شذرات حول أبي تمّام

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة zaydoun72, بتاريخ ‏2 نوفمبر 2007.

  1. zaydoun72

    zaydoun72 عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏18 مارس 2007
    المشاركات:
    396
    الإعجابات المتلقاة:
    1.042
      02-11-2007 12:13
    عد العصر العباسي مرآة التطور الادبي والفني في الشعر اذ بدأت فيه بواعث التجديد وعوامله تبرز في الشعر العربي من كل حدب وصوب لاختلاط العرب بغيرهم من الامم وما ترجم في هذا العصر من الكتب المتنوعة في الشعر والفلسفة والطب وعلى الرغم من ان الشعر حافظ على تقاليده الفنية الا ان سمات التجديد فيه واضحة، من ذلك ميل الشعراء لاستخدام البحور القصيرة واختيار الالفاظ الحضارية واختلاف المضمون تبعا للتطور المادي والحضاري في هذا العصر، ومن ذلك ايضا تطور بعض السمات البلاغية كالبديع عند ابي تمام الذي عاش في القرن الثالث الهجري. ومعلوم ان القدماء اهتدوا الى البديع وانواعه وطوعوه في شعرهم الا انه كان عفو الخاطر يأتي من دون تعمد وكان بديعهم بسيطا بساطة حياتهم فالشاعر منهم يقول في هذا الفن البيت والبيتين في القصيدة، وربما قرأت في شعر احدهم قصائد من غير ان يوجد فيها بيت بديع، فالقدماء متفقون على ان مسلما هو صاحب المذهب الجديد وانه اول من طبقه في شعره وان بشارا وابا نواس وغيرهما يأتون بالبدع بلا طريقة وان عملهم اشبه ما يكون بالارتياد والكشف لا سلوكا على منهج معبد (الموازنة بين ابي تمام والبحتري للآمدي، تحليل ودراسة د. قاسم مومني، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1985م ص: 183-185). الا ان ابا تمام استفاد من طريقة غيره من الشعراء لا سيما مسلم بن الوليد واتخذه مذهبا وزاد عليه. البديع عند ابي تمام: لم يستقر مفهوم البديع عند القدماء كما استقر عليه هذا المفهوم في العصر الحديث من ان البلاغة ثلاثة علوم هي البيان، البديع والمعاني لكن القدماء جعلوا البلاغة كلها بديعا ومن انواع البديع عند ابي تمام: الجناس او التجنس، وعرف الآمدي الجناس فقال: ما اشتق بعض من بعض كقول ابي تمام: ارامة كنت مألف كل ريم وفي هذا الجناس ناحية التماثل في الصورة وناحية الجرس الموسيقي وناحية التآلف والتخالف بين ركنيه لفظا ومعنى، وناحية ما يحويه كل ركن من المعنى الاصلي، وكذلك استخدام ابي تمام الطباق وهو كلمة مثل الليل والنهار والاسود والابيض وهناك انواع اخرى للبديع شخصها الآمدي منها الاستطراد وهو الخروج من معنى ومنها التقسيم كقول ابي تمام: مطر يذوب الصحو منه وبعده صحو يكاد من الغضارة يمطر غيثان فالانواء غيث ظاهر لك حسنه والصحو غيث ممطر (الموازنة بين ابي تمام والبحتري/ مصدر سابق/ ص194). عوامل اتخاذ ابي تمام للبديع مذهبا في الشعر: هناك عوامل عديدة في اتخاذ ابي تمام مذهب البديع في الشعر وتطويره اياه منها: 1-تطور الحياة العقلية: فقد ترجمت في هذا العصر كتب الفلسفة وعلوم اليونان والطب والمنطق والرياضيات والفلك والنجوم والشعر وكان بيت الحكمة البغدادي ايام المأمون يشع بانواع العلوم والمعارف والترجمات فقد شجع المأمون حركة الترجمة فتطور التفكير الديني ونشأت مذاهب وفرق وتيارات تعتمد على العقل كالمعتزلة وتطورت العقلية العربية تطورا ملحوظا لم يسبق لها مثيل واستمر التأثير الاجنبي في الحضارة العربية ومال عدد من الشعراء الى الصنعة البلاغية كالطباق والجناس وبالغوا في استعمال الاستعارة والكناية ذلك ان الشعر يتأثر في التطور العقلي على مستوى البناء اللفظي او المضمون فابتعد الشعر عن الفطرة وتفنن الشعراء في الصياغة الشعرية بعد ان كانت تأتي عفو الخاطر في العصر الجاهلي والاسلامي والاموي فجاءت اشعارهم فيها مسحة من الحياة العقلية التي تطورت في هذا القرن، قال ابو تمام يمدح المعتصم: رقت حواشي الدهر فهي تمرمر وغدا الثرى في حليه يتكسر بذات مقدمة المصيف حميدة ويد الشتاء جديدة لا تكفر لولا الذي غرس الشتاء بكفه قاس المصيف هشائما لا تثمر فالاعتراض الفلسفي من ابي تمام في البيت الثالث استخدم فيه الشاعر البديع بين الشتاء المصيف فهو يتمنى ان يكون المصيف كالشتاء حين ترق حواشي الدهر. 2-التأنق الحضاري: وفي هذا العصر اخذ التأنق الحضاري يلف جميع مظاهر الحياة فقصور الخلفاء والوزراء مكتظة بصفوف الزينة ونعيم الحياة يعم هذه القصور ويعيش الخلفاء والوزراء هذا النعيم ولم يكن الشعراء بحكم اتصالهم بالخلفاء والوزراء والامراء بعيدين عن هذه الحياة وما يتصل بها من ترف ونعومة فالجاحظ يصور جانبا بسيطا من ترف الشعراء الذي بدأ في ابسط اشكاله في ملبسهم وكان الشعراء يلبسون الوشي والمعطفات والاردية السود وكل ثوب شهر وكانوا يتندرون على كل من يتزين بزي الماضين ولا غرو ان ينتقل هذا الترف والرفاهية من حياة الشعراء العامة الى حياتهم الفنية الخاصة، فيلبسون اشعارهم على البديع من طباق وجناس وما اليها ويكسونها زخارف (الموازنة بين ابي تمام والبحتري، مصدر سابق ص:183). 3-النضج الفني: شهد العصر العباسي الثالث نضجا فنيا منذ ان الف العرب المسلمون العمران وتخطيط المساجد والمدن وكان يلحق بالمساجد (دار الامارة) اذ تبنى عادة متصلة بالمسجد، وكان ذلك نواة التقدم الفني للعرب المسلمين فقد قام الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) ببناء المسجد النبوي بالحجارة المنقوشة والقصة (الجص) الا ان الامويين انطلقوا في هذا الاتجاه اكثر من السابق فتركوا الابنية البسيطة واتجهوا نحو تقليد الابنية الفخمة التي شاهدوها في البلدان المفتوحة وخاصة في بلاد الشام وقد تجلى ذلك في قصورهم المشهورة وفي الابنية الدينية التي احدثوها او التي جددوها واصلحوها (الزخارف الجدارية في اثار بغداد، خالد خليل الاعظمي، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980، ص:16) ولعبت العناصر النباتية دورا بارزا في تكوين الزخارف الجدارية فاستعمل عنصر العنب باغصانة المتموجة واوراقه المفصصة وعناقيده المحببة واستخدمت المروحة النخلية (البالمت) وورقة الاكانتس فضلا عن بعض الاوراق الاخرى والازهار والاثمار، وروعي في تمثيل اشكال هذه العناصر النباتية محاكاة اشكالها الطبيعية (الزخارف الجدارية في اثار بغداد، مصدر سابق، ص:21) وفي العصر العباسي شرع المنصور ببناء مدينته في سنة 145هـ وسماها مدينة السلام واختار لها شكلا مدورا يقوم على تنظيم هندسي محكم، فجعل المسجد الجامع قصر الخلافة في وسط المدينة مع مركزها بطرق مستقيمة هي الطاقات التي قسمت المدينة الى اربعة اقسام متساوية يفصل كل واحد منها على الاخر صف من تلك الطاقات واشتمل كل قسم منها على سكك ودروب منتظمة اقيمت بينها الدور بصورة متناسقة (الزخارف الجدارية في اثار بغداد، مصدر سابق، ص:24). وفي العصر العباسي الثاني بنيت سامراء وذلك في سنة 221هـ وانتقل اليها الخلفاء واصبحت عاصمة الدولة العباسية لمدة نصف قرن تقريبا،عاد بعدها الخلفاء الى بغداد، وفي هذه الفترة ازدانت سامراء بالقصور الفخمة الكثيرة التي زخرفت جدرانها بشتى انواع الزخارف الجصية التي كانت تنبئ عن ميلاد فن جديد ملامحه تتخذ طابعا اسلاميا خاصا.. وقد قسمت تلك الزخارف الى ثلاثة طرز اصطلح مؤرخو الفن الاسلامي على تسميتها بالطراز الاول والثاني والثالث، تبعا لخصائص كل واحدة منها من حيث طريقة صنع زخارفه وعناصرها التي تتكون منها.. فالطراز الاول منها يمتاز باستعمال طريقة الحفر العميق في عمل الزخارف.. وقد استعمل هذا الطراز عنصرا رئيسا هو العنب الذي رسمت اغصانه واوراقه وعناقيده بشكل قريب للطبيعة فظهرت الورقة مسننة الجوانب ذات خمسة فصوص يفصل بعضها عن بعض عيون او نقاط صغيرة. وفي الطراز الثاني بدأت العناصر والاشكال السابقة تتطور تدريجيا وتبتعد عن الطبيعة شيئا فشيئا.. اما الطراز الثالث فيمتاز باستعمال طريقة الحفر المائل (المشطوف) في صنع الزخارف (الزخارف الجدارية في اثار بغداد، مصدر سابق، ص:21، 24،76،30). فيما تقدم المامه موجزة عن تطور الفن العربي الاسلامي في العصر العباسي ونضجه وما سبقه من عصور تشكل البيئة العامة للشاعر ابي تمام وغيره من الشعراء فلقد تفتقت عيناه عليها وتأثر فيها وعكسها بشكل بديع في شعره فكأنما زخرف شعره ببدائع الزخارف اللفظية التي تتماثل مع زخارف العمران من ناحية التنظيم والتنسيق والتخيل. قال ابو تمام: السيف اصدق انباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الارماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب وقال: ينال الفتى في عيشه وهو جاهل ويكدي الفتى في دهره وهو عالم وقال: ولم ار نفعا عند من ليس ضائرا ولم ار ضرا عند من ليس ينفع ان هذا التجنيس عند ابي تمام يذكرنا بالزخارف المتماثلة والمتقابلة في الطرز المعمارية للعمران العربي الاسلامي الذي شاع في عصره وقد ادى التجنيس في الزخارف الجدارية دورا معنويا وشكلانيا في حين ادى التجنيس في شعر ابي تمام دورا معنويا ولفظيا (شكلانيا). 4-ثقافة ابي تمام:ان تنوع ثقافة ابي تمام تعكسه بعض الاقوال والاخبار التي رويت عن معاصريه.. ويروي الصولي عن محمد بن يزيد المبرد وهي قوله: (ما سمعت الحسن بن رجاء ذكر قط ابا تمام الا قال ذلك ابو النمام)، وما رأيت اعلم وكل شيء منه (ابو تمام ثقافته من خلال شعره، أبتسام مرهون الصفار، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1972، ص:90 وينظر المصدر). فابو تمام لم يقل الشعر لانه وجد في نفسه القدرة على نظمه فحسب بل قاله بعد ان تثقف بمختلف انواع الثقافات التي عرفها عصره، ولم يكتف بالجديد لانه جديد وجيد فحسب بل رجع الى النبع الاصلي من حصيلة التراث القديم المتمثلة بالقرآن الكريم والتاريخ العربي وما فيه من اخبار وحوادث وبطولات وامجاد، وعاد الى الشعراء القدامى ليستقي من اخبارهم ما يشاء وينهل من جيد اشعارهم ليحفظ منه الرائع والنادر، ثم عاد الى ثقافة عصره المتمثلة بالفلسفة والمصطلحات العلمية ومختلف عقائد الفرق وحاول فهمها والتعرف عليها وغير معرض عن عقائد الاقوام او اساطيرهم التي يؤمنون بها وغير مهمل ايضا لتقاليد الجماعة الكبيرة من العامة، واخيرا جمع ابو تمام بين كل هذه الجوانب المختلفة من اوجه الثقافة لتكون حصيلته الفكرية المتمثلة بشعره الجم الغزير بالجد، المليء بالرائع من المعاني والصور الجميلة. (ابو تمام ثقافته من خلال شعره، مصدر سابق، ص:8). فمن تأثره في المعاني القرآنية والاسلامية هذا البديع الرائع. ورزقك لا يعدوك اما معجل على حاله يوما واما مؤخر وقال: آل النبي اذا ما ظلمة طرقت كانوا لنا سروجا انتم لها شعل وتأثر ابو تمام في الادب العربي فمن تأثره في الشعر الجاهلي هذا البديع: من المعطيات الحسن والمؤتياته مجلببة ان فاضلا لم تجلبب يريد بقوله (فاضلا) أي كانت في ثوب واحد، فكانه هناك يشير الى قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لخدر ثيابها لدى الستر الا لبسة المتفضل (ابو تمام ثقافته من خلال شعره، مصدر سابق، ص84) وقد ضمن ابو تمام في شعره امثالا عربية فيها البديع منها ويل للشجي من الخلي، والشجي الحزين، والشجا والشجو والحزن، والخلي الذي ليس به حزن فهو يعذل الشجي ويلومه يقول: ايا ويل الشجي من الخلي وبالي الربع من احدى بلي (ابو تمام ثقافته من خلال شعره، مصدر سابق، ص:104) كما تأثر في مصطلحات الفلاسفة وعقائد الفرق والنحاة من ذلك الطباق بين الافعال والاسماء في قوله المشهور في وصف الخمرة: خرقاء تلعب بالعقول حبالها كتلعب الافعال في الاسماء 5-قدرته على التنظيم والتنسيق في شعره" وتظهر قابلية ابي تمام على التنظيم والتنسيق لا سيما في شعره الوصفي، فوصفه حافل بالصور الصادقة والمشاهد الرائعة وهو يفهم جمال الطبيعة مثلا اذا تبسم النور واختلط لونه الفضي بشعاع الشمس الذهبي ونشأ عن اختلاطها ما يشبه نور القمر في لطفه وسجوه وسحره وايحائه يقول: يا صاحبي تقصيا نظريكما تريا وجوه الأرض كيف تصور تريا نهارا مشمسا قد شابه زهر الربى فكأنما هو مقمر وقال: من قانع غض النبات كأنه درر تشقق قبل ثم تزعفر او ساطع في حمرة فكأنما يدنو اليه من الهواء معصفر صنع الذي لولا صنائع لطفه ما عاد اصفر بعد اذ هو اخضر فالنهار مشمس قد شابه زهر الربى فكأنما هو مقمر فاختلاط اللون الفضي بزهر الربى عكس لونا مقمرا فجسد ابو تمام في اختلاط لونين هنا اللون الفضي+ اللون الاخضر (زهر الربى) وظيفة تزيينية للصورة الشعرية من خلال مغايرة اللون ثم استخدام الالوان بوظيفة الموسيقى اذ اعطى حركة لتفتح الزهور فكان لون النبات من فاقع يتشقق وكأنه لون الزعفران (احمر مائل للصفرة) فهو ذو لون احمر يشوبه الاصفر وعلى الرغم من ان اللون الاصفر قليل الاستعمال في الاديان وصار في الاسلام غير مستحب على ماذكر في سورة المرسلات (غياض عبد الرحمن الدوري، دلالات الالوان، دار الشؤون الثقافية، ص:45) فان ابا تمام استطاع ان يعطي قيمة لهذا اللون من خلال مزجه مع الالوان الاخرى كالاحمر. هذه القدرة الرائعة في الخيال جعلت ابا تمام يشكل صورة بنوع من التنظيم والتنسيق البديعي وبعيدا عن فوضى الالوان واذا استطاع ابو تمام من ايصال شعره باسلوب متلاحم معنى ومبنى، وباسلوب بديعي رائع.

    أبو تمام: معان تصارع بعضها البعض ونقوش على سطح التاريخ الكبير
    ليس من السهل الكتابة عن أبي تمام، ولا عن اي شاعر آخر من شعرائنا الكلاسيكيين الكبار. فنحن نعاني من نقص في المعلومات الموثوقة والدراسات التخصصية الدقيقة التي تشكل المادة الاولية لدراسة اي شاعر قبل التفكير في انتهاج المنهج الملائم لتحليله وفهمه. ولا نزال نجهل الكثير الكثير عن أدبنا العربي القديم على الرغم من اننا نظن العكس، وأبو تمام لا يشذ عن القاعدة. فالمعرفة التي نمتلكها عنه مجزوءة وغير دقيقة واحيانا مشوهة. فنحن لا نزال نتخبط في تحديد تاريخ ولادته: هل كان ذلك عام 172 للهجرة، أم 182، أم 192؟ لا احد يعلم. واين ولد؟ هل في قرية جاسم بحوران، أم في منبج من اعمال حلب؟ لا احد يعرف ايضا. وهل عاش اربعين سنة أم اكثر أم اقل؟ لا احد يعرف بالضبط. ولن يعرف احد شيئا عن ذلك ولا غير ذلك إلا عندما يؤسَّس علم التاريخ الأدبي عند العرب ويقوم بمسح شامل ودقيق لكل جوانب هذا التراث، كما هو حاصل عند الامم المتقدمة كالفرنسيين والانجليز والالمان، الخ.
    لكن التاريخ الأدبي بدوره لن يتحقق بشكل صحيح الا عندما يؤسَّس علم التاريخ ـ بالمعنى العام للكلمة ـ على احدث المناهج وخارج اطار كل المسلمات اللاهوتية او الايديولوجية المهيمنة على العقل العربي منذ مئات السنين. لكن هذه مسألة اخرى ليس هدفي الخوض فيها هنا.
    كل ما نعرفه إذن عن هذه الشخصية السرية او الغامضة يتخذ صفة الاخبار المتقطعة والنوادر المتفرقة التي ما انفكت تتساءل فيما اذا لم يكن نصرانيا او يونانيا في اصله وليس عربيا ولا مسلما. كان على خصومه من المحافظين شعريا وفكريا ان يفسروا سبب «شذوذه» عن طريقة العرب في كتابة الشعر، فلم يجدوا الا القول بنصرانيته او يونانيته. يحصل ذلك كما لو ان العربي او المسلم عاجز عن الاختلاف والتغاير، او محكوم بالثبات والركود حتى آخر الدهر. لكأنه مضطر للانصياع الى قانون الجماعة حتى وهو يكتب الشعر!. لن ندخل اذن في تفاصيل تلك الروايات المتناقضة عن أصل أبي تمام وفصله، وانما سنتركها للمستقبل لكي يجيب عنها ويحل بذلك ليس فقط مشكلته، وانما ايضا مشكلة المتنبي والمعري وسائر شخصياتنا الادبية والفكرية الكبرى. فهي غير معروفة بشكل علمي دقيق حتى الآن بكل جوانبها وملابساتها.
    في هذه المقالة المختصرة بطبيعتها سأحاول قصر كلامي على «العلاقة الشعرية» لدى أبي تمام، وقراءته على ضوء الحاضر الراهن او الغابر، لا فرق. فالشعر الكبير يتحدى الزمن بطبيعته ويخترق العصور. انه حاضر على الدوام. سوف القي نظرة شخصية على هذه المادة الكثيفة والمعتمة التي تدعى شعر أبي تمام. سوف القي نظرة على هذا الفضاء المفتوح، والمغلق، والمحدود واللانهائي، الذي يشكله ديوان أبي تمام. فهنا تكمن حقيقة الشاعر كمنجم مخبوء من الذهب او الرصاص. هنا تكمن حقيقته الوحيدة بعد ان اندثرت همومه وعذاباته ولم يبق منها على سطح التاريخ الا هذا الكم الراسخ من الكلمات والآثار.
    وربما حصرت الموضوع اكثر فتحدثت باختصار عن جانب واحد من شعره يتمثل في مجازاته الهوسية: اي التي سيطرت عليه الى حد الهوس، كما تسيطر على اي مبدع عصابي كبير في التاريخ. انظر بودلير مثلا، او رامبو، او ريلكه، وهي المجازات التي تخترق ديوانه من اوله الى آخره وتشكل شبكة اخطبوطية من الصور والعلاقات المعنوية. وسأترك للقارئ حرية الاستمتاع بهذه المجازات من خلال المختارات الشعرية التي قد يجدها هنا او هناك. فهذه الصور والعلاقات الغريبة او الشاذة هي التي تشكل تجربة أبي تمام في الوجود الشعري العربي. انها المعادل الموضوعي لتجربة فريدة لا تُختزل الى اي شيء آخر. ذلك ان أبا تمام لم يكتف فقط بنظم الاوزان والقوافي كسائر الشعراء. وانما راح يخلق، متكئا على نفسه، المعادل الفني لتجربة شخصية ووجودية حادة. ولم يبق من تجربته الشخصية المريرة الا هذه الآثار: من تراكيب ومجازات خرقت عمود الشعر المعتاد، اي خرجت على طريقة العرب في كتابة الشعر، وفي التصوير والتشبيه.
    ما يهمنا إذن هو هذا الاثر المادي، الكثيف والمعتم، الغامض والواضح الذي تركه أبو تمام على خريطة الشعر العربي وحرف به هذه الخريطة عن مسارها المألوف. فوراء المجازات العبقرية التي ابتكرها تقبع حياة بأسرها: من هموم وهواجس وخيبات شخصية وفرح قليل عابر «سرق في غفلة من الدهر». ذلك ان ابا تمام كان شاعر القلق بامتياز، لكنه القلق الموزون الذي تسيطر عليه الضربة الفنية وتحقق له معادلا فنيا على ارض الواقع. هذه الضربة الفنية كان الشاعر قد دفع مقابلها ثمنا باهظا: من اعصابه ونومه واطمئنان اللحظة التي يعيشها والعمر القصير الذي يخترقه.
    هل كان ابو تمام شاعرا وجوديا ؟ لا ريب، لكن على طريقته الخاصة. فهو لم يجد لنفسه عدوا الا الدهر او الزمن او الايام. لقد اصبح الوجود في حد ذاته مشكلة اساسية، يداوره ويناوره، ولكن لا يأتمنه على الاطلاق. وربما حان الوقت لانجاز دراسة واسعة حول كلمة واحدة في اللغة العربية هي: الدهر، او الزمن، او الايام، وحول مدى تأثيرها على شعرنا العربي كله وعلى شعر أبي تمام بالتخصيص (وكذلك شعر المتنبي بالطبع والمعري وبقية الكبار).
    لقد خلق الطائي من هذه الكلمة شخصية وجودية ضخمة مليئة بالالغاز والتحدي. لقد جعل منها «بعبعا» يتحدى كل شاعر يقذف به التاريخ الى ساحة الوجود. فالدهر موجود في كل مكان: في السفر والإقامة، على ظهور العيس وفي اعماق الفيافي. والدهر يقف للشاعر بالمرصاد. فهو يهدده في كل لحظة بالاغتيال او نسف السعادة الهنيئة التي اقتنصها بدون إذن منه!
    وراء كلمة «الدهر» تقف كل الشخوص التي هاجمت ابا تمام او حاولت ان تعترض وجهه وتنال منه. وراءها يقف الأعداء والحساد وصعوبات الوصول وغدر الايام... وراءها نلمح شبح ذلك الصراع الذي خاضه أبو تمام ضد أبي تمام في «حرب اهلية داخلية» لا تبقي ولا تذر. فأبو تمام كان مضطرا في كل لحظة الى خوض الصراع على جبهتين: جبهة الداخل وجبهة الخارج. واذا لم يكن بارعا في فن الهجاء ولا يهمه ذلك، فإنه لخص كل هذه العقبات بكلمة واحدة وكثف حقده على شيء واحد هو: الدهر. ابو تمام كان يريد خصما في مستواه ولا يستطيع ان ينزل الى مستوى الصغار. انه لا يهتم بالتفاصيل والهوامش الثانوية، وانما يتصدى لما هو اساسي في هذا العالم المليء بالفراغ والهشاشة: يتصدى للدهر.
    وكنت امرءا القى الزمان مسالما
    فآليت لا القاه الا محاربا
    ذلك ان الشيء الذي يعذب ابا تمام ويجعله يسهر الليالي، الشيء الذي يقض مضجعه ولا يتركه يهدأ على حال: هو هذا البحث الدؤوب عن الفراغ الممتلئ او عن الوجود المليء بالفراغ. هنا تحفر مجازاته المستحيلة، واحيانا العبثية، معناها العميق او «لا معناها» المؤسس. ذلك انه من خلال هذه المجازات ـ او الصور ـ الشاذة عن الذوق العربي السليم، كان أبو تمام يريد ان يؤسس «اللامعنى» بصفته المعنى الوحيد الممكن في حصار الشعر والوجود! راح هذا «اللامعنى» لاحقا يخترق دائرة المستحيل في الشعر العربي ويفتح له الآفاق. راح يوسع من دائرة الخيال العربي ويضيف اليه مساحة جديدة. وبدءا من تلك اللحظة اصبح بقية الشعراء مضطرين لأن يقيسوا انفسهم بالقياس الى تلك المسافة التي قطعها أبو تمام اما سلبا واما ايجابا. اما معاني الشعر السارية على السليقة وعفوية الطبع، هذه المعاني «هي التي يأخذ بعضها برقاب بعض»، فهي ليست الا خروقا بالية او زخرفات ميتة على سطح التاريخ.
    يشكل هذا الفراغ الذي حفره ابو تمام حول شعره الباقي ومجازاته الخالدة التخوم القصوى او الحد النهائي للتجربة الشعرية العربية. انه يشكل الخط الاحمر الذي بدءا منه يصبح الشعر مستحيلا. وأبو تمام كان يحوم حول هذا الخط واحيانا يخترقه ثم سرعان ما يعود الى الداخل خشية ان يقطع التواصل كليا، ثم يعود لكي يكرر المحاولة من جديد وهكذا دواليك. وربما كان شعر أبي تمام كله ليس الا ذبذبة متوترة لا تهدأ بين قطبي الفهم ـ واللافهم، الوضوح ـ والغموض، المعنى ـ واللامعنى. ربما كان شعره يمثل اول تجربة ديالكتيكية، اي تناقضية، في تاريخ الشعر العربي:
    اعاذلتي ما اخشن الليل مركبا
    واخشن منه في الملمات راكبه
    ذريني واهوال الزمان اخافها
    فأهواله العظمى تليها رغائبه
    ذريني على اخلاقي الصم للتي
    هي الوفر او سرب ترن نوادبه!
    لم تكن تجربة الخرق والاختراق ـ اي اختراق الاصولية الشعرية العربية ـ مقصودة لذاتها كنوع من الوله بالبديع او تعقيد الصنعة والبحث عن الغموض كما توهم معظم النقاد القدامى والمحدثين. وانما كانت تعني شيئا آخر. فأبو تمام لم يكن يعنيه في شيء ان يعقد صنعته او لا يعقدها. بل كان يعنيه ان يجد المعادل الموضوعي المناسب للتعبير عن هذا العالم. فالعالم نفسه معقد، والاشياء مبهمة ذات اوجه متعددة واحيانا متناقضة. وهو لا يدير لنا وجها واضحا لكي نقرأه ونستقر عليه. او قل انه يدير لنا الوجه الابيض والاسود المنير والمعتم في آن. واحيانا يدير لنا وجها معتما وسميكا كالجدار.
    تمثل هذه الثنائية الضدية المنتشرة جدا في شعر أبي تمام احدى سمات الحداثة الشعرية على المستوى الكوني (انظر اشعار رامبو وبودلير او مالارميه، او لوتريامون او سواهم..). لكأن هذا التعقيد الفني الذي يبدو لنا اليوم واضحا بسبب مرور الزمن يمثل الحل الإجباري الوحيد للتعبير عن لا موثوقية العالم ووضعه الاشكالي المريب. صحيح ان الصياغات المناسبة او الالبسة اللغوية كانت تنقصه احيانا كما تنقص اي اديب او فنان يقف وحيدا في مواجهة العالم. وكانت تعابيره ومفرداته تنوء تحت ثقل معانيه الغريبة المنتشلة من اعماق البحار. صحيح ان الشكل عنده كان «اقصر» من المضمون ولا يؤمن له التغطية التامة في جميع الاحيان. ولكن الرهان الاساسي في كل الحالات يبقى هو هو: كيف يمكن الخروج على خط الاصولية الشعرية العربية من دون الوقوع في فخ الاستحالة والهذر الكامل: اي من دون الوقوع في الجهة الاخرى من الخط الاحمر؟ بمعنى آخر: كيف يمكن تأمين التواصل والانقطاع في آن؟ من هنا يجيء طعم الإحباط الذي نشعر به بعد قراءة ابي تمام، هذا الإحباط الذي يشكل بدون ادنى ريب السمة الاساسية الثانية من سمات الادب الحديث. واذا كان المتنبي ينتصر دائما بالضربة القاضية ويملأ السمع والبصر بشعره، فإن ابا تمام ينتصر عادة بالنقاط، ويترك بعد انتصاره طعم الخيبة واشلاء الجراح.
    كانت «غرائب» ابي تمام ـ اي قصائده كما يحب ان يسميها ـ دائما ناقصة. انها مشروع يريد ان يكتمل من دون ان يكتمل ابدا؟. وبالاحرى انه فيما يكتمل يبقى ناقصا لأنه اذا ما اكتمل مات. ولهذا السبب تبدو الكتابة لديه مشروعا ناقصا باستمرار: اي مشروعا يشق في المستحيل مشروعه وحتى العمق لديه كان ناقصا: فهو لا يصل الى اي نقطة محددة، الى أي قعر. ولعله لم يكن يهدف الى اي وصول بعد ان ذاق طعم الخيبة واهوال المرارات. فهذا العمق الذي ينشده ابو تمام، او هذه المعاني البعيدة التي امضى عمره في مطاردتها، ليست الا علامة على الانهيار الداخلي الذي يكتسح علاقته بالعصر والدهر. ان بحثه المضني عن عميق المعاني وغريبها ليس الا معادلا موضوعيا لتلك الهاوية النفسية السحيقة التي كانت تكتسح اعماقه الداخلية وتفتح فيها فجوة لا قرار لها. لقد فقد ابو تمام ثقته بالاشياء من زمان، فقد ثقته بالعلاقات السطحية الخارجية وراح يبحث تحت السطح عن عمق ضائع او عن امتلاء شديد الفراغ.
     
  2. zombazomba

    zombazomba عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏25 نوفمبر 2005
    المشاركات:
    1.035
    الإعجابات المتلقاة:
    772
      02-11-2007 15:24
    شكرا جزيلا
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...