَ: فأشارَ بِيَدِه: أمسِك، أمسِك.

    وأمَّا المحكي عن أهلِ العراقِ من ثِقاتِهم وفُقَهائهم مِن طَبَقَةِ أتباعِ التابعينَ فيهم، فذَكَروا في البصريينَ القاضِيَ الفَقيهَ الثقَةَ العاقِلَ عُبَيدَ الله بنَ الحَسَنِ العَنبري، حيثُ كانَ حَسَنَ الصوت، وكانَ يَسمَعُ الغِناءَ.
    وذَكَروا في الكوفيًينَ المحدًثَ الثقَةَ المنهالَ بنَ عَمرِو الأسَدي، احتج بهِ البُخاري في "صَحيحه"، وحَكَمَ بثِقَتِهِ من نُقَّادِ المحدثينَ يحى بنُ مَعين والنسائي والعِجليُّ وغيرُهم، وَكانَ يَضرِبُ بالطنبورِ.


    خلاصَة المبحَث:
    هذا الذي أورَدت من نُصوصِ السلَفِ غيرِ الفقهاءِ الأربَعَةِ في الأجيالِ الثلاثَةِ الأولى، هُوَ أقاويلُهم وَمَذاهِبُهم من أوثَقِ مَصدَر لَها، وَهِيَ بينَ التشديدِ والتيسيرِ، لا تَرى فيها شيئاً يُفيدُ تَحريماً للغِناءِ ولا للمعازفِ لذاتِها، وإنَما غايَةُ المذكورِ عمن شَذَدَ منهم ما يدل على كَراهَتِهِ وبعضهِ له، وليسَ هذا بتَحريمٍ ، سِوَى ما ذكَرتُهُ عن وَكيعِ بن الجراح من شُيوخِ أحمَدَ بن حنبلِ، وتلكَ المذاهِبُ جميعاً مُعارَضَة بغيرِها عن آخرينَ من عُلماءِ السَّلَفِ، عِباراتُهم صَريحَةْ في الإباحَةِ، بل فيهم من كانَ يَهوَى الغِناءَ والموسيقَى ويُحبها وًيستعمِلُها، معَ الصلاحِ والدينِ والفِقْهِ والثقَةِ.
    والحُجةُ أولاً وآخِراً في بَيانِ اللّه تعالى ورَسولِهِ ، وكُل قوْلِ فمَقيس بذلكَ، وإنما أرَدت أن أسوقَ نُصوصَ عِباراتِ السلَفِ ليظَهرَ حقيقَةُ ما يدَعيهِ الذاهِبونَ مذهَبَ التحريم من الإجماعِ على ما ذَهَبوا إليهِ، وليَبينَ كذلكَ حَقيقةُ ما ينسبونَه إلى السلَفِ من القول المجمَلِ، وتعلمَ أيضاً خطأ من زَعَمَ أنه لم يُخالف الجَماعَةَ سِوَى إبراهيم بن سَعد الزهري وعُبيد الله العَنبريِّ، فذلكَ من نِتاجِ التقليدِ وتَركِ التَّحقيقِ.
     
  3. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      30-08-2007 02:51
    تحرير العبارات المنقولة عن الفقهاء لأربَعَةِ

    جُمهورُ أتباعِ الفُقهاءِ الأربَعَةِ يُفسرونَ مَذاهِبَهم على تَحريمِ الآلات سِوَى الدف، وبعضهم يَقولُ: والطبل، ورُبما استَثنى بعضهم غيرَ ذلكَ فأباحَهُ، لكنهم لا يَنْسُبونَ إلى أحَدٍ من الأربَعةِ إباحَةَ المعازفِ بإطلاق، وأمَا الغِناءُ فالذي يَنْسبونَهُ لهُم التردُّدُ فيهِ بينَ تَحريمٍ وكَراهَةِ، وإنما يُستَثنى قليلُهُ في المناسَبَةِ المعلنةِ كالعيدِ والعُرس.
    وعلى ما جَرَيتُ على ذِكرِهِ بِقصد من مَذاهبِ السَّلَفِ بعباراتِهم، آتي كذلكَ على ذِكرِ نُصوصِ عِباراتِ الفُقهاءِ الأربَعة ليُعلَمَ من خِلالِها مرجع الأتباعِ في تَشديدِهم:

    رَأيُ أبي حَنيفَةَ وصاحِبَيْه:
    النص الصريح عَنِ الإمامِ أبي حَنيفَةَ لم أقِفْ عليهِ في شيءِ مِما ينقُلُهُ أصحابُهُ، وإنما ذَكَروا عتهُ في حُضورِ الوَليمَةِ يَكونُ فيها اللعِبُ والغِناءُ، قالَ: "ابتُليتُ بهذا مَرة)).
    قلتُ: وفَسرَ أتباعُهُ من بعد ذلكَ التصرف منه على وُجوهٍ :
    أحَدُها: فَعَلَهُ من أجلِ أن حُضورَ الوَليمَةِ سُنة، فلم يَترُكها لأجل مَعصِيَةِ الغيرِ.
    ثانيها: أنه وَقَعَ ذلكَ بَعدَما دَخَلَ، فعَجَزَ عنِ التغييرِ، ولذلكَ سَماه ابتلاء.
    ثالِثُها: أنه مَحمُولْ منهُ على وَقتِ لَم يَصر فِيهِ مُقتَدًى بِهِ على الإطلاقِ، وإلا لم يَصبر.
    قلتُ: ومنهُم من فَرعًّ على قولهِ: "ابتُليتُ بهذا" بقولِهِ: "وَدلت المَسألةُ عَلى أن مُجرد الغِناءِ معصية، وَكَذا الاستماع إلَيهِ، وَكَذا ضربُ القَضيبِ وَالاستماع إلَيهِ، أَلا تَرَى أن أبا حَنِيفَةَ "ر" سَماهُ ابتِلاءَ؟ " ، وقالَ صاحِبُ "الهدايَة": "وَدلت المسألةُ عندي أن الملاهِيَ كُلها حَرام، حتى التغَني بِضَرْبِ الْقَضيبِ، وَكَذا قول أَبِي حَنِيفَةَ "ر": ابتليت، لأن الابتلاءَ بِالمحرم يَكُونُ ".
    وأقولُ: تَفريعُهم هذا توسع ظاهِر، فإن الرٌوايَةَ التي ذَكَروا عن أبي حَنيفَةَ ليسَ فيها تَفصيل، ثُم هُوَتَحميل للفظ فوقَ ما يَحتَمِلُه، فإن الابتلاءَ يَكونُ بما يَكرَهُهُ الإنسانُ، كَما يُقالُ: (ابتُليَ فلانٌ بالقَضاءِ)، وذلكَ لِما يَحمِلُهُ المبتَلى بهِ من الهَم والثقَلِ، وليسَ ذلكَ مِما تُحبهُ نَفسُهُ، فكَرِهَ أبو حَنيفَةَ أن يَكونَ في ذلكَ المحل من أجلِ اللهو، لكن مُكثَهُ دَليل على عَدَمِ الحُرمَة عندَهُ، واللّه أعلم.
    وذَكَروا عنهُ في ضَمانِ ما يُتلَفُ من آلاتِ المعازفِ، أنه لَو كَسَرَ إنسان لغيرِهِ بربطاً أو طبلاً، ضَمِنَ قيمَتَهُ خَشَباً مَنحوتاً، وفى رِوايَة: خَشَباً ألواحاً.
    وَنَقَلوا عنهُ: جوازَ بَيْعِ آلاتِ الموسيقَى من البَربطِ والطبلِ والمزمارِ والدف ونَحوِها، معَ الكَراهَةِ.
    قلتُ: وهذا منهُ متَطابِق معَ تَضمينِهِ بالإتلافِ.
    ويُعللُ أصحابُهُ الصورَتين: التضمينَ وجَوازَ البَيعِ، بناءَ على ما فَرعوهُ من القول بالتحريم فيها بأن وجهَهُ: أنه كَما يَكونُ للهوِ والفَساد يُمكِنُ استِعمالُهُ في شيءِآَخرَ مُباحٍ.
    وَهذا منهُم دَليلْ على أنَّ المعازِفَ لا يَلحَقُها حُكمُ التحريم لذاتِها، إنما حُرمَتُها إذا استُعمِلَت للمعصيةِ.
    هذا غايةُ ما نُقِلَ عن أبي حَنيفَةَ من قولهِ، فيما وَقَفتُ عليهِ في كُتُبِ أصحابهِ.
    وأما صاحِباهُ، فتُعزَى لأبي يوسُفَ المسألَةُ دونَ نَصً عبارَتهِ ، وعَن مُحمد بن الحسَنِ الشيبانيٌ بعض النصوصِ، فإليكَ ذلكَ:
    مُقابَلة لِما نُسِبَ لأبي حَنيفَةَ مِن ضَمانِ قيمَةِ المتلَفِ من آلات المعازفِ، نُسِبَ إلى الصاحِبَيْنِ عَدَمُ الضمانِ.
    كَذلكَ عنهُما: لا يَتعَقِدُ بَيعُ آلات الموسيقَى، لكونِها موضوعةَ للفِسق والفَسادِ.
    وَقالَ مُحمدُ بنُ الحَسَن: "كُل قريَةِ من قُرَى أهلِ الذمةِ، أظهَروا شَيئاً من الفِسق، ممَّا لم يُصالَحوا عليهِ، مِثلَ الزٌنا وإتيانِ الفَواحِشِ، فإنهم يُمْنَعونَ من ذلكَ كُلهِ " حتى قالَ: "وعلى هَذا إظْهارُ بَيْعِ المزاميرِ وَالطبولِ للهوِ، وإظهارُ الغِناءِ، فإنهم يُمْنَعونَ من ذلكَ، كَما يُمنَعُ منهُ المسلمُ، ومَن كَسَرَ شيئاً من ذلكَ عليهم لم يَضمَنْهُ، إلا كما يَضمَنُهُ إذا كَسَرَهُ للمسلم".
    قلتُ: وفي هذا من مُحمد إنكارُ الغِناءِ أيضاً مَعَ إنكارِهِ الآلات.
    وهذا الذي ذكَرتُ عنِ الثلاثَةِ الفُقهاءِ: أبي حَنيفَةَ وصاحِبَيهِ، هُوَ غايَةُ ما وَقَفتُ عليهِ في كُتُبِ المذهَبِ من عِباراتِهم، ولا يَخفى أن ليسَ كُل ما يَكونُ من كلامِ الأتباعِ يَجوزُ أن يُضافَ إلى الأئمةِ أنفُسِهم، وإنما قَصَدتُ إلى تَحقيقِ العِبارَةِ المنقولَةِ عن الأئمةِ، لأن الناسَ يَحكونَ عَنِ الفُقهاءِ الأربَعةِ المذاهِبَ وَينسُبونَ إليهم القول في هذهِ المسألَةِ وفي كَثيرِ سِواها، ولا يَذْكُرونَ عنهم فيها النصوصَ التي تُصَدقُ ما يَقولونَ، فإذا بَحَثتَ عن حَقيقَةِ تلكَ المذاهِبِ وجَدتَها من كلامِ الأتباعِ، ولم تَرَ فيها تَصريحاً عن الأئمةِ أنفُسِهم، ورُبما لم تَجِد من عباراتِ الأئمة ما يدلا عليها.
    فحاصِلُ المنقولِ عن أبي حَنيفَة في الآلات: غيرُ صَريحِ في تَحريِمها، بل قولهُ بجوازِ بَيعها دليل منه على جوازِ اقتِنائِها، معَ كَراهَتِهِ، وَحملُ الأتباع ذلكَ منه على إمكانِ الانتِفاعِ بها في غير اللهو رأي أراهُ ضَعيفاً، فإنَ من يُقارِنُ بينَ آلَةِ العودِ وصَتعَتِها والقيمَةِ التي تُراعى لها، يَرى من العَبَثِ أن يَشتَريهِ الإتسانُ بتلكَ القيمَةِ للانتِفاعِ بهِ كخَشَبِ يَستدفع به، أو ليَخيطَ بوَتَرِه، أو ليَشرَبَ ماءً بقَعرِه.
    فإن قلتَ: فكيفَ رأى الضمانَ عندَ الإتلافِ خَشَباً؟ قلتُ: ألم تَرَه قالَ: "مَتحوتاً؟ وذلكَ النحتُ أهَم ما في معناهُ وقيمَتِهِ، والنحتُ إبقاء لقيمَةِ الآلَةِ، لا لمجرد الخشَبِ.
    ولعَدَمِ ذَهابِ أبي حنيفَةَ إلى الحُرمَة لم يُفارِق مجلسَ الوَليمَةِ، لإن كانَ كَرِهَه.
    فالحاصِلُ فيما أرى، أن الإمامَ أبا حنيفَةَ يَذهَبُ إلى كَراهَةِ الآلاتِ كَراهَةَ تَنزيه، لا إلى تَحريمِها، وذلكَ لمعنى اللهو، وَهذا أوفَقُ لأصولِهِ.
    والرأيُ عتهُ في الغِناءِ أخفى في أن يُستَفادَ من نُصوصِهِ، إلا أن يُقالَ: إذا كانَ رأيُهُ كَراهَةَ الآلات فالغِناءُ دونَ ذلكَ في أصلِهِ، أي إلى جِهَةِ الإباحَةِ.
    وأمًا أبو يوسُفَ ومُحمَّدْ، فالمفسرُ من النَّقلِ عِبارَةُ مُحمدٍ ، وهِيَ دالًةْ على: إسِقاطِ قيمَةِ ما يُتلَفُ من الآلات، ومَنْعِ بَيعِها، ومَتعِ إظهارِ الغِناءِ.
    وتَفسيرُ الأتباعِ للعلةِ: لكونِ ذلكَ شِعارَ أهلِ الفِسق.

    رأيُ مالكِ بن أنَسٍ :
    وأما الإمامُ مالك، فَالمنقولُ عتهُ من رأيِهِ في الموسيقَى ما يلي:
    سألَ سُحْنونُ بنُ سَعيدِ عبد الرحمن بنَ القاسم: اْرأيتَ هَل كانَ مالك يَكرَهُ الدفافَ في العُرس أم يُجيزُهُ؟ وَهَل كانَ يُجيزُ الإجارَةَ فيه؟ قالَ: كانَ مالك يَكْرَهُ الدفافَ والمعازِفَ كُلها في العُرس، وذلكَ أني سألتُهُ عنهُ، فضَعَّفَه، ولم يُعجِبهُ ذلكَ.
    وَعَن عَبد الله بنِ وَهبِ المصري، أنه سمِعَ مالكاً يُسألُ عن الذي يحضُرُ الصنيعَ فيهِ اللهو؟ فقالَ: "ما يُغجِبُني للرجُلِ ذي الهيئةِ يحضُرُ اللَعبَ".
    وقالَ ابنُ وَهبِ عن مالك، وسُئلَ عن ضربِ الكَبَرِ والمزمارِ، أو غيرِ ذلكَ من اللهوِ، يَنالُكَ سَماعُهُ وتَجدُ لذَّتَه وأنتَ في طَريقِ أو مَجلسٍ غيرِهِ؟ قالَ مالكٌ : "أرى أن يقومَ من ذلكَ المجلسِ ".

    قلتُ: هذهِ نُصوصُ مالك في الموسيقَى، وَهِيَ دالةٌ على كَراهَتِهِ لجَميعِها، بما في ذلكَ الدف، بل وفي العُرس أيضاً، وأما التضعيفُ المشارُ إليهِ في كَلامِهِ فهُوَ تَضعيف للرخصَةِ فيهِ، وذلكَ من جِهَةِ الحُكم لا من جِهَةِ التقلِ.
    وهذهِ الكَراهَةُ مَحمولَة على أصلِها في إفادَةِ التنزيهِ لا التحريمِ، بقَرينَةِ: (ما يُعجِبُني)، فإنَّها لا تُساعِدُ على إرادَةِ التحريمِ.
    وكأنه لهذا خالَفَه صاحِبُهُ ابنُ القاسِمِ في بعض قولهِ، فقد سئلَ عن الذي يُدعى إلى الصنيعِ، فجاء فوجدَ فيهِ لَعباً، أيدخُلُ؟ قالَ: إن كانَ شياً خَفيفاً مثلُ الدف والكَبَرِ الذي يلعَبُ بهِ النساءُ، فما أرَى بهِ بأساً.
    بل حُكِيَ عن مالكٍ نَفْسِهِ معنى قوْلِ ابنِ القاسمِ هذا، مِما يؤيدُ ما ذَكرت عنهُ من الكَراهَةِ.
    وأما الأتباعُ من بعد فعلى تَرْكِ قول مالك في الكَراهَة للدف في العُرس، قالَ ابنُ رُشْدِ: "وَرخصَ من ذلكَ فِي النكَاحِ الدف، وهوَ الغربالُ، باتفاقِ).
    وأما رأيُ مالك في الغِناءِ فإن مَن يُشَددُ في هذا البابِ لا يَتفَك يَذكر عنهُ قولهُ حينَ سُئلَ عن الغِناءِ؟ فقالَ: (إنَّما يَفعلهُ عندَنا الفُساقُ).
    وَسألَ سُحنونً عَبدَالرحمن بنَ القاسِم: أرأيتَ إن استأجَرتُ دَفاتِرَ فيها شِعر ونَوح وغِناء يُقرأ فيها؟ قالَ: لا يَصلُحُ هذا، قلتُ: لِمَ؟ قالَ: لأن مالكاً قالَ: لا تُباعُ دَفاتِر فيها الفِقهُ، وكَرِهَ بَيعَها ، وَما أشك أن مالكاً إذا كَرِهَ بَيعَ كُتُبِ الفقهِ أنه لبَيعِ كُتُبِ النوحِ والشعر والغِناءِ أكرَهُ، فلما كَرِهَ مالك بَييعَ هذهِ الكُتُبِ كانَت الإجارَةُ فيها على أن يُقْرأ فيها غيرَ جائزة، لأن ما لا يجوزُ بَيْعُهُ عندَ مالكِ فلا تَجوزُ الإجارَة فيهِ.
    قالَ سُحنون: قلتُ: أكان مالك يَكرَهُ الغِناءَ، قالَ: كَرِهَ مالك قراءَةَ القرآنِ بالألحانِ ، فكيفَ لا يَكرَهُ الغِناءَ، وَكَرهَ مالك أن يَبيعَ الرجل الجاريَةَ وَيشتَرِطَ أنَّها مغنيَةْ ، فهذا مِما يدلكَ على أنَّه كان يَكرَة الغِناءَ.
    قالَ سُحنونْ: قُلت: فَما قول مالكِ إن باعُوا هذهِ الجاريةَ وَشَرَطُوا أنَّها مُغَنيَةَ، وَوقَعَ البَيعُ على هَذا؟ قالَ: لا أحفَظُ مِن مالك فيهِ شَيئاً، إلا أنهُ كَرِهَة.
    قلتُ: وهذه النصوصُ تَخريج على قول مالكٍ ، وهُوَ تَخريجْ صَحيح، وغايَتُهُ كَراهَةُ مالكِ للغِناءِ، فإذا ضَممتَ إليهِ قولهُ المشْهورَ: "إنما يَفعلهُ عِندَنا الفُساقُ "، على أن مَذْهَبَه في الغِناءِ الكَراهَة وَنَقَلَ عنه عبد الله بنُ نافعِ الصائغُ في أهلِ الغِناءِ: لا تُقبَلُ لهم شَهادَة.
    قلت: وهذا جارٍ على ما يَعُدهُ بعض الناسِ من خَوارِم المروءَةِ المُضعِفَةِ لإمكانِ الاعتِمادِ على شَهادَتِهِ وذلكَ من جِهَة اللعِبَ واللهو، على ما سيأتي مَعناهُ في رأي الشافعيً.
    وهذا في مُطلَقِ الغِناءِ، دونَ حُكمِ الآلَةِ، فإذا كانَ يَرى كَراهَةَ الآلَةِ كانَ ذلكَ من ضَمً المكروهِ إلى المكروهِ.
    وأما وصفُ من يَفعل الغِناءَ في زَمانِهِ وبَلَدِهِ بالفِساقِ، فهُوَ وَصف منة لحالِ مَن كانَ يَتَعاطَى الغِناءَ يومَئذ، فَقد كانَ الغِناءُ شائعاً في المدينَةِ في عَهْدِ مالكِ، فكأنه ظُن في أهلِ العلمِ والدًينِ أنهم كانُوا يُفْتونَ بإباحَتِهِ على الوَجهِ الذي كانَ سائداً، فسُئِلَ مالكٌ فأبانَ عن حالِ اهله.
    شَبيه بِما وَرَدَ عن إبراهيمَ بن المنذِرِ الحِزامي المدني، وجاءَ بعدَ مالك، فإنْه سُئلَ فقيلَ لهُ: أنتُم تَتَرَخصونَ في الغِناءِ؟ فَقالَ: مَعاذَ الله، ما يَفعل هذا عندَنا إلا الفُساقُ.
    فحُكمُ مالك هذا إنما هُوَ في وصف حالِ مَن كانَ يُغنًي يَومَئذِ، وليس حُكماً بفِسق كُل مُغن، كَما أنه ليسَ حُكماً لمجرد الغِناءِ، بل في العدولِ عن صريحِ الجَوابِ في حُكمِ الغِناءُ ما يُشعِرُ بعَدَمِ التحريم لأصلِهِ عتدَ مالك، وإنَما تَناوَلَ بجَوابِهِ وصف الحالِ، فتأمل!!
    ولا يُسلمُ لمالكٍ ولا لإبراهيمَ بنِ المنذِرِ هذا الإطلاقُ في وَصْفِ المغنينَ من أهلِ المدينَةِ، أو المترخصينَ فيهِ يومَئذِ، فآلُ الماجِشُونِ أهلُ علم وفَضل ودينِ وثقةِ، ومنهمُ مَن يُقارَنُ بمالكٍ في الفقهِ والفَتوَى، وكذلكَ إبراهيمُ بنُ سَعد، وهُوَ أعلى وأوثَقُ وأكبَرُ في العلم من إبراهيمَ بن المنذِرِ، وجَميعاً كانوا يترخصونَ في الغِناءِ من أهلِ المدينَة، وَكانَ بينَ هؤلاءِ وبينَ مالك كَدَر في العلاقَةِ، فأخافُ أن يَكونَ عَدَمُ الصفاءِ ذلكَ وَراءَ إلغاءِ مالكٍ الاعتِدادَ بهم في هذهِ المسألَة، وَالذي كانَ بَينَه وبينَهم ما يُعَد من كلامِ الأقرانِ أو المخالفينَ لبعضِهم في المذاهِبِ، مِما لا يُعتَد بمثلِهِ في العلمِ من الطرَفينِ، والله أعلَمُ.

    رأي الشَّافعي:
    وأمَا رأيُ الإمامِ أبي عَبد الله الشافعيِّ في الموسيقَى، فإنه أسقَطَ الضمانَ في إتلافِها، كَما ألغى إقامَةَ الحَد في سَرِقَتِها، ونَصهُ جاءَ في: الطنبورِ، والمِزمارِ، والكَبَرِ، فقالَ:
    " ولو كَسَرَ لَهُ طُتبُوراً أو مِزماراً أو كَبَراً، فَإن كانَ في هَذا شَي: يَصلُحُ لِغَيرِ المَلاهِي فَعَلَيهِ ما نَقَصَ الكَسرُ، وَإن لَم يَكُن يَصلُحُ إلا لِلمَلاهِي فَلا شَيءَ عَلَيهِ، وَهكذا لَو كَسَرَها نَصرانِي لِمسلِمٍ أو نَصرانِي، أو يَهُودِي أو مُستَأمَنْ، أو كَسَرَها مُسلِم لِواحِد مِن هَؤُلاءِ، أبطَلتُ ذَلِكَ كُلهُ".
    وَقالَ: "وَلا يُقطَعُ في ثَمَنِ الطنبُورِ وَلا المِزْمارِ".
    قلتُ: وهذا من الشافعي بَين في كونِهِ يَذهَبُ إلى التشديدِ في الآلات، وإلا لَما أبطَلَ قيمَتَها عتدَ إتلافِها أو سَرِقَتِها، وذَكَرَ فيها الكَبَرَ، وهُوَ الطبل، ولم يذكُر الدف، ومَعناهُما واحِد، ولعل ذلكَ لمجيءِ النصوصِ صَراحَة باستِعمالِهِ.
    وأصحابُهُ أباحُوا الدف في العُرس والخِتانِ، بل وأباحوا جَميعَ الطبولِ إلا الطبلَ المُخصرَ الوَسَطِ، وهُوَ (الدربَكة)، وَكَذلكَ لهُم وَجهانِ في اليَراعِ، وهُوَ القَصَبَةُ التي يُزمَرُ بها، أو (الناي)، وهُوَ الَذي يسمى أيضاً (الشبابَة)، وَجهْ بالتَحريمِ، ووَجة بالإباحَة.
    وَهل تَشديدُ الشافعيٌ في الآلات من جِهَةِ التحريمِ لذاتِها؟ أم من جِهَةِ ما تُتخذُ له؟ الوَجهانِ مُحتَملانِ، وعليه فحيثُ لم يُصرِّخ بالتحريم فلا يُتسَبُ له بهِ القَول الصريح.
    وأمَّا الغناءُ، فإنه قالَ في الرجُلِ يُغَني، فَيَتخِذ الغِناءَ صِناعَتَهُ، يُؤتَى عليهِ وَيأتِي لَهُ، وَيكونُ مَتسُوباً إلَيهِ، مَشهُوراً بهِ مَعرُوفاً، وَالمَرأةُ:"لا تَجُوزُ شَهادَةُ واحِدِ مِتهُما، وَذلكَ أنهُ مِن اللهو المَكرُوهِ ائذِي يُشبِهُ الباطِلَ، وأن مَن صَنَعَ هَذا كانَ مَنسوباً إلى السفَهِ وَسَقاطَة المُرُوءَةِ، وَمن رَضِيَ بِهَذا لِنَفسِهِ كانَ مستَخِفا، وِإنْ لَم يكُن مُحَرَّماً بَينَ التحرِيمِ. وَلَو كانَ لا ينْسُب نَفسَة إلَيهِ، وكانَ إنماً يُعرَفُ بأنهُ يَطرَبُ في الحالِ فيَترَنمُ فِيها، ولا يَاتي لِذلك ولا يُؤتَى عَلَيهِ، ولا يَرضَى بِهِ، لَم يُسقط هذا شهادَتَهُ، وَكَذلِكَ المرأةُ".
    وَقالَ في الرجُل يتخذُ الغُلامَ وَالجاريةَ المغنيَينِ، وكانَ يَجمَعُ عليهِما ويُغشَى لذلكَ: "فَهذا سَفَهَ تُرَد بهِ شَهادتُهُ، وهوَ في الجاريةِ أكثَرُ، من قِبَلِ أن فيهِ سَفَهاً ودِياثَة. وإن كانَ لا يَجمَع عليهِما ولا يُغشَى لهُما كرهْت ذلكَ له، ولم يكُن فيهِ ما ترَد بهِ شَهادَتُهُ،.
    وقَالَ: "وَهَكَذَا الرجُلُ يغْشى بُيُوتَ الغِناءِ، وًيغْشاهُ المُغنونَ إن كانَ لِذلكَ مُدمِناً، وَكانَ لِذلكَ مستَعلِناً عَلَيهِ، مَشهُوداً عَلَيهِ، فَهِيَ بِمَتزِلَةِ سَفَهٍ تُرَدُّ بِها شَهَادَتُهُ. وَإن كانَ ذَلكَ يَقِل مِتهُ، لَم تُرَدَ بِهِ شَهادَتُهُ، لِما وَصَفْتُ مِن أَن ذلكَ لَيسَ بِحَرامِ بَينٍ .
    فأما استماع الحُداءِ وَنَشيدِ الأعرابِ، فَلا بَأسَ بِهِ، قَل أو كَثُرَ، وَكَذلكَ استماع الشعر".
    قلتُ: وهذهِ المفرَداتُ واضِحَةُ الإفادَةِ لرأي الشافعي في مُجرد الغِناءِ على غيرِ صِفَةِ الحُداءِ وغِناءِ الأعرابِ، أنه لَهو مَكروه يَشبَهُ الباطِلَ، وليسَ حراماً.
    وَيقدَحُ في العَدالَةِ أمور تتصلُ بذلكَ، هِيَ :
    أن يَكونَ الشخصُ مغنياً، يتَخِذُ ذلكَ صَتعَة.
    أو أن يقيمَ حَفلةَ غنائئةَ، فيأتي بالمغني والمغنيَةِ يُغنِّيانِ للحاضِرينَ.
    أو أن يَعتادَ ارتيادَ أماكِنِ الغِناءِ.
    أو أن يتخِذَه في مَحل يُقصَدُ إليهِ، وهُوَ مظهِر لهُ غيرُ مُستَخْفِ.
    وجَعلَ علةَ القدح في العَدالَةِ: السفَهَ.
    وأقولُ: السفَهُ قَد يَكونُ بأسباب مُباحَةِ، وَلا يَعني الفِسقَ حتى يَقَعَ بأسباب محرمةٍ ، والشافعي في السياقِ الذي يَعُد فيهِ الشَيءَ سَفهاً، فإنه يَكرَة عَمَلَه ولا يُحَرمهُ.
    وأما ما عَده دِياثَةَ، وهُوَ الرجُلُ يَجمَعُ الناسَ على مُغنية لهُ، فالدياثَةُ هِيَ: أن يُقِرَ الرجلُ الفاحِشَةَ على المرأةِ من أهلِهِ وَيرضَى بها، لا غَيرَةَ له. فهل هذا النَّعتُ يوجَدُ في مُجردِ الصورَةِ التي ذَكَرَ الشافعي؟ لا أحسَبُ الأمرَ يَبلُغُ هذا القدر، مَعَ نَكارَتهِ، فجَمعُ إنسانِ الناسَ على مغنيَةِ لسَماعِ غِنائِها، ولو كانَت جارَيتَه، كما كانَ بَعْضُهم يَفعل، فهذا رُبما فَعَلَتهُ العامةُ للهوِ أو في مُناسَبَة، بَينَما يَفورُ الدمُ في شَرايينٍ أحدِهم حينَ يُمَسْ جانِبُ امرأةِ من أهلِ دارِهِ، ولو بكَلِمَةِ، فأينَ هذا من الدياثَةِ؟
    رُبما يَكونُ الشيء من هذا المعنى في بَعْضِ الغَوازي اللواتي يَمتًهِن الرقصَ والغِناءَ، فيتخذُهن الرًجالُ لذلكَ، وَيجَمعُونَ إلى ذلكَ فِعلَ المنكَراتِ والفَواحِشِ وشُربَ الخُمورِ، وقد يَقَعُ ذلكَ بعلمِ أوليائهن، فلعل هذهِ هِيَ الصفَةُ التي عَنى الشافعي.
    فغايَةُ القول في رأيِ الشافعيً في الغِناءِ: أن اتخاذَهُ حِرفَةَ من الرجُلِ أو المرأةِ، وإدمانَ سَماعِهِ في الملأ، وجَمعَ الناسِ عليهِ، ليسَ صِفَةَ أهلِ الأقدارِ والمنازلِ الرفيعَةِ.
    وأباح الشافعي التغنيَ يَحصُلُ دونَ اعتِناءٍ ولا امتِهانِ، يَتغنى الإنسانُ لنَفسِهِ، كَما أباحَ الحِداءَ وغناءَ الأعرابِ، وذلكَ لعلةِ بُعْدِهِ عن الغناءِ المعهودِ من الفُساقِ في مُفرَداتِهِ وفي حالِ وُقوعِهِ.

    رأي الامامِ أحمَد بن حنبلٍ :
    أمًا في الموسيقَى فالبَيِّنُ من مَذهَبِهِ تَحريمُ الآلات: كالطنبورِ، والعُودِ، والمزاميرِ، والطبل، دونَ الدف.
    وذلكَ وإان لم يأتِ صَريحاً في مُفرَداتِ أحمَدَ، لكنه مُستَفاد من مَجموعِ رأيهِ في ذلكَ، وذلكَ من وُجوهٍ :
    ا- أسقَطَ الضمانَ في كَسرِ العودِ والطنبورِ والطبل ، وهذا ليسَ بكافِ لنِسبَةِ القول بالتحريمِ إليهِ، كَما نبَّهتُ عليهِ من قبلُ، لكن يَعتَضِدُ بِما بَعدَهُ.
    2- يَرَى الإتكارَ على الضاربِ بذلكَ ونَفيَهُ عنهُ، دونَ أن يُرفَعَ أمرُهُ إلى الحاكِمِ.
    3- ذَهَبَ إلى إتلافِ ما كانَ مَكشوفاً أو ظاهراً من تلكَ الآلات، وَكذلكَ ما كانَ مَستوراً منها إذا تأكدَ الشخصُ أنها آلَةُ اللهوِ.
    بل كانَ يَرى كَسرَها وإن كانَت في يَدِ صَبي لم يَبلُغ.
    4- يَرَى إذا رُفِعَ أمرُ الضارِبِ بالعُودِ والطنبورِ والمزاميرِ إلى الحاكِمِ أن يُعزرَ ضرباً بِما لا يَزيدُ على عَشرَةِ أسواط.
    ومَرة ذَهَبَ إلى كَراهَةِ المزمارِ، ولم يُحَرٌمهُ ، لكن أصحابُهُ يَذكُرونَ في مَذهبهم تَحريمَه.
    وَكذلكَ عتهُ: كَراهَةُ الطبل ، لكن خَصه أصحابُهُ عنه في غير طبل الحَربِ، لأن طبل الحَربِ لا يَكونُ للعَبَثِ.
    وأمًا الدف، فقد ذَهَبَ إلى مَشروعيةِ استِعمالِهِ في النكاحِ، وَرَد صَنيعَ أصحاب ابنِ مَسعودٍ في خَرقِهم الدفوفَ، ورآهُ تَشَدداً، ولم يَرَ أن يُتْلَفَ، وإنما يُكسَرُ عندَ الميتِ، ولعل ذلكَ لمعنى النًياحَةِ.
    لكنَّه مَعَ ذلكَ كَرِهَ بَيعَ الدف، ولم يُحَرمهُ.
    وأما رأيُ أحمَدَ بن حنبلٍ في الغِناءِ، فإنه ذَهَبَ إلى كَراهَتِهِ وإنكارِ إظهارِهِ ، وسُئلَ عنه، فقالَ: "يُنبِتُ النفاقَ في القَلبِ، لا يُعجِبُني "، وفَسرَ غِناءَ الجارَيتَينِ في بيتِ عائِشةَ بكونِهِ من قَبيلِ غِناءِ الركبِ ، وكأئه يَقولُ: ليسَ هذا مِما يُنكَر إذا غنى بهِ المغنونَ.
    وبِناء على القول بالكَراهَةِ أبطَلَ القيمَةَ مُقابِلَ الغِناءِ، إن صَحت الرٌوايَةُ عنه، فقَد قيلَ له: رَجُل ماتَ، وخلفَ جاريةَ مُغَنيةَ وَولداً يَتيماً، وَقَد احتاجَ إلى بَيعِها، قالَ: "يَبِيعُها على أنها ساذَجَة"، فَقيلَ لَهُ: فإنها تُساوِي ثَلاثِينَ ألْفَ دِرهَمِ، فإذا بيعَتْ ساذَجةَ تُساوِي عِشرِينَ دِيناراً؟ قالَ: "لا تُباعُ إلا على أنها ساذَجَةَ".
    وطائِفَةْ يذكُرونَ هذهِ الحِكايَةَ عن أحمَدَ في تَحريمِ الغِناءِ، لإبطالهِ القيمَةَ من أجل الغِناءِ، وليسَ الأمرُ كذلكَ، فأحمَدُ لم يُحرمِ الغِناءَ، إنما كَرِهَه.
    وبعض التاسِ يُخرٌجُ هذهِ مسألةَ على أنهُ ليسَ كُل مُباحٍ يَجوزُ بَيعُهُ، وسنتعرض هذا لاحقاً بإذن الله.

    حاصِل مَذاهب الفقهاءِ الأربَعَة:
    ا- لا يَتَجاوَزُ قول أبي حَنيفَةَ في الموسيقى والغِناءِ الكَراهَةَ التَنزيهيةَ، وليسَ عنهُ نص بالتحريمِ.
    2- ليسَ عن مالكِ نص بالتحريم كذلكَ، وإنما تدل العِباراتُ عنة على الكَراهَةِ.
    3- شَددَ الشافعي في بعض آلاتِ الموسيقَى الطُنبورِ والمزمارِ والطبلِ، دونَ الدف، ولم يُصرح بالتحريمِ، ولم يُحرِّمِ الغِناءَ، وإنما كَرِهَ الإغراقَ فيهِ، وأباحَ يَسيرَهُ دونَ كَراهَةٍ .
    4- ذهَبَ أحمَد إلى التشديدِ في آلاتِ الموسيقَى بعِباراتِ يدل مَجموعُها على أنه كانَ يذهَبُ فيها إلى التحريمِ، وكذلكَ ذَهَبَ إلى كراهَةِ الغِناءِ.

    فليتأمل ذلكَ من يُقلدُ في إرسالِ العِباراتِ، فيُطلِقُ القول بالتحريم عَنِ الفُقهاءِ الأربَعَةِ، فهذا الذي سُقتُة لكَ هُوَ غايَةُ ما يُعْزَى لهم في هذهِ القضيةِ من العِباراتِ أو مَعناها.
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...