اختلاف الفقهاء وأثره في اختلاف العاملين للإسلام

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏30 أكتوبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      30-10-2007 11:00
    اختلاف الفقهاء وأثره في اختلاف العاملين للإسلام

    د. علاء الدين الأمين الزاكي*


    المطلب الأول: تعريف الاختلاف

    في اللغة: مصدر (خلف) يعني عدم الاتفاق، قال الفيروزآبادي: الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو فعله، والخلاف أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين"([1]).

    وفي الاصطلاح:

    إن التعريف المشهور الذي ذكره أغلب العلماء هو: "أن يذهب كل عالم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر في حالة"([2])، وقال آخرون: "أن ينهج كل شخص طريقاً مغايراً للآخر في حاله أو في قوله"([3]).

    والناظر في هذين التعريفين يرى أنهما شاملان لنوعي الاختلاف المحمود والمذموم، ويشمل كذلك الجدل والشقاق، وذلك لأن الجدل هو ذهاب كل عالم خلاف ما ذهب إليه الآخر، ولكن بزيادة شدة؛ ولهذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال: ((أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً))([4]).

    قال ابن القيم: "علم الجدل هو: علم يقتدر به على حفظ أي وضع يراد ولو باطلاً، وهدم أي وضع يراد ولو حقاً"([5]).

    وكذا الشقاق مع وجود المخالفة، ولكن كما يقول العلواني: "أصله أن يكون كل واحد في شق من الأرض أي نصف منها، فكأن أرضاً واحدة لا تتسع لهما معاً"، كما قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما)([6]).

    وبهذا يكون التعريف جامعاً لكل أنواع الاختلاف المحمود والمذموم، ولكن إذا رأينا الاختلاف الصحيح الذي نحن نريده لا بد، وأن يكون فيه قيد ليمنع دخول الجدل الممنوع والشقاق وغيرها، فبالتالي أري أن التعريف الصحيح يكون هو: أن يذهب كل عالم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر بغية الوصول إلى الحق.

    محترزات التعريف:

    كلمة (عالم) احتراز من الجاهل فإن مخالفة الجاهل لا يلتفت إليها ولا يعتد بها. وكلمة (خلاف) احتراز من الاتفاق والإجماع.

    وكلمة (بغية الوصول إلى الحق) تخرج الجدل والشِّقاق وغيرهما.

    حقيقة وجود الخلاف:

    لا ينكر أحد وجود الخلاف في الأمة، لا في سابق عهدها، ولا في واقعها المعاصر، وقد وقع في زمان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، كاختلافهم في غنائم بدر، واختلافهم بعد وفاته في غسله ودفنه ومن يكون الخليفة بعده وغير ذلك.

    ولا تتوقع أن يتوقف الخلاف نهائياً؛ لأن الوقوع أظهر دليل على الجواز، ولكن نريد ترشيد هذا الخلاف ليكون خلافاً مثمراً، داعياً إلى البحث والتنقيب والوصول إلى الحق. والذي يجعل الخلاف أمراً حتمياً ما يلي:

    (1) تفاوت الناس في أفهامهم وقدراتهم على تحصيل العلم؛ فالناس بحكم الخلقة يختلفون ويتفاوتون في الاستيعاب والنظر في المسائل وجمع أطرافها، وهذا يؤدي بالضرورة إلى وقوع الخلاف بحسب هذا التفاوت؛ وقد ضرب الله مثلاً لهذا النوع من التفاوت، فقال تعالى: (أنزل من السماء ماء فسألت أودية بقدرها)([7])، قال ابن كثير رحمه الله: "(أنزل من السماء ماء) أي مطراً، (فسالت أودية بقدرها) أي أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيراً من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علماً كثيراً، ومنها ما لا يسع الكثير من العلوم بل يضيق عنها"([8]).

    (2) وضرب كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً فقال: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً: فكان منها طائفة قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله به الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعمل، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)). قال الحافظ: "قال القرطبي وغيره: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، وشبَّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، ومنهم الجامع للعلم غير أنه لم يعمل ولم يتفقه، ومنهم من يسمع ولا يحفظ ولا يعمل به"([9]).

    (3) ويقع التفاوت كذلك في الفهم كما قال تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً)([10])، والصحابة كانوا يتفاوتون في الحفظ ودقة النظر لذلك وقع بينهم الخلاف.

    كما جاء في جمع علي رضي الله عنه بين الآيتين: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً)([11])، وقوله تعالى: (وفصاله في عامين)([12])، أن أقل مدة للحمل ستة أشهر، وقد خفي هذا على عثمان رضي الله عنه. والتفاوت في الفهم جعل عدي بن حاتم رضي الله عنه يقول عند نزول آية: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض...): "إني لأضع تحت وسادتي عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فلا أزال آكل حتي أتبينهما"، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن وسادك لعريض، إنما هو بياض النهار وسواد الليل)).

    (4) التفاوت في الحصيلة العلمية، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الناس منهم الذي يفرغ جهده للعلم، ومنهم من يعطيه فضل وقته، وكل ينال بحسب جهده، وقد قالوا: العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه. وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: "إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفْق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"([13]).

    لهذين السببين يمكن أن نقول بأن الخلاف لايُنكر وجوده ولا ينعدم حدوثه، زِدْ على ذلك أن الخلاف من طبيعة البشر، ولا يمكن التخلص منه في العادة، قال تعالى: (ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك)([14])، قال الشاطبي: "فتأملوا رحمكم الله كيف صار الاتفاق محالاً في العادة"([15]).



    المطلب الثاني: هل كان الخلاف غاية؟

    كان الصحابة رضوان الله عليهم أشد الناس حرصاً على الحق وتعلقاً به؛ فهو ضالة المؤمن التي ينشدها، لأنهم يقرءون قول الله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال)([16])، ولم يكن الخلاف عندهم نزعة هوي، ولا غاية مقصودة، بل حرصاً على الحق، وحين يتبين لهم كانوا أسرع الناس رجوعاً إليه، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري لما روي أبو هريرة حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صوم لمن أصبح جنباً))، وأمر مروان عبد الرحمن بالذهاب إلى عائشة رضي الله عنها وقالت: "كان صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع لا احتلام ويتم صومه"، ولما أخبروا أبا هريرة رضي الله عنه قال: "إنما اخبرني الفضل بن العباس، وأمهات المؤمنين أعلم بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم منا"([17])، وهذا ظننا بهم رضي الله عنهم.

    ثم حمل العلم بعدهم التابعون وأتباعهم ووسِّد إليهم الأمر، فنسجوا على منوال الصحابة الأخيار، وما ورد عن أحدهم أنه ردَّ حقاً بعد ما تبين له، ثم جاء بعدهم الأئمة الأعلام. قال ابن تيمية: "وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا وجد للواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافة، فلا بد له من عذر في تركه"([18]).

    وما ذاك إلا أنهم أيقنوا أن الحق يُتعرّف عليه من خلال النصوص التي هي مصدر هداية الأمة، فتبعوها، والنتيجة أن الخلاف لم يكن غاية في ذاته، بل كل واحد يطلب الحق بطرقه ووسائله، ويقع الخلاف لأي سبب من الأسباب، فلا بد للأمة أن تخلص النية في طلب الحق لتتفق عليه ولا تختلف.

    وترتب على هذا أن الخلاف لم يكن يفسد للود قضية، ولم يكن سبباً في القطيعة والتدابر. قال الصرفي: "ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، إلا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة"([19]).

    قال الذهبي: "هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه"([20])، وقال يحيى بن سعيد القطان: "ما برح أولوا الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه"([21]).

    وقال: "أهل العلم أهل سعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، وأن المسألة لترد على أحدهم كالجبل، فإذا فتح لها بابها قال ما أهون هذه".

    قال ابن تيمية: " قد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً)([22])، وكان يتناظرون في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين.

    نعم، من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافاً لا يُعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع، وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شئ تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة"([23]).

    ونقل الشاطبي عن بعض المفسرين قوله: "كل مسألة حدثت في الإسلام، ما اختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة، علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء"([24])، فلو كان الغاية الحق ما رأيت تنازعاً وشقاقاً بين هذه الأمة، والله المستعان.



    المطلب الثالث: أسباب اختلاف الفقهاء

    إن المقرر المعلوم ــ الذي لا يخفي على أحد، ولا تخطئه عين ــ وقوع الخلاف بين الفقهاء، وكتب الفقه تعج بذلك، ويجب أن يُعلم أن هناك جملة من الأسباب اتفقت واجتمعت وأكدت حتمية وجود الاختلاف، ومهدت الطريق لحدوثه، ولم يكن مقصوداً لذاته كما بينا، وفي هذا المبحث نطرح هذه الأسباب كما ذكرها العلماء وهي كالآتي:

    أولاً: اختلاف بسبب النصوص الشرعية:

    ويظهر هذا في الآتي:

    (أ) عدم وقوف بعض العلماء على بعضها: فقد يقف بعضهم على حديث لا يصل إليه الآخر، فيفتي برأيه، وقد يقع اجتهاده موافقاً للنص كما ورد في سنن النسائي وغيره: "أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن أمرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها، فقال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك؛ فاختلفوا عليه شهراً، وألحوا، فاجتهد برأيه وقضي بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضي بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود رضي الله عنه فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام"([25]).

    وربما وقع اجتهاده مخالفاً للنص كعثمان رضي الله عنه كان يفتي بأن المتوفي عنها زوجها لا تعتد في بيت الموت، ولم يكن له علم بحديث الفريعة بنت مالك رضي الله عنها لما توفي زوجها قال لها صلى الله عليه وسلم: ((امكثي في بيتك حتي يبلغ الكتاب أجله))([26]).

    ونظائر هذا عند الصحابة كثيرة، وما ذاك إلا لأن الصحابة رضي الله عنهم ما زعم أحدهم لنفسه أنه استوعب السنة كاملة وكذا التابعون.

    قال شيخ الإسلام: "هؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم أنقص، فخفاء بعض السنة عليهم أولى، فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة، أو إماماً معيناً فهو مخطئ خطأ فاحشاً قبيحاً"([27]).

    (ب) الاختلاف في ثبوت النصوص: يقول ابن تيمية: "وهو أن يكون قد بلغه الحديث، لكنه لم يثبت عنده"([28])، كأن يكون فيه علة توجب رده، وقد يكون مقبولاً عند غيره كحديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) ضعفه الحنفية وعمل به الجمهور لصحته عندهم.

    (ج) وجوه قراءتها: فقد يقرأ بعض العلماء بقراءة ويقرأ آخرون بقراءة أخرى، وكل قراءة تؤدي إلى حكم شرعي. كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قُرِأ ( أرجلكم) بالفتح وبالكسر، فأخذت كل طائفة بوجه.

    (د) الاختلاف بسبب دلالة النصوص: وذلك لأن النصوص تدل على الأحكام بطريقتين:

    الأول: المنطوق وهو الدلالة على الحكم في محل النطق.

    الثاني:المفهوم بنوعيه الموافقة والمخالفة، وهو الدلالة على الحكم في محل النطق.

    ويقول العلماء: إذا دلت النصوص على أي حكم من الأحكام بأي طريقة من طرق هذه الدلالة علمنا أنه مراد النص، وقد وقع الخلاف بسبب انكار الحنفية لمفهوم المخالفة وغيره من الدلالات.

    وقد يكون المنطوق صريحاً أو غير صريح؛ وبسبب ذلك قد يقع الخلاف. وقد يكون النص ظاهراً أو نصياً أو محكماً أو مفسراً أو يكون خفي الدلالة.

    وقد تكون الدلالة محتملة للوجهين كحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة))، وهو في الصحيحين، قال ابن تيمية: "بعضهم تمسك بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات داخلة في العموم، والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم، فإن المقصود المبادرة إلى الذين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم"([29]).

    (هـ) اختلاف بسبب تعارضها، والمعلوم أنه لا تعارض بين النصوص في أصلها، وإنما التعارض ينشأ بنظر المجتهد في النصوص، وقد وقع خلاف بين العلماء عند ورود نصوص ظاهرها التعارض.

    فذهب الجمهور([30]) مذهب الجمع بين النصوص، فهو عندهم أولى من الترجيح، وذهب الحنفية([31]) إلى تقديم الترجيح على الجمع وهذا له أثر على الفروع.

    مثال التعارض بين النصوص: ما ورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في (رفع اليدين في الصلاة) في البخاري، وما عارضه عند الترمذي بإسناد حسن أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كان صلى الله عليه وسلم لا يرفع يده في الصلاة، فأخذ الحنفية والمالكية بالثانية والحنابلة والشافعية بالأولى.

    (و) قد يرد النص لعالم ثم ينساه ويعني بخلافه وذلك لأن البشر معرض للسهو والنسيان.

    مثاله: ما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن الرجل يجنب في السفر، فلا يجد الماء؟ فقال: "لا يصلي حتي يجد الماء" فقال عمار بن ياسر رضي الله عنهما: "يا أمير المؤمنين، أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأجنبنا وأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، وأما أنت فلم تصلِّ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنما يكفيك هكذا)) وضرب بيديه الأرض، فمسح بهما وجهه وكفيه"؛ فقال عمر: "اتق الله يا عمار"، فقال: "إن شئت لم أحدث به"، فقال: "بل نوليك من ذلك ما توليت"([32]).

    ثانياً: اختلاف بسبب اللغة:

    اللغة العربية موضوعة للتخاطب، يعبر بها الإنسان عما يدور في نفسه من معان، يفهمها الآخر ففي اللغة هنالك الألفاظ المشتركة وهي "اللفظ الواحد الذي يحتمل معاني متعددة".

    والمعروف أنه لا يحمل على أحدهما إلا بقرينة وقد يختلف الناس في هذه القرينة.

    مثاله قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن لأنفسهن ثلاثة قروء)، فالقرء يطلق ويراد به الطهر، ويطلق ويراد به الحيض.

    فحمله بعض العلماء([33]) على معني الطهر لقرينة تأنيث العدد (ثلاثة)، فلو كان المراد الحيض لذُكر مذكراً، وحمله على الحيض مستدلين بحديث: ((طلاق الأمة سنتان، وعدتها حيضتان))، وهذا يدل على أن المعتبر في العدد الحيض لا الطهر.

    وكذا قد يستعمل اللفظ وفي غير ما وضع له لقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي وهو المعروف بالمجاز وغير ذلك.

    ثالثاً: خلاف بسبب القواعد الأصولية:

    والمراد بذلك القواعد الأصولية القواعد التي نصبها العلماء لضبط الاستدلال والاستنباط، وتسهيل الوصول إلى الأحكام الشرعية، وهذه القواعد وقع فيها خلاف بين العلماء تتيح بسببه خلاف في الفروع.

    قال الأشقر: "وهذا الاختلاف من أهم أسباب الاختلاف"([34])، ويظهر الخلاف بسبب القواعد في الآتي:

    (أ) الخلاف في أصل التأليف فيها، وطريقة التأليف عند جمهور المتكلمين تختلف عن طريقة الحنفية، فالجمهور قعدوا القواعد بالنظر إلى النصوص دون النظر إلى اجتهادات العلماء، وهي المعروفة بالطريقة النظرية. أما الحنفية فقعَّدوا القواعد بالنظر إلى اجتهادات علماءهم وهي الطريقة العملية، ولا شك أن ذلك يدفع إلى الخلاف في بعض المسائل.

    (ب) الخلاف في ضبط بعض القواعد: فبعض العلماء بتوسع في القاعدة بغير ضوابط، فيقع بسبب ذلك خلل في المحتوى ومخالفة للآخرين، كالخلاف في قاعدة (الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال) فليس كل احتمال يبطل الدليل بل الاحتمال الصحيح.

    وكالتأويل الذي تُصرف به النصوص عن ظاهرها وليس كل تأويل، كما فعل الحنفية في الشاة والكفارة واليمين وغيرها وصرف المرأة في حديث: ((إيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل))([35]) فقالوا المراد بها الأمة، ولما ردوا عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: ((ولها المهر بما استحل من فرجها))، أن المهر لا يكون للأمة عندهم عدلوا إلى المكاتبة.

    (ج) وقد وقع الخلاف بسبب اختلاف العلماء في بعض القواعد كقاعدة (الأمر بعد الحظر)، (أو دلالة العام على الأحكام)، وغير ذلك.

    (د) الاختلاف في حجية المصادر: كالاحتجاج بالقياس بين الجمهور والظاهرية، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا، والاستحسان وسد الزرائع، وغير ذلك مما يؤدي إلى اختلاف في الفروع. هذه جملة من الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين الفقهاء فيما سبق([36]).



    المطلب الرابع: أثر خلاف الفقهاء على العاملين في الدعوة

    ولا ينكر أحد ولا يخفى على صاحب أدنى بصيرة أن ما وقع من خلاف سابق كان له الأثر المباشر على خلاف العاملين، خاصة وقد اجتمع على عدة أسباب عمقت الخلاف ورفعت عجلته، وفي هذا المبحث نذكر بعض الآثار الإيجابية والآثار السلبية وبعض الأسباب التي عمقت الخلاف بين العاملين.

    يقول العلواني: "ومن المسلم به أن أسباب الاختلاف تتباين بين الأعصار، وأن كل عصر يورث الأعصار التالية بعض أسبابه"([37]).

    فإليك بعض هذه الآثار:

    أولاً: آثار إيجابية:

    هناك جملة من الآثار الإيجابية للخلاف على العاملين في حقل الدعوة نذكر منها ما يلي: التدقيق والتحرير للمسائل والبحث والتنقيب، والتصحيح والتضعيف وظهور العلم لأن الخلاف يبعث المتنازعين إلى تقوية أدلتهم وضبط مسائلهم، فكثير من هؤلاء تبين لهم بالبحث الحق فاتبعوه وارتفع الخلاف، وهذا المشاهد في الواقع هذه الأيام حيث تشهد رجوع عدد من الشيعة إلى السنة وعدد من المبتدعة إلى الحق خاصة أهل العلم المخلصين. ونشطت الحركة العلمية في وسط المجتمع.

    ثانياً: ضبط الخلاف بقواعد متينة كان له الأثر في تضييق دائرة الخلاف، فالفقهاء رحمهم الله لما اختلفوا، ما تركوا الخلاف هكذا، إنما ضبطوه بقواعد لئلا يؤثر على المسلمين فيما بعد، ومن ذلك:

    (أ) قاعدة: حكم الإمام يرفع الخلاف: وهذه القاعدة نص عليها القرافي([38])، وقال: "لو لم يرفع الإمام الخلاف لما استقرت الاحكام، ولبقيت الخصومات، وذلك يوجب التشاجر والتنازع وانتشار الفساد، وهذه تنافي الحكمة التي لأجلها نصب الحكام"([39]).

    فمن إيجابيات الخلاف السابق هذه القاعدة التي حسمت كثيراً من المسائل الخلافية التي يختار فيها الحاكم قولاً يكون ملزماً للجميع خاصة في الخلاف السابق ذكره.

    (ب) قاعدة: الخروج من الخلاف مستحب: ذكرها السيوطي([40])، قال العلماء: "إن أفضلية الخروج من الخلاف ليست بثبوت سنة خاصة فيه، بل لعموم الاحتياط للدين، وهو مطلوب شرعاً مطلقاً، فكان القول بأن الخروج من الخلاف أفضل ثابت من جهة العموم واعتماده من الورع المطلوب شرعا"([41]).

    فكلما وجد العالم سبيلاً للخروج من الخلاف كان أفضل من التوسع فيه، كاجتناب استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة مع وجود الساتر خروجاً من القول بالجواز والعدم.

    (ج) قاعدة: لا ينكر المختلف فيه: وهي قاعدة جليلة ذكرها عدد من العلماء ونصوا عليها، وذلك رفعاً للخلاف من بين علماء الأمة، وقد أثرت هذه القاعدة في تضييق دائرة الشقة، وضبطت أعظم أمر يمكن أن يقع الخلاف بسببه وهو إنكار المنكر.

    (د) كل القواعد السابقة تم فيها تحديد الخلاف وذكر شروط مراعاته لئلا يفتح الباب على مصراعيه يقول السيوطي: "ولمراعاة الخلاف شروط، أحدها: ألا يوقع مراعاته في خلاف آخر، ومن ثم كان فصل الوتر أفضل من وصله ولم يراع خلاف أبي حنيفة لأن من العلماء أصلاً من يجيز الوصل، الثاني: ألا يخالف سنة ثابتة وهو واضح، الثالث: أن يقوى مدركه بحيث لا يُعدُّ هفوة، ومن ثم كان الصوم في السفر أفضل لمن قوي عليه"([42]).

    (هـ) قاعدة ( التصويب والتخطئة) هذه القاعدة في الخلاف كانت ضابطة ومقيدة وأثرت كثيراً على العاملين في الدعوة إلى الله تعالى، إيجاباً وسلباً، إيجاباً لمن فهمها وسلباً على من جهلها.

    يقول ابن تيمية: "ينقسم الخلاف في الأصل إلى قسمين:

    الأول: اختلاف تنوع وهو على وجوه:

    (أ) ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة حتي زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((كلاكما محسن))([43])، وكالاختلاف في وجوه الآذان والإقامة.

    (ب) ومنه ما يكون كل من القولين هو معنى القول الآخر لكن العبارتين مختلفتان، كاختلاف الناس في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة، ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى.

    (ج) منه ما يكون المعنيان غيرين لكن لا يتنافيان فهذا صحيح وهذا صحيح كما في حديث بني قريظة المذكور آنفاً.

    (د) ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، ولرجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخري وكلاهما حسن في الدين، ثم الجهل أو الظلم يحمل على ذم أحدهما.

    الثاني: اختلاف التضاد فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول وإما في الفروع"([44]).

    وبعد التقسيم قال ابن تيمية: "القسم الذي أسميناه اختلاف التنوع كل واحد من المختلفين مصيب بلا تردد، ولكن الذم الواقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد الطائفتين إذا لم يحصل بغي، قال تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله)([45])، وكانوا قد اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون، أما اختلاف التضاد فالمصيب واحد ومن قال من العلماء: كل مجتهد مصيب فعنده هو من اختلاف التنوع"([46]).

    وقد أثرت هذه المسألة وسابقتها على العاملين ما يلي:

    (1) ظهور التيارات الإسلامية العلمية التي كان لها الأثر القوي على المجتمعات كما في الجزائر والسودان.

    (2) حصول التعاون المثمر بعض الشئ بين الجماعات الإسلامية والذي ظهر في شكل برامج مشتركة كما في السعودية فترة من الزمن وباكستان وغيرها.

    (3) إثراء الساحة الفكرية والعلمية والتصدي للأفكار الهدامة والآراء المنحرفة كوحدة الأديان وجبهة المؤمنين والحزب الإبراهيمي وغيرها.

    (4) دعم حركات الجهاد المعاصرة وتأييدها والدعوة لها بالنصر والتمكين، كما في الفلبين والشيشان والبوسنة وأفغانستان وغيرها.

    إلي غير ذلك من الثمار الطيبة والتي نرجو أن تزداد وتزدهر.

    ثانياً: آثار سلبية:

    كما أن لللاختلاف آثاراً إيجابية لكن آثاره السلبية أعظم وأكبر كما هو مشاهد في ساحات العمل الدعوي وبين الدعاة إلى الله تعالى، حتى أصبحوا أيدي سبأ، وذهبت ريحهم وتفرقت كلمتهم وتنازعوا في أمرهم وضعفت شوكتهم وصاروا كما قال الله تعالى: (كل حزب بما لديهم فرحون)، والله المستعان.

    ومن أعظم هذه الآثار ما يلي:

    (1) الاحتجاج بالخلاف ذريعة في محل الاختلاف: فكثير من الناس يجعل الخلاف ذريعة لتضييع الحق بقوله: هذه مسألة خلافية، وأحياناً الاستدلال بالقواعد السابقة بغير ضابط كقاعدة (الخروج من الخلاف مستحب)، وغيرها فيكون الخلاف حجة عند كثير من العاملين في حقل الدعوة، وخطر هذا القول يظهر في عدة أمور:

    (أ) الزهد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم اتباع الدليل في محل الخلاف، مما يجعل العمل الدعوي يقوم بعيداً عن مصدر الهداية المبارك.

    (ب) تمييع الأحكام الشرعية الذي ينعكس على الفكر الإسلامي.

    (ج) ضياع الحق مع هذه المقولة سواء في العبادات أو المعاملات والخطر الأكبر وصلت إلى الأصول التي لا تقبل خلافاً ولا تحتمله.

    (د) البحث عن شواذ المسائل وشواردها لتبرير الأخطاء.

    (2) التعصب الذي حدث في بعض المذاهب الفقهية أثر سلباً على بعض اجتهادات العاملين في الدعوة، كل عامل يرجو من طلابه التعصب لرأيه وأن يكون قوله هو الفضل وهو الآمر الناهي، مما جعل بعض الناس يدعي العصمة لهم كما أورث التعصب الجماعي والحزبي، وجدير بالتعصب أن يكون للحق لا للاشخاص و التنظيمات؛ فلو كان كذلك لرأيت التعاون والتكاليف والتآلف بين العاملين بمختلف أحزابهم وتنظيماتهم.

    قال الغزالي: "إن طالب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه ويري رفيقة معيناً لا خصماً، ويشكره إذا عرفه الخطأ أو أظهر له الحق"([47]).

    وقال الشافعي: "ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ"([48]).

    وقال: "ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه"([49]).

    قال الشنقيطي: "إننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله؛ لأن كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلامه صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيراً"([50]).

    قال الصويان: "قد كان التعصب في التاريخ الإسلامي يتلبس بلباس المذهبية الفقهية، فأصبح في عصرنا الحاضر يتلبس بلباس الحزبية، التي درج عليها بعض العاملين في الإسلام وهي معول هدم يقتل الإبداع ويعطل عقل الإنسان"([51]).

    والخطر في التعصب أنه يدفع الحق إن جاء من عند غيره، ذكروا أن رجلاً استدل عليه خصمه بدلالة صحيحة فكان جوابه أن هذه دلالة فاسدة ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها وما لم يذكرها الشيخ لا خير فيه([52]).

    (3) من الآثار السلبية ـــ لاختلاف الفقهاء على العاملين في الدعوة، وهو متفرع عن سابقه ــ ظهور الغلو والتنطع ومحاوزة الحد في العبادة، بل قد يصل بعضهم إلى درجة يخرج إخوانه من الملة والعياذ بالله وبالتالي يهدر دمه.

    وقد نهت الشريعة عن الغلو قال تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم)([53]).

    وقال صلى الله عليه وسلم: ((هلك المتنطعون))([54]).

    وظهور الغلو يدل على غياب الميزان الشرعي، فالذي يحمل الناس على العزائم في مقام الرخص لا يعرف قيمة الشرع، والذي يزيد على ما أمر به الشرع جاهل بمقاصده، غير ملتزم بتشريعه والأصل في العبادات التوقف.

    (4) ومن آثار الاختلاف ظهور الفهم العقلاني المحض، وذلك بتقديم المعقول على المنقول.

    قال الشهرستاني: "إن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنة الله، مصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالمادة التي خلق منها وانشعبت من هذه الشبهة سبع شُعَب وسارت في الخليقة وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدع وضلالة"([55]).

    فالفكر العقلاني لا يدعو إلى فهم النصوص عند الاستدلال بها، وإنما يدعو إلى إعمال العقل في مقام النص، فتضيع النصوص ويتعبد الناس بالعقول ولا شك أنه الضياع والهلاك. وكما هو مقرر عند العلماء العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح لذلك يقول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)([56]).

    فإذا صادم عقلك نصاً صريحاً فاتهم عقلك ولا تتهم النص و لا تبطله.

    قال سهل بن حنيف: "يا أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم ـ لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته"([57]).

    بل وانتشرت مقولة (هذا نصي) (هذا حرفي) مما غيَّب عن الناس الفهم الصحيح وعمَّق الخلاف وسببه المباشر الذي يستند إليه هو الخلاف السابق.

    (5) الانشقاقات في صفوف الجماعات، فالاختلاف في الآراء بدلاً من أن يكون مجالاً خصباً، وللتناصح وردِّ المتنازع فيه إلى الشرع أصبح سبباً في الانشقاقات، وتكونت بسببه خلايا سرطانية تخرج منها في كل يوم مجموعة تسمى نفسها اسماً جديداً حاملة معها حججاً وبراهين تدافع بها عن خروجها، وبعد فترة هي نفسها تفر من التشبيه وتقع في التعطيل وتنقسم على نفسها وهكذا.



    المطلب الخامس: أسباب عمق الخلاف بين العاملين:

    رغم آثار خلاف الفقهاء على العاملين في حقل الدعوة، اجتمعت عدة أسباب، عمقت الخلاف وجعلت من الصعوبة بمكان القضاء عليه ومن هذه الاسباب:

    أولاً: قلة الضبط وتحرير المسائل وتحديد محل النزاع:

    وهو الذي أثمر الفوضى الفقهية، وفتح الباب على مصراعيه لكل إنسان، فالضبط يقدم المعلومة الصحيحة التي تطمئن إليها النفس. فكثير من الخلاف المعاصر سببه عدم الضبط وتحرير المسائل. فإن النوازل التي تفرق الأمة، لا يقضى فيها دون بحث أو تنقيب وإلا كانت وبالاً عليها ولا تترك للأهواء والأغراض الشخصية والحزبية.

    ثانياً: غياب الاستعمال الصحيح للمصطلحات والقواعد:

    والمراد بالاصطلاح أنواعه الثلاثة الاصطلاح اللغوي والعرفي والشرعي، وأيها يقدم عند إطلاق اللفظ خاصة المصطلح الشرعي، وكذا القواعد خاصة قواعد التعامل مع النصوص والتعامل مع الخلاف المذكور سابقاً.

    ثالثاً: عدم سلامة صدر العاملين وغلبة الهوى على النفس:

    قال تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم)([58]). فالهوى داء خطير يعمي البصر فلا يرى حقاً إلا ما وافق هواه.

    قال الجهني: "الخطاب الإسلامي يجب أن يتوجه من نبذ الخلاف إلى نبذ الهوى في الخلاف أو خلاف الهوى، وهذا بدوره سوف يؤدي إلى توسيع دائرة المتفق عليه على حساب دائرة المختلف فيه"([59]).

    وقال: "ويبقى الجهل والهوى هو المحضن الخبيث لتفريخ بيض الخلاف في الأقوال: اعتداداً وغروراً، وخوضاً في الأعراض، وتمادياً في الإعراض، وفي الأعمال: هجراً وصدوداً، وإيقافاً لعجلة الخير ودفعاً لعجلة الشر"([60]).



    المطلب السادس: حلول عاجلة

    لا يمكن بأي حال القضاء على الخلاف مطلقاً، ولا يمكن التسليم له مطلقاً، بل لا بد من تدارك هذه الآثار السالبة، وهذا الواقع المخيف بإيجاد حلول شرعية عاجلة بها يندمل الجرح، ويقوى العود ويشتد الساعد ومن هذه الحلول:

    أولاً: تصحيح بعض المفاهيم السائدة التي إن لم تفهم على حقيقتها لا يستقيم للأمة أمر، ومن هذه المفاهيم:

    (أ) مفهوم التعاون:

    لأنه أمر رباني كما قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)([61]).

    وقد اختلف مفهوم التعاون وأصبح ضيقاً لا يحقق الفائدة العامة إلا نادراً.

    قال السندي: "لا يعرف الناس إلا حالتين، أما التعاون الشامل والوحدة الكاملة أو التنازع والخصومة والمواجهة، وهذا التصور صورة من صور الجهل وضيق النظر وغياب الحكمة وقلة المعرفة بقواعد الشريعة وأحكامها"([62]).

    وقد يحتج بعض الناس بعدم التعاون مع الآخرين بحجة أن فيه بدعة أو مخالفة شرعية أو مفهوم خاطيء، بل الصحيح أن يتعاون الناس في المتفق عليه، وأن يتناصحوا في المختلف فيه.

    قال ابن تيمية: "فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مع تركها ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل"([63]).

    وقال الجهني: "إن كل خلاف في التنظير يجب أن يتحول إلى خلاف في التطبيق، مساحة التنظير أوسع من مساحة التطبيق، ومرونة الآراء أرحب من مرونة الأداء، وتبقى قضايا التنوع والراجح والمرجوح والفاضل والمفضول والحسن والأحسن أيسر من أن تترجم إلى مفاصلة عملية بين جزئين متضادين، فالتطاوع في الأعمال لا يعني التطابق في الأذهان، وإلا لما نيل التطاوع وإن طال الزمان"([64]).

    (2) مفهوم موالاة المسلم:

    هذا من المفاهيم التي يحب أن تصحح عند المسلمين، وهو أساس للفهم السابق، وذلك لأن الموالاة لم تعُد في الله وإنما في التنظيمات والأحزاب والجماعات، وأن المسلم أصبح إما أن يوالي جملة أو يعادي جملة، وهو المفهوم الذي جعل الشقاق بين الأمة سمة ظاهرة.

    يقول البدري: "أن المسلمين في أمسِّ الحاجة إلى من يعيدهم إلى العمل بروح الأمة، وقيم الولاء للفكرة الإسلامية، والبعد عن العصبيات والأطراف الحزبية، والتي هي في حقيقة أمرها مقابر تدفن فيها أشلاء الأمة الإسلامية بعد أن قتلتها الفرقة"([65]).

    والمفهوم الصحيح في الولاء أن المسلم يوالي بقدر ما فيه من الطاعة، ويعادي بقدر ما فيه من المعصية لا يوالي جملة ولايعادي جملة.

    قال ابن تيمية: "إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فتجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، مجتمع له من هذا وهذا، وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة"([66]).

    ولا شك أن كل مسلم يخطئ، وليس هناك جماعة مبرأة من كل عيب، فلو أننا فهمنا هذا المنهج الصحيح وعملنا به؛ لرأيت المسلمين يتوالون في الخير ويجتمعون، عليه والدين كله خير وإنما الخطأ في الفهم وبعض الممارسات.

    وكان علماء الأمة في سابق عهدها على هذا المنهج، ولا أدل على ذلك مما قاله الذهبي في الميزان عندما ترجم الأبان الكوفي: "شيعي جلد، ولكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه تشيعه"([67])، مع العلم أنه من رجال البخاري.

    (3) مفهوم العلاقة بين الأمر الكوني والقدري:

    معلوم أن الله قال: (ولا يزالون مختلفين)([68]) ، وأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفرق إلى ثلاث وسبعين فرقة([69])، فهذا أمر قدري كوني نسلم به ونصدق بوقوعه، ولكن أمرت الشريعة بالاتفاق وعدم الفرقة فقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)([70]).

    وقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات)([71])، وهذا أمر شرعي والأمة مطالبة بالأمر الشرعي لا الكوني، فلا يجوز أن نقول بأن الاختلاف واقع ولا فرار منه ونسلم لذلك، والتسليم بهذه الحقيقة لا يعني التسليم لها، وهو عين مذهب الجبرية الذين احتجوا بالقدر على معاصيهم.

    قال ابن تيمية: "والمعلوم أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصدق الرسل فيما أخبرت، وتطاع فيما أمرت، كما قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)، والإيمان بالقدر من تمام ذلك فمن أثبت القدر وجعل ذلك معارضاً للأمر فقد أذهب الأصل"([72]). فلا بد من تصحيح هذا الفهم لنخرج من نفق الخلاف.

    ثانياً: من الحلول العاجلة إيجاد وحدة عملية أصولها الكتاب والسنة بين العاملين في حقل الدعوى وذلك بالآتي:

    (1) رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة: لقول الله عز وجل: (يا أيها الذين أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً)([73])، والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب، والرد إلى الرسول الرد إلى سنته([74]).

    فإن الأمة الإسلامية تفخر بأن مصدر هدايتها موجود لم يعتريه تبديل ولا تحريف، ولو أنها التفّت حوله لحققت خيراً عظيماً ودفعت شراً مستطيراً.

    (2) تعظيم الوحي المبارك القرآن والسنة، حتي تكون لا هيبة عند الناس.

    وقد أخرج الترمذي عن أبي السائب قال: كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي:أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقول: قال أبو حنيفة، أهو مثلة؟ قال الرجل فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "الإشعار مثلة"، قال رأيت وكيعاً غضب غضباً وقال: أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال إبراهيم ما أحقك أن تحبس! ثم لا تخرج حتي تنزع عن قولك"([75]).

    وقال ابن عباس رضي الله عنه: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقولون قال أبو بكر وعمر"([76]).

    (3) تضييق دائرة الخلاف بتحرير محل النزاع: ويفسح المجال للعمل بالقواعد الخاصة بضبط الخلاف كقاعدة (الخروج من الخلاف مستحب)، (وحكم الإمام يرفع الخلاف)، (والإنكار في مسائل الخلاف)، وتحديد أنواع الخلاف السائغ والممنوع وتحديد شروط الخلاف، وكيفية الخروج منه إلى غير ذلك.

    قال الوهيبي: (ليس المطلوب إزالة الخلاف أو إلغاؤه، فذلك غير ممكن، وإنما المطلوب فقط التقليل من دائرته والتعايش السوي السليم معه) ([77]).

    ثالثاً: قيام التناصح المشروع بين العاملين في حقل الدعوة بشروطها، ليحصل الاتفاق، قال جرير بن عبد الله البجلي: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم".

    فالمؤمن مرآة أخيه، يعكس له عيوبه، و يبدي له ما خفي عليه، فكلنا ذوو خطأ.

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بهذه المبدأ، فجمع الناس على كلمة سواء، من ذلك لما نزل قول الله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)([78])، قال الصحابة: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم)([79])، إنما هو الشرك))([80]).

    فبيَّن لهم صلى الله عليه وسلم المراد، ولو أن الناس تعاهد بعضهم بعضاً بالبيان كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستقام الناس على الخير.

    رابعاً: نشر آداب الاختلاف وأخلاقه من الورع والبعد عن الهوى والتعصب والسباب واحتقار الآخرين والحرص على انتقاء أطايب الحديث كما ينتقي أطايب الثمر، واحترام الآخرين.

    ذكر القاضي عياضي في المدارك: "قال الليث بن سعد لقيت مالكاً في المدينة، فقلت له: إني أراك تمسح العرق عن جبينك قال: عرقت مع أبي حنيفة، أنه لفقيه يا مصري، قال الليث: ثم لقيت أبا حنيفة فقلت له: ما أحسن قول هذا الرجل فيك يشير إلى مالك، فقال أبو حنيفة: ما رأيت أسرع منه بجواب صادق ونقد تام"([81]). وأمثلة هذا كثير ونظائره جليلة.

    أسأل الله تعالى أن يوفق الأمة إلى أحسن الأخلاق وأكرم الصفات، والله المستعان.



    ([1]) بصائر ذوي التمييز 2/562.

    ([2]) المصباح المنير ص179 فقه الخلاف ص 13.

    ([3]) انظر آداب الاختلاف ص21.

    ([4]) أخرجه أبو داود برقم (4800)، والترمذي برقم (1993).

    ([5]) أدب الاختلاف في الإسلام، ص 23.

    ([6]) مفتاح السعادة 2/599، دار الكتب الحديثة.

    ([7]) سورة الرعد آية (17).

    ([8]) تفسير ابن كثير 4/81.

    ([9]) أخرجه البخاري 1/175 برقم (79) مع الفتح (2) فتح الباري 1/17.

    ([10]) سورة الأنبياء 78ـــ79.

    ([11]) سورة الأحقاف: 15.

    ([12]) سورة لقمان: 14.

    ([13]) صحيح البخاري، كتاب الصيام، 40/111.

    ([14]) سورة هود: 118ــ119.

    ([15]) الموافقات في أصول الشريعة 3/764.

    ([16]) سورة يونس: 32.

    ([17]) صحيح البخاري، كتاب الصيام.

    ([18]) رفع الملام، ص 10.

    ([19]) سير أعلام النبلاء 10/16ــ17.

    ([20]) المرجع السابق.

    ([21]) المرجع السابق.

    ([22]) سورة النساء: 59.

    ([23]) مجموع الفتاوى 4/72ــ73.

    ([24]) الموافقات في أصول الشريعة 4/186.

    ([25]) سنن النسائي.

    ([26]) أخرجه أحمد في المسند 6/380، وأهل السنن وصححه الترمذي.

    ([27]) رفع الملام، ص 23.

    ([28]) المرجع السابق، ص 25.

    ([29]) رفع الملام ص 58.

    ([30]) روضة الناظر لابن قدامة.

    ([31]) كشف الأسرار.

    ([32]) أخرجه البخاري برقم (347)1/455 مع الفتح.

    ([33]) راجع الموطأ 2/2577، التاج الاكليل 4/145.

    ([34]) أصول الفقه أبو النور زهير.

    ([35]) أخرجه احمد ابو داود والترمذي وحسنه.

    ([36]) انظر هذه الأسباب، رفع الملام ص 9، ما بعدها الانصاف في بيان أسباب الخلاف ص 4، وما بعدها، وفقه الاختلاف ص 33، أدب الاختلاف في الإسلام ص 10 وما بعدها.

    ([37]) أدب الاختلاف في الإسلام ص 150.

    ([38]) الفروض للقرافي 2/103.

    ([39]) المرجع السابق 2/104.

    ([40]) الأشباه والنظائر، ص 136.

    ([41]) المرجع السابق.

    ([42]) الأشباه و النظائر ص 137.

    ([43]) أخرجه البخاري برقم (2410) مع فتح الباري.

    ([44]) اقتضاء الصراط المستقيم 1/149ــ151.

    ([45]) سورة الحشر 5.

    ([46]) انظر اقتضاء الصراط المستقيم 1/152.

    ([47]) إحياء علوم الدين للغزالي 1/57.

    ([48]) مناقب الشافعي للرازي ص 360.

    ([49]) الفقيه والمتفقه 2/26.

    ([50]) أضواء البيان.

    ([51]) أصول الحوار ص 47.

    ([52]) أدب الدنيا والدين ص 78.

    ([53]) آية سورة المائدة.

    ([54]) أخرجه مسلم رقم (2670).

    ([55]) الملل والنحل 1/16.

    ([56]) سورة النساء: 59.

    ([57]) أخرجه البخاري مع الفتح 13/289.

    ([58]) سورة الجاثية: 23.

    ([59]) مجلة البيان العدد (157) الصفحة (143).

    ([60]) المرجع السابق.

    ([61]) سورة المائدة: 2.

    ([62]) مجلة البيان العدد (116) صفحة (18).

    ([63]) مجموع الفتاوي 28/212.

    ([64]) البيان العدد (157) الصفحة (143).

    ([65]) البيان العدد (83) صفحة (39).

    ([66]) مجموع الفتاوى 27/209.

    ([67]) ميزان الاعتدال 1.

    ([68]) سورة هود: 118.

    ([69]) أخرجه الترمذي.

    ([70]) سورة آل عمران: 103.

    ([71]) سورة آل عمران: 105.

    ([72]) محموع الفتاوي 8/106.

    ([73]) سورة النساء: 59.

    ([74]) تفسير ابن كثير 1/531.

    ([75]) أخرجه الترمذي.

    ([76]) أخرجه البخاري.

    ([77]) البيان العدد (107) الصفحة (143).

    ([78]) سورة الأنعام: 82.

    ([79]) سورة لقمان: 63.

    ([80]) أخرجه البخاري.

    ([81]) المدارك.





    * أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الخرطوم
     
  2. hajer98

    hajer98 كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    586
    الإعجابات المتلقاة:
    427
      30-10-2007 11:28
    جازاك الله خيرا أخي الكريم على هذا التوضيح الرائع.

    أسأل الله تعالى أن يوفق الأمة إلى أحسن الأخلاق وأكرم الصفات، والله المستعان.
     
  3. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      30-10-2007 21:40
    بارك الله فيك الأخت الفاضلة هاجر
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...