الوسطية في ميزان العقل والنقل (3)

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏17 نوفمبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      17-11-2007 22:37
    :besmallah:


    الوسطية في ميزان العقل والنقل (3)


    مناقشة عقلية (1)


    الكاتب: ياسين بن علي


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه



    اعلم، أن الفكرة لا تكون صحيحة إلا إذا طابقت الواقع؛ لأنّ الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع الذي صدر الحكم عليه، فإن انطبق عليه كان حقيقة، وإن لم ينطبق عليه لم يكن حقيقة. فقول أصحاب الوسطية مثلا: الوسطية خصيصة إسلامية، فكرة، ولكن هل هي حقيقة أم لا، فهذا مما يوقف عليه بمطابقة الفكرة بالواقع المحكوم عليه، وإذا طابقناها بالواقع وجدنا أن الغرب وسطي، فهو يشارك الإسلام في هذه الخصوصية؛ لذلك نقول إن دعوى الخصوصية ليست حقيقة.

    وفيما يلي نشرع في مناقشة الوسطية مناقشة عقلية، وذلك بوضع طائفة من أفكارها في ميزان العقل والحكم عليها وفق المقاييس الفكرية لا غير، لننظر هل الفكرة الوسطية حقيقة أم لا؟



    1. خيرية الوسطية

    من المزايا التي ألحقها أصحاب الوسطية بالوسطية مزية الخيرية. قالوا: "الوسطية كذلك دليل الخيرية، ومظهر الفضل والتمييز، في الماديات والمعنويات. ففي الأمور المادّية نرى أفضل حبّات العقد واسطته، ونرى رئيس القوم في الوسط والأتباع من حوله...وفي الأمور المعنوية نجد التوسط دائما خيرا من التطرّف. ولهذا قال العرب في حكمهم "خير الأمور الوسط"، وقال أرسطو: الفضيلة وسط بين رذيلتين...".(1)

    والواقع، أن فكرة الخيرية المزعومة في الوسطية، نسبية تختلف باختلاف الحال والوضع. فأيّهما خير وأفضل: العالم أو الجاهل أو الذي بينهما؟ أو أيّهما خير وأفضل: الجيّد من اللباس أم الوسط بين الجيّد والردي؟ أو أيّهما أفضل: زوجة جميلة أم متوسطة الجمال؟ أو أيّهما أفضل: الذكي العبقري أم متوسط الذكاء؟ وإذا رأى أصحاب الوسطية رئيس القوم في الوسط والأتباع من حوله، فقد يراه غيرهم جالسا على عرشه في عليائه والأتباع من تحته. وإذا كان من العرب من قال: "خير الأمور الوسط"، فمنهم أيضا من قال:

    ونحنُ أناسٌ لا توسطَ بيننا *****لنا الصدرُ دونَ العالمين أو القبرُ

    تهونُ علينا في المعالي نفوسُنا**** ومن يخطب الحسناءَ لم يغلُها المهرُ

    فالقول بخيرية الوسطية في الماديات والمعنويات مسألة نسبية غير منضبطة، وما كان حاله كذلك فلا يوصف بالخيرية المطلقة، ولا يعدّ مقياسا ثابتا تؤسس عليه الأحكام والأفكار.



    2. أمان الوسطية

    قال أصحاب الوسطية: "والوسطية تمثّل منطقة الأمان، والبعد عن الخطر، فالأطراف عادة تتعرض للخطر والفساد، بخلاف الوسط، فهو محمي محروس بما حوله...".(2)

    وهذا القول غير دقيق؛ لأنّ اعتبار الأمان في الوسط والخطر في الأطراف، مسألة نسبية تختلف باختلاف الحال والوضع. فلا يقال عن النسبي الذي تساوى تكراره بتكرار غيره، عادة. فأعلى الجبل وقمّته حين الطوفان آمن من وسطه، ومؤخرة الجيش حين يحمى وطيس الحرب آمن من وسطه، وسطح البحر آمن من قاعه ووسطه. والأمثلة على هذا يصعب ذكرها كلّها وحصرها.



    3. المنهج الوسطي

    يقدّم أصحاب الوسطية فكرة الوسطية كمنهج نظر وممارسة. ويقدّم هذا المنهج الوسطي كدعوة قرآنية، أرشد إليها ونبّه عليها، وبنى على أساسها فلسفته للحياة كلّها. وقد أكد المشاركون في مؤتمر "الوسطية منهج حياة" الذي انعقد بالكويت في 21 – 23 /5 /2005م: "1) أن الوسطية منهج شرعي بعث الله به سائر الرسل عليهم الصلاة والسلام سياجاً قوياً ضد الوقوع في براثن الغلو والإفراط. 2) أن الوسطية ليست محصورة في جزئية من الجزئيات ولا في ركن من الأركان وإنما هي منهج متكامل شامل لا ينفصل بعضه عن بعض فالإسلام هو الوسطية".(3) ويقول الدكتور محمد عمارة: "ففي الوسطية، بمعناها الإسلامي الخالص والأصيل، تتمثّل السمة والقسمة التي تعد بحق أخص ما يختص به منهاج الإسلام في الفكر والحياة، في النظر والممارسة والتطبيق.. وفيها تتجسد أهم المميزات التي تميز هذا المنهاج الإسلامي عن مناهج أخرى لمذاهب وشرائع وفلسفات.. بها انطبعت الحضارة الإسلامية في كل القيم والمثل والمعايير والأصول والمعالم والجزئيات.. حتى لنستطيع أن نقول: إن هذه الوسطية الإسلامية –بالنسبة للمنهج الإسلامي وحضارته- هي عدسته اللاّمة لأشعة ضوئه، وزاوية رؤيته كمهج، وزاوية الرؤية به أيضا".(4)

    والمنهج النظري هو كيفية معيّنة تسلك للوصول إلى معرفة حقيقة الشيء الذي يبحث عنه. وأما المنهج العملي فهو كيفية معيّنة تسلك في عمل ما أو لتحقيق غاية ما. والذي يعنينا في هذا المقام هو البحث في الوسطية كمنهج فكري. فما هو واقع هذا المنهج، وهل يقرّه العقل أو لا؟

    واقع المنهج الوسطي – كما ورد في تعريف الشيخ القرضاوي - أنّه "التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين...مثال الأطراف المتقابلة أو المتضادة: الروحية والمادية، والفردية والجماعية، والواقعية والمثالية، والثبات والتغير وما شابهها، ومعنى التوازن بينها: أن يفسح لكل طرف منها مجاله، ويعطى حقّه بالقسط أو بالقسطاس المستقيم بلا وكس ولا شطط، ولا غلو ولا تقصير، ولا طغيان ولا إخسار".(5) ويزيد الدكتور عمارة تعريف المنهج الوسطي بيانا حيث يقول: "إن الوسطية في التصور الإسلامي: موقف ثالث حقا.. وموقف جديد حقا.. ولكن التوسط بين النقيضين المتقابلين لا يعني أن هذا الوسط منبت الصلة بسمات القطبين المتقابلين وقسماتهما ومكوناتهما.. إنه مخالف لهما، لكن ليس في كل شيء، وإنما خلافه لهما منحصر في رفضه الانحصار والانغلاق على سمات كل قطب من الأقطاب وحدها دون غيرها.. منحصر في رفضه الإبصار بعين واحدة، لا ترى إلا قطبا واحدا..!.. منحصر في رفضه الانحياز المغالي، غلو الانحياز!.. ولذلك، فإن هذه الوسطية الإسلامية، كموقف ثالث، وجديد، إنما يتمثل تميزها، وتتمثل جدتها في أنها تجمع وتؤلف ما يمكن جمعه وتأليفه – كنسق غير متنافر ولا ملفق – من السمات والقسمات والمكونات الموجودة في القطبين النقيضين كليهما.. وهي، لذلك: وسطية جامعة، تتميز في التصور الإسلامي عن تلك التي قال بها فيلسوف اليونان أرسطو..".(6)

    وأنطلق في بيان فساد المنهج الوسطي من جملة الدكتور عمارة الأخيرة: "وسطية جامعة، تتميز في التصور الإسلامي عن تلك التي قال بها فيلسوف اليونان أرسطو"، فأقول: ولكن هل تتميّز هذه الوسطية الجامعة عن جدلية (ديالكتيك) الفيلسوف الألماني هيجل (ت 1831م)؟

    لنقف على الجواب من خلال الفقرة التالية للفيلسوف ول ديورانت حيث يقول شارحا فلسفة هيجل: "إن كل فكرة تتألف من مجموعة من الصلات والعلاقات. إننا لا نستطيع التفكير بشيء إلا إذا قارناه بشيء آخر، وأدركنا أوجه الشبه والخلاف فيه. والفكرة تكون فكرة فارغة إذا تجردت عن العلاقات. ولا يمكن لشيء أن يوجد أو يكون له معنى إذا كان مجردا عن العلاقات والصلات. وأكثر هذه الصلات والعلاقات شمولا هي صلة التعارض أو التناقض. فهو يقول [أي هيجل] إن كل حالة لفكرة أو شيء، وكلّ رأي وكلّ موقف في العالم يؤدي إلى موقف معارض له، وبعدئذ يتحد هذا المعارض أو المضاد معه لتشكيل كلّ أعلى. إن هيجل يدخل هذه "الحركة المنطقية" في كل ما كتبه من كتب وألقاه من محاضرات. إنها فكرة قديمة طبعا، أشار إليها أمبيزوقليس، وتجسمت في "الوسط الذهبي" الذي ذهب إليه أرسطو الذي قال إن معرفة الأضداد أمر واحد... إن تشكيل أرائنا بالنسبة إلى القضايا الكبرى هو التذبذب بين قطرين. إذ نجد حركة التطور هي حركة دائمة للتطور بين الأضداد والتوفيق بينها ودمجها... فمثلا الرأسمالية نظام، والشيوعية نظام آخر مضاد للرأسمالية، والتوحيد بين هذين النظامين أو الفلسفتين يؤدي إلى التطور بهما ومن هذا التطور ينبثق نظام ثالث أرقى منهما...".(7)

    وهكذا، فإن المنهج الوسطي الذي يدعو إليه أصحاب الوسطية، أرسطي النزعة وهيجلي النسق. فأين التميّز إذن، وهل يعدّ هذا المنهج منهجا ربانيا أرشد إليه الوحي؟ بل هل يعدّ هذا المنهج منهجا عقليا صحيحا؟

    إننا لا نعتبر الوسطية كمنهج فكري، ولا كمقياس من مقاييس العقل المعتمدة في الترجيح بين الأمور واكتشاف الحقائق، إنما نعتبرها مناقضة لحقيقة المنهج الفكري الصرف ومخالفة لأسس البحث العقلي المحض. ذلك، أنّ الوسطية تحصر العقل في وظيفة التوفيق بين الموجودات، وهو ما يخالف المنهج العقلي الحقّ الذي يطلق عنان الإبداع للفكر، فيثبت وينفي، ويوجد ويعدم، ويوجب ويحيل، ويؤلّف ويفصل.

    إنّ العقل الوسطي عقل مقيّد بإبداع الآخر، فإن أنتج الآخر أطرافا نشط في التأليف بينها والمزج، وأما إن تكاسل الآخر عن إيجاد الأطراف، خمد العقل الوسطي؛ لأنه لا يملك غير وظيفة التوفيق ولا يملك القدرة على الإنشاء والابتكار. وأما العقل غير الوسطي الذي حبانا الله تعالى به، فهو عقل إنشائي، ينشىء الأفكار من لا شيء، ويبدع الفكر الحقّ قبل أن يسبقه الآخر بطرفين أو أكثر. فهو الفكر السابق، وليس الفكر اللاحق.

    والواقع، أنّ العملية الفكرية الطبيعية عند الإنسان لا يلاحظ فيها المنهج الوسطي، إذ ينطلق الإنسان في الحكم على الأمور والأشياء من خلال عقل واقعها كما هي في ذاتها، لا كما هي في تصوّر الغير لها فهما وتعريفا، وضبطا وتقييدا. فإثبات وجود الله مثلا، لا يحتاج فيه الإنسان إلى معرفة رأي من نفاه مطلقا كالماركسية أو من أثبت له وجودا مقيّدا كالعلمانية، أي لا يحتاج فيه إلى معرفة بالقطبين النقيضين ليجمع ويؤلف ما يمكن جمعه وتأليفه من سماتهما وقسماتهما فيستنج الوجود المطلق للإله باعتباره خالقا مشرّعا.

    ومن قال إن التفكير عند الإنسان وسطي يقوم على التأليف بين الأطراف المتناقضة، فقد ألزم الإنسان بإدراك هذه الأطراف قبل إصدار الحكم. ومن هنا فلا يدرك الإنسان حقيقة الإسلام إلا بإدراك حقيقة اليهودية والنصرانية والماركسية والرأسمالية وغير ذلك، ولا يدرك حقيقة النظام الإسلامي إلا بإدراك فردية الليبرالية وجماعية الاشتراكية، ومثالية هيجل وواقعية جيلسون. ومن ألزم الإنسان بذلك فقد جعل الإسلام دين نخبة لا يعقله إلا الفلاسفة، وليس دين فطرة يعقله كل كائن بغض النظر عن مستواه المعرفي، بل من ألزم الإنسان بالمنهج الوسطي في التفكير، فقد ألزمه بالمحال وكلّفه فوق طاقته.



    يتبع إن شاء الله تعالى...



    07 ذو القعدة 1428هـ



    ____________

    (1) ينظر ( الخصائص العامة للإسلام) للشيخ القرضاوي، ص121

    (2) المصدر نفسه

    (3) ينظر (البيان الختامي لمؤتمر الوسطية منهج حياة)، إسلام أون لاين، 24\05\2005م

    (4) ينظر (معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام)، للدكتور محمد عمارة، ص189

    (5) ينظر (الخصائص العامة)، 115

    (6) ينظر (معركة المصطلحات)، ص190

    (7) ينظر (قصة الفلسفة)، لول ديورانت، ص377-378
     
  2. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      18-11-2007 23:23
    في الحقيقة أعجبني هذا المقال و خاصّة يناقش فيه الكاتب توجّه الوسطيّين و يثبت خطأهم في التّوجّه لكن بطريقة محترمة و متخلّقة ليس بطريقة الباربووات!
     
  3. aymencom

    aymencom عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏30 مارس 2007
    المشاركات:
    152
    الإعجابات المتلقاة:
    21
      18-11-2007 23:50
    [​IMG]

    {وكذلك جعلناكم أمّة وسطا**


    موضوع جميل للغاية

    لكن عندي سؤال

    الوسطية [SIZE=+0]في
    فهم ماهية الإعجاز العلمي وآليات التعاطي معه وما يمكن أن يستفاد منه ووسائل تقديمه للمسلمين وللعالم من حولنا
    [/SIZE]


    ربما تحولت مفاهيم مثل «الاعتدال» و «[SIZE=+0]الوسطية
    » إلى مفاهيم هلامية يصعب تحديد مدلولاتها. فضلاً عن أن شيوع الألفاظ وتداولها العمومي، مع قطع النظر عن جذورها ودلالاتها وما تختزنه من إحالات رمزية ودلالية يجعلها تفتقر [SIZE=+0]في[/SIZE] مضامينها، وتتحول إلى مجرد مفردات [SIZE=+0]في[/SIZE] لغة يومية. وخلال هذه العملية يتم ارتكاب الكثير من التبسيط، بخاصة من داخل التيارات الفكرية والدينية التي ربما تستعير ألفاظاً من القاموس الفكري الغربي وتنقلها إلى قاموسها الديني تحت ذرائع تحركها الحماسة أو التصورات البسيطة لمنظومة الأفكار وسياقات نشأتها، ومن هذا القبيل وقعت استعارة الكثير من المصطلحات من الفكر الغربي وتمت أسلمتها أو إسقاطها على مفاهيم ومصطلحات إسلامية بل وأحياناً قرآنية!.
    المتتبع لمصطلح «[SIZE=+0]الوسطية[/SIZE]» واستثماراته سيجده يتردد [SIZE=+0]في[/SIZE] مجالات شتى، فمن مجال الاعتقاد وأن الأمة الوسط هي التي تلتزم بمذهب السلف [SIZE=+0]في[/SIZE] الأسماء والصفات، إلى أن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] هي التي «تدين التطرف [SIZE=+0]في[/SIZE] كل صوره وأشكاله بوصفه لا يتفق مع القيم الإنسانية»، وصولاً إلى القول بوسطية الفتوى، ووسطية الجهاد، و[SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] [SIZE=+0]في[/SIZE] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك. بل وجد هناك من يتحدث عن «وسطية مستنيرة» و «ضرورة وضع خطة شاملة لبلوغ [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] المستنيرة بما يتفق مع تعاليم الإسلام».

    إن هذا الاضطراب [SIZE=+0]في[/SIZE] تحديد مفهوم [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] التي يقال: إنها ترادف الاعتدال، وإنها روح الإسلام وإحدى خصائصه لا ينسجم مع الدور المنوط بها القيام به، أو المكانة التي تحظى بها. وهو يعكس إلى ذلك لوناً من ألوان الاستعارة والتبسيط المشار إليه. فبالعودة إلى اللغة المعجمية نجد أن الوسط وسط الشيء ما بين طر[SIZE=+0]في[/SIZE]ه، وهو منه، والمعتدل من كل شيء. وذهب المفسرون إلى أن (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) يعني «عدولاً أخياراً». وقديماً عرّف أرسطو الفضيلة بأنها وسط بين رذيلتين، وعلى هذا فالفضائل وسطية، بحسب أرسطو، وهو يحيل [SIZE=+0]في[/SIZE] هذا إلى مسألة القيم.

    و[SIZE=+0]في[/SIZE] سنة 1934 كتب ليون تروتسكي مقالاً سماه «[SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] والأممية الرابعة» شن [SIZE=+0]في[/SIZE]ه هجوماً على [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] واعتبر أن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] المعاصرة له، [SIZE=+0]في[/SIZE] الفضاء الماركسي لا تخضع إلا بصعوبة لتعريف إيجابي، بسبب انعدام الشكل لديها، قائلاً: «لم يسبق أبداً للوسطية أن تلألأت كما هي اليوم بكل ألوان قوس قزح؛ لأن صفوف الطبقة العاملة لم تشهد من قبل مثل هذا الاختمار السياسي الحالي»، ويعني بالاختمار هنا الانتقال بين قطبي الماركسية والإصلاحية، أي الانتقال عبر مختلف أطوار [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE]. ولخص [SIZE=+0]في[/SIZE]ه صفات [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] بأنها عديمة الشكل وانتقائية، وأن الوسطي يلجأ إلى دروس أخلاقية مثيرة للشفقة لإخفاء فراغه الأيديولوجي، وأنه يقبل - بضغط الظروف - أقصى الخلاصات.

    و[SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] التي يعلن عليها الحرب تروتسكي تعني - [SIZE=+0]في[/SIZE] معناها القديم - تكتيكاً سياسيّاَ محضاًَ بين قطبين متضادين هما اليمين واليسار بمعناهما القديم. وعلى امتداد النصف الأول من القرن العشرين كان اليسار ينظر إلى [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] على أنها سُبة، بينما ينظر إليها اليمين على أنها ممالأة للتطرف، وجوهر الصراع كان يدور حول المفاضلة بين الفرد والجماعة، [SIZE=+0]في[/SIZE] ما يخص تفاوتات الثروة والسلطة بين طبقات المجتمع. غير أن تلك الانقسامات خفت [SIZE=+0]في[/SIZE] النصف الثاني من القرن العشرين.

    وحين أخذت الليبراليات الفردية تتعلم من الجماعيات وجوب التوازن الاجتماعي، فنشأت دولة الرفاه التي تحولت إلى منظومة راسخة [SIZE=+0]في[/SIZE] الخمسينات، اكتشفت الجماعيات الجامحة وجوب الإصلاح على خطى اقتصاد السوق وفتح باب الحريات، فبدأت حركة الإصلاح مطلع الثمانينيات. و[SIZE=+0]في[/SIZE] خضم هذا التقارب ولدت فكرة [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] مجدداً ليس بصفتها تكتيكاً سياسياً هذه المرة، بل بصفتها فلسفة اجتماعية ذات منظور تاريخي. ولعل أبرز من يمثل هذا الاتجاه أنطوني جيدنز الذي نظّر للوسطية أو الطريق الثالث بصفتها صيغة لإعلان البراءة من التطرف أو للتعبير عن يأس من المواقف الحادة والقاطعة توخياً للاعتدال.

    أما [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الإسلامية، [SIZE=+0]في[/SIZE]ن[SIZE=+0]في[/SIZE] محمد عمارة أن تكون شبيهة بوسطية أرسطو التي هي «نقطة رياضية وموقف ساكن وشيء آخر لا علاقة له بالقطبين اللذين يتوسطهما، وليست هكذا [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] [SIZE=+0]في[/SIZE] منهج الإسلام، إنها [SIZE=+0]في[/SIZE] التصور الإسلامي موقف ثالث حقاً .. وموقف جديد حقاً». و[SIZE=+0]في[/SIZE] الواقع أن الطريق الثالث أو [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] عند جيدنز هي كذلك إطار للتفكير وإحداث فلسفة سياسية تتجاوب مع التغيرات الكبرى التي تغير العالم.

    والمتتبع للكتابات حول [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الإسلامية يلحظ بوضوح إلحاحها على أنها طريق ثالثة بين جملة ثنائيات: الدين والدنيا، الروح والجسد، الدين والدولة، الذات والموضوع، المقاصد والوسائل، الثابت والمتغير، [SIZE=+0]العقل[/SIZE] [SIZE=+0]والنقل[/SIZE]، الاجتهاد والتقليد، الأصالة والمعاصرة، إلى آخر تلك الثنائيات الكثيرة التي ترد [SIZE=+0]في[/SIZE] كلام الشيخ القرضاوي وعمارة وغيرهما.

    و[SIZE=+0]في[/SIZE] أحيان كثيرة يبدو لي أن تلك [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] لا تكاد تغادر المعنى اللغوي البسيط الذي هو وسط بين طر[SIZE=+0]في[/SIZE]ن، ومن ثم فهي تلح على فكرة الثنائيات تلك، وتقع [SIZE=+0]في[/SIZE] أسرها، بل تزعم أن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] تحل كل معضلات تلك الثنائيات التي أعيت الفلاسفة والعلماء السابقين عبر القرون.

    ولإثبات [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] يتم الإلحاح على العودة لآية (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) لإقحام تلك التوجهات على النص القرآني أو بذل الجهد لاستخراج أدلة للوسطية من القرآن والسنة النبوية لتؤول [SIZE=+0]في[/SIZE] نهاية المطاف إلى توجه سل[SIZE=+0]في[/SIZE] أو إخواني أو تو[SIZE=+0]في[/SIZE]قي. ولا أزال أستريب [SIZE=+0]في[/SIZE] أمر يقال إنه روح الإسلام ومن خصائصه الكبرى ويحتاج إلى جلب الأدلة عليه وإثباته بهذه الطريقة، أو يقع الاختلاف [SIZE=+0]في[/SIZE]ه هذا الاختلاف الواسع، ليصل مع البعض إلى القول: «إن العلمانية المعتدلة تلتقي مع [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] [SIZE=+0]في[/SIZE] كفالة حرية الأديان وكفالة حقوق المواطنة للكافة والتناوب السلمي على السلطة عبر انتخابات حرة». ولنجد أن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] تلك تتيح لنا منهجاً للتعامل مع العولمة ومسائل الحكم، والتراث والإصلاح الاقتصادي والسياسي والإرهاب والعلمانية، وهي كلها قضايا معضلة [SIZE=+0]في[/SIZE] الفكر العربي والإسلامي على السواء، فضلاً عن الفكر الغربي نفسه، ثم يأتي الفكر المنعوت ب[SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] ليزعم أن لديه المنهج الذي يؤهله لحل تلك المعضلات والتعامل معها جميعاً، وذلك المنهج هو روح الإسلام وإحدى خصائصه الكبرى!. [SIZE=+0]في[/SIZE] الوقت الذي نجد أن الفقه الإسلامي نفسه يكتنفه الكثير من المشكلات والقصور [SIZE=+0]في[/SIZE] معالجة تلك المسائل التي نقول إن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] تلتقي [SIZE=+0]في[/SIZE]ها مع العلمانية المعتدلة!.

    ثم إننا حين نقول: إن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] هي بتلك المنزلة من الإسلام فأين تقع المذاهب الإسلامية التي هي نتاج جدل وتفاعل المسلمين مع النص الديني؟ المذاهب الفقهية والعقدية على السواء. فهل تقع داخل [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الإسلامية التي هي روح الإسلام أم خارجه؟ وإذا وصفت جميعاً ب[SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] من أشعرية وسل[SIZE=+0]في[/SIZE]ة وماتريدية ومعتزلة إلى غير ذلك فأي معنى للوسطية بين هذه المختلفات التي تصل إلى حد التناقض [SIZE=+0]في[/SIZE] بعض الأحيان؟ ومن يملك مشروعية احتكار ذلك النعت وسلبه للآخرين؟

    الشيخ القرضاوي يعلن انتماءه إلى تيار حسن البنا ومدرسته (الإخوان) ويقول: «هو التيار الذي أسميه تيار [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الإسلامية»، بل إن «نهر [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE]» - كما سماه بعضهم - يشمل كل من أضاف إليه قليلاً أو كثيراً، حتى إنه ليشمل محمد عبده وسيد قطب وجماعة الدعوة والتبليغ والحركة السل[SIZE=+0]في[/SIZE]ة وجماعة الجهاد وحزب التحرير !. على رغم أننا لو جئنا نطبق معالم ذلك النهج الوسطي على تلك الجماعات والشخصيات سنجد أنها لا تتفق معها وإن اتفقت [SIZE=+0]في[/SIZE] بعضها.

    معضلة تحديد معنى واضح ومحدد للوسطية، والمشكلات التي تعتور تصنيف الوسطيين وغير الوسطيين - مع ما [SIZE=+0]في[/SIZE] ذلك التصنيف نفسه من مشكلات – دفعت إلى القول: إن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] «مسألة نسبية؛ فالسلوك الوسطي [SIZE=+0]في[/SIZE] بلد مثل المغرب لا بد أن يختلف عنه [SIZE=+0]في[/SIZE] بلد تحت الاحتلال مثل فلسطين أو العراق». بل إن آخر يتجاوز به النسبية إلى القول: إن «الاعتدال نفسه ليس لوناً واحداً، فالاعتدال عبارة عن إطار واسع قد يشمل أطيافاً وأطرافاً مختلفة، ولكنها كلها معتدلة».

    وهكذا توزعت [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] بين الإخوانية، والسل[SIZE=+0]في[/SIZE]ة المذهبية، والنسبية التقديرية، والشمولية التي تشمل المذاهب الفقهية الأربعة بكل ما [SIZE=+0]في[/SIZE]ها من أقوال. وهي إلى ذلك، روح الإسلام وإحدى خصائصه الكبرى!.

    بل أكثر من ذلك، [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] ترتقي لتصبح نهجاً معر[SIZE=+0]في[/SIZE]اً لدى عمارة، «فبهذه [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الجامعة لم تعرف الفكرية الإسلامية عندما التزمت بها ذلك التناقض الذي لم يجد له حلاً بين الروح والجسد .. الدنيا والآخرة .. الدين والدولة .. الذات والموضوع .. الفرد والمجموع .. الفكر والواقع .. المادية والمثالية .. المقاصد والوسائل .. الثابت والمتغير .. القديم والجديد .. [SIZE=+0]العقل[/SIZE] [SIZE=+0]والنقل[/SIZE] .. الحق والقوة .. الاجتهاد والتقليد .. الدين والعلم .. إلى آخر الثنائيات».

    هذه الخطابية الشديدة، تقفز فوق حقائق التاريخ والمعرفة، فتزعم أنها حلت كل مشكلات المعرفة، وتعالت على كل خلافات التاريخ، بمنهج [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الذي قدم الحلول السحرية لتلك الثنائيات التي لا يزال الفكر المعاصر يقدم المقاربات العديدة لمحاولة – أقول محاولة – حلها، سواء [SIZE=+0]في[/SIZE] المجال الديني - وتحديداً الإسلامي المنقسم إلى تيارات عدة لكل منها مقاربته، ومنها التجديدي الذي له إسهامات بارزة [SIZE=+0]في[/SIZE] هذا المجال - أم [SIZE=+0]في[/SIZE] المجال الفكري العام.

    فعلى سبيل المثال قدم سام هاريس Sam Harris نقداً لاذعاً للاعتدال، معتبراً أن المعتدلين [SIZE=+0]في[/SIZE] الدين سيكونون السبب الرئيسي [SIZE=+0]في[/SIZE] تعريض البشرية إلى السقوط [SIZE=+0]في[/SIZE] الهاوية، من دون أن يؤيد التطرف. فالاعتدال القائل باحترام كل طرف لمعتقدات الطرف الآخر مع أنه على يقين من خطئها يعدّ نفاقًا، فكيف إذا كان يعتقد أيضًا بأن هذا الآخر سيكون مصيره الجحيم؟

    ومع قطع النظر عن موقف هاريس الذي ينطلق من موقف لا ديني، فإن جداله يحيل إلى مسألة فلس[SIZE=+0]في[/SIZE]ة وجيهة، تم طرحها تاريخياً ضمن جداليات [SIZE=+0]العقل[/SIZE] [SIZE=+0]والنقل[/SIZE]، وهي أن الاعتدال يلجأ إلى إعادة تفسير النصوص الدينية لكي تتماشى مع [SIZE=+0]العقل[/SIZE] وتواكب التطور العلمي والثقا[SIZE=+0]في[/SIZE]، و[SIZE=+0]في[/SIZE] سبيل إعادة التفسير تلك أو انتقاء بعض النصوص والسكوت عن بعضها الآخر، تُرتكب خيانات بحق النصوص و[SIZE=+0]العقل[/SIZE] معاً، وهذا ربما يدفع إلى نمو ما يسمى بـ «الأصولية» التي تنهض دوماً لحماية طهورية النص ونقائه.

    وقد علق المرزوقي على كلام عمارة بالقول: «إن عدم التمايز [SIZE=+0]في[/SIZE] المواقف التي أشار إليها الأستاذ يعني حتماً عدم إدراك الفروق بين الأشياء وثم عدم التفكير أصلاً. هذا فضلاً عن كون أمة غارقة [SIZE=+0]في[/SIZE] أدنى مشكلات حياتها اليومية كيف يمكن أن تزعم أن فكرها قد استطاع حل كل هذه المعضلات الوجودية والمعر[SIZE=+0]في[/SIZE]ة التي عجز دونها الفكر البشري [SIZE=+0]في[/SIZE] الحضارات الأخرى؟».

    وكما أن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] [SIZE=+0]في[/SIZE] المجال الديني تحتوي على تبسيط شديد، فإنها [SIZE=+0]في[/SIZE] المجال المعر[SIZE=+0]في[/SIZE] أشد تبسيطاً، تبدأ من عدم القدرة على الزعم بوجود تصور ثابت للوسطية، وأنها ليست حلاً لتلك الثنائيات، ولا يمكن لها أن تكون كذلك على المستوى النظري الفلس[SIZE=+0]في[/SIZE]، الذي ينزع إلى طلب الغايات دون الحلول الوسط أو التو[SIZE=+0]في[/SIZE]قية التي يمكن للعمل أن يقبلها، وعدم التفريق بين الذريعية الواجبة [SIZE=+0]في[/SIZE] العمل، وطلب الغايات [SIZE=+0]في[/SIZE] النظر، اعتبره المرزوقي السبب الرئيس [SIZE=+0]في[/SIZE] موت كل إبداع [SIZE=+0]في[/SIZE] حضارتنا حتى إن القرنين الأخيرين لم ينبغ [SIZE=+0]في[/SIZE]هما عالم أو [SIZE=+0]في[/SIZE]لسوف واحد أبدع ما يمكن أن يعد توسيعاً لمجال معر[SIZE=+0]في[/SIZE] أو لأفق خلقي [SIZE=+0]في[/SIZE] المسيرة البشرية.

    وحين نقول: إن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] تجمع بين صريح المعقول وصحيح المنقول، نفترض بأننا نملك صريح المعقول وصحيح المنقول وأن المهمة تنحصر [SIZE=+0]في[/SIZE] مجرد الجمع بينهما، فإذا تجاوزنا ذلك كله، إلى العلم /المعيار الذي يمكّننا من ذلك الجمع، غير الاعتباطي أو التو[SIZE=+0]في[/SIZE]قي أو حتى التل[SIZE=+0]في[/SIZE]قي، فسيكون ذلك العلم متعالياً على الطر[SIZE=+0]في[/SIZE]ن، الصحيح والصريح، ومن ثم فهذا المتعالي لا يقبل [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] والتوسط، لأنه علم معياري.

    وبغض النظر عن الكلام الإنشائي لعمارة حول مفارقة [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الإسلامية لوسطية أرسطو، فإن التدقيق لا يظهر فرقاً بين الموق[SIZE=+0]في[/SIZE]ن، وانحصار [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] بكونها حلاًّ يتم تقديمه أمام تلك الثنائيات التي لا نهاية لها، هو خضوع لمنطق القول الأرسطي [SIZE=+0]في[/SIZE] تعريف الفضائل، والتي يكت[SIZE=+0]في[/SIZE] [SIZE=+0]في[/SIZE]ها بالجمع بين رذيلتين، من خلال ارتكاب قليل من الإفراط وقليل من التفريط. و[SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الإسلامية تتغافل عن أن الدخول [SIZE=+0]في[/SIZE] منطق الجمع بين الثنائيات تلك بأي شكل كان، يعني دخولاً [SIZE=+0]في[/SIZE] جدل جديد يتم [SIZE=+0]في[/SIZE]ه النقاش حول ذلك القدر الذي تم الجمع بينه من الطر[SIZE=+0]في[/SIZE]ن، أو ذلك الشكل من الجمع، أو البحث [SIZE=+0]في[/SIZE] أي المجموعين تم إخضاعه للآخر؟ أو ما الذي تم قسره ليدخل [SIZE=+0]في[/SIZE] الآخر؟ أو هل تم فعلاً الجمع مع بقاء جوهر الطر[SIZE=+0]في[/SIZE]ن من دون تحوير أم تم تحوير الطر[SIZE=+0]في[/SIZE]ن عينهما ليمكن الجمع من خلال طرف ثالث جديد مفارق للطر[SIZE=+0]في[/SIZE]ن وإن كان [SIZE=+0]في[/SIZE]ه شبه بهما؟ فهل فعلاً [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] على هذا تشكل حلاًّ؟

    إن الدخول [SIZE=+0]في[/SIZE] منطق الثنائيات نفسه، دخول [SIZE=+0]في[/SIZE] منطق تبسيطي ذي منحي تو[SIZE=+0]في[/SIZE]قي، أليق بالمنطق الدعوي والسياسي، وليس مسلكاً معر[SIZE=+0]في[/SIZE]اً، فالفعل المعر[SIZE=+0]في[/SIZE] يحدد هدفه بالبحث عن موطن الإشكال الرئيسي ويفحصه ليحاول معالجته والإجابة عليه، وليس يحاول الجمع بين طر[SIZE=+0]في[/SIZE]ه. من هنا ف[SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] تتجاهل موطن الإشكال [SIZE=+0]في[/SIZE] تلك الثنائيات، وتتوهم أنها يمكنها حله بمنطق الجمع الأرسطي. فتتحول إلى فعل أيديولوجي دفاعي [SIZE=+0]في[/SIZE] وجه التحديات أو لمواكبة المتغيرات. و[SIZE=+0]في[/SIZE] سياق تدعيم فعلها الأيديولوجي تلجأ إلى القرآن لتفسير [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] بأنها جمع بين الثنائيتين: إفراط وتفريط بالتعبير الأرسطي، أو التوسط والاعتدال بين ثنائية اليهودية والمسيحية الديانتين السابقتين على الإسلام. [SIZE=+0]في[/SIZE] حين أن السياق القرآني يقع خارج منطق الثنائيات تلك، ويقدم الرسالة المحمدية (الإسلام) على أنها رسالة معيارية - وليست توسطية - يقاس إليها كل انحراف وقع [SIZE=+0]في[/SIZE] الديانات السابقة، وهي رسالة مهيمنة على ما سبقها وليست جامعة بين ما سبقها.

    اقتصرت هنا [SIZE=+0]في[/SIZE] هذا المقال المتواضع على مناقشة منطق [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] من ون الدخول [SIZE=+0]في[/SIZE] معالجاتها وأطروحاتها لحل تلك الثنائيات، الحل الذي تعزوه غالباً إلى الإسلام جملة وتفصيلاً!، على رغم أن الدخول [SIZE=+0]في[/SIZE] حلولها [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] لتلك الثنائيات ومقارنتها مع أطروحات غيرها سيكشف ليس فقط عن تنوع، بل عن تناقضات هي موجودة داخل الفكر الإسلامي، لكن تثور المشكلات حينما تتم نسبة هذا فقط أو ذاك فقط إلى الإسلام فتمارس إقصاءً لما عداها، مع أنه ينبغي التصوّن [SIZE=+0]في[/SIZE] المسائل والتصورات التي تعزا إلى الإسلام - بأل التعريف - من جانب كل الأطراف، لتبقى مساحة واضحة وبارزة للاجتهادات البشرية [SIZE=+0]في[/SIZE] فهم النصوص الدينية.

    وعلى رغم أن ثمة ثنائيات كثيرة ادّعت [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] الجمع بينها، يكتنفها الكثير من المعضلات، فحسبنا أن نشير هنا إلى ثنائية الأصالة والمعاصرة، أو السل[SIZE=+0]في[/SIZE]ة والتجديد التي تجمع [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE]ُ بينها على رغم ما بين السل[SIZE=+0]في[/SIZE]ة والتجديد من تباين شديد، يجعل من [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] [SIZE=+0]في[/SIZE]هما تبسيطاً لهما، فالمدقق [SIZE=+0]في[/SIZE] الخطاب الإسلامي وتنويعاته، من اتجاهات إصلاحية وسل[SIZE=+0]في[/SIZE]ة وتجديدية وغيرها، ورؤية كل منها للزمن والتاريخ، يدرك أن [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] تستبطن وعياً سل[SIZE=+0]في[/SIZE]اً للتاريخ، وتتصالح – ظاهرياً – مع العصر، وتؤجل كل الأسئلة بدلاً من أن تحلها. فالوعي السل[SIZE=+0]في[/SIZE] بالزمن يتشكل على صيغة لحظة نورانية طاهرة ظهرت [SIZE=+0]في[/SIZE] عتمة التاريخ بعد أن كان كالحاً، لكن هذا النور لم يلبث لدى السل[SIZE=+0]في[/SIZE]ة أن تحول إلى لحظة معر[SIZE=+0]في[/SIZE]ة شاملة كل الكمال، ومن ثم فإن الزمن يسير نحو التناقص، والتاريخ – باستمرار- متقدم نحو الأسوأ، بحيث يجعل كل الفهوم والتصورات المعر[SIZE=+0]في[/SIZE]ة موجودة هناك [SIZE=+0]في[/SIZE] تلك اللحظة النورانية، وعليه يكون مرجع كل المعرفة هناك عند لحظة الاكتمال. وأحد تجليات هذا الاكتمال هو تلك الإحالة المستمرة [SIZE=+0]في[/SIZE] الخطاب الوسطي إلى أن كل ما قاله الغرب موجود لدينا منذ زمن، من نتاج تلك اللحظة النورانية المكتملة.

    تلك الإحالة لم تكن إحالات قولية مجردة، بل نشأ [SIZE=+0]في[/SIZE] ظل ما سمي بالصحوة الإسلامية نتاج كبير من كتابات سطحية تحمل عناوين حداثية ومحتويات سل[SIZE=+0]في[/SIZE]ة رخوة، من مثل: علم الاجتماع الإسلامي، وعلم النفس الإسلامي، ... فضلاً عن تلك اللغة السطحية التي استعارت العديد من المصطلحات الغربية وقامت بأسلمتها. ولا يخرج عن هذا تلك الكتب التي كتبت لاستجلاب الأدلة من القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي «لتأصيل» علوم غربية إسلامياً.

    و[SIZE=+0]في[/SIZE] الواقع إن الصحوة الإسلامية تلك، على رغم ما أنتجته على مستوى الشعائر والتدين السلوكي، فإنها لم تنتج مدارس فكرية وعلمية، بل فرّخت كتباً وأفكاراً وتصورات لا يمكن لها أن تشكل وزناً [SIZE=+0]في[/SIZE] [SIZE=+0]ميزان[/SIZE] المعرفة المعاصرة، فتلك الأسلمة التي بدأت بمحاولات «تأصيل» إسلامية وبإثبات بأن ما لدى الغرب لدينا قديماً، انتهت مع أمثال الإعجاز العلمي والطب النبوي والطب الإسلامي إلى مفاصلة مع علوم الغرب [SIZE=+0]في[/SIZE] هذا الميدان مفاصلة حادة [SIZE=+0]في[/SIZE] بعض الأحيان!.

    إذن هل بات من الضروري أن نعيد النظر [SIZE=+0]في[/SIZE] مفهوم [SIZE=+0]الوسطية[/SIZE] و[SIZE=+0]في[/SIZE] مجال تحققها، وكي[SIZE=+0]في[/SIZE]اته، وشروط استعمالها لتحقيق مدلولها السوي بعيداً من تلك التفسيرات السطحية، والاستعمالات الأيديولوجية؟.

    حسبي [SIZE=+0]في[/SIZE] هذا المقال أني أثرت بعض الأفكار، التي تحتاج إلى استكمال وتعمق، وتوسع، ربما يكون لها مجال آخر بحول الله.
    المصدر




    [/SIZE]
     
  4. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      19-11-2007 00:01
    شكرا أخي مرسّي على الإضافة
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...