حالة الموضوع:
مغلق
  1. ابن الجنوب

    ابن الجنوب عضو مميز بالمنتدى العام

    إنضم إلينا في:
    ‏11 جوان 2007
    المشاركات:
    2.179
    الإعجابات المتلقاة:
    1.512
      13-11-2007 16:14
    :besmellah2:

    السلام عليكم
    أرجوا منكم الإجابة على هذا السؤال

    كم بين الحق والباطل
     
  2. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      13-11-2007 16:30
    الحق والباطل
    د. عبد الرحمن صالح العشماوي*

    2005-03-22

    أورد المبرِّد في كتابه (الكامل في اللغة والأدب) خبراً جاء فيه: وصل إلى علم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ قوماً يفضِّلونه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فوثبَ عمر مُغْضَباً حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلَّى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس، إني سأخبركم عني وعن أبي بكر: انه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أرتدَّت العرب، ومَنَعتْ شاتَها وبعيرها، فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام أنْ قُلنا: يا خليفة رسول الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة، يمدُّه الله بهم، وقد انقطع ذلك اليوم، فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لا طاقة لك بقتال العرب، فقال أبوبكر: أو كلُّكم رأيه على هذا؟ فقلنا: نعم، فقال أبوبكر: والله لأنْ أَخِرَّ من السماء فتخطفني الطير أحبّ إليَّ من أن يكون هذا رأيي، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وكبَّره، وصلّى على نبيّه عليه الصلاة والسلام، ثم أقبل على الناس فقال: أيُّها الناس مَنْ كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت. أيها الناس، إنْ كثر أعداؤكم وقلَّ عددكم، ركب الشيطان منكم هذا المركب؟

    والله ليُظهرنّ الله هذا الدين على الأديان كلّها ولو كره المشركون، قوله سبحانه الحق، ووعده الصدق: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }.

    والله - أيها الناس - لو أُفْردتُ من جميعكم لجاهدتهم في الله حقَّ جهاده حتى أُبْلِيَ بنفسي عُذْراً، أو أُقتل قَتْلا، والله - أيها الناس - لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه، واستعنت عليهم الله عز وجل، وهو خير معين.

    قال عمر رضي الله عنه: ثم نزل أبوبكر بعد كلامه هذا فجاهد في الله حقَّ جهاده، حتى أذعنت العرب بالحق.

    هذا خبرٌ مفعمٌ بالمواقف المشرقة، والكلمات المضيئة، والأخلاق الفاضلة، والإيمان الراسخ الذي لا تُزَعْزعُه الفتن، ولا تُضَعْضِعه الأهواء والأحداث.

    يبدأ الخبر موقف عمر، ويا له من موقفٍ جليل الأثر، فقد سمع أنَّ قوماً فضَّلوه على أبي بكر، فغضب لأنه يعلم علم اليقين أن أبا بكر أفضل منه، ولأنَّ عمر قد تربَّى في مدرسة محمد بن عبدالله التي لا تعرف التدليس ولا التلبيس ولا ترضى بالادِّعاء الكاذب، غضب عمر فصعد المنبر ليكون حديثه عاماً حاسماً؛ واضحاً، لانَّ الحقَ واضح في نفسه وعقله، وما دام الحق واضحاً فلابد أن يعلنه على رؤوس الأشهاد ليبلغ أبعد ما يمكن أن يتناقله الناس.

    لقد حدَّث الناس بخبرٍ واضح يعرفونه تماماً ويعرفون فضل أبي بكر فيه على جميع الصحابة رضي الله عنهم، إنه خبر قتال المرتدِّين، فما عاد بإمكان أحدٍ بعد هذا الحديث العُمري الصريح أن يفضل عمر على أبي بكر، وهنا ترتفع مكانة عمر عند الله أولاً، ثم عند الناس، لأنه صاحب حق، ولا يرضى إلا بالحق، ولا يتردَّد عن قول الحق حتى ولو كان على نفسه وقد فعل رضي الله عنه.

    أما الخبر الذي أورده عمر عن موقف صاحبه أبي بكر فهو خبر عظيم فيه من الهمة والعزيمة، والإيمان واليقين، ووضوح الرؤية والهدف، وجلاء صورة الحق الذي لا يلتبس به باطل، والصدق الذي لا يخالطه كذب، واليقين الذي لا يمازجه شك، ما يجعله خبراً عظيماً جديراً بالدراسة والتأمُّل لاستخراج ما فيه من الفوائد التي تُبنى بها نفوس الأجيال.

    الحقُّ في هذا الخبر واضحٌ لا يستطيع أن يقف الباطل أمامه، وهو واضحٌ جداً في ذهن أبي بكر رضي الله عنه حتى أصبح لا يقبل أنْ يطعن فيه طاعن (محمد صلى الله عليه وسلم قد مات، والله سبحانه وتعالى حي لا يموت).

    حقيقة أجلى من وجه الشمس الصافي تراها عيون المؤمنين الصادقين، وتعشى عنها عيون الخائفين الوجلين من البشر، ولهذا كان استحضار الشاهد القرآني في ذهن أبي بكر سريعاً {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، وها هو ذا - رضي الله عنه - يدمغ بالحق تلك الظنون التي أوهنت موقف الناس، فإذا بها تتهاوى، وإذا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستجيبون لأبي بكر ويذعنون، ويرون بعد كلامه الحقَّ واضحاً جليّاً.

    الحقُّ لا يخفى إلا على العيون التي أعماها الباطل فما عادت تستطيع أن تفرِّق بين حقٍّ وباطل، وهذا ما نراه يكاد يعصف بقلوب وعقول كثيرٍ من المسلمين في هذا الوقت العصيب الذي يمرُّ به العالم اليوم.

    إنها مسؤولية العلماء والدعاة وولاة الأمر المخلصين، أنْ يزيحوا عن عقول الناس حُجب الأوهام والظنون، بنور الحق المبين.

    إشارة

    (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه).

    منقول
     
  3. aymencom

    aymencom عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏30 مارس 2007
    المشاركات:
    152
    الإعجابات المتلقاة:
    21
      13-11-2007 16:38
    التاريخ صراع بين الحق والباطل
    انتصار الحق على الباطل
    مسألة: الحقّ دائماً ينتصر على الباطل، وهذا ما تدلّ عليه فلسفة التاريخ في مختلف القصص، وما نراه اليوم في العالم من نصرة الحقّ في مختلف أبعاده من حرّية، وقوّة، وإعطاء كثير من الناس حوائجهم، وتقارب الأمم بعضهم إلى بعض، إلى غير ذلك كلّه من هذه الفلسفة، التي هي الروح العامة بالنسبة إلى التاريخ، ولو لم تكن هذه الروح العامة، لم تكن هناك حرّية، ولا أخوة، ولا مساواة في مواردها، ولا أمن، ولا ما أشبه ذلك، لأن التأريخ في فلسفته وحقيقته قائم على مبادىء معنوية، تستهدف فهم الحقيقة، والفصل بين الحق والباطل، وإلاّ فإن السرد المادي للتاريخ لا يمثل إلاّ وسيلة لاستنتاج الحقائق المعنوية. فقد ذكر القرآن الحكيم آيات بهذا الصدد، مثل قوله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً(1).
    ومعنـى (كَانَ زَهُوقاً ما من طبيعته الاضمحلال، لأنّ الباطل لا يساوق الحيـاة العامة حسب تقرير الله سبحانه وتعالى، ولذا ليس من طبيعة الباطل البقاء، وإنّما البقاء بجهة القسر، والقسر لا يدوم، كما قاله الحكماء.
    وقال سبحانه وتعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ(2) أيّ: زهوقاً مظهرياً، وإن كان في واقعه هو عدم وسراب.
    وقال سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَمُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ(3) .
    وقال سبحانه وتعالى: (وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ(4)، فإنّ محو الله الباطل، تكويني وتشريعي، حيث إنّ الله سبحانه وتعالى جعل الحياة بصورة لا يدوم فيها الباطل، فإذا دام، فهو وقتي.
    وقال سبحانه وتعالى: (فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(5) .
    وقـال سبحانه وتعالى: (ثُـمَّ نُنَجِّـي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُـوا كَذَلِـكَ حَقّـاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ(6)، وهذه هي طبيعة الحياة، وهذه هي جوهر فلسفة التاريخ، حيث يموت الباطل باندثار سلطانه المادي، ويخلد الحق بمبادئه وقيمه.
    ولا يقال: إنّ النبي الفلاني قتل أو ما أشبه ذلك، حيث قال سبحانه وتعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(7)، وقال سبحانه وتعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ(8) .
    لأنـا نقول: إنّ نصر الإنسان لله سبحانه وتعالى هو الذي يواكب الحياة حسب ما قرّره الله سبحانه وتعالى .
    وقال سبحانه وتعالى: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ(9) نصراً مادّياً ومعنوياً، ولكن من الواضح أنّ الله تعالى جعل الدنيا دنيا أسباب، فاللازم أن يتّبع المؤمنون الأسباب حتّى يصلوا إلى النصر.
    وقال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ(10)، ولاشكّ أنّ المرسلين وجند الله هم الغالبون وإن كان في طريق ذلك بعض المشكلات.
    وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ(11)، ففي الحياة الدنيا ينصرون بالتقدّم العسكري والعلمي، أمّا يوم يقوم الأشهاد فهو يوم المحشر، فالنصر للرسل وللذّين آمنوا بدون أيّ تأخير.
    وقـال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَـا الَّـذِينَ آمَنـُوا إِنْ تَنْصـُرُوا اللهَ يَنْصُـرْكُـمْ وَيُثَبـِّتْ أَقْدَامـَكُمْ(12)، فانْ علم الذين آمنوا بأنّ الله ينصرهم، وأنّ الحقّ لهم ومعهم، وأنّ الغلبة فـي النهاية على الأعداء من نصيبهم، فإن هذا يثبّت أقدامهم ويقيم أمورهم، كما قال سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا(13)، وقال سبحانه وتعالى: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْه(14) .
    وقال سبحانه وتعالى: (كَتَبَ اللهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي(15)، ولاشكّ أنّ الغلبة لله سبحانه وتعالى، فإنّ الأمر لا يفوته مهما طال الزمن.
    وقال سبحانه وتعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(16)، وثواب الدنيا عبارة عمّا يعود إلى المرسلين والمؤمنين، من ثاب يثوب، يعني: رجع، هذا بالنسبة إلى ثواب الدنيا المحدودة. أمّا بالنسبة إلى ثواب الآخرة فحسن ثواب الآخرة من نصيبهم. والآية الكريمة تشمل النصر، والغلبة، والفتح، وخيرات الدنيا.
    ثـم إن الغلبـة ليسـت غلبـةً أخروية فقـط بـل تشمل الغلبة الدنيوية، كما قال سبحانه وتعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(17)، وقال سبحانه وتعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ... وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا(18)، فإنّ الصبر مفتاح الفرج(19)، والإنسان الضعيف دائماً يوفّر لنفسه أسباب القوّة والغلبة، ولهذا يرث طرف الشرق وطرف الغرب من بلاده سواء كان مصر، أو العراق، أو إيران، أو غير ذلك.
    وقـال سبحانه وتعالى: (وَلَقـَدْ نَصَرَكـُمُ اللهُ بِبـَدْرٍ وَأَنْتـُمْ أَذِلـَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(20)، فإنّ الإنسان المتّقي هو الذي ينجح ويغلب كما قال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُه(21)، وقال سبحانه وتعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ(22)، فالملائكة من وراء الذين يستغيثون ربّهم في إنجاحهم وإنجازهم.
    إنْ قلت: كيف قتل الإمام الحسين (ع) مع جميع هذه الوعود الإلهيّة؟.
    قلت: إنّ الإمام الحسين (ع) هو الذي اختار الشهادة؛ ليكون رمزاً للمظلومية، وليكون دين الله هو الحاكم، ويزهق الحكّام الأمويون ومن أشبههم على طول التاريخ بدمائه الزكيّة الطاهرة، وقد انتصر الإمام (ع)؛ لأنّ نهضته امتدت عبر القرون لتنتج ثورات وانتفاضات، رافعة شعارات الحرية بوجه الاستبداد، والطغيان، والظلم، ولازال الأحرار في العالم ينتهلون من معين قيمه ومبادئه.
    وقال سبحانه وتعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ(23)، فإنّ العجب لا يوجب النجاح بل يوجب السقوط، كما قال علي (ع): (أوحش الوحشة العجب)(24).
    وقال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ (25)، وكلّ شيء في الكون جند لله سبحانه وتعالى، قدّر الله لها أن تسير مسيرة خاصّة في الحياة.
    ومن الواضح: أنّ الشخص الذي يواكب الحياة هو الذي ينجح في النهاية وإن تأخّر ذلك زماناً ما، وقد يكون انتصاره بعد أجيال تحقق انتصاره المادي والمعنوي.
    وقال سبحانه وتعالى: (فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا(26)، ومن الواضح أنّ المغانم هنا ليست مغانم حربية وحسب، فكلّ شيء يستفيده الإنسان في حياته هي غنيمة وفائدة.
    وقال سبحانه وتعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا(27)، فإنّ الإنسان الذي يسير في مسير الله سبحانه وتعالى، تكون في قلبه السكينة، والاطمئنان، والهدوء؛ لأنّه يعلم ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، ويعلم أنّه يسير في مسير الحياة الصحيحة، ويواكب التقدير الإلهي.
    وقال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً(28)، فمن الواضح أنّ الهجوم عليهم من فوق ومن أسفل ليس خاصّاً بذلك الوقت بل من يكون مع الله سبحانه وتعالى يكون نصيبه الغلبة حتّى إذا جاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وحتّى إذا زاغت أبصارهم بسبب الرعب وبلغت قلوبهم الحناجر، حيث إنّ الإنسان الذي يخاف خوفاً شديداً؛ تتوتّر أنفاسه، وينشأ من ذلك ضغط الرئة على القلب فيرتفع القلب إلى الحنجرة قليلاً، وهكذا قوله سبحانه وتعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ(29)، فالأعداء دائماً مرعوبون مهما كان عددهم وعدّتهم بينما المؤمنون دائماً في سكينة، وهدوء، واطمئنان.
    فأهل الآخرة وأهل الحقّ دائماً يصيبهم خير الدنيا والآخرة، بينما أهل الباطل وأهل الدنيا فقط ليس من نصيبهم ذلك، قال سبحانه وتعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُور(30)، حيث إنّ الإنسان الذي يعلم أنّه على الحقّ وأنّه ينتصر في النهاية، له من الأمور العزم والجزم.
    وقـال سبحانه وتعالى: (وَالَّـذِينَ هَاجـَرُوا فـِي اللهِ مـِنْ بَعْدِ مـَا ظُلِمـُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْيَا حَسَنَـةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (31)، فإنّ (الصبر مفتاح الفرج)(32)، والتوكّل على الله هو سبب الغلبة؛ كما قال الرسول الأعظم (ص) لأبي ذر: (يا أبا ذر، إن سرّك أن تكون أقوى الناس فتوكّل على الله)(33)، وليس المراد لقلقة اللسان فقط بل الأخذ بموازين التوكّل عملياً، ونفسياً، وروحياً، وفكرياً.
    وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ *نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا(34)، فإنّ الإنسان المتعلّق بالله، والمستقيم في العمل، يبعث له الله سبحانه وتعالى الاطمئنان، وعدم الخوف والحزن، والملائكة التي هي أرواح من قبل الله تعالى تتنزّل عليه بتقوية قلبه في قبال الذين تتنزّل عليهم الشياطين، كما قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ(35) .
    وقال سبحانه وتعالى: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(36)، فإنّ رحمة الله أمرٌ تكويني وخارجي، وكلاهما من نصيب من يطيع الله ورسوله.
    وقال سبحانه وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(37)، فهو خير عاجل وأولٌ حسن، لأنّ الأولى لمثل هؤلاء الأفراد جنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتّقين.
    سُنة انتصار أهل الحق
    مسألة: من سنن التاريخ أنّ أهل الحقّ دائماً منتصرون وغالبون، لأنّ الحقّ يواكب الحياة، فكلّ شيء في الحياة مبني على الحقّ، والعدل، والصدق، والواقعية، وأهل الحقّ أهل هذه الأمور. فلذا فهم منتصرون وغالبون في هذه الحياة الدنيا، وهـذا أصـلٌ كلّي أوّلي، بينما ما يكون خلافه استثناءً وثانوياً؛ نظير الأمور الطبيعية، فإنّ الأصل في الدواء هو الشفاء لكن قد لا يشفيه، والأصل في موجبات الحـرارة والبـرودة والرطوبة واليبوسة؛ المزاجية، أن تكون الأمور على وفقها، والاستثناء هو العكس، وكذلك بالنسبة إلى سائر الأصول الأوّلية، فإنّ معنى الأصل هو الأوّلية والدائمية، ويكون خلاف الأصل من الاستثناء لا من القاعدة.
    وعلى كلّ حال: فإنّ جملة من الآيات تدلّ على هذه الحقيقة، فقد قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(38)،ومن الواضح أنّ شرط العلوّ أن يكون الإنسان مؤمناً؛ لأنّ المؤمن هو الذي يواكب الحياة لا غير المؤمن، ولهذا قال رسول الله (ص): (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(39).
    هذا بالنسبة إلى الأمور المادّية، وأمّا بالنسبة إلى الأمور المعنوية فأهل الحقّ دائماً هم الأعلون؛ لأنّهم هم الواقعيون، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ(40)، فإنّ الله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، ودفاع الله مادّي ومعنوي، كما أنّ الإذن للذين يقاتلون بأنّ يتقدّموا ويرتفعوا؛ لأنّهم ظُلموا، والمظلوم دائماً يكون في تحفّز وواقعية، بينما الظالم يكون في غرور وانحراف. والذي يقاتل حيث إنّه ظُلِم، يكون منصوراً، فالقدرة من الله سبحانه وتعالى، والتحفّز من الإنسان المظلوم، وهما يسيران به إلى رفع الظلم.
    ومصداق الذين ظلموا: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ (41)، ولا يقولون: (ربنّا الله بمجرّد اللفظ وإنّما بالعمل أيضاً كما تقدّم، فإنّ القول باللغة العربية يطلق على العمل أيضاً.
    ومن الواضح: أنّه لولا أن الله سبحانه وتعالى يدفع غير المستقيم بسبب المستقيم لهدّمت صوامع للمسيحيين، وبيع لليهود، وصلوات للمجوس، وهؤلاء هم أصحاب الأديان الأولى، وإن حرّفوا، وبدّلوا، ونسوا حظّاً ممّا ذكِّروا به، ومساجد للمسلمين، ولينصرنّ الله من ينصره فإنّ من ينصر الله يواكب الحياة ويكون واقعياً حقيقياً، ومــن الواضـح أنّ الـذي يواكب الحياة ويكون حسب موازين الكون يكون منصوراً، ومنهم الذين ينصرون الله هم الذين مكّنهم الله، وصار بيدهم الحكم، والسيادة، والسلاح، والعزّة، فإنّهم: (أَقَامُوا الصَّلاَةَ(42)، الارتباط بين الإنسان والله، و: (آتُوا الزَّكَاةَ(43)، الارتباط بين الإنسان والإنسان، (وأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ(44)؛ حتّى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، ولله عاقبة الأمور، لأنّ كلّ شيء ينتهي إلى الله، كما قال سبحانه وتعالى: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى(45).
    وفي آية أخرى: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(46)، فإنّ رحمة الله إنّما تشمل مثل هؤلاء الأفراد.
    وقد ذكرنا سابقاً أنّ غير هؤلاء طفيليون بالنسبة إلى هؤلاء، حيث إنّ غير هؤلاء وأمثالهم لا يستحقّون الحياة المرفّهة والرحمة.
    وقال سبحانه وتعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ(47) حتّى يكونوا هم سادة الأرض، وبيدهم المال، والسلاح، والحكم، وغير ذلك.
    وقال سبحانه وتعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(48)، فإنّ أهل الباطل هم الذين يريدون أن يقولوا قولاً ضدّ الحق، ويريدون إطفاء نور الله بالقول، وهيهات أن يطفأ نور الله بالقول، كما أنّ نور الشمس وهو شعبة من شعب نور الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يطفأ بسبب ما يروّج من أقاويل وأراجيف.
    وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الأرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (49)، فإنّ الباطل وإن مشى مدّة وهرّج زماناً، لكن العاقبة للّذين يواكبون الحياة ويتّقون الله في أوامره ونواهيه، كما أنّ العاقبة للذين يستعملون الدواء وإن كان غير مستعملي الدواء يهرِّجون بأنّهم برئوا وأنّ الحقّ معهم.
    وفي آية أخرى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(50)، وهم الصالحون للحياة أيضاً، والله سبحانه وتعالى بعد أن ذكّر بالأحكام، والعقائد، والأخلاق، وما أشبه ذلك، في كتاب الزبور، الذي هو كتاب داود، كما قال سبحانه وتعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً(51)، ذكر هذه الحقيقة بأنّ الأرض تكون للصالحين من عباد الله سبحانه وتعالى، الذين يصلحون للحياة. وقال سبحانه وتعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ(52)، فإنّ الضلالة تزيد عليهم، كما أنّ الهداية تزيد عليهم ـ على ما ذكرناه سابقاً ـ حيث إنّ كلّ شيء من الماديات والمعنويات في حالة تنامٍ، فمن الطبيعي أن يكون الذين يعملون السيئات ينتهي حالهم إلى التكذيب بآيات الله، فالذين يكذبون بآيات الله ويستهزئون بها فثمرة عصيانهم وظلمهم أنّهم يسلب منهم نور الهداية مطلقاً فيتجهون للتكذيب، والكفر، والانحراف، والاستهزاء، وتكون عاقبة مثل هؤلاء السقوط في الدنيا والآخرة، كما قـال سبحانه وتعالى في آيات أخرى: (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(53)، وقال سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(54)، فإنّ المنحرف في أعماله، ينحرف في قلبه أيضاً، كما جاء في الحديث: (فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه)(55) .
    ومن الواضح: أنّ الله سبحانه وتعالى لا يشمل الفاسقين برعايته وعنايته، وإن كانت الهداية العامة تشملهم جميعاً، فإنّ الهداية عامّة وخاصّة، فالهداية العامّة هي تذكير الأنبياء ومن إليهم بموازين الهدى، ثمّ قد يقبل بعض الناس ذلك، وقد لا يقبل كما قال سبحانه وتعالى: (أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى(56) .
    أمّا الهداية الخاصّة؛ فهي الإيصال إلى المطلوب من الحقّ، والعدل، والسعادة، وخير الدنيا والآخرة.
    ومن الواضح: أنّ المنحرفين يزيّن لهم الشيطان أعمالهم، فيمضون في طريق الجهالة والشر، حيث قال سبحانه وتعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(57)، وفي آية أخرى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(58)، وفي آية أخرى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ(59)، وفي آية أخرى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ (60)، فإنّ الشركاء الذين هم ينسبونهم إلى كونهم شركاء الله، زيّنوا لهم قتل أولادهم ذكوراً وإناثاً؛ الأنثى بسبب العار، والذكر بسبب الفقر على الأغلب، وفي آية أخرى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ(61)، والقرناء هم من الجنّ ومن الإنس، فالجنّ يوسوس في قلوبهم، والإنس يقول لهم ويعمل ما يسبّب لهم الانحراف، كما قال سبحانه وتعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ(62) .
    وبعد أن تتمّ الحجّة على جميع الناس؛ نتيجة عمل الأنبياء، والرسل، ونصر الأنبياء والأوصياء، وإنزال الكتب، يتّخذ أهل الباطل طريق الانحراف والضلال، بمحض اختيارهم وإرادتهم، وحينئذ ينشط الشيطان للوسوسة لهم، ويصوّر أعمالهم في أعينهم بأشكال جميلة وحسنة، كما قال سبحانه وتعالى: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً(63)، وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ(64) .
    إذاً: فترك الله سبحانه وتعالى الإنسان بعد إتمام الحجّة عليه إنما يكون مستنداً إلى الله المقدّر في إطار القدر، ولذا نسب هذا التزيين الشيطاني في بعض آيات القرآن إلى الله تعالى.
    وقـال سبحانه وتعالى: (كَـذَلِكَ زَيَّنـَّا لِكُـلِّ أُمـَّةٍ عَمَلَهُمْ(65)، وقال سبحانه وتعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُـمْ قُرَنـَاءَ(66)، وقـال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِيـنَ لاَ يُؤْمِنـُونَ بِالآخـِرَةِ زَيَّنـَّا لَهُمْ أَعْمَالَهـُمْ فـَهـُمْ يَعْمـَهُـونَ(67)، وقـال سبحانه وتعالى: (زُيـِّنَ لِـلَّذِيـنَ كَـفـَرُوا الْـحَيـَاةُ الدُّنْـيـَا(68)، وقال سبحانه وتعالى: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(69)، وقال سبحانه وتعالى: (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ(70)، وقال سبحانه وتعالى: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(71)، والمراد بالإسراف الانحراف عن طريق الله سبحانه وتعالى، كما قال بالنسبة إلى فرعون: (لَعَالٍ فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ(72)، وقال سبحانه وتعالى: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(73)، لأنّ الهدايــة خاصّة بالله سبحانه وتعالى، إذ لا هدايـة فيمـا سـواه، كــما قــال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (74)، وقــال سبحانه وتعالى: (أَفَمـَنْ زُيـِّنَ لـَهُ سُـوءُ عَمَلـِهِ فـَرَآهُ حَسَنـاً(75)، وقــال سبحانه وتعالى: (أَفَمـَـنْ كَـانَ عَلـَى بَيِّنـَةٍ مــِنْ رَبـِّهِ كَمـَنْ زُيـِّنَ لـَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(76)، والتزيين يكون ابتداءً من النفس الأمّارة بالسوء، ومن الشيطان، ينتهي إلى الله سبحانه وتعالى، كما تقدّم وجه ذلك، ومثل هؤلاء الأشخاص يستدرجون إلى النتيجة النهائية وهي العقاب، والعذاب، والانحراف في الدنيا، والنار في الآخرة، كما أنّه يملى لهم، قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(77)، فما يعطون من المال، والأولاد، والأنفس، والعزّة، والجاه، وما أشبه ذلك، كلّه إملاء، واستدراج، وليس خيراً كما يزعمون ويزعم غيرهم، كما قال سبحانه وتعالى: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(78)، وفي آية أخرى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا(79)، فإنّهم لا ينسون نسياناً حقيقياً بل ينسون نسياناً واقعياً، كما قال سبحانه وتعالى: (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ(80)، وقال سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً(81)، إلى غير ذلك ممّا استعمل فيه النسيان بمعنى الترك.
    وقال سبحانه وتعالى في آيات أخرى في صدد ما ذكرناه من سنن التاريخ: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ(82) .
    وقد شاهدت خلال حياتي كم أخذ الله بغتة في الحرب العالمية الثانية حيث أدركت سنن الله في وقائع هذه الحرب من أوّلها إلى آخرها، وكذلك بالنسبة إلى الذين ماتوا أو قتلوا فجأة كعبد الكريم قاسم الذي قتل فجأة، وعبد السلام عارف الذي صعد إلى السماء واحترق، وكذلك أحمد حسن البكر الذي مات فجأة نتيجة زرق صدّام له إبرة مسمومة(83)، إلى غير ذلك من أمثال أتاتورك(84)، وياسين الهاشمي، وغيرهم، وكذلك يحدّثنا التاريخ عن أخذ الله الكفّار بغتة مثل: فرعون، ونمرود، وقارون(85)، وغيرهم، وقال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مـِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُـونَ * وَأُمْلـِي لَهـُمْ إِنَّ كَيـْدِي مَتِينٌ(86)، فإنّ الله سبحانه وتعالى يمكـر، ومكـره سريع المفعول، ولذا سمّاه كيداً، قال سبحانه وتعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ(87)، وقال سبحانه وتعالى: (يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ(88)، وقال سبحانه وتعالى: (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً(89)، فإنّ سهم الله سيصيبهم قبل أن يبدؤوا بإطلاق سهامهم.
    وفي آية أخرى: (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ(90)، أ لـم يشاهدوا ما أخذناه من المجرمين والمفسدين. وقـال سبحانه وتعالى: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهــَذَا الْحَـدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُـمْ مـِـنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمـُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(91)، لكن من شأن الله سبحانه وتعالى أنّه لا يأخذ أهل الباطل بسرعة، لأنّ الله لا يمكن الفرار من حكومته.
    ثم إنّ تأخيرهم لعلّهم يرجعون، وإن كان الله سبحانه وتعالى ليعلم أنّهم لا يرجعون، فالإمهال سنّة الله سبحانه وتعالى وفلسفة التاريخ، فإنّه لا يستعجل في معاقبة أهل الباطل وإنّما يعجل من يخاف الفوت. وعدم العجلة لمراعاة مجموعة من المصالح، مثل إتمام الحجّة أو لعل جميعهم أو بعضهم يندمون ويرجعون، كما قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(92)، والتاريخ مليء بقصص الذين أمهلوا ثم رجعوا كما حدث في زمن رسول الله (ص)، وزمن الإمام علي (ع)، وزمن الإمامين الحسن والحسين (ع) ، ورأينا أمثال الحرّ الرياحي (93)، وغيره، من الذين تابوا إلى الله، ورجعوا إلى الحقّ، ولولا إمهال الله سبحانه وتعالى لم يرجعوا.
    قال سبحانه وتعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخـِّرُهُـمْ إِلـَى أَجـَلٍ مُسَمـًّى فَإِذَا جَـاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(94)، فالأجل يأتي في وقته بلا تأخير أو تقديم، فهو يتحقّق في الـوقت الذي قـدّره الله سبحانه وتعالى، وقـال سبحانـه: (ظَهَـرَ الْفَسـَادُ فـِي الْبـَرِّ وَالْبَحـْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(95)، والله يعلم أنّه يرجع أو لا يرجع، لكن حيث إنّ المكان مكان (لعلّ جاء الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمة؛ إذ لا مجهول لله سبحانه وتعالى حتّى يقول ليت أو لعلّ بالنسبة إلى نفسه وإنّما يقول ذلك بالنسبة إلى الجري المعهود.
    وفي آية أخرى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً(96)، والمراد بالدابّة إمّا الإنسان، وإمّا الأعمّ حتّى من النمل، وما أشبه ذلك من الحيوانات الصغيرة، وإنّما يؤخذون بذنب الإنسان حيث إنّ من في الدار التي فيها الوباء يصيبه الـوباء، وإمـّا بسبب أنفسهـم حيث إنّه ورد: (ما من طير يصاد إلاّ بتركه التسبيح)(97) في ذلك اليوم.
    ثم إنّ الظاهر من الآيات والروايات أنّ الحيوانات أيضاً تطيع الله وتعصيه، كما قال سبحانه وتعالى: (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ (98)، هذا في مجال الطاعة، أمّا في مجال المعصية، فمن قصّة الهدهد وسليمان (ع) إلى غير ذلك من الآيات والروايات، يمكننا أن نستنتج أنّ الحيوانات تطيع الله وتعصيه أيضاً.
    وقـال سبحانه وتعالى: (وَمـَا أَصَابَكـُمْ مـِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمـَا كَسَبَتْ أَيْدِيـكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ(99)، لأنّ الله إذا لم يعفُ أخذ، وإذا أخذ لا تكون مهلة، ومن الحكمة والعقل أن يعطي الله المهلة للعصاة والمخالفين، لكن ترك الله سبحانه وتعالى العصاة، والمخالفين، والكفرة، ليس بدون ابتلائهم بالمصائب، والله سبحانه وتعالى يبتلي أهل الباطل بالمصائب، والمشاكل، والمعاكسات، والضيق، لعلّهم ينتبهون، ويتوبون إلى الله، ويرجعون عن غيّهم إلى الصراط المستقيم، كما قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(100)، وحدّ القارعة قريباً من دارهم للاعتبار والتخويف.
    قال سبحانه وتعالى: (وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت اللهِ تَحْوِيلاً(101)، وسنة الأوّلين هي فلسفة التاريخ العامّة في كلّ الأمم ابتداءً من آدم إلى يوم القيامة، وإحاقة المكر السيئ بأهـل المكـر؛ لأنّ طبيعة الحياة أنّ الإنسان يـرى مـا فعلـه مـن خير أو شرّ، كمـا قـال سبحانه وتعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا(102)، وهذه المصائب تكون للتأديب والتنبيه، وهذه تكون غالباً مؤقّتة محدودة وجزئية خاصّة وليست بعامّة ومطّردة، وقد تحدث بسبب آثار كونية كالصاعقة والزلازل كما قال سبحانه وتعالى: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ(103)، وأحياناً تحدث بواسطة أناس آخرين، أو بواسطة أشياء أخر، كما أنّ سدّ مأرب هدمته الفئران وما أشبه ذلك، كما لو اندفع أهل الحقّ، أو فئة أخرى من أهل الباطل لقتال مجموعة من أهل الباطل فتسبّبوا في شدائد الحروب والثورات كمصاعبها ومضاعفاتها وما أشبه ذلك. فإذا لم يعمل التنبيه الغيبي، أو الحيواني، أو الإنساني، أو ما أشبه ذلك، ولم تحصل لأهل الباطل الندامة، والاستغفار، والرجوع، ولم يبق أمل في عودتهم إلى طريق الحقّ وأخذهم بالواقع، فإنّ هؤلاء يستحقون عندئذ عذاب الاستئصال، كما قال سبحانه وتعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا جَاءَتْهُـمْ آيـَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتـَهُ سَيُصِيبُ الـَّذِينَ أَجْرَمُـوا صَغـَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ(104)، ومعنى (ليمكروا العاقبة لا العلّة كما ذكرناه في قوله سبحانه وتعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً(105)، وفي آية أخرى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً(106)، وقـد تقـدّم تفسير هـذه الآيـة المباركة بأنّ إرادة الله سبحانه وتعالى تعقب مخالفة الأوامـر العقليـة، والله يأمرهم بأوامره التي تصلحهم، فهم يخالفون ويفسقون، كما يقول الطبيب: أمرته فخالفني، أو فعصاني، أو خالف أمري، وحينئذ يستحقّون العقاب والتدمير، والتدمير يكون بالأخذ بكلّ الجوانب لا بجانب واحد من جوانب الإهلاك، والإذلال، والخزي، والخذلان.
    وعلـى أيّ حال: فهذه سنن الله التي سنّها في عباده، وهي تشكّل بمجموعها ما يسمّى بفلسفة التاريخ.
    حتمية استئصال الباطل
    مسألة: إنّ الكفر، والفسوق، والفجور، والظلم، والتعذيب، تؤدّي إلى حتمية الاستئصال(107)، حيث إنّ الله لا يؤخّر عقوبة الكافرين والفاسقين إلى الآخرة بل سيشملهم العذاب في الدنيا أيضاً، ثمّ في القبر وأحياناً يصل عذابهم إلى النار الكبرى، التي لا يموت فيها الإنسان ولا يحيا، وهو ما يسمّى استئصالاً. وهو من فلسفة التاريخ، وهو إحدى السنن الإلهيّة القطعية التي لا تتخلّف في أمّة عن أمّة، ولا في جماعة عن جماعة، وعند ذلك يكون النصر النهائي لأهل الحقّ والعقيدة الصحيحة والعمل الصالح، والهزيمة والتقهقر لأهل الباطل والعقيدة الفاسدة، ولذا أمر الله سبحانه وتعالى الناس بأن يسيروا في الأرض وينظروا؛ ليعرفوا ماذا كانت نتيجة أعمال أهل الباطل، وماذا كانت نتيجة أعمال أهل الحقّ؟.
    ومن الواضح: أنّ القوانين الكلّية العامّة تشمل المؤمن والكافر، والعاصي وغير العاصي، وبذلك يكون أهل الحقّ القليلون حتّى إذا كانوا ينهون عن المنكر ونحو ذلك، أيضاً يشملهم العقاب إلاّ الشواذ والنوادر كما في لوط والمؤمنين به، وفي نوح والمؤمنين به، والله سبحانه وتعالى يجازي بالإحسان أولئك القليلين الذين شملهم العقاب، وقد ذكرنا في التفسير الموضوعي أنّه لماذا يكون قانون الله سبحانه وتعالى عامـاً يشمـل غيـر المستحقّين للعقـاب والعذاب؟، لأنّ ذلك مبنى العالم وإلاّ لانهدم، ووجب أن يكون شيئاً آخر، وانهدام العالم هو خلاف المصلحة، وأن يكون شيئاً آخر أمرٌ لم يرده الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، ولعل لله سبحانه وتعالى أكواناً يكون فيها الاستثنـاء؛ لأنّ لله سبحانه وتعالى ألـوف الأكـوان والعوالم، كما دلّت على ذلك متواتر الروايات.
    قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(108).
    وقـال سبحانه وتعالى: (وَلَقـَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مـِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانـُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (109).
    وقال سبحانه وتعالى: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ(110)، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي هي فوق حدّ التواتر، وإن كانت الآيات لا تحتاج إلى التواتر بل الآية الواحدة التي تشمل حتّى ألف حكم هي حجّة كاملة، وإنّما التواتر لقرع آذان الإنسان المنحرف بمختلف الآيات لعلّه يرجع. وهكذا هناك آيات عامّة وآيات خاصّة في أقوام خاصّة كقوم لوط، وقوم نوح، وقوم صالح، وقوم شعيب، وغيرهم من الأنبياء، والأمم السابقة، فإنّهم بسبب كفرهم، أو عصيانهم أصابهم عذاب الاستئصال. وهكذا حال أصحاب فرعون، وأصحاب السبت، وأصحاب الرّس، وأصحاب القرية، وقوم تُبّع، وأصحاب الفيل، وغيرهم.
    وفي كثير من الآيات ذُكِر بعد هلاك الأقوام الذين تمّت عليهم الحجّة قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ(111)،فإنّ الأكثر لم يكونوا مؤمنين وإن كانت هناك أقلّية مؤمنة.
    ثمّ إنّه دائماً يتلّقى أعداء الله وأعداء دينه الهزيمة والهلاك، لكن ليس معنى ذلك أن تقع الهزيمة في يوم، أو في شهر، أو في سنة، بل إنّ الله سبحانه وتعالى جعل موازين للكون والتي نحن بصددها من فلسفة التاريخ وكلّ يأتي دوره في الوقت المقرّر له، فكما لكلّ أمّة أجل، كذلك لكلّ عذاب أجل، والأجل في الأوّل بمعنى المدّة، والأجل الثاني بمعنى الانتهاء، لأنّ الأجل يستعمل في المعنيين في القرآن الحكيم كما في اللغة، قال سبحانه وتعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً(112)، فإنّ في بني إسرائيل وقع فسادان كبيران من التكفير بأحكام الله سبحانه وتعالى والاعتقادات المنحرفة، والتعالي في الأرض بغير حقّ. فكان جزاء الاعتداء الأوّل أن بعث الله لهم عباداً له أولي بأس شديد من الكفّار، وبعضهم قالوا: إنّه نبوخذ نصر، فالكفّار أيضاً عباد لله سبحانه وتعالى، والله الذي من رأفته أن يبعث الأنبياء حيث قال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ(113)، هو الذي أيضاً يبعث عباداً كفرةً فجرة؛ ليذيقوا المعتدين مختلف أنواع الإهانات والعذاب، وقد ورد في الحديث أن نبوخذ نصر(114) قتل من بني إسرائيل (70 ألفاً(، كما أنّه هجّرهم من بلادهم، وأسرهم، حتّى وصلوا إلى (بابل(، وعاشوا هناك، ثم إنّ ملكاً في إيران دعاهم ليعيشوا في أرضه، وكان من جملة هؤلاء المطاردين والمشردين، الأنبياء أيضاً، فحبقوق النبي، الذي قبره الآن في إيران في منطقة تسمّى (تويسركان( التابعة لهمـدان، ونبـي آخـر فـي شوش يسمّى دانيال، وأنبياء لبني إسرائيل مقابرهم في قزوين. وذلك حسب ما ذكرناه في السابق من أن العقاب الدنيوي يشمل الأخيار كما يشمل الأشرار.
    وقال سبحانه وتعالى: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً(115)، فإنّ الجبهة الموالية للحقّ لو أخذت بأسباب النجاح ولو كانت فئة قليلة، تغلبت على الفئة الكثيرة التي تخالف الله سبحانه وتعالى، ولذا أكّده الله سبحانه وتعالى وإن ذلك من فلسفة التاريخ ومن سنّة الله التي خلت من قبل: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً(116)، فسنّة الله لا تتبدّل كمـا أنّهـا لا تتحـوّل،قـال الله سبحانه وتعالى فـي آية أخرى: ( فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنـِي إِسْرَائِيـلَ وَكَفـَرَتْ طَائِفـَةٌ فَأَيَّدْنَا الّـَذِينَ آمَنـُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ(117) أي: غالبين عليهم حيث كان لهم الغلبة والظهور.
    والمهم حسب ما يستفاد من هذه الآية وآيات أُخر أنّ الحقّ يخاصم الباطل من غير فرق أن يكون كلاهما في خطّ واحد مختلف أم في خطّين مختلفين، فبنو إسرائيل ليسوا شعب الله المختار، وإنّما هم كأيّ فئة أخرى، ينقسمون إلى فريقين، هما: أهل الحقّ وأهل الباطل، وإذا نشبت حرب بين طائفتين إحداهما مع الحقّ وإحداهما مع الباطل سواء كان من خطّين أو من خطّ واحد، فإنّ الله سبحانه وتعالى يوالي الحقّ ويؤيّد الطائفة التي على الحقّ على الطائفة التي هم على الباطل.
    ومن الواضح: أنّ الكون بيد الله تعالى في ظاهره وباطنه، حيث (للهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ(118)، وفي آية أخرى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ(119)، فإنّ الكون كلّه جنود الله سبحانه وتعالى من أرضها، وسمائها، ومائها، وحيوانها، وغير ذلك، ولذا يستطيع الله سبحانه وتعالى استخدام وسائل متنوّعة لهزيمة أهل الباطل وانتصار أهل الحقّ.
    وفي آيات كريمة أشار الله سبحانه وتعالى إلى عوامل الغلبة لأهل الحقّ على أهل الباطل، مثل: إلقاء الرعب في قلوب أهل الباطل وخوفهم، وإنزال السكينة والاطمئنان على قلوب المؤمنين، واختلاف نظرة كلّ واحد من الطرفين عن الآخر، فأهل الباطل يحاربون أهل الحقّ وإنّهم يرونهم قليلين مما لا يدفعهم للأعداد الأكبر والتهيؤ الأكثر. وأهل الحقّ يحاربون أهل الباطل لأنّهم يرونهم قليلين فلا يتخوفون أو يرعبون منهم.
    قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ(120)، وقال في آية قبل هذه الآية: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور(121).
    هذا، بالإضافة إلى العوامل الطبيعية الخارجية مثل المطر، والريح، والزلزلة، والفيضان، وقلّة الماء، وما أشبه ذلك؛ ممّا ذكر بعضها في الآيات القرآنية، بالإضافة إلى الجنود غير الطبيعيين كالملائكة إلى غير ذلك من أسباب نصر جانب وهزيمة جانب. فهذه وما أشبه من المذكورات في القرآن الحكيم وفي السنّة المطهّرة من سنن الله سبحانه وتعالى ومن فلسفة التاريخ والروح العامّة في هذا الجانب أو في ذلك الجانب.
    تعدد العنوان ووحدة المعنون
    مسألة: العناوين الموجودة لأهل الحقّ وأهل الباطل في القرآن الحكيم متعدّدة مثل: المهتدي، والمؤمن بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله، والموحّد، والمربّي، والربّانيون يعني: المنتسبون والمربوطون بالربّ سبحانه وتعالى، والمتّقون، والمطيع لله وأنبيائه، وأولي الأمر، والصالح، والمحسن، والتائب، والمستغفر، والمستعين بالله، والمتوكّل على الله، والمقيم للصلاة، والمستقيم على الطريقة، والصابر، والمؤتي للزكاة، والداعي إلى الخير، والآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وولي الله تعالى، والمهاجر في سبيل الله، والمقاتل في سبيل الله، وما أشبه ذلك.
    كما أن هناك عناوين لأهل الشرّ والباطل في القرآن والسنة مثل: أهل الباطل، وحزب الشيطان، والمحرّفين للكلم، والمشرك، والكافر، والزائغ، والمكذّب بآيات الله، والمستهزئ بآيات الله، والمتبّع للأهواء، والمكر السيئ، والمكابر، والمترف، والمسرف، والعالي في الأرض، والفاسق، والمذنب، والمجرم، والمسيء، والظالم، وما أشبه ذلك من العناوين المنطبقة على أهل الباطل، سواء كان الحقّ والباطل في مجال العقيدة، أو في مجال القول، أو في مجال العمل.
    وهذه ألفاظ وصفات، تكون معرّفات لأهل الحقّ، ومعرّفات لأهل الباطل.
    والجامع أنّ أهل الحقّ هم المؤمنون بالله واليوم الآخر، وهم يريدون الآخرة بالإضافة إلى الدنيا، كما قال سبحانه وتعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(122) .
    والجامع أنّ أهل الباطل هم الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً كاملاً بل هم يريدون الحياة الدنيا وزينتها فقط، فيتهالكون عليها في هذه الأبواب(123).
    (1) سورة الإسراء : الآية 81.
    (2) سورة الأنبياء : الآية 18.
    (3) سورة سبأ : الآية 48 ـ 49.
    (4) سورة الشورى : الآية 24.
    (5) سورة المائدة : الآية 56.
    (6) سورة يونس : الآية 103.
    (7) سورة البقرة : الآية 91.
    (8) سورة الحج : الآية 40.
    (9) سورة الروم : الآية 47.
    (10) سورة الصافات : الآيات 171 ـ 173.
    (11) سورة غافر : الآية 51.
    (12) سورة محمد : الآية 7.
    (13) سورة فصلت : الآية 30.
    (14) سورة فصلت : الآية 6.
    (15) سورة المجادلة : الآية 21.
    (16) سورة آل عمران : الآيات 146- 148.
    (17) سورة البقرة : الآية 201.
    (18) سورة الأعراف : الآيات 128 و137.
    (19) إشارة إلى الحديث الوارد (الصبر مفتاح الفرج) .
    (20) سورة آل عمران : الآية 123.
    (21) سورة الطلاق : الآيات 2 ـ 3.
    (22) سورة الأنفال : الآية 9.
    (23) سورة التوبة : الآية 25.
    (24) نهج البلاغة قصار الحكم (25) سورة الفتح : الآية 4.
    (26) سورة الفتح : الآيات 18ـ 19.
    (27) سورة الفتح : الآية 26.
    (28) سورة الأحزاب : الآيات 9 ـ 11.
    (29) سورة الأحزاب : الآية 26، سورة الحشر : الآية 2.
    (30) سورة آل عمران : الآية 186.
    (31) سورة النحل : الآيات 41 ـ 42.
    (32) شرح البلاغة لابن أبي الحديد : ج 20 ص 307 ب 514.
    (33) تنبيه الخواطر : ج2 ص300 ـ 314.
    (34) سورة فصلت : الآيات 30ـ 31.
    (35) سورة الأنعام : الآية 121.
    (36) سورة آل عمران : الآية 132.
    (37) سورة النساء : الآية 59.
    (38) سورة آل عمران : الآية 139.
    (39) المناقب : ج3 .
    (41) سورة الحج : الآية 40
    (42) سورة الحج : الآية 41.
    (43) سور ة الحج : الآية 41.
    (44) سورة الحج : الآية 41
    (45) سورة النجم : الآية 42.
    (46) سورة النور : الآيات 55 ـ 56.
    (47) سورة القصص : الآيات 5 ـ 6.
    (48) سورة الصف : الآيات 8 ـ 9.
    (49) سورة الأعراف : الآية 128.
    (50) سورة الأنبياء : الآية 105.
    (51) سورة الإسراء : الآية 55.
    (52) سورة الروم : الآية 10.
    (53) سورة البقرة : الآية 15.
    (54) سورة الصف : الآية 5.
    (55) فقد ورد عن علي (ع) : (إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد، الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم ثم بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراَ قلب قلبه فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه) نهج البلاغة : قصار الحكم الحكمة 375، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج19 .
    (56) سورة فصلت : الآية 17.
    (57) سورة الحجر : الآيات 39 ـ 40.
    (58) سورة الأنعام : الآية 43.
    (59) سورة النمل : الآية 24.
    (60) سورة الأنعام : الآية 137.
    (61) سورة فصلت : الآية 25.
    (62) سورة سبأ : الآية 33.
    (63) سورة الأنعام : الآية 112.
    (64) سورة الأنعام : الآية 121.
    (65) سورة الأنعام : الآية 108.
    (66) سورة فصلت : الآية 25.
    (67) سورة النمل : الآية 4.
    (68) سورة البقرة : الآية 212.
    (69) سورة الأنعام : الآية 122.
    (70) سورة التوبة : الآية 37.
    (71) سورة يونس : الآية 12.
    (72) سورة يونس : الآية 83.
    (73) سورة الرعد : الآية 33.
    (74) سورة الأعلى : الآية 3.
    (75) سورة فاطر : الآية 8.
    (76) سورة محمد : الآية 14.
    (77) سورة آل عمران : الآية 178.
    (78) سورة القصص : الآية 79.
    (79) سورة الأنعام : الآيات 44 ـ 45.
    (80) سورة الحشر : الآية 19.
    (81) سورة طه : الآية 115.
    (82) سورة الأعراف : الآية 95.
    (
    المصدر
     
  4. ابن الجنوب

    ابن الجنوب عضو مميز بالمنتدى العام

    إنضم إلينا في:
    ‏11 جوان 2007
    المشاركات:
    2.179
    الإعجابات المتلقاة:
    1.512
      14-11-2007 09:18
    بارك الله فيكم
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...