التفسير بالمأثوربقلم فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور (رحمه الله تعالى)

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏12 نوفمبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      12-11-2007 00:01
    التفسير بالمأثور

    [​IMG]

    بقلم فضيلة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور (رحمه الله تعالى)


    توفرت الدواعي على تطلب الأخبار الراجعة إلى التفسير المأثور في العصر النبوي، وزادت توفرا في عصر الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك أولا مندرجا ضمن الأخبار التي يتناقلها الصحابة بعضهم لبعض؛ على ما وردت به الوصايا الكريمة من قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب". وقوله: "احفظوه وأخبروه من ورائكم". وقوله: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما وعاها".

    فلما جاء العصر الثاني خضعت النقول المتعلقة بالأخبار التفسيرية للناموس العام للأحاديث والأخبار النبوية من احتمال الاختلاف والخلط، والمجازفة والوضع، أو الثبات، والإتقان، والتحري، والتصحيح، فشملته قواعد النقد التي وضعت للأخبار بصفة عامة، وترتبت في منازل المحدثين، وتعين المتهمون بالوضع والموسومون بالضعف، وتمحصت الأحاديث بتأييد بعضها ببعض، ورد بعضها لبعض، وطرحت الأحاديث الضعيفة والروايات المنكرة للصحيح المشهور الذي نقله الثقات المعروفون بالصدق والأمانة.

    وتحت ذلك التيار الباهر من أنوار النقد والتمحيص، برزت الوجوه النضرة النيرة التي تحققت فيها الدعوة النبوية؛ وجوه الممتازين بإتقان الرواية وضبط الأخبار، وتصحيح الأحاديث، فأصبحوا مرجوعا إليهم في طلب المعارف التفسيرية مشارا إليهم بذلك، يتواصى بهم الطالبون وتضرب إليهم أكباد الإبل في طلب العلم.

    فكما عرف رجال بصدق الحديث وإتقانه في عامة السنن والسير، وعرف رجال بالاجتهاد والفقه، فرجع إلى هؤلاء وهؤلاء فيما تميزوا بإتقانه من أمر الأثر أو من أمر النظر، فقد امتاز رجال آخرون بأنهم أثبات الأخبار، وحجج الآثار في تلك الشعبة المستقلة من الحديث، الممتازة بغاياتها المرتبطة بفهم القرآن، وهي شعبة الأخبار التفسيرية أو التفسير بالمأثور في ما يرجع إلى فرعي أسباب النزول ومبهمات القرآن.



    قد تولى حافظ الإسلام العظيم جلال الدين السيوطي حصر الممتازين في عصر الصحابة بدقة المعرفة في تفسير القرآن، كما تولى حصر الممتازين بالاجتهاد للرجوع إليهم في الفتوى فذكر في كتاب (الإتقان): أن أعلم الصحابة بالتفسير، وأتمهم امتيازا من البقية بطول الباع في الإعراب عن معاني القرآن، بصورة مسلم لهم فيها من بقية معاصريهم من الصحابة إنما هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، ثم عبد الله بن مسعود، والزبير بن العوام، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهم. وقد كان لسبق وفاة التسعة الأولين من هؤلاء العشرة، وقلة اختلاطهم بالناشئة الغالبة في عصر التابعين، ما رفع منزلة آخر العشرة وأصغرهم، وأبرز مقامه في جيل لم يجد الناس فيه مفزعا للحديث في التفسير أتم اضطلاعا به منه، ونعني به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس؛ فإنه لم يبق عند منتصف القرن الأول من الهجرة من بين الصحابة وغيرهم إلا مذعن لابن عباس، مسلم له مقدرته الموفقة، وموهبته العجيبة وعلمه الواسع في تفسير القرآن.

    وقد اتصل تفسير القرآن عند ابن عباس، بعناصر زائدة على العنصرين اللذين قدمناهما في الحديث الماضي: وهما عنصر أسباب النزول، وعنصر مبهم القرآن.

    فكان ابن عباس يضيف إليهما عنصرا لغويا في فهم معنى المفرد، أو فهم سر التركيب، ويتخذ مادة لذلك من الشعر الجاهلي. فكان كثيرا ما يقول عندما يسأل عن معنى من تراكيب القرآن فيقرره: أما سمعتم الشاعر يقول كذا، وينشد البيت كما أثبت ذلك ابن سعد في (الطبقات)، ونقل عنه الطبري أنه قال: "إذا تعاجم شيء من القرآن فانظروا في الشعر فإن الشعر عربي"، وكثيرا ما كان يفسر الكلمات ببيان أنها معرّبة عن لغة أخرى، ويرجع بها إلى اللغة التي عربت منها، فيبين معناها فيها، وقد وردت أقوال كثيرة عنه في ذلك في صحيح البخاري.

    وعنصر آخر أضافه ابن عباس على ما نقل عنه في المصادر المعتمدة إلى تفسير القرآن، هو عنصر الأخبار التي لم تجئ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم مما يرجع إلى بيان مبهمات القرآن، وذلك ما كان يرجع فيه إلى مصادر المعرفة المتوفرة لديهم يومئذ من التاريخ العام وأخبار الأمم، لاسيما الأمتين الكتابيتين: اليهود والنصارى.

    ومن الظاهر أن هذين العنصرين، وإن وجدا في بعض كلام ابن عباس، لا يصح اعتبارهما من التفسير بالمأثور؛ لأن مرجعهما إلى الفهم وإلى المعرفة العامة مما يجوز أن يكون محل خلاف مقبول من طرف من يفهم فهما غير الفهم الذي ارتضاه ابن عباس اعتماداً على شاهد غير الذي اعتمد عليه، أو جنوحا إلى تخريج للتركيب على غير ما خرجه عليه، أو يكون محل خلاف معتبر أيضا من طرف من عنده معرفة أمر من التواريخ أو أخبار الكتب السماوية القديمة يختلف عما عند ابن عباس، ويمكن توسيع المفاد القرآني به على خلاف ما رأى ابن عباس في توسيع المفاد القرآني بما لديه من المعرفة، ومن هنالك بدأ التفسير بالمأثور يختلف بلون آخر من التفسير يقبل اختلاف الأفهام، واختلاف التقادير، واختلاف الاجتهاد في استنباط المعنى تبعا لاختلاف ما يرجع إليه الاستنباط من فهم لغوي أو معرفة تاريخية لم تؤثر في السنة النبوية.

    وكما كان التفسير بالمأثور يرد هذا المورد الممزوج بغير المأثور عند ابن عباس، كان يرد كذلك عند غيره من الصحابة المختصين بالتفسير، وقد تفرقوا بين المدينة والكوفة والبصرة والشام، فاستقر كل واحد أو جماعة منهم في واحد من هذه المراكز كما استقر ابن عباس في مكة.

    ولكن المنقول من ذلك عن ابن عباس كان أوسع دائرة، وأتم رواجا، بسبب ما امتاز به ابن عباس من الاعتبارات التي أسلفناها.

    وقد تكون بين يدي ابن عباس في مكة وتخرج عليه رجال من التابعين اختصوا برواية التفسير عن ابن عباس، كان نظر علماء الحديث إليهم، كنظرهم إلى غيرهم من المحدثين ورواة الأخبار، مختلف التقدير.



    فكما وجد في أصحاب ابن عباس رجال مشهورون بالصدق والثقة والإتقان، يعتمد المحدثون إلى أخبارهم، ويسندون عنهم، مثل مجاهد، وعكرمة، وطاووس، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وهم الذين خرج عنهم الإمام البخاري ما وجد في صحيحه من التفسير مسندا إلى ابن عباس، فقد وجد في أصحاب ابن عباس أيضا من كان منهم رجال الحديث على أشد الحذر، وأثبتوا أن في كل ما رووا نظرا، مثل الضحاك، وعطية بن سعيد، والسدي الذي يروي عنه محمد بن السائب الكلبي وقد ضرب بهما المثل في ضعف الحديث، حتى إنهم قالوا: إن أوثق سلاسل الإسناد هي: مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر وتسمى "سلسلة الذهب"، وأن أوهى السلاسل هي: الكلبي عن السدي عن ابن عباس وتسمى "سلسلة الخزف".

    وليس المراد بذلك، كما هو واضح، أن الضعف من ابن عباس، ولكنه من الراوي عنه المفتري عليه وكما ثبت هذا التقدير المختلف لأصحاب ابن عباس، ثبت لأصحاب غيره من الصحابة المشهورين بالرواية عنهم: من الحجازيين والعراقيين والشاميين، ونظرا إلى اشتهار ابن عباس في التفسير شهرته التي وصفنا، فإن الوضاعين والمنتحلين والمجازفين فتنوا بالكذب عنه، وإسناد الأكاذيب إليه، وحاشاه، وذلك شأن الانتحال في إرجاع كل منتحل إلى المشتهر في الباب الذي وقع الانتحال فيه، وبذلك أصبح السقيم فيما ينسب إلى ابن عباس غالبا على الصحيح، حتى ذكر علماء الحديث، نقلا عن الإمام الشافعي، أنه لم يثبت على ابن عباس في التفسير إلا نحو مائة حديث.

    وبذلك ينبغي الاعتماد على أن تلك الكتب المشهورة ـ وقد طبع بعضها ـ المشتملة على تفسير كثير مسند إلى ابن عباس هي مصادر غير موثوق بها للتفسير عند العلماء، وأن التفسير الموثوق بنسبته إلى ابن عباس هو ما مرّ بغرابيل النقد فانتهى إلى الكتب الموثوق بها مثل صحيحي البخاري ومسلم وبقية الصحاح.



    ونظرا إلى هذا الاختلاط الذي طرأ على التفسير بالمأثور في ما ورد عن ابن عباس وما ورد عن غيره، فإن علماء الحديث في أواخر القرن الأول لم يزالوا يتابعون هذه الأحاديث التي يقذف بها بين العوام كما قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه. وذلك ببيان الصحيح من السقيم، والتنبيه على الراوي الموثوق به والراوي المقدوح فيه، فصارت تلك الأحاديث الرائجة بطريق النقل الشفهي في النصف الثاني من القرن الأول متبعة بتعاليق نقدية تتصل بها، هي التي علق بها عليها رجال النقد من أئمة الحديث.

    فلما استهل القرن الثاني وبدأت العلوم الإسلامية في دور التدوين انبرى أحد الأئمة الثقاة من رجال الحديث، وهو عبد الملك بن جريج، المتوفى في سنة 149هـ إلى جمع تلك الأخبار في كتاب، فكان أول من ألف في التفسير، وهو على ثقته المشهود بها عند ابن سعد ومن بعده من علماء الرجال، لم يتحر آثار تلك النقود، ولكنه أورد الأقوال في تفسير القرآن على علاتها، فعقب كل خبر بما قيل فيه من تجريح أو تعديل، فدخل علم التفسير بذلك إلى حيّز التدوين الكتابي، على ما كان عليه من اختلاط بين الصحيح والسقيم على قابلية كل منهما التمييز عن الآخر، بما سبق من النقود منذ القرن الأول، فاحتاج هذا الوضع إلى دراسة نقدية لتلك النصوص وتخريج جديد لها بأسانيدها مع الإلمام بالنواحي الثلاث التي أصبحت أخبار التفسير راجعة إليها: وهي الأثرية، واللغوية، والعلمية، بحيث أصبح لكل ناحية من تلك النواحي الثلاث أثر في نقد الناحية الأخرى وتعديل ميلها، وتلك هي الخطة التي انتهجتها كتب التفسير ابتداءً من النصف الثاني من القرن الثاني.



    من كتاب (التفسير ورجاله) للشيخ محمد الفاضل بن عاشور.
     
  2. ketman

    ketman عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏13 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    1.445
    الإعجابات المتلقاة:
    92
      12-11-2007 00:02
    meeeeeeeeeeeeeeerciiii
     
  3. aymencom

    aymencom عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏30 مارس 2007
    المشاركات:
    152
    الإعجابات المتلقاة:
    21
      12-11-2007 00:05
    [​IMG]

    اللهم لك الحمد على نعمة الاسلام
     
  4. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      12-11-2007 00:05
    welcome bro
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...