الاختلاف بين المسلمين و بيانه

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة cherifmh, بتاريخ ‏30 أكتوبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      30-10-2007 23:50
    :besmellah1:

    السلام عليكم

    في سياق حديثنا عن الإختلاف وجدت موضوعا أحببت نقله لكم بعنوان الاختلاف بين المسلمين و بيانه ونريد أن التأكيد على أنّنا على الاختلاف في الاجتهاد ولا نتحدّث عن "الخلاف" لا سمح الله
    ******


    الخلاص و اختلاف الناس

    كثرت المسائل الشرعية التي اختلف عليها المسلمون , بين مجيز و مانع .. و قد انبثق عن ذلك بعض الحركات التي تبنت بعض المسائل الشرعية .. معيبة بذلك الحركات و الطوائف الأخرى .. و مثال على ذلك مسائل كثيرة مثل الغناء و الدخان و شربه .

    و الذي يُحزن حقا أن هذه الحركات قد انشغلت بمسائل ليس لها أبعاد سياسية , و لم يرد لها ذكر من أدلة قطعية على حكمها .. فكان الاختلاف بناء على عدم الفهم و التصور الصحيح للخلاف المذموم أو الجائز شرعا

    و هنا استعرض بحثا قد قرأته أكثر من مرة لما فيه الفائدة الجمة .. و بعد ذلك سأستعرض بعض المسائل الفقهية التي اختلف فيها الفقهاء و بيان أسباب ذلك


    أستهل هذا الموضوع بتبيان الإختلاف بين المسلمين و حكمه .




    الإختلاف بين المسلمين

    كثر التساؤل بين الناس وسط زحم الجماعات الاسلامية , حول هذه المسألة , هل يجوز للأمة الاسلامية أن تختلف فيما بينها ؟؟ و إن جاز ففي أي مواضيع ؟؟ و ما هو سبب الاختلاف ؟؟؟

    صحيح أن الشرع الاسلامي نهى عن الاختلاف و الفرقة و ذمها . فمن ذلك قوله تعالى :

    " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "

    " ولا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات "

    إلا أن هذا النهي عن الاختلاف و الفرقة , ليس في كل الدين , بل في أصوله لا في فروعه , و ذلك من وجوه :

    الوجه الأول : أن النهي و الذم في هذه النصوص عن الاختلاف الذي يشابه اختلاف الكفار في دينهم و هو في أصول الدين .

    الوجه الثاني : أن السنة دلت على إجازة الاختلاف , في فروع الدين و ليس في أصوله .

    الوجه الثالث : اختلاف و تنازع الصحابة فيما بينهم , كان في فروع الدين , لا في أصوله , ولم يُنكر عليهم أحد منهم .

    الوجه الرابع : أن التابعين , وتابعيهم و علماء السلف قد أقروا الاختلاف في الفروع دون الأصول .

    و إليكم شرح هذه الوجوه و تفصيلها :


    الوجه الأول :
    وهو الاختلاف الذي اختلفه الكفار فيما بينهم و هو في أصول الدين لا فروعه , ولذلك ذمه الله عز و جل وعابه عليهم , كاختلافهم في انبيائهم , و اختلافهم في البعث و النشور , و اختلافهم في الحياة و الموت , و اختلافهم في كتبهم ..

    فمنهم من اعتقد ان المسيح ابن الله , و منهم اعتقد ان العزيز ابن الله , و منهم اعتقد أنه لن تمسه النار الا اياما معدودة , فهذا و أمثاله الذي جعلهم يتفرقوا في الدين و جعلهم شيعا و أحزابا كافرة تركت دينهم و تفرقت و تأولته على حسب هواها .
    قال تعالى :


    " ولا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات "

    " ولا تكونوا كالمشركين , من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون "
     
  2. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      30-10-2007 23:52
    الوجه الثاني : وهو السنة , و هي ما ورد عن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من قول أو فعل أو تقرير , و تأتي لتخصيص عموم , أو تفصيل مجمل , أو تقييد مطلق , و لا تكون متعارضة مع القرآن , إلا على سبيل النسخ .
    و أما دليلها على إجازة الإختلاف في فروع الدين , لا في أصوله :

    أولا : اقراره عليه الصلاة و السلام لصحابته في يوم الخندق حينما أراد غزو بني قريظة فقال
    " لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة " فمن الصحابة من صلاها في الطريق , ومنهم من أخرها الى أن وصل بني قريظة , فأقرهم الرسول _ صلى الله عليه و سلم _ على فهمهم و اختلافهم هذا , ولم يعنف عليهم , ولم ينكر عليهم ذلك , مما يدل على إباحة مثل هذا الاختلاف , وهو في الفروع وليس في الأصول .

    ثانيا : قوله – عليه الصلاة و السلام-
    " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران , و إذا اجتهد فأخطأ فله أجر " و هذا كله في فروع الدين و ليس في أصوله , ولا في ما هو قطعي .

    أما الفرق بين أصول الدين و فروعه , وبين القطعي و الظني فالتالي :

    فأصول الدين هي المسائل الاعتقادية , و هي قسمان :

    1) ما يتوصل إليه بالنظر و الاستدلال , و يسمى بالمسائل العقلية , أي التي يتوصل اليها عن طريق العقل و الادراك , كالايمان بالله و الايمان بأن القرآن من عند الله , و الايمان بأن محمدا رسول الله
    2) ما يتوصل اليه عن طريق النقل و الإخبار , و يسمى بالمسائل النقلية كالايمان بالملائكة و بالجنة و النار , و البعث و النشور , و بالتوراة و الانجيل و الزبور , و الايمان بابراهيم و موسى و عيسى , و غير ذلك مما ينقل نقلا و كالايمان بان الله يحيي و يميت , و أنه هو الرازق , و أنه هو المعز .



    أما فروع الدين , فهي المسائل الفقهية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية و هي قسمان :
    1) مسائل قطعية في الثبوت و الدلالة
    2) مسائل ظنية , في الثبوت أو الدلالة , أو كلاهما معا .
    أما المسائل القطعية في الثبوت , فهي التي تكون قطعية في ثبوتها عن الله و رسوله , أي أن تكون من القرآن , أو الحديث المتواتر .

    و المسائل القطعية الدلالة , التي تكون قطعية في دلالتها أي في معناها , ولا تأخذ إلا معنى واحدا , كتحريم الخمرة , و تحريم الزنا , و تحريم الربا , و تحريم القتل و السرقة , و تحريم الجمع بين أختين , كل ذلك و أمثاله , ثابت قطعا , ولا يحتمل إلا معنى واحدا , وهو ما ذكرناه .

    أما القسم الثاني من الفروع : و هو المسائل الظنية , و هي قسمان كذلك :


    الاول : ظني في الثبوت
    الثاني : ظني في الدلالة .

    أما ظني الثبوت : هي المسائل التي لم تصل الى التواتر و القطع في ثبوتها , و ذلك كالنصوص الغير متواترة عن رسول الله ( ص ) فهي ليست قطعية في ثبوتها , كخبر الآحاد و المشهور .

    أما ظني الدلالة : فهو المسائل التي تحتمل أكثر من معنى , ولو كانت قطعية في ثبوتها , و هذا موجود في القرآن و في السنة المتواترة و غير المتواترة و هو كثير .

    فمحل الاختلاف و التنازع الذي أجازه الشرع و كما سيأتي بيانه في المسائل التي اختلفوا فيها و في اسباب الاختلاف , هو في القسم الثاني من الفروع و هو في المسائل الظنية , بفرعيها , الثبوت و الدلالة .

    فإذا تقرر ما قلناه , يكون معنى قوله ( ص ) إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر و ان اجتهد و أصاب فله أجران انما يكون في الظنيات و ليس في أصول الدين , و لا في ما كان قطعيا بينا منصوصا من فروع الدين و أصوله و ذلك أن رسوله الله ( ص ) رتب لكل مجتهد منهما أجرا , و هذا يعني أنهما لو اختلفا في الفروع التي أشرنا اليها , فلا بأس عليهما في ذلك .

    أما معنى كونه رتب لكل منهما أجرا , يعني أن كلا منهما مصيب في ذلك , الاصابة التي لا تنافي الخطأ , بخلاف الاجتهاد في اصول الدين و في ما كان بينا منصوصا قطعيا , لأن الحق فيها واحد , و المصيب فيها واحد , فإنه لا يمكن أن يأتي في العقيدة حكمين متضادين , أو متناقضين , و اضرب مثالا للتوضيح :

    فلو قال أحه المخبرين : أن فلانا من الناس موجود الساعة في بيته .
    وقال آخر : أن هذا الشخص ليس موجودا في بيته .
    فلزم ان يكون أحد المخبرين صادقا , و الآخر كاذبا أو مخطئا , إذ يستحيل احتمال الخبرين معا , أن يكون و أن لا يكون ,

    فكذلك الحال بالنسبة لأصول الدين , و ما كان قطعيا , فإنه لا يمكن أن يثبت أحد المخبرين بأن الصلاة فرض , و الآخر ينفي ذلك , و يكون كلاهما صوابا و مأجورا , كما لا يمكن أن يثبت أحد المجتهدين أن القرآن من عند الله , و الآخر ينفي ذلك , و أن يثبت أحدهم أن الزنا حرام , و الآخر ينفي ذلك .

    وعليه فيكون الإجتهاد : هو بذل الوسع لتحصيل الظن بحكم شرعي , أو هو بذل الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من نفسه العجز عن المزيد عنه , أي فهم النص الشرعي من الكتاب و السنة بعد بذل أقصى الجهد في سبيل الوصول الى هذا الفهم لمعرفة الحكم الشرعي , وهو سبيل مسائل الفروع الظنية , وليس سبيلا لمسائل الأصول و المسائل القطعية , لأن الإجتاد في مسائل أصول الدين و في ما كان بينا منصوصا قطعيا , يؤدي الى الفسق و الفجور , و الكفر و يؤدي إلى الإختلاف و الفرقة , لأن الحق فيها واحد , و المصيب فيها واحد , و المخطئ فيها آثم , و هو الذي نهت عنه الآيات القرآنية , لأنه عين الإختلاف الذي اختلفه الكفار فيما بينهم في أصول دينهم .

    و بالجملة أقول أنه يفهم من قول رسول الله ( ص ) و اقراره للاختلاف بجانب الآيات التي تنهى عن الاختلاف ضربين ,

    الأول منها اختلاف محمود , وهو في المسائل الظنية من فروع الدين كالإختلاف الذي أقره الصحابة , و كاختلاف الصحابة فما بينهم , و اختلاف علماء السلف و سيأتي بيان ذلك .

    الثاني اختلاف مذموم , وهو في أصول الدين , و في المسائل القطعية من فروعه , و في ما كان بينا منصوصا , كاختلاف الكفار و تفرقهم في دينهم , كما اسلفنا بيانه , و هذا ما عليه جمهور العلماء من السلف الصالح .

    فهذا
    الشافعي رحمه الله يقول الاختلاف من وجهين , أحدهما محرم و لا أقول ذلك في الآخر , فكل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصا بينا لم يحل الاختلاف فيه لمن يعلمه , و ما كان من ذلك يحتمل التأويل , ويدرك قياسا فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القايس و إن خالفه غيره , لم أقل أنه يضيق عليه ضيق الخلاف في النصوص , و احتج الشافعي في هذا التفريق بقوله : " ولا تكونوا كالذين اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات "

    وقال إمام الحرمين : " ولا يجوز أن يقال , كل مجتهد في الأصول الكلامية , أي العقائد مصيب "

    ويقول
    ابن عبد البر " ونهى السلف رحمهم الله عن الجدال في الله جل ثناؤه في صفاته و أسمائه , و أما الفقه فأجمعوا على الجدال فيه و التناظر لأنه علم يحتاج فيه الى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك , وليس الإعتقادات كذلك " .

    ويقول أبو بكر ابن العرب التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه :
    1) التفرق قي العقائد لقوله تعالى " أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا عليه " .

    2) قوله عليه السلام " لا تحاسدوا ولا تدابروا و لا تقاطعوا و كونوا عباد الله إخوانا " .

    3) ترك التخطئة في الفروع و التبري فيها , و ليعض كل أحد على اجتهاده , فإن الكل بحبل الله معتصم , و بدليله عامل

    وقال إن الحكمة في ذلك أن الإختلاف و التفرق المنهي عنه إنما هو المؤدي الى الفتنة و التعصب و تشتيت الجماعة , فأما الإختلاف فهو من محاسن الشريعة , و استدل بالحديث الشريف " اذا اجتهد الحاكم " .

    وفرق
    ابن تيمية – رحمه الله – بين فروع الدين و أصوله بقوله " و اما لعن العلماء , لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عُزر , و عادت عليه اللعنة , فمن لعن من ليس أهلا للعنة , وقعت اللعنة عليه , و العلماء أنصار فروع الدين , و الأشعرية أنصار أصول الدين "

    و ذكر
    الشوكاني – رحمه الله – " اعلم أن الخلاف في هذه المسألة تختص بالمسائل الشرعية لا العقلية فلا مدخل لها في هذا "

    و قد ذهب الجمهور الى أن المسائل الشرعية تنقسم إلى قسمين :



    1) قطعيا معلوما بالضرورة أنه من الدين كوجوب الصلوات الخمس و صوم رمضان , و تحريم الزنا و الخمر , فليس كل مجتهد فيها مصيب , بل الحق فيها واحد , فالموافق له مصيب و المخطئ غير معذور بل آثم .

    2) المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها , فذهب الكثيرون الى أن كل مجتهد مصيب , و حكاه
    الماردي و الروياني عن الأكثرين , و ذهب أبو حنيفة و مالك و الشافعي و أكثر الفقهاء الى أن الحق في أحد الأقوال , ولم يتعين لنا وهو عند الله متعين لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد للشخص الواحد حلالا و حراما , و قد كان الصحابة رضي الله عنهم يخطئ بعضهم بعضا و يعترض بعضهم بعضا و لو كان اجتهاد كل مجتهد حقا لم يكن للتخطئة وجه .

    يقول
    تقي الدين النبهاني – رحمه الله - : " و قد أجمع الصحابة على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية في المسائل الظنية من الفقهيات , أما المسائل القطعية كوجوب العبادات , و تحريم الزنا و القتل فلا اجتهاد فيها ولا خلاف بشأنه , و لذلك اختلف الصحابة في المسائل الظنية و لم يختلفوا في المسائل القطعية , و المجتهد في المسائل الظنية مصيب فيما وصل اليه باجتهاده , و لو كان في رأيه قابلية للخطأ , إلا أنه ليس معنى كونه مصيبا أن تصويب المجتهد من الإصابة للحق مطلقا , لأن ذلك غير موافق للواقع بالنسبة للحكم الظني , و لأن الرسول – صلى الله عليه و سلم – سماه مخطئا , بل المقصود من أن المجتهد مصيب هو من الصواب الذي لا ينافي الخطأ , لا من الإصابة التي هي مقابلة للخطأ , فإن تسمية المخطئ مصيبا هي باعتبار قيام النص على أنه مأجور في خطأه , لا باعتبار أنه لم يخطئ , و على هذا فكل مجتهد مصيب حسب ظنه من الصواب الذي لا ينافي الخطأ , فهي من أصاب صوابا , لا من أصاب إصابة " .

    و قال
    الألباني " فأما اختلاف الصحابة فإنما كان عن ضرورة , و اختلاف طبيعي منهم في الفهم لا اختبارا منهم للخلاف , يضاف الى ذلك من بعدهم , و مثل هذا الإختلاف لا يمكن الخلاص منه كليا و لا يلحق أهله الذم الوارد في القرآن لعدم تحقيق شرط المواخذة و هو القصد و الإصرار عليه " .


    لذا نرى مما سبق أن الأمة مع وجود هذا الإختلاف فيما بينها في فروع الدين إلا أنها تبقى مسلمة و لا يجوز لأحد أن يكفر أحدا من المختلفين أبدا , لأنه اختلاف في فروع الدين و ليس اختلافا في أصوله .
     
  3. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      30-10-2007 23:52
    الوجه الثالث : تنازع الصحابة – رضي الله عنهم – و اختلافهم في أحكام القرآن و معانيه , فقد تنازعوا في كثير من ذلك و كان تنازعهم و اختلافهم لفهم الشريعة و استنباط الأحكام لحوادثها , و لإحقاق الحق و ابطال الباطل , و لم يكن للمراء و اتباع الهوى , فأفعال الصحابة هذه حجة في ذلك و خاصة اذا كان إجماعا منهم عليها .

    فيروى عن
    مالك رحمه الله : لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه , قيل له : اختلاف أهل الرأي ؟؟؟ : قال : لا , اختلاف أصحاب محمد – صلى الله عليه و سلم

    وروى عن
    عمر بن عبدالعزيز رحمه الله : ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا , لأنه لو كان الناس في ضيق , و أنهم أئمة يُقتدى بهم , فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة .

    وعنه رضي الله عنه : ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة .

    وعن
    القاسم بن محمد قال : كان اختلاف اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بما ينفع الله به , فما عملت منه من عمل , لم يدخل نفسك من شيء .

    و يقول
    الخطيب البغدادي : وما أنكر أحد من الصحابة قط الجدال في طلب الحق , و أما التابعون , فتوسعوا في ذلك , و ثبت أن الجدال المحمود هو طلب الحق و نصره , و إظهار الباطل و بيان فساده , و أن الخصام بالباطل هو اللدد الذي قال النبي صلى الله عليه و سلم : وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث , و هم من ذلك متآلفون .


    و إليكم هنا بعضا من اختلافاتهم الدالة على أنهم اختلفوا , و كان اختلافهم في معاني الشرع و في فروعه , و الإحقاق الحق و إبطال الباطل , و لنصرة الإسلام و المسلمين :

    فمن ذلك قال
    ابن اسحق : " أنه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم إنحاز هذا الحي من الأنصار الى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة , و اعتزل علي بي أبي طالب , و الزبير بن العوام , و طلحة بن عبيدالله في بيت فاطمة , و انحاز بقية المهاجرين الى أبي بكر و عمر , فقال : إن الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة ساعدة , قد انحازوا اليه فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فادركوا قبل أن يتفاقم أمرهم , و رسول الله صلى الله عليه و سلم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله , قال عمر فقلت لأبي بكر : انطلق بنا الى إخواننا هؤلاء من الأنصار , حتى ننظر ما هم عليه .


    ومن ذلك في قتال المرتدين , فرأى
    أبو بكر رضي الله عنه أنهم مرتدون عن الإسلام وجب قتالهم , و رأى عمر رضي الله عنه خلاف ذلك , فقد طلب من أبي بكر أن يصبر عليهم فرفض أبو بكر و قال قولته المشهورة " و الله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه رسول الله لقاتلتهم عليه .


    و اختلف الصحابة أيضا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الخندق في قوله عليه السلام : لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة , فمنهم من صلاها في الطريق , و ومنهم من أخرها إلى أن وصل بني قريظة , و الرسول صلى الله عليه و سلم أقرهم على ذلك .

    ومن اختلافهم ماروي عن تنصيب عثمان خليفة للمسلمين , و لم ينصب علي مع أن الأمر كان بينهما , ذلك أن عليا لم يرض أن يبايع على كتاب الله و نبيه و إجماع الشيخين , بل قال : أبايع اعلى كتاب الله و سنة نبيه و أجتهد رأيي , أما عثمان فبايع على ذلك كله .

    ومن اختلاف الصحابة في السواد من البلاد التي تُفتح :
    قال
    أبو يوسف : فلما افتتح السواد شاور عمر الناس فيه , فرأى عامتهم أن يقسمه , و كان بلال بن رباح أشدهم في ذلك , وكان رأي عبد الرحمن بن عوف أن يقسم , و كان رأي عثمان و علي و طلحة رأي عمر , و كان رأي عمر أن يتركه و لا يقسمه حتى قال " اللهم اكفني بلالا و أصحابه " .

    و اختلفوا في ميراث الجد مع الأخوة , و ذلك بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم , و تشعبت آراؤهم في هذه المسألة , حتى قال عمر رضي الله عنه في حديث له على المنبر ثلاث أيها الناس وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يعهد الينا فيهن عهدا ننتهي به : " الكلالة , و الجد , و أبواب من الربا "
    و انقسم الصحابة في هذه المسألة إلى رأيين , الأول : رأي أبي بكر و ابن عباس و البن الزبير و معاذ و أبي موسى الأشعري و أبي هريرة و عائشة و جمع من الصحابة أن الجد الأول من الأخوة في الميراث , أما الرأي الثاني : رأي علي و عمر بعد أن تراجع عن الرأي الأول , و زيد بن ثابت و ابن مسعود , وهو أن الأخوة و الجد كلاهما يرث .

    و اختلفوا أيضا في ميراث الصدقة .

    و اختلفوا في الغنائم , فأبو بكر رضي الله عنه وزعها على الناس بالتساوي , بينما وزعها عمر بالأقدمية , و بالتفاضل لا بالتساوي .

    وخالف عمر أبا بكر أيضا في إيقاع الطلاق , فقد تبنى أبو بكر رضي الله عنه إيقاع الطلاق الثلاث واحدة , و لكن عمر تبنى غير ذلك , فقد تبنى رضي الله عنها ايقاع الطلاق الثلاث ثلاثا .

    واختلف أبي بن كعب و ابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد .

    و اختلف ابن مسعود مع الأشعري في رضاع الكبير .

    و أنكر ابن عباس على علي أنه أحرق المرتدين بعد قتلهم .

    و كذلك تناظر عمر و أبو عبيدة في حديث الطاغوت .

    وغير ذلك من الاختلافات و المناظرات التي حصلت مع الصحابة , مما يدل على أنها كانت في استنباط الأحكام الشرعية , و في فروع الدين و ليس في اصوله . و ليس مراءا و اتباعا للهوى .
     
  4. cherifmh

    cherifmh كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جوان 2006
    المشاركات:
    17.701
    الإعجابات المتلقاة:
    42.491
      30-10-2007 23:57
    الوجه الرابع :

    أما بالنسبة لاختلافات السلف و مناظراتهم و مجادلاتهم رحمهم الله جميعا فكتب الفقه مليئة بذلك و اختلافهم في فروع الدين و هي أوسع من أن تُحصى .

    وهذه بعضا منها :

    اختلاف
    الشافعي مع ابي حنيفة في مسألة الاستحسان , و الشافعي لا يأخذ بالإستحسان , و اختلف ابن حزم مع العلماء في مسألة القياس , و ابن حزم لا يأخذ بالقياس .

    و اختلف
    مالك مع غيره من العلماء بالنسبة لإجماع أهل المدينة , هل هو إجماع أم إجماع الصحابة هو الإجماع .

    و اختلفوا في مذهب الصحابي هل هو مصدر تشريع أم لا .

    و تعددت آراؤهم في شرع من قبلنا , هل هو شرع لنا أم لا .

    و اختلفوا أيضا في هل كل مجتهد مصيب ؟

    و اختلفوا في ما تفرع عن هذه القواعد أيضا و هي كثيرة , فمثلا اختلفوا في القرء , هل هو الحيض أم الطهر , و في لامستم النساء , هل هو الجماع أم مجرد الحس باليد , و اختلفوا في بعض المواريث , و في الاستنماء ,, و في عورة الأمة , و في مواضع النظر من المخطوبة , و في الحدود و الكفارات , و اختلفوا في دية الكافر , و في أفعال السكران هل هي معتبرة أم لا , و في قتل المسلم و المحارب معا , اذا تترس المحارب بالمسلم , و اختلفوا في عورة الرجل و غير ذلك كثير .


    أما مناظراتهم و مجادلاتهم فهي كثيرة كذلك , و من بعضها التالي :



    مناظرة بين الشافعي و سائل في ميراث الجد :
    قال السائل : كيف صرتم الى أن ثبتم ميراث الأخوة مع الجد ؟؟ أبدلالة من الكتاب أو السنة ؟
    قال الشافعي : أما شيء مبين في كتاب الله أو سنة فلا أعلمه .
    قال السائل : فالأخبار متكافئة , و الدلائل بالقياس مع من جعله أبا و حجب به الأخوة .
    قال الشافعي : و أين الدلائل ؟
    السائل : وجدت اسم الأبوة تلزمه , و وجدتكم مجتمعين على أن تحجبوا به بني الأمم , و وجدتكم لا تنقصونه من السدد , و ذلك كله حكم الأب
    الشافعي : ليس باسم الأبوة فقط نورثه .
    السائل : أجد اسم الأبوة يلزمه و هو لا يرث .
    الشافعي : و أين
    السائل : قد يكون دونه أب , و اسم الأبوة تلزمه و تلزم آدم , و إذا كان من الجد أب لم يرث , و يكون مملوكا , و كافرا و قاتلا فلا يرث , و اسم الأبوة في هذا كله لازم له , فلو كان اسم الابوة فقط يرث , ورث في هذه الحالات .




    مناظرة أخرى بين الشافعي و محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة :
    قال محمد للشافعي بلغنا أنك تخالفنا في مسائل الغصب .
    الشافعي : أصلحك الله إنما هو شيء أتكلم به في المناظرة فاني أجلك من المناظرة , و لكن محمدا صمم على المناظرة .
    محمد : ما تقول في رجل غصب ساحة و بنى عليها بناء و أنفق عليها ألف دينار , فجاء صاحب الساحة و أقام شاهدين أنها ملكه ؟
    الشافعي : أقول لصاحب الساحة ترضى أن تأخذ قيمتها ؟ فإن رضي و إلا قلعت البناء و دفعت له الساحة .
    محمد : فما تقول في رجل غصب لوحا من الخشب فأدخله في سفينته و وصلت السفينة الى لجة البحر , فأتى صاحب اللوح بشاهدين عدلين , أكنت تنزع اللوح من السفينة ؟؟
    الشافعي : لا
    محمد : الله أكبر , تركت قولك , ثم ما تقول في رجل غصب خيطا فجرحوا بطنه فخاطوا بذلك الخيط تلك الجراحة , فجاء صاحب الخيط بشاهدين عدلين أن هذا الخيط مغصوب , أكنت تنزع الخيط من بطنه ؟
    الشافعي : لا
    محمد : الله أكبر تركت ما قلت .
    الشافعي : أرأيت لو كان اللوح لوح نفسه للسفينة ثم أراد صاحب السفينة نوع ذلك اللوح من السفينة حال كونها في لجة البحر , أمباح له ذلك أم يحرم عليه ؟؟
    محمد : يحرم عليه
    الشافعي : أرأيت لو جاء مالك الساحة و أراد أن يهدم البناء أيحرم عليه ذلك أم يباح .؟؟
    محمد : بل يباح .
    الشافعي : أرأيت لو كان الخيط خيط نفسه ثم أراد أن ينزعه من بطنه و يقتل نفسه أمباح له ذلك أم محرح ؟
    محمد : بل محرم .
    الشافعي : رحمك الله فكيف تقيس مساحا على محرم ؟
    محمد : فكيف نصنع بصاحب السفينة ؟
    الشافعي : أمره أن يسيرها إلى أقرب السواحل , ثم أقول له إنزع اللوح و ادفعه لصاحبه .
    محمد : قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا ضرر و لا ضرار في الإسلام "
    الشافعي : من ضره ؟ هو ضر نفسه ثم قال : ما تقلو في رجل من الأشراف غضب جارية لرجل من الزنج في غاية الرذالة , ثم أولدها عشرة كلهم قضاة سادة أشراف خطباء , فأتى صاحب الجارية بشاهدين عدلين أن هذه الجارية التي هي أم هؤلاء الأولاد مملوكة له ماذا تعمل ؟؟
    محمد : أحكم بأن أولئك الولاد مماليك لذلك الرجل
    الشافعي : أنشدك الله أي هذين أعظم ضررا ؟؟ أن تقلع البناء و ترد الساحة لمالكها , أو أن تحكم برق هؤلاء الأولاد ؟؟
    فسكت محمد بن الحسن .



    ومناظرة أخرى للشافعي مع سائل :
    السائل : ما الإيمان ؟
    الشافعي : فما تقول فيه ؟
    السائل : الإيمان قول .
    الشافعي : من أين قلت ذلك ؟
    الرجل : من قوله تعالى : إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات , فصارت الواو فصلا بين الإيمان و الفعل .
    الشافعي : فعندك الواو فصل ؟
    الرجل : نعم
    الشافعي : فإذن كنت تعبد إلهين إلها في المشق و إلها في المغرب , لأن الله عز وجل يقول : رب المشرقين و رب المغربين .
    الرجل : سبحان الله , أجعلتني وثنيا ؟
    الشافعي : بل أنت جعلت نفسك كذلك بزعمك أن الواو فصل .



    مناظرة بين أبي حنيفة و رجل :
    الرجل : إذا قلت قولا و ظهر خبر لرسول الله يخالف قولك ؟
    ابوحنيفة : أترك قولي بخبر رسول الله , وكل ماصح عن رسول الله فهو على العين و الراس .
    الرجل : فإذا كان الصحابي يخالف قولك ؟
    ابو حنيفة : قولي بقول الصحابي .
    الرجل : فإذا كان قول التابعي يخالف قولك ؟
    أبوحنيفة : إذا كان التابعي رجلا فأنا رجل



    مناظرة بين الأشعري و الجبائي :
    ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري الى مجلس الجبائي , و جلس في بعض الجوانب مختفيا عن الجبائي , وقال لبعض من حضر هناك من العجائز أني أعلمك مسألة فاذكرها لهذا الشيخ , قولي له كان لي ثلاثة من البنين , واحد كان في غاية الديم و الزهد , و الثاني في غاية الكفر و الفسق , و الثالث كان صبيا لم يبلغ الحلم , فماتوا على هذه الصفات , فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم .
    فقال الجبائي : أما الزاهد ففي درجات الجنة , و أما الكافر ففي دركات النار , و أما الصبي , فمن أهل السلامة .
    قال أبو الحسن قولي له : لو ان الصبي أراد أن يذهب الى تلك الدرجات العالية التي حصل عليها أخوه الزاهد , هل يمكن له ؟
    قال الجبائي : لا لأن الله يقول له إنما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم و العمل , و أنت ليس معك ذلك .
    فقال أبو الحسن قولي له : لو أن الصبي حينئذ قال يا رب العالمين ليس الذنب لي , لأنك أمتني قبل البلوغ و لو أمهلتني , فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد و الدين .
    فقال الجبائي : يقول الله له : علمت أنك لو عست لطغيت و كفرت و كنت تستوجب النار , فقبل أن تصل الى تلك الحالة راعيت مصلحتك و أمتك حتى تنجو من العقاب .
    فقال أبو الحسن قولي له : لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار , فقال : يا رب العالمين و يا أحكم الحاكمين , و يا أرحم الراحمين , كما علمت ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر , علمت مني ذلك , فلم راعيت مصلحته و ما راعيت مصلحتي ؟ فلما و صل الكلام الى هذا الموضع انقطع الجيائي .



    مناظرة أخرى أوردها أبو بكر ابن العربي حيث يقول :
    ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع و ثمانين و أربعمائة , فقيه من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف بالزوزني , زائرا للخليل صلوات الله عليه , فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة طهرها الله معه , و شهد علماء البلد , فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر .
    فقال : يقتل به قصاصا , فطولب بالدليل .
    فقال : الدليل قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " و هذا عام في كل قتيل .
    فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية بها و أمامهم عطاء القدس , و قال : ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه :
    أحدها : أن الله سبحانه قال : كتب عليكم القصاص , فشرط المساواة في المجازاة , و لا مساواة بين المسلم و الكافر , فإن الكفر حط منزلته و وضع مرتبته .
    الثاني : أن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها , وجعل بيانها عند تمامها , فقال : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر , و العبد بالعبد , و الإنثى بالأنثى , و إذا نقص العبد عن الحر رق , وهو من آثار الكفر , فأحرى و أولى أن ينقص عنه الكافر .
    الثالث : أن الله تعالى قال " فمن عفي له من أخيه شيء فاباع بالمعروف " ولا مؤاخاة بين المسلم و الكافر , فدل على عدم دخوله في هذا القول .
    فقال الزورني : بل ذلك دليل صحيح , و ما اعترضت به لا يلزمني منه شيء .
    أما قولك : إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول . و أما دعواك أن المساواة بين الكافر و المسلم في القصاص , وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد , فإن الذمي محقون الدم على التأبيد , و المسلم محقون الدم على التأبيد , وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام , و الذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقو الذمي , و هذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم , فدل على مساواته لدمه , إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه .
    و أما قولك : إن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها , فغير المسلك , فإن أول الآية عام و آخرها خاص , و خصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها , بل يجري كل علىحكمه من عموم أو خصوص .
    و أما قولك : إن الحر لا يقتل بالعبد , فلا أسلم به , بل يقتل به عندي قصاصا , فتعلقت بدعوى لا تصح .
    و أما قولك : فمن عفي له من أخيه شيء , يعني المسلم , فكذلك أقول , ولكن هذا خصوص في العفو , فلا يمنع من عموم ورود القصاص , فإنهما قضيتان متباينتان , فعموم احداهما لا يمنع خصوص الأخرى , و لا خصوص هذه يناقض عموم تلك .
    و قد جرت مناظرة عظيمة هنا وطويلة .


    ومن نوادر المناظرات أيضا بين الفقهاء في فروع الدين كذلك لتدل على ما أسلفناه :

    فقد قدم قتادة الكوفة , فاجتمع عليه الناس .
    فقال : سلوني
    فقال أبو حنيفة : ما تقول في امرأة المفقود ؟
    فقال : قول عمر رضي الله عنه تتربص أربع سنين قم تعتد عدة الوفاة و تتزوج بما شاءت .
    فقال أبو حنيفة : فإن جاء زوجها الأول و قال تزوجت و أنا حي , و قال الثاني تزوجتني و لك زوج أيهما يلاعن ؟
    فغضب قتادة و قال لا أجيبكم بشيء .



    وذكر الشيخ زين العابدين ابن نجيم مناظرة لطيفة بين أبو يوسف و رجل جاء فيها : أنه لما جلس أبويوسف للتدريس من غير إعلام أبي حنيفة رحمه الله فأرسل إليه أبو حنيفة رجلا فسأله عن خمس مسائل :
    الأولى : قصار جحد الثوب وجاء به مقصورا , هل يستحق الأجر أم لا ؟
    فأجاب أبو يوسف : يستحق الأجر
    فقال له الرجل : أخطأت
    فقال : لا يستحق
    فقال الرجل : أخطأت , ثم قال له : إن كانت القصارة قبل الجحود استحق , و إلا فلا .

    الثانية : على الدخول في الصلاة بالفرض أم بالسنة
    فقال أبو يوسف : بالفرض
    فقال : أخطأت
    فقال : بالسنة
    فقال : أخطأت , وقال له . بهما لأن التكبير فرض و رفع اليدين سنة .

    الثالثة : طير سقط في قدر على النار , فيه لحم ومرق , هل يأكلان أم لا ؟
    فقال أبو يوسف : يؤكل
    فخطأه الرجل
    فقال : لا ي}كل
    فخطأه ثم قال : إن كان اللحم مطبوخا قبل سقوط الطير يغسل ثلاثا و يؤكل و ترمى المرقة , و إلا يرمى الكل .

    الرابعة : مسلم له زوجة ذمية ماتت و هي حامل منه , تدفن في أي المقابر ؟
    فقال أبو يوسف : في مقابر المسلمين
    فخطأه
    فقال في مقابر أهل الذمة
    فخطأه
    فقال الرجل : تدفن في مقابر اليهود , ولكن يحول وجهها نحو القبلة حتى يكون وجه الولد للقبلة , لأن الولد في البطن يكون وجهه إلى ظهر أمه .

    الخامسة : أم ولد لرجل , تزوجت بغير إذن مولاها فمات المولى , هل تجب العدة من المولى
    فقال أبو يوسف : تجب
    فخطأه
    ثم قال : لا تجب
    فخطأه
    فقال الرجل : إن كان الزوج دخل بها لا تجب , و إلا وجبت .
    فعلم أبو يوسف تقصيره فعاد إلى أبي حنيفة رحمه الله فقال تزببت* قبل أن تـُحصرم *.

    *يقال لقد تزببت حتى صرت أملس
    *الحصرم هو العنب
    تزببت* قبل أن تـُحصرم *-->أصبحت زبيبا قبل أن تكون عنبا
     
  5. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      31-10-2007 00:13
    حقيقة مقال رائع! و معقول و يوحّد لا يفرّق
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...