الوسطية في ميزان العقل والنقل (2)

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏15 نوفمبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      15-11-2007 00:23
    بسم الله الرّحمن الرّحيم

    الوسطية في ميزان العقل والنقل (2)
    نقض مقولة اختصاص الإسلام بالوسطية


    الكاتب: ياسين بن علي


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه



    يقدّم أصحاب الوسطية فكرة الوسطية كشيء اختصّ به الإسلام، وتفردت به رسالته وتميّزت به الأمّة الإسلامية. قالوا: "... من حكمة الله تعالى أن اختار الوسطية أو التوازن شعارا مميّزا لهذه الأمّة التي هي آخر الأمم، ولهذه الرسالة التي ختم بها الرسالات الإلهية...".(1) فعدّها الدكتور محمد عمارة: " أخص ما يختص به المنهج الإسلامي"، واعتبرها الشيخ القرضاوي: "خصيصة من أبرز خصائص الإسلام".

    ومن المعلوم، أننا إذا أطلقنا لفظ الاختصاص، فإننا نريد التفرد والتميّز. فقولنا: إن الوسطية أخصّ ما يختصّ به الإسلام، يفيد كون الوسطية قد تفرد بها الإسلام فلا شركة للغير فيها.

    والحقيقة، أنّ الوسطية بالمفهوم الذي يقدّمه أصحاب الوسطية الإسلامية هي بعينها التي دعا إليها الغرب قديما وحديثا، وجعلها قاعدة يبنى عليها الفكر والعمل، ومقياس ترجيح عند تعارض الأمور.

    فقد كان الوسط (ميزوتاس mesótes في اللغة الإغريقية) منذ العهد الذهبي للفلسفة اليونانية، معبّرا عن الحق بين طرفين، حتى إنّ الفيلسوف أرسطو بنى عليه فلسفته الأخلاقية وجعله أساس الفضيلة حيث يقول : "الفضيلة وسط بين رذيلتين". إذ يرى أرسطو أن الطريق لبلوغ السعادة والمرشد لبلوغ الفضل هو "الطريق الوسط، أو الوسط الذهبي، حيث تنتظم الأخلاق في شكل ثلاثي يكون الطرفان الأول والأخير فيه تطرفا ورذيلة، والوسط فضيلة أو أفضل. وهكذا يكون بين التهور والجبن فضيلة الشجاعة، وبين البخل والإسراف فضيلة الكرم، وبين الكسل والجشع فضيلة الطموح، وبين الخضوع والعتو فضيلة الاعتدال، وبين الكتمان والثرثرة فضيلة الأمانة، وبين الكآبة والمزاح فضيلة البشاشة، وبين محبة الخصام والتملق فضيلة الصداقة...".(2) ويقول ول ديورانت: "من الواضح أن مبدأ الوسط والاعتدال هذا يميز تقريبا كل منهج من مناهج الفلسفة اليونانية. لقد كان هذا الوسط في ذهن أفلاطون عندما عرّف الفضيلة بأنها انسجام في العمل، وسقراط الذي عرّف الفضيلة بالمعرفة، لقد أوجد الحكماء السبعة تقليد الاعتدال والوسط هذا عندما نقشوا على معبد أبولو في دلفي عبارة (لا شيء في إفراط)...".(3)

    ويبدو أن أرسطو قد اقتبس مفهوم الوسط الذهبي الذي بنى عليه نظريته الأخلاقية من مفهوم الوسط الرياضي، "أي متوسط محكم لنقيضين محسوبين بدقة".(4) فقد كان الوسط الذهبي كمفهوم رياضي شائعا عند الفراعنة، وقد اعتمدوا عليه في بناء الأهرامات، كما كان شائعا عند اليونانيين (وهم من أطلق هذا الاسم عليه) واعتمده المهندسون في البناء والنحاتون في النحت. ثم اعتمد المفهوم بعد ذلك في أوروبا بعامة، وبرز بخاصة في عصر النهضة التي وجدت فيه المقياس الساحر للجمال والتوازن في النحت والرسم والهندسة، حتى إن الإيطالي دافينتشي (Da Vinci) أطلق عليه لفظ "الربّاني" من خلال كتابه "النسبة الربانية" (De Divina Proportione) الذي نشر سنة 1509م.(5) وقد عبّر عالم الفلك يوهانس كبلر (Johannes Kepler توفي 1630م) عن إعجابه بهذه النظرية قائلا: "للهندسة كنزان عظيمان هما: نظرية بيثاغورس وتقسيم الخط إلى أطراف ووسط. أما الأول، فيمكن تشبيهه بمقياس الذهب. وأما الثاني، فيمكن تسميته بالجوهرة الثمينة".

    إذا، فقد كان مفهوم الوسط الذهبي شائعا عند الغرب في الفلسفة والعلم، ولكن هل حظي بالاهتمام ذاته في مجالات الدين والسياسة؟

    أما في الدين فنقف على الأمر من خلال مثالين:

    الأول: فلسفة توماس الأكويني (THOMAS D’AQUIN توفي 1274م)، وهو علم من أعلام الفكر "الكاثوليكي الوسيط". فقد أدخل الأكويني فلسفة أرسطو إلى تعاليم المسيحية، وأصبح فكره هو المعتمد رسميا لدى الكنيسة الكاثوليكية منذ القرن 13م. وبما أن الأكويني كان متأثرا بمقولات أرسطو مدافعا عنها وموفقا بينها وبين اللاهوت المسيحي، فقد أقحم بديهيا فكرة الوسط الذهبي في الفكر المسيحي الوسيط. إلا أن توما الأكويني بحكم خلفيته الدينية لا يرى انطباق مقياس الوسطية إلا على الفضائل البشرية، أما الفضائل الإلهية فلا ينطبق عليها المقياس.(6) كما يرى الأكويني أن الوسط الذهبي لا يحدّ كميا، إنما يحدّ عقليا.(7)

    والثاني، هو مثال الكنيسة الأنجليكانية. فقد ابتدأت أول ترجمة للإنجيل إلى لغة الشعب (أي إلى الإنجليزية) سنة 1544م في إنجلترا مقدّمتها بالكلمات التالية: "إنّ حكمة الكنيسة الأنجليكانية منذ شرعت في أداء طقوسها العامة، أن تتبع الطريق الوسط بين طرفين متضادّين".(8)



    وأما في السياسة، فيبدو أن بداية انتشار هذا المفهوم انطلقت من إنجلترا. يقول الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل واصفا روح التوسط عند الإنجليز ومبيّنا خلفيتها: "إنّ النزاع بين الملك والبرلمان أثناء الحرب الأهلية [1688م] أعطى الإنجليزي بصفة حاسمة عشقه للحلول الوسطى والاعتدال، وأخافه من دفع أي نظرية إلى أقصى نتائجها، وهو ما لا يزال يسيطر على الفكر الإنجليزي حتى الوقت الراهن".(9)

    ويذهب بعض المحققين الغربيين إلى أنّ تاريخ ظهور لفظة الوسطية كمصطلح سياسي في الغرب، هو ثورة جويلية 1830م بفرنسا، حيث ظهر بعد اندلاعها للتعبير عن سياسة لويس فيليب في استقطاب المعارضة وفضّ النزاعات. ويشهد لهذا الرأي قول لافايات Lafayett في اجتماع لمجلس النواب في 20/02/1831م منتقدا المصطلح: "إنّ لفظتي الوسطية (Juste milieu) والاعتدال لا يعطيان البتة أيّ معنى محدد..".(10)

    ورغم التغير الذي حصل في لفظ الوسطية عبر الزمن، إلاّ أن معناه لم يتغير. ففي ألمانيا مثلا، استعملت في زمن معين كلمة Juste milieu أو Die rechte Mitte واستعملت كلمة Halbheit واستعملت كلمة Compromise وتستعمل اليوم كلمة Der Dritte Weg وهي بالإنجليزية The Third Way أي الطريق الثالث، ويعبّر عنه أحيانا بالوسط الجديد أو المعاصر تميزا له عن الوسط الذهبي (The Golden Mean) القديم (الكلاسيكي). علما أنّ الطريق الثالث مصطلح أحياه – كما قيل - توني بلير رئيس وزراء بريطانيا للتعبير عن سياسة أوروبية جديدة، تقوم على الوسطية داخل المبدأ الرأسمالي، وتتمثّل في إدخال مزيد من الترقيعات عليه. تقول الدكتورة كاترينا بالفا Katharina Belwe: "لقد أصبح هناك رغبة في وضع علامة الطريق الثالث على المفاهيم السياسية والاقتصادية الجديدة. وقد كان الطريق الثالث في زمن المواجهة بين الرأسمالية والشيوعية، نوعا من التسوية بين الخير والشرّ. أمّا اليوم فيبحث عن الطريق الثالث بين طرفين اثنين في النظام الواحد".(11)



    والحاصل، فإنّ كلّ من اطّلع على الفكر الغربي، السياسي منه والاقتصادي والاجتماعي والفلسفي وغير ذلك، يدرك حقيقة كون الوسطية فكرة مؤثرة في ثقافة الغرب. وإننا نسأل دعاة الوسطية الذين يزعمون تميز الإسلام بالوسطية واختصاصه بها، فنقول لهم: إنّكم قلتم عن الوسطية "إنها الحق بين باطلين، والعدل بين ظلمين، والاعتدال بين طرفين"، وإنّها "التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادّين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير، ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقّه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه"، وإنها "تمثل منطقة الأمان". وقلتم عن الإسلام إنّه بين المثالية والواقعية، بين الروحية والمادية، وبين الرأسمالية والاشتراكية، وإنّ نظامه في السياسة والاقتصاد والاجتماع والحكم وسط بين طرفين، وقلتم غير ذلك ممّا سبق لنا بيانه. فما الفرق بين أقوالكم هذه، وبين:

    · قول الشاعر الروماني أوفيد (Ovid توفي 17 قبل الميلاد): "يوجد الأمان في وسط الطريق".(12)

    · وقول الشاعر الألماني جوته (Goethe توفي 1832م): "تنبع السعادة الحقيقية من الوسطية (الاعتدال)".(13)

    · وقول الفيلسوف برتراند راسل معبّرا عن فلسفته هو عن الحقيقة: "من جانبي أعتقد أن الحقيقة تكمن بين هذين الطرفين، بين الأفكار والحياة العملية، كما في أي شيء آخر يوجد تأثير متبادل". وقوله: "إن مشكلة إيجاد نظام اجتماعي راسخ ومقبول يمكن حلها بالجمع بين صلابة الإمبراطورية الرومانية وبين مثالية أوغسطين في كتابه مدينة الرب".(14)

    · وقول الباحث السياسي الألماني فليشتهايم Ossip K. Flechtheim (ت1998م) في تعريف الطريق الثالث: "إنّه تأليف جديد من الحرية والمساواة، ومن تقرير المصير القومي والشراكة الكونية، ومن الليبرالية والاشتراكية...".(15)

    · وقول جمع من الباحثين والخبراء في الاقتصاد، (في تقرير قدّم في 9/1998م، من مركز الاقتصاد والعدالة الاجتماعية في أمريكا): "إنّ تنشيط الاقتصاد وإيجاد فرص العمل وتحقيق العدالة في المجتمع، تكون عبر التخلي عن الطرفين، اليمين واليسار، وإتباع الطريق الثالث الذي يأخذ من الرأسمالية والاشتراكية أفضل ما فيهما".



    إنّ هذه الأقوال التي نقلناها عن غربيين، ليس فيها ما يميّزها عن أقوال المسلمين من دعاة الوسطية إلاّ أسماء أصحابها. فلو ذكرنا الأقوال دون ذكر أسماء قائليها، لما استطاع القارئ تمييز قول المسلم من قول الغربي، وذلك لتشابه الأقوال في مبناها ومعناها. فهل يقال بعدها: إن الوسطية أخص ما يختص به الإسلام؟



    يتبع إن شاء الله تعالى...

    26 شوال 1428هـ

    _______________________

    1. ينظر (الخصائص العامة للإسلام)، للشيخ القرضاوي، ص118

    2. ينظر (قصة الفلسفة) لول ديورانت ص87، وينظر أيضا (الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع) للدكتور السيد محمد بدوي ص54-55

    3. ينظر (قصة الفلسفة)، ص88-89

    4. ينظر المرجع السابق، ص87

    5. ينظر لمزيد الإطلاع: The Divine Proportion : A Study in Mathematical Beauty, by H. E. Huntley

    6. ينظر: POUR CONNAÎTRE LA PENSÉE PHILOSOPHIQUE DE SAINT THOMAS D'AQUIN, Par LOUIS JUGNET

    Edition numérique http://docteurangelique.free.fr 2004

    7. ينظر: L’autre Thomas d’Aquin, Martin Blais, p.64, Les Éditions du Boréal, 1990

    8. ينظر (الإسلام بين الشرق والغرب)، لعلي عزت بيجوفيتش، ص371

    9. ينظر (تاريخ الفلسفة الغربية)، لراسل، ص625

    10. ينظر (Gutzkow-Lexikon)

    11. ينظر Das Parlament Nr: 16 – 17, April 2001

    12. ينظر , Metamorphoses, (bk. II, l. 136) Ovid (Publius Ovidius Naso)

    13. ينظر , Die Naturliche Tochter, (II, 5, 79) Johann Wolfgang von Goethe

    14. ينظر (تاريخ الفلسفة الغربية)، لراسل، ص505 وص620

    15. ينظر Das Parlament Nr: 16 – 17, April 2001
     
  2. hafedh by

    hafedh by عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏14 فيفري 2006
    المشاركات:
    1.297
    الإعجابات المتلقاة:
    127
      16-11-2007 13:07
    إن شاء الله تعالى
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...