نحو طرح للنهضة( ردا علي أدونيس)

الموضوع في 'الأخبار الطبية الحديثة' بواسطة robin hood, بتاريخ ‏10 نوفمبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. robin hood

    robin hood نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏20 أوت 2007
    المشاركات:
    2.158
    الإعجابات المتلقاة:
    248
      10-11-2007 12:54
    * تمهيد :
    تمثل الشخصية العربية و المصرية خاصة الفاعل الرئيسي في مجتمعاتنا، فالشخصية المصرية و العربية محصلة لروافد عدة، أحدها و أهمها علي الإطلاق "الدين" و يلحق بذلك باقي مكونات الثقافة الأخري،و لا يختلف اثنان أن الشخصية المصرية و العربية شخصية متدينة ، فهذه الشخصية تستدخل الدين ونصوصه كأحد أهم المحركات الرئيسية لها .
    و علي نقيض هذا الاستدخال شبه الجمعي للنص ، استدخل أخرون فلسفات وأيديولوجيات ، أما الفريق الأول فقد ثبت ذهنه علي فهم النص بحرفيته و أخذ الفهم مرتبة النص فاكتسب قداسة النص " ولا ينفي ذلك وجود أصحاب الفهم العقلاني للنصوص- علي قلتهم - وانصرف الذهن التنويري إلي أن التراث تراث و المجتمع مجتمع ، وفي التأمل الحالي أستعرض أطروحات طرحها أدونيس لتغيير الذهنية العربية ومن ثم الشخصية الوطنية والقومية وبعدها أقوم بطرح خمس أراهن وسيلة للتغيير.
    * حوار مع خمس الانقلاب المعرفي لأدونيس :
    الأطروحة الأولي : يقول أدونيس : " استنادا إلي واقعنا اليوم ، نحن العرب ، يمكن القول إن هيمنة النظرة الدينية علي الفكر و الثقافة إنما هي مصادرة تعزلها عن الواقع و الأشياء و تأسر ألفاظها في مدلولات واحدة و هو عزل يتضمن ، إلي ذلك ، إلغاء الخيال و المخيلة ، و ليس إلغاء المخيلة إلا شكلا آخر من أشكال إلغاء الواقع ".(1)
    و الواضح من خلال هذه الأطروحة أنه يخاطب النخبة و لا يخاطب جمهور الشخصية الوطنية و القومية ، الذي لسان حاله ، غياب الرؤية الدينية الصحيحة بل يزيد الأمر للجهل بالنص نفسه في بعض الأحيان ، هذا أمر أما الإشكالية الحقة فتتمثل في أن النظرة الدينية في حد ذاتها تمثل بحق " اختيارا شعبيا " حتي و إن كان ذلك عن جهل فإذا قمنا بعقد استفتاء عام حول الاختيار الحداثي و الديني فالنتيجة الحتمية للاختيار الشعبي يتمثل في الاختيار الديني الخلاصي ، و هذا الاختيار الخلاصي النصوصي في حد ذاته ليس جوهر الإشكالية و إنما جوهرها في جمود فهم النص و انعزاله عن الواقع بأن يقف أسيرا لفترة تاريخية معينة فيخلق لنا ما أسميه "بالذهن التثبيتي " الذي نفذت طاقته.
    والنص الديني في ذاته لا يمثل مصادرة فهو بالفعل يحتمل تأويلات متعددة تنسحب علي شئون الواقع و الحياة ، و المشكلة الحقيقية تكمن في الفهم التاريخي للنص بما لا يلائم الزمكان ، و هذه هي العزلة الحقة عن الواقع و الحياة .
    الأطروحة الثانية : يقول أدونيس : " لابد لغويا و معرفيا من أن نتخطي الأسوار التي تضربها علينا هذه المصادرة و لا يتم ذلك إلا بانقلاب معرفي في كل ما يتعلق بالأصول ، نصوصا و قراءات – انقلاب ينطلق من النظر إليها بوصفها حصرا "حمالة أوجه "، و إذن بوصفها أفقا مفتوحا لتعدد القراءات ، و إعادات النظر ، و الأسئلة . دون هذا الانقلاب سيظل " المعني " في الثقافة العربية ثابتا ، محدودا ، مغلقا . و تبعا لذلك ، ستظل المعرفة كذلك محدودة مغلقة ".(2)
    في البداية أتفق مع أدونيس في ضرورة كون النصوص و الأصول و القراءات يجب أن تكون "حمالة أوجه " ، وهذا لا اختلاف عليه ، ولكن يظل السؤال هنا هل يسلك الناس وفقا للمعني دائما ؟ ، هناك إشكالية ما بين المعني و الفعل ، فربما يكون المعني تقدميا و يأخذ بأهداب التطور إلا أن السلوك رجعيا تثبيتيا يقف ويتصلب علي فهم واحد ووجه واحد ، و علي قاعدة المفاهيمية يكون المطلب : انقلاب معرفي أم تدرج في التنوير ؟
    و أري أن التدرج هو الحل فأزمة المعني ليست في تشخيصه بالتصلبية والجمود و إنما في إمكانية تغييره ، أي إمكانية الغوص في هذا العمق المظلم للعقل الجمعي واستبدال جهالته بالعلم وفوضويته بالنظام وإن شئنا أن نعرف جهالة الذهنية الشعبية فلنتأمل ما ورد في بعض الأوراق التي التقطها ويؤمن بها العديد من الناس منها مثلا ورقة تحث علي الصلاة وطاعة الزوجة لزوجها وقد جاءت من حلم رآه كما تقول الورقة خطيب مسجد النبي "صلي" وتتوعد الورقة من لم يطبعها ويصورها بأن يموت باعتبار أن هناك من أهملها فمات بعد تسعة أيام وهناك من جعل السكرتارية تطبعها فترقي لوظيفة اعلي وفتحت له أبواب الرزق ، ولنا مثال آخر لورقة أخري التقطتها وقد تم عنونتها علي أنها معجزة قرآنية وهي تتعلق بتفسير أحداث 11 سبتمبر وانهيار مركز التجارة العالمي بنيويورك . والورقة من السذاجة بحيث لا تعبر إلا عن مزيد من الجهل والتخلف والبعد عن الفهم الصحيح للدين فالآية الكريمة التي تم استغلالها في إعداد الورقة هي قال تعالي " أفمن أسس بنيانه علي تقوي من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه علي شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين" والآية تحدثنا عن بنيان التقوي وأن من لم يبني بنيانه علي التقوي مثل من يبني بناء يوشك أن يسقط وهذا السقوط سيكون في النار باعتبار أن صاحبه لم يبني الخوف من الله ويعمل بالتنـزيل ويرضي بالقليل ويستعد ليوم الرحيل . إلا أنه يأتي التفسير الذي يقصد منه تغييب الذهنية الشعبية ويأتي الاستدلال أن مركز التجارة انهار في 11/9 / 2001 والمكان " ناصية جرف هار " ورقم السورة 109 . وهذه معجزة قرآنية باعتبار أن السورة في الجزء 11 من القرآن وهو تاريخ يوم الانهيار. ورقم السورة 9 وهو شهر الانهيار وعدد الحروف حتي الآية 109 هو 2001 حرف هو تاريخ عام الانهيار والنتيجة التي تبرز هنا أن ما يسيطر علي الذهنية الشعبية ليس نظرة واعية وإنما نظرة دينية مغيب وعيها فلا هي فهم ديني صحيح ولا هي خرافة ، ونعود لكلام أدونيس فتبرز إشكالية أخري متمثلة في أنه إذا اتفقنا علي ضرورة كون النصوص " حمالة أوجه " فما هي هذه الأوجه الجديدة و من المسئول عن صياغتها ؟ و علي أساس الاختيار الحر ، فهذه الأوجه لا يمكن صياغتها بأثرة نخبوية و إلا ستظل نخبوية متعالية ، و لا يمكن صياغتها بأثرة ديماجوجية وإلا فهي العشوائية ، و البديل دائما في المنظور الوسط و الجيل الوسط و إدراك الزمان بشكل صحيح بما لا يقبل إهمال درس الماضي و لا التثبيت عليه .
    الأطروحة الثالثة : يقول أدونيس : يتضمن هذا الانقلاب التفكير و العمل برؤية لا تعد الأمة هوية جاهزة تكونت مسبقا ، مرة واحدة ، بشكل كامل و نهائي رؤية . تنظر للأمة بوصفها . علي العكس – تركيبا اجتماعيا متعددا و متنوعا و تركيبا ثقافيا متعددا و متنوعا ، في البدء كان التعدد ، لا الوحدة : ذلك ما يعلمه هذا الانقلاب . يعلم تبعا لذلك ، أن الهوية متحركة و منفتحة ، تحرك الواقع و انفتاحه . فالهوية تجيء أكثر من المستقبل أكثر من كونها تجيء من الماضي " .(3)
    أختلف مع أدونيس في هذه الأطروحة لعدة إشكاليات ، الأولي أن الهوية الجاهزة بمباديء قبلية ليست شرا خالصا فهناك مباديء و أفكار قبلية من الممكن أن تحفز الفكر و العمل لآفاق لا حدود لها ، فمن الضروري الإيمان بمبدأ أو هوية و إذا كان الإيمان يمثل هوية مسبقة جاهزة فحتي الذي يعتقد في نفسه يتحرك من منطلق الإيمان بالذات ، لذا وجب الاعتقاد شريطة المرونة و قبول الآخر .
    و الإشكالية الثانية تتمثل في نوعية المعتقد ، فغالبا لا يثق غالبية العقل الجمعي الوطني و القومي بالهويات المصنوعة الوضعية ، أما الأيديولوجيا النابعة من فهم النصوص الدينية فهي القبول بعينه ، وتأتي مهمة النخبة في تهذيب الزيغ الناتج من اعتناق هذه الهويات ، وإنني لأتفق مع أدونيس في ضرورة التعددية و لكن ما يلقي بظله ، هل التعددية إلي مالا نهاية ؟ إن الكثرة غالبا ما يميل ذهن الجمع لردها لوحدة ، أما الكثرة التي لا ترتد لوحدة فهي كثرة نسبية تخلق حالة من التميع الذي يرفضه عقل الجمع ، الذي يتعامل مع المحدد و الحسي و الواضح و يركن إلي الثابت .
    و تبرز إشكالية ثالثة : تتمثل في غموض البعد الزمني في هذه الأطروحة ، فهو يقول أن هذه الهوية تجيء من المستقبل أكثر من كونها تجيء من الماضي ، و أري هنا أن إدراك الزمان يقتضي عدم إهمال ( الماضي و الحاضر و المستقبل) فالعقل الجمعي لأمة ما إذا توقف عند الماضي وتأمل أطلال الديار فهو " عقل تثبيتي " توقفت طاقته عند أطلال الديار و لسان حاله "قفا نبكي" ، و أما إذا وقف علي حدود الحاضر فهو " عقل وقتي " مصاب بقصر النظر لا يري أبعد من قدميه ، وأما إذا غرق الذهن في آمال المستقبل فإنه " عقل حالم " لا يخطط علي إمكانات الحاضر و لا يستفيد من تجارب الماضي .
    الأطروحة الرابعة : يقول أدونيس : تنشأ في هذا الأفق نظرة جديدة إلي المجتمع إصلاحا وترميما و إنما تصبح علي العكس إعادة تكوين . ليس الإنسان طبيعة ثابتة و انما هو كائن متحول الطبيعة و متحول في الطبيعة و يعني ذلك أن الذات الخلاقة لا تحاكي الآخر و لا تنبذه و أن الهوية ليست تطابقا مع جوهر ماض ، إنما بالأحري ابتكار دائم " تولد" الهوية في الماضي لكنها تجيء من المستقبل . فالإنسان يبتكر هويته فيما يبتكر فكره و عمله".(4)
    إن هذه الأطروحة تميل في نظمها للتناغم الشديد في صياغتها و أسلوبها ، ولكن علي مستوي الواقع الاجتماعي أجد لزاما أن أعترض علي الانقلاب و إعادة التكوين ، فالطرح هنا انقلاب علي أي مستوي و قد اختار غالبيةعقل الجمع التثبيت في فهم النص ، فإعادة التكوين فيه إهمال لهذه الغالبية واختياراتها وقناعاتها ، أم علي مستوي النخبة التي لا تريد النزول لعقل المجموع إلا بشروط ، فالشخصية العربية إما نخبة متعالية أو ديماجوجية جاهلة اختار بعضها التثبيت علي النص بفهم تاريخي كحنين لقرون العزة الزائلة ، و التلاقي هو الحل دون تسفيه الرموز و الأحلام عند الشخصيتين ، هنا يكون لسان الحال ، التكامل .
    الأطروحة الخامسة : يقول أدونيس :
    " ليست الأمة هي التي تبدع بل هذا الفرد المحدد ، أو ذاك ، هو الذي يبدع لهذا لا يمكن أن تتمثل هويتها حقا إلا في التعدد و في هذا ما يقتضي الخروج من مفهوم الأحادية ، إلي مفهوم التعددية . دون ذلك سيظل سبات الثقافة قائما بفعل القول بوحدة الأمة ، القائمة علي وحدة النص ، القائمة علي وحدة تحقيقه و الهوية ، القائمة علي وحدة السلطة ، و مثل هذه الوحدة إلغاء لحركية الإنسان و حركية المعرفة في آن ، عدا أنها وحدة تنتج سلطة تتأرجح " هانئة " لكن علي كرسي في الفراغ " .(5)
    إن شخصية الفرد سببا رئيسيا للإبداع إلا أنه لا يمكن إهمال الجدلية المشتعلة بين الفرد و الجماعة و التي تصيغ هوية الاثنين ، و الإشكالية الحقة تبرز في منهج بناء الشخصية الفردية ، فإذا افترضنا جدلا إلغاء مركزية النص الديني لدي بعض الجمع يبقي التساؤل ما البديل في ظل حضارة شكل وجدانها قداسة النص ؟، إن الدور الحقيقي للنخبة في ظل الاختيار شبه الجمعي للنص هو تهذيب فهم النص بما يوافق أغراض المجتمع ومراحل تطوره و بما لا يحدث إخلالا في التركيب الاجتماعي الذي يرتكز علي النص . و إنني لأتفق مع أدونيس في رفض مبدأ وحدة السلطة ، فتوزيع السلطة مانع للتسلطية و أدعي للموضوعية ، ولكن ما أختلف فيه مبدأ وحدة الهوية ووحدة الأمة ، أما عن وحدة الهوية فإنني أراها ضرورية في إطار من التعددية ، فلا مانع إطلاقا من وضع المباديء العامة التي لا اختلاف عليها ، أما أن تتعدد الهويات بتعدد الأفراد فهذه هي النسبية بعينها ، حيث اللاثبات …. اللامعيار حيث اهتزاز معيار الصواب والخطأ ، و الواقع أن اختيار النسبية و الفردية يتطلب مستوي عالي جدا من الوعي يليق بالنخبة ، أما مستوي العقل الجمعي فما زال بحاجة لسنين " بناء الوعي " ، أما عن مبدأ وحدة الأمة ، فيكفي أن ننظر إلي أمم أقل تناغما و تفتقر لمثل مبادئنا الجامعة ، وقد توجهت للوحدة ، وأعني الاتحاد الأوروبي ، وإذا كان أدونيس يعترض علي تنميط الأمة في قالب موحد فإن خمس انقلابه تتطلب وحدة الأمة علي هذه الخمسة التي يطرحها ، وهذا توحيد للأمة !
    مما لا شك فيه أن هذا العصف الذهني الذي ألقته علينا عقلية " أدونيس " جاء منطلقا من رغبة في إنماء الشخصية العربية ، إلا أن هذا العصف مثّل خطابا نخبويا متعاليا عن معظم الجمع الغائب وعيه ، فهو خطاب من النخبة إلي النخبة باعتبار أن النخبة هي التي تصيغ ديماجوجية العقل الوطني و القومي، وربما يكون ذلك مؤشرا كبيرا علي غياب وعي النخبة بكيفية خطاب الواقع ، و يبقي التساؤل قائما : إذا كان اختيار الذهن الوطني و القومي ( دون النخبة ) للتثبيت علي فهم تاريخي للنص فما الحل ؟ ، و نري الحل في منظور خاص لمحاولة تقديم منهج لبناء الشخصية الوطنية والقومية ، يراعي اختيارات هذه الشخصية و بما يوافق الزمكان.
    * بناء الشخصية الوطنية والقومية :
    و تقوم أطروحتي لبناء الشخصية الوطنية و القومية علي أبعاد خمس:
    * الإيمان : فالإيمان قوة دافعة و محركة ، فأن تعتقد فهذه هي الهوية والولاء أما بدون الهوية فهذا هو التخبط و العشوائية ، وإذا كان اختيار العقل الجمعي للنص، فإن دور النخبة تهذيب فهم النص ، أما احساس الجمع بأن النخبة تهمل فهمها فإن ذلك سيفهم من قبل الجمع أنه إهمال للنص نفسه ، و يؤدي ذلك بدوره إلي زيادة الهوة بين عقل الجمع و النخبة و هذا الحال ليس ذلك من صالح النخبة لأنه سيزيد من عزلتها و ربما بمرور الأيام تفقد النخبة نرجسيتها التي لن تجد لها امتدادا عبر الآخر ، و ليس في صالح الجمع لأن ذلك سيزيد من ديماجوجيته ، فيجب أن تعي النخبة جيدا أن تمسك الجمع بالنص في أساسه تمسكا خلاصيا من عصاب الحرمان الدنيوي إلي وعد بالإشباع الأخروي .
    إلا أنه يجب أن نشير إلي أن المذموم من الإيمان أن يكون عقل المؤمنين متصلبا جامدا يرفض الآخر ، فالآخر ليس هو الجحيم و الحكمة ضالة المؤمن فأينما وجدت فهو أحق الناس بها ، وأما اختيار تاريخية فهم النص فإن ذلك ليس صحيحا علي إطلاقه و ليس خاطئا علي إطلاقه ، ففهم بعض شئون النصوص توقيفيا علي التاريخ في أحوال ، و يقبل النظر والاجتهاد في الأمور الجديدة في أحوال ( خذ مثالا تفسير النص المسطور بالنص المنظور من بدائع الصنع الإلهي الذي تكشفه تقنية العلم المعاصر و يثبت نصا ، و ما يجد من قضايا مجتمعية).
    * العلم : يلي الهوية و المعتقد ، العلم ، و أعني هنا العلم بالغث والثمين فقد جري عرف الذهنية العربية علي تقسيم العلم إلي محمود و مذموم ! ، مع أن الليل يعرف بالنهار والصحة تعرف بالمرض و معرفة الغث تجنب ضياع الثمين وأدعي للتمسك به ، حاول بعض " التثبيتيون " القول بأن الأقدمين لم يتركوا لنا شيئا لنفكر فيه و ذلك أدعي لتوقف عقل الأمة عند فترة تاريخية معينة و فهم معين.
    كان العلم وما يزال هو الحد الفاصل في التقدم ، فاستقراء التاريخ يوضح أن ثورة العلم كانت دائما سببا ما ورائيا لثورات أخري مثل ثورة الصناعة والتكنولوجيا و ثورة المعلوماتية ، و هكذا فنحن نحتاج إلي أصحاب هوية علماء لهم مزايا نسبية في ميادين صنع الثورة العلمية المعاصرة ، فإذا كان الإنفاق علي أنشطة هامشية بالآلاف و الملايين في أمم آخذة في النهوض فالأولي و الأكمل كون هذا الإنفاق في إعداد جمهرة من العلماء بحيث يكون لهم ميزة نسبية لفتح آفاق جديدة ، كإعداد أجيال من الكوادر الجديدة أو إنتاج سلعة بميزة نسبية مما يخلق عائدا جديدا في عالم يقاس فيه مدي القوة بالإنتاج القوي مما يترتب عليه غزو الأسواق و اتساع النفوذ السياسي للدول المنتجة ، و هكذا ، فالعلم درب .
    * العمل : و تأتي الخطوة الثالثة و تتمثل في الاتساق ما بين الهوية و العلم خروجا إلي واقع العمل ، فالهوية و العلم بدون عمل أدعي إلي يوتوبيا العقل الحالم ، فهوية بعلم دون عمل أدعي للتثبيت علي مجتمعات الترف الفكري ، ولكن هذا الترف لا تتحمله مجتمعات العالم الثالث و التي ننتمي إليها ، و من الملاحظ علي بعض خطاب المؤسسة الإعلامية أنها ترسخ للتثبيت علي حضارة الأجداد و آثار الأجداد ، في تعمية غريبة لواقعنا الراهن و مقاييس العصر الحالي ، وفي لحظة تأمل كنت جالسا أمام الإنترنت و كنت أقوم بنسخ بعض الملفات من موقع ما ، وتأملت الأوراق التي تنسخ ، فوجدت أن هناك فرق بين ثقافة الأطباق في ثقافتنا العربية و ثقافة الأوراق التي تطير عبر الهواء ، خالقة معها آلاف الفروق بين مجتمعات الذهن التثبيتي و مجتمعات صناعة المعلومة و أما قبل ، العلم ، فعندنا في كل مناسبة طبق ، و ما أكثر المناسبات و ما أكثر الأطباق .
    * التملك : اتساقا مع الإيمان و العلم و العمل يأتي الحصاد في التملك الواعي المنتج الذي لا يعني أن نتحول إلي خزائن تكنز ، ولكن التملك الحق يعود علي الجميع بما فيه الإثراء ، فسيادة ثقافة الاستثمار هي الثقافة المنشودة في كل مجال ، و التملك لصيق بحيازة هوية و علم و عمل ، فقبل أن نسعي لنتملك العالم يجب أن نسعي لاستدخال أفضل ما في العالم ، و أفضله البشر ، الشخصية التي تملك هوية و علم و عمل ، تتملك ما تريد عن حق و جهد و علم .
    * الإدراك الزمكاني : إن الشخصية الوطنية و القومية بأبعادها المنشودة السابقة يجب أن تستدخل هذا البعد فيما سبق ، فهب أن رجلا يعيش في صحراء لا يملك إلا عملة واحدة من قرن خلا ، وجلس الرجل ينتظر وسط الصحراء مرور السفينة ليحصل رسمها ، ومن طول الانتظار شعر بالجوع فأخذ يحلم بمن يبيعه طعام ، فنام الرجل فرأي في غيابه بائعا يمر في الصحراء .
    فقال له : طال انتظاري لك
    فقال البائع : ولم تجلس بالصحراء ؟
    فقال : أهي صحراء ؟
    فقال البائع : ألا تري الرمال و الفراغ !
    فقال : قيل لي هنا بني الأجداد .
    فقال البائع : إذن أنت تبكي علي البناء .
    فقال : بل أحتفل به .
    فقال البائع : عجبا تحتفل بصحراء !
    فقال : إني جائع و أملك مالا .
    فقال البائع : حسنا ….أين ؟ ولك الطعام .
    فقال : هو ذا .
    فقال البائع : إنها عملة الأجداد صنعت بعلم الأجداد و لا تشتري طعاما في صحراء أم علمت أن الأجداد قد ماتوا وماتت عملتهم ، " إلا إذا كانت ذهبا " ؟
    فقال : أيها البائع إني جائع فما العمل ؟ ألا تعطيني الطعام ؟
    فقال البائع : أما علمت أنه صنعة أبنائي …. من بنوا مباني للسحاب؟
    فقال : أعطيك فهمي الذي ورثته من آلاف الأعوام وفهمَ الشيخ فلان؟
    فقال البائع : عذرا فهذه العملة لا تصرف عندنا .
    فقال : إني جائع فما هي عملتكم ؟
    فقال البائع : إنك في صحراء تعيش بفهم الأجداد و تملك عملتهم !
    فقال : ألا تأخذ إيماني ثمنا لطعام ؟
    فقال البائع : عيب …. أن تكذب …. فما تعطيني الإيمان …. و إنما تعطيني فهمك للإيمان .
    فقال : و الطعام ؟
    فقال البائع : في نفسك و سلام .
    ثم قام من غيابه فألقي العملة و همّ بترك الصحراء ليبحث عمن بعثه .


    الهوامش:
    1. أدونيس : خمس أطروحات بحثا عن انقلاب معرفي ، مجلة العصور الجديدة – عدد مارس 2000 ،ص:10 : 11
    2. المرجع السابق ،ص:10
    3. المرجع السابق ،ص:11
    4. المرجع السابق ،ص:11
    5. المرجع السابق ،ص :11
    ================================================== =
    هذا المقال هو فصل من كتابي المعنون بـ ( تحديث العقل المصري :محاولات منهجية) والمنشور 2005 بمكتبة النهضة المصرية بالقاهرة
     

حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...