1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

مارتين هايدغر: الشعر مسكن الإنسان

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏26 نوفمبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      26-11-2007 13:15
    الشعر مسكن الإنسان

    مارتين هايدغر

    ترجمة: عزيز الحاكم


    "شعريا يقيم الانسان (dichterisch wohnt der mensch)" هذه العبارة مقتطفة من قصيدة متأخرة للشاعر هولدرلين, وقد تم نقلها بطريقة خاصة جدا عن هذه القصيدة التي تبدأ على النحو التالي:

    في سماء صافية بهيجة
    بلمع الجرس المسقف بالمعدن
    ولفهم كلام الشاعر هذا ينبغي إرجاعه بنوع من الاحتراس الى القصيدة.

    ولذلك سنتفحص هذا الكلام ونسلط الضوء على الشكوك التي يثيرها لدينا, وإلا أعوزتنا الحرية والاستعداد الكافي إذا ما حاولنا الاستجابة له.

    "شعريا يقيم الانسان" بامكاننا أن نتصور, عند الاقتضاء, بأن الشعراء يقيمون أحيانا في الشعر. لكن كيف يمكن للانسان أن يقيم في الشعر؟ ألا تتعارض الاقامة تعارضا كليا مع أحوال الشعراء؟ ثم ان اقامة الانسان مستعجلة ومهددة بأزمة الإيجار.

    بعد أن أضحت اليوم محاصرة بالعمل, مضطربة من شدة التهافت على إحراز النجاح وكسب الامتيازات, مأخوذة بسحر المتعة والتسليات المنظمة. وإذا ما حدث أن وفر سكننا للشعر مكانا ما, وبعضا من الوقت, فان ما سيحصل آنذاك, وفي أحسن الحالات, هو أن نعنى بالآداب الجميلة ونطبع القصائد, أو نبثها عبر الأثير.

    الشعر مدحوض, مثل حنين عقيم أو رفرفة في الخيال. ملفوظ مثل اللوذ بحلم عاطفي, أو محسوب على الأدب. وقيمة الأدب تقدر بمدى "فعلية" اللحظة. وهذه الفعلية بدورها تقرها وتديرها الأجهزة التي تصنع الرأي العام المتمدن. كما أن الحركة الأدبية تعتبر من وكلاء هذه الأجهزة. والمقصود بـ"الوكلاء" هنا أولئك الذين يسوقون الآخرين وهم أيضا مسوقون, ولذلك لا يمكن للشعر أن يتجلى سوى على شكل أدبي. وحيثما تم اعتباره وسيلة من وسائل الثقافة وبكيفية علمية فانه يكون مادة من مواد تاريخ الأدب, كما أن الشعر الغربي يروج تحت تسمية عامة هي "الأدب الاوروبي".

    وإذا ما أدركنا, الآن, بأن الشعر ليس له إلا شكل واحد من أشكال الوجود, يرتبط بالحياة الأدبية, فكيف لسكن الانسان أن يقوم على الشعر؟ وفضلا عن ذلك فان القول بأن الشعر مسكن الانسان هو مجرد كلام تلفظ به شاعر لم يستطع أن يعيش حياته على الوجه الأكمل. ومن أحوال الشعراء أنهم لا يرون الواقع, ويعوضون الفعل بالحلم. وما يقومون به محض تخيل, فهل ينبغي أن يكون مسكن الانسان شعرا وشعريا؟ لن يقبل بهذا سوى من يحيا بعيدا عن الواقع ويشيح ببصره عن الأوضاع الاجتماعية والتاريخية التي تخضع لها حياة الناس اليوم ويطلق عليها علماء الاجتماع اسم "الحياة الجماعية".

    لكن قبل الاقرار بالتعارض القائم بين السكن والشعر, بنوع من التبسيط, من الأفيد تفحص كلم الشاعر في هدوء. فهو يتحدث عن سكن الانسان, ولا يصف أحوال السكن في الوقت الحاضر. ولا يؤكد بأن الاقامة تعني امتلاك سكن. وأكثر من ذلك فهو لا يقول ان الشعر مجرد تلاعب متخيل بالخيال الشعري. من إذن من المفكرين يجرؤ على القول بترفع مشبوه إن السكن والشعر متناقضان؟ فهما يتحملان بعضهما. ولربما وجه أحدهما الآخر, بحيث ان احدهما (السكن) يقيم في الآخر (الشعر). وبهذا الافتراض نكون ملزمين بالتفكير في كينونتهما نفسها. وإن كنا لا نشدد حيال هذا الالزام فإننا نفكر, انطلاقا من السكن, فيما يسمى عادة ب-"وجود" (Existenz) الانسان. وحقيقة القول باننا بذلك نتخلى عن التصور السائد حول السكن. لأنه لا يعتبر السكن سوى - سلوك من سلوكات الانسان الأخرى. فنحن نشتغل في المدينة لكننا نسكن في الضواحي.

    ونحن على سفر دائم, تارة نقيم هنا وتارة هناك. وبهذا المعنى يكون السكن مجرد امتلاك لمسكن.

    عندما يتحدث هولدرلين عن السكن فانه يدخل في اعتباره السمة الأساسية للوضع البشري. ويتفحص الشعر انطلاقا من علاقته بالسكن.

    وهذا لا يعني ان الشعر ليس سوى زخرف وفضلة زائدة على السكن.

    كما ان الطابع الشعري للسكن لا يعني انه في كل اقامة يتصادم هذا الطابع, بشكل أو بآخر, مع قولة "الشعر مسكن الوجود" وعلى العكس من ذلك فان الشعر هو الذي يحول الاقامة الى سكن حقيقي.

    وهو الذي يقوم بـ"الإسكان". لكن بأية وسيلة نتمكن من السكن؟ بالبناء (Bauen), ذلك ان الشعر إسكان وبناء في نفس الآن.

    وهكذا نلقي أنفسنا امام مقتضى مزدوج: التفكير أولا في ما يسمى بوجود الانسان انطلاقا من السكن- والتفكير بعد ذلك في كينونة الشعر بما هو "إسكان" و"بناء". فإذا ما بحثنا في هذا الاتجاه عن كينونة الشعر توصلنا الى كينونة السكن.

    لكن من أي جانب يمكننا - نحن معشر البشر- أن نكتشف المنافذ المفضية الى كينونة السكن والشعر؟ وكيف لنا أن نزعم بأننا قادرون على بلوغ كينونة الشيء؟ فالانسان بامكانه أن يدعي ذلك من خلال ما توفره له اللغة من كلام. وهذا لا يتأتى له الا إذا ما صب اهتمامه على كينونة اللغة لأطول وقت ممكن. ومع ذلك فان الأقوال والكتابات والأحاديث الاذاعية, وهي جامحة وحاذقة في نفس الوقت, كلها ترقص رقصة جنونية حول الأرض. والانسان يتصرف كما لو انه خالق اللغة وسيدها, في حين أنها هي سيدته وستظل كذلك.

    وعندما تنقلب علاقة السيادة هذه فان دسائس غريبة تخطر ببال الانسان, وتتحول اللغة الى وسيلة للتعبير, وبهذه الصفة قد تغدو مجرد وسيلة للضغط. والجميل في الأمر أن اللغة حتى في مثل هذا الاستعمال تحاط بالعناية. غير أن هذه العناية وحدها لن تساعد على قلب علاقة السيادة الحقيقية القائمة بين اللغة والانسان.

    لأن اللغة في واقع الأمر هي التي تتحدث, أما الانسان فانه يتكلم فقط كي يجيب اللغة فيما هو ينصت الى ما تقول له. ومن بين كل النداءات التي نساهم- نحن معشر البشر- في انطاقها يعتبر نداء اللغة أرقاها وأولاها.

    فاللغة تومئ لنا وهي أول وآخر من يزودنا بكينونة الشيء. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال ان اللغة, في اية دلالة وكيفما اتفق. تمنحنا كينونة الشيء بكيفية مباشرة وقطعية مثلما يمنح الشيء الجاهز للاستعمال. والتوازن الذي يصغي به الانسان صادقا الى نداء اللغة انما ينبع من القول الناطق في مادة الشعر. فكلما ازدادت أعمال الشاعر شاعرية ازداد قوله تحررا وانفتاحا على ما ليس في الحسبان, وقوي استعداده لتقبل كل طارئ. وكلما انساق قوله بدون قيد لحكم الانتباه المثابر على سماعه اتسعت الهوة بين ما يقوله وبين ما هو مجرد زعم ينبغي فحصه لمعرفة ما إذا كان صائبا او مجانبا للصواب.

    شعريا يقيم الانسان

    هذا ما يقوله الشاعر. ونحن سندرك جيدا كلام هولدرلين إذا ما اعدناه الى موضعه في سياق القصيدة التي اقتطف منها. سنصغي قبل كل شيء الى هذين الشطرين المقتطعين بمقص حاد من كلام الشاعر:

    مفعما بالجدارات, لكن شعريا
    يقيم الإنسان فوق هذه الأرض
    في صفة (شعريا Dichterisch) ترن نبرة الشطرين الأساسية.

    ويبرز السياق هذه الصفة من جانبين: جانب ما يسبقها وجانب ما يليها. في الجانب السابق ترن كلمات: "مفعما بالجدارات, لكن..." كما لو أن ما يليها: "شعريا" يحصر مجال الإقامة في كونه مفعما بجدارات الإنسان. لكن ما ينبغي فهمه هو عكس ذلك. فالحصر هنا معبر عنه بكلمتي "مفعما بالجدارات" اللتين ينبغي أن نضيف اليهما في ذهننا تعبير "بدون شك". ذلك ان اقامة الانسان من بعض النواحي جديرة بالتقدير وهذا ما لا شك فيه. لأن الانسان يشمل بعنايته الأشياء التي تنمو مثل أشياء الأرض. ويحتفظ بما يكبر لنفسه. وكل من العناية والمحافظة تشكلان وسيلة من وسائل الاقامة.

    ورغم ذلك فالانسان لا يكتفي بزرع ما ينمو من تلقاء نفسه, بل انه يبني أيضا ما لا يولد ولا ينمو. وما يبنى bauen ليست هي المباني وحدها, بل كل الأعمال المصنوعة باليد كينونة السكن عن آخرها, غير ان جدارات Merites هذا "البناء " المتعدد لا تملأ أبدا كينونة السكن عن آخرها. بل إنها على العكس من ذلك توصد في وجه السكن باب كينونته نفسها. فالجدارات إذن هي التي تحصر بوفرتها حدود الزرع والبناء, وهذان الأخيران هما اللذان يعملان على تلبية حاجات السكن. وكل من الزرع, بمعنى تلك العناية التي يوليها الفلاح لعملية النمو, والبناء أي تشييد العمارات والمعامل وص نع الآلات, هما من نتائج السكن الاساسية, لكنهما ليسا ركيزته الاصلية ولا الفعل الذي ينشئه. إذ ينبغي أن يتم هذا الفعل بوسيلة بناء أخرى. كما أن عملية "الزرع والبناء" التي تطبق بطريقة عادية وحصرية, باعتبارها الوسيلة الوحيدة المعروفة للسكن, تعود على السكن بالكثير من الجدارات. إلا أن الانسان بإمكانه أن يقيم فقط حين "يبني" ويصمم على الاستمرار في "البناء" بطريقة مغايرة.

    وبعد "مفعما بالجدارات (دونما شك) لكن شعريا , يقيم الانسان" ترد في النص عبارة "فوق هذه الارض" قد نحكم على هذه الاضافة بأنها زائدة عن الحاجة, لأن السكن يعني مسبقا اقامة الانسان فوق الأرض, فوق "هذه" الأرض التي يعلم ان مآله إليها. لكن حين يقول هولدرلين بكل جسارة ان اقامة البشر شعرية فانه يوحي لنا بأن الاقامة "الشعرية" تقتلع البشر من الأرض. والشعر (Das Dichterische) حين تطابق بينه وبين ما هو شعري (Poetische) يغدو منتميا الى مملكة الخيال. ويحلق السكن بطريقة شعرية فوق الواقع في علياء الخيال. ومثل هذه التصورات الساذجة يواجهها الشاعر بقوله ان الاقامة الشعرية هي اقامة "فوق هذه الأرض".

    ولا يكتفي هولدرلين بوضع "الشعر" في مأمن من كل تأويل خاطئ ومتسرع بل انه وهو يضيف عبارة "فوق هذه الأرض" يمضي بنا على نحو ملائم صوب كينونة الشعر. حيث لا يحلق الشعر فوق الأرض ولا يتجاوزها كي يهجرها ويطير فوقها. لأن الشعر هو الذي يسعى بالانسان فوق الأرض, الى الأرض وبذلك يتحكم في اقامته.

    مفعما بالجدارات, لكن شعريا.
    يقيم الانسان فوق هذه الأرض.

    ترى هل نعرف الآن كيف يقيم الانسان شعريا؟ نحن ما لنا لا نعلم عن ذلك شيئا. بل اننا معرضون لخطر الخلط بين بنات أفكارنا وبين الكلمة الشعرية لدى هولدرلين. ومما لا شك فيه أن هولدرلين يشير الى الطريقة التي يقيم بها الانسان والى جداراته أيضا. غير انه لا يفضل الاقامة, كما فعلنا نحن, عن أفعال الاقامة (Bauen). وهو لا يتحدث عن هذه الأفعال, لا بمعنى المحافظة ولا بمعنى العناية او البناء, ولا يقدم الشعر على انه طريقة خاصة للسكن (des bauens).

    ان ما يقوله هولدرلين, حين يتحدث عن الاقامة شعريا, لا يشبه في شيء ما نفكر فيه. ومع ذلك فان ما نفكر فيه وما يقوله هولدرلين شعريا يعبران عن نفس الشيء.

    وهنا يجب علينا ان نكون حذرين حيال أمر هام, إذ تقتضي الضرورة ان نلاحظ قبل كل شيء بان الشعر والفكر لا يتفقان حول "نفس الشيء" إلا حين يحافظ كل منهما لى اختلاف كينونته لأطول مدة.

    فالشيء نفسه لا يطابق نظيره, ولا يطابق التماثل الأجوف لما هو شبيه خالص. والنظير (das gleiche) يرتبط دائما بما هو غير مختلف من أجل ان ينطبق كل شيء عليه. أما الشيء نفسه (ds selbe) فانه في ارتباط متبادل مع ما هو مختلف بناء على التراكم الذي يسببه الاختلاف. ولذلك لا يجوز الحديث عن "الشيء نفسه" إلا حين يتم التفكير في الاختلاف. ومن خلال المؤالفة بين الاشياء المختلفة تبدو الكينونة, وهي تجمع الشيء نفسه, جلية.

    "الشيء نفسه" يستبعد كل مسارعة الى حل الاختلافات بالمماثلة وحدها. فهو يجمع المختلف في اتحاد أصلي. وخلافا لذلك يفرق النظير الأشياء في وحدة باهتة للواحد المماثل بدون قيد ولا شرط. وقد كان هولدرلين على علم خاص بهذه الامور.

    يقول في قصيدة هجاء بعنوان (أصل كل داء).

    رائع جدا أن نكون متحدين
    فلماذا إذن يظل البشر
    في حاجة مسقام
    الى ألا يكون الكائن إلا واحدا
    والشيء إلا واحدا؟

    وإذا ما تأملنا ما يقوله هولدرلين شعريا حول موضوع إقامة الانسان بطريقة شعرية لاح لنا السبيل الذي نستطيع من خلاله, بفضل تنوع الأفكار, الاقتراب من هذا "الشيء نفسه" الذي يعبر عنه الشاعر شعريا.

    لكن, ماذا يعني هولدرلين بإقامة الانسان بطريقة شعرية؟ سنحاول الاجابة عن هذا السؤال بالإصغاء الى الأشطر التالية من نفس القصيدة.

    لأنها واردة في نفس المناخ الذي قيل فيه الشطران المفسران سابقا, يقول هولدرلين:

    هل يحق للإنسان
    حين يملأ العناء حياته,
    أن يرفع رأسه الى السماء ويقول:
    أنا أيضا أريد أن أكون هكذا؟
    أجل.
    فطالما سكن الود الخالص قلب الإنسان
    اسعفته النباهة على أن يقيس نفسه بالآلهة.
    هل الآلهة مجهولة؟
    هل يظهر مثلما تظهر السماء؟
    هذا بالأحرى ما يبدو لي.
    هو ذا مقاس الإنسان
    مفعما بالجدارات, لكن شعريا,
    يقيم الإنسان فوق هذه الأرض.
    بيد أن ظلمة الليل بنجومه
    ليست أنقى من الانسان,
    هذه الصورة الإلهية.
    هل ثمة فوق الأرض مقياس ؟
    كلا, ولا واحد.

    لن نتفحص من هذه الأشطر إلا جزءا صغيرا, بغية إدراك ما يعنيه هولدرلين حين يصف إقامة الانسان بأنها "شعرية". وتقدم لنا الأشطر الأولى اشارة واضحة, فهي على شكل سؤال يجيب عنه الشاعر بكامل الثقة: أجل. والسؤال يعبر بطريقة غير مباشرة عما يعبر عنه الشطران (المتعلق عليهما أعلاه) بطريقة مباشرة: مفعما بالجدارات, لكن شعريا, يقيم الانسان فوق هذه الأرض". يتساءل هولدرلين:

    هل يحق للإنسان
    حين يملأ العناء حياته
    أن يرفع رأسه الى السماء ويقول:
    أنا أيضا أريد أن أكون هكذا؟
    أجل.

    فالإنسان لا يجهد نفسه من أجل أن يحظى بالجدارة إلا في ظل العناء الخالص. هنا يراكم "الجدارات". لكن من حق الانسان أيضا في نفس هذا المناخ, وانطلاقا منه, ومن خلاله, أن يرفع بصره صوب السماوات. لكن النظر إلى الأعلى يقطع كل المسافة التي تفصلنا عن السماء, ومع ذلك يظل في الأسفل, فوق الأرض.

    والنظر الى الأعلى هو الذي يحدد الفاصل القائم بين السماء والأرض. وهذا الفاصل هو المقدار المخصص لاقامة الانسان, وهو مقدار فطري مخصص لنا, وبفضله تظل المسافة القائمة بين السماء والأرض مفتوحة, ونطلق عليه اسم (البعد dimension die), وهو قابل للقياس من طرف لآخر في حين انه يقيس نفسه بطرفي السماء. وهذا القياس الفطري لا يباشره الانسان عند الحاجة, بل إن كينونته لا تتحقق إلا به. ولذلك يستطيع أن يحول دون إجراء هذا القياس أو ينقص منه أو يزوره لكنه عاجز عن التملص منه. وقد اعتاد الانسان دائما أن يرتبط بما هو سماوي ويقارن نفسه به. وإبليس نفسه جاء من السماء. ولذلك يقول هولدرلين في قصيدته: الانسان يقارن نفسه بالآلهة فهي "المقياس" الذي يقيس به الإنسان اقامته ومقامه فوق الأرض وتحت السماء. وبهذه الوسيلة فقط يستطيع الانسان أن يكون في مستوى كينونته, كما أن إقامته تستند على هذا المسح الجغرافي الذي يستوجب النظر إلى الأعلى, وعلى قياس البعد الذي يكون فيه للسماء والأرض موقع.

    وهذا المسح Vermessung لا يقتصر على قياس الأرض وليس مجرد جيومترية (قياس جغرافي بالأمتار) بل إنه يقيس السماء لحسابه الخاص. وهو ليس علما, انه يقيس المساحة القائمة بين السماء والأرض خلال تجاذبهما. كما يفضي بالاقامة الى بنيتها الأساسية.

    والمسح الجغرافي للبعد هو العنصر الذي تتحقق به كفالة السكن البشري ومن خلاله تدوم الاقامة, وبهذا المعنى يكون المسح/ القياس هو شعر الاقامة. أن يكون المرء شاعرا فهذا يعني أن يمارس القياس. لكن ما معنى القياس؟ من الواضح انه إذا كان على الشعر أن يعتبر بمثابة فعل قياس فاننا لسنا ملزمين بربطه اعتباطيا بأية صورة للقياس ووحدته.

    ومن المفترض أن يكون الشعر قياسا بامتياز, ولربما كان علينا ونحن نردد عبارة: (أن يكون المرء شاعرا فهذا يعني أن يباشر القياس...) ان نتلفظ بها على نحو فنقول مثلا: "أن يكون المرء شاعرا, هنا يكمن القياس". في الشعر يتجلى كل ما له علاقة بقياس أغوار الكينونة.

    ولذلك ينبغي إيلاء الأهمية لفعل القياس الأساسي, وهو يتمثل بشكل عام في البدء في امتلاك المقياس الذي سنقيس به.

    والشعر في حقيقة الأمر هو امتلاك المقياس الذي يحصل بواسطة الانسان على القياس المناسب لمساحة كينونته, فالإنسان ينشر كينونته باعتباره إنسانا فانيا. وهو كذلك لأنه معرض للموت. وهذا يعني انه قادر على الموت بما هي موت. وحده الانسان يموت. وهو يموت باستمرار مهما طال مقامه ووجوده فوق هذه الأرض. تكمن إقامته تكن في الشعر. أما كينونة الشعر فان هولدرلين يراها في امتلاك المقياس الذي يتم به المسح الجغرافي Arpentage للوضع البشري.

    لكن كيف لنا أن نبرهن على أن هولدرلين يعتبر كينونة الشعر امتلاكا للمقياس؟ لا موجب للبرهنة هنا. لأن البرهنة ليست سوى عملية مجربة بعديا على أساس بعض الفرضيات. وتبعا للكيفية التي تصاغ بها الفرضيات فانه من السهل البرهنة على كل شيء. وعلى العكس من ذلك فان الامور التي يمكننا أن نوليها الاهمية قليلة. يكفي إذن أن نهتم بكلام الشاعر.

    ثم ان أشعار هولدرلين كما سنرى ذلك لاحقا تعنى بالقياس والمقارنة قبل كل شيء. حيث يتساءل الشاعر:

    "هل الآلهة مجهولة"؟

    كلا. فلو كان الأمر كذلك , كيف إذن ستكون هي المجهولة, أصل كل قياس؟ ومع ذلك- وهذا ما ينبغي الآن سماعه وادراكه بشكل جيد- فإن الآلهة بالمعنى المتداول مجهولة بالنسبة لهولدرين, وإذا كانت هي المقياس لدى هولدرلين فما ذلك غلا لأنها غير معروفة: هل يعني هذا أن هولدرلين يقف حائرا أمام السؤال المثير: كيف لمجهول بذاته أن يكون مقياسا؟ لأن الانسان لا يمكن أن يقارن نفسه بما لا ينكشف ولا يظهر. لكنه إذا بان أصبح معروفا. ورغم ذلك فإن الآلهة تظل مجهولة وهي أصل القياس. وفضلا عن ذلك فان هذه الآلهة الذي تبقى مجهولة ينبغي عليها في نفس الوقت الذي تبدو فيه على ما هي عليه, أن تتجلى بصفتها مجهولة. والغامض في هذا الأمر ليست هي الآلهة في حد ذاتها بل تجليها. ولذلك يسارع الشاعر الى طرح السؤال التالي: "هل تظهر مثلما تظهر السماء؟ ليجب في الحال: "هذا بالأحرى ما يبدو لي".

    ونحن بدورنا نتساءل الآن: لماذا يميل الشاعر الى هذه الفرضية؟

    ويقدم لنا المقطع الشعري اللاحق اجابة موجزة: "هو ذا مقاس الانسان". فما هو المقاس الصالح لقياس الإنسان؟ هل هي الآلهة؟ كلا. هل هي السماء؟ كلا. هل هو الجانب البادي في السماء؟ كلا. ان المقياس هنا يتمثل في الكيفية التي تظل بها الآلهة مجهولة, بما هي كذلك, ومتجلية من خلال السماء. فالاله يظهر بواسطة السماء, وهذا الانكشاف يظهر ما هو مخفي- لا بمحاولة اقتلاع ما هو مخبوء بل بالاعتناء بهذا الاحتجاب نفسه. وهكذا تتجلى الآلهة المجهولة, من خلال السماء, بما هي مجهولة. وهذا التجلي هو المقياس الذي يقيس به الانسان نفسه.

    وهذا مقياس غريب ومحير بسبب الطريقة التي يتمثل بها البشر عادة جميع الأشياء, وهو مقياس متعب بالنظر إلى الآراء اليومية التي تفهم بقليل من الجهد وتترسخ عن طيب خاطر على أنها المقياس النموذج لكل تفكير وكل تأمل.

    لكن لماذا ينبغي أن يمنح هذا المقياس, المثير لاستغرابنا نحن المحدثين, للانسان ويقال له؟ ولماذا ينبغي أن ينقل اليه عبر اجراء القياس أي بواسطة الفعل الشعري؟ لأنه بواسطة هذا القياس وحده نتمكن من ادراك كينونة الإنسان, ولأن الإنسان يحقق مقامه بقياس "ما فوق الأرض" و"ما تحت السماء" من الأول الى الآخر.

    وكل من هذه الـ"فوق" والـ"تحت" تتعاضدان وتتكافلان, ويتم توالجهما في هذا النطاق القطري الذي يجتازه الانسان خلال مقامه الأرضي, يقول هولدرلين:

    دائما يا عزيزي الغالي
    تمضي الأرض
    وتبقى السماء
    لأن الإنسان مطالب بقياس نفسه كي يظل له مكان في هذا البعد.
    ولذلك فهو في حاجة الى قياس يمكنه من الوصول الى هذا البعد.

    وبادراك هذا القياس وضبط حجم امتداده واتخاذه وسيلة لقياس الأشياء بتواصل الشاعر الى تحقيق كينونته الشعرية: (dichten) لأن الشعر هو اجراء القياس من أجل اقامة مسكن للانسان. والآن, هل ندري ما هو "الشعر" بالنسبة لهولدرلين؟ نعم ولا.

    نعم. حين يتضح لنا الأفق الذي ينبغي تأمل الشعر عبره, بما هو فعل قياس بامتياز. ولا , بالنظر الى الشعر على أنه الفعل الذي يصل فيه هذا القياس الغريب إلى البعد ويقيسه. ومع ذلك فان ما يثير الاستغراب هو أن هولدرلين يعتبر الشعر بمثابة فعل قياس. ونحن نتمثل القياس على المنوال المعهود: فمن خلال الاستعانة بالأشياء المعروفة والأدوات المرقمة والاعداد نتوصل الى تشخيص المجهولة ليصر معلوما ويتم حصره في عدد معين ونظام مرئي في كل وقت. وتتنوع وسيلة القياس هاته تبعا لطبيعة الأجهزة المستعملة. لكن ما الذي يضمن لنا بأن هذا النوع المعهود من القياسة كاف, لكونه متداولا, لبلوغ كينونة القياس؟ فنحن ما أن نسمع بالحديث عن المقياس حتى نسارع الى التفكير في العدد ونتمثلها معا, القياس والعدد, على انهما شيء واحد وكمي وحين يعتبر هولدرلين الشعر بمثابة مقياس, ويمارسه كفعل قياس, يكون علينا آنذاك أن نأخذ بعين الاعتبار, ونحن نفكر في الشعر, القياس المجرى لحظة اتيان الفعل الشعري. ويكون علينا أن نحترس من طريقة إجراء هذا القياس, حيث لا تتقدم اليد لتأخذ, بل اننا نترك الأشياء التي تليق بنا تتقدم منا.

    لكن ما هو المقياس المناسب للشعر؟ هل هو الألوهية؟ ربما كان هذا السؤال مستعصيا جدا على الانسان ومطروحا قبل الأوان.

    فلنبدأ إذن بالتساؤل حول ما يمكن قوله بصدد الألوهية, مستعينين على ذلك بقصيدة هولدرلين "في زرقة السماء اللذيذة يلمع...." حيث يستحضر الشاعر في كلامه المترنم صفاء السماء وأصداء مجاريها وأنفاسها, وحين يستحضر كل ذلك يجعله يلمع ويرن, ومن خلال التغني بملامح السماء يستحضر الشاعر ما ينكشف فيكشف بوضوح عما يستتر. ومن بين المظاهر المألوفة يعني الشاعر ذلك الشيء الغريب حيث يحيل اللامرئي على ذاته كي يظل كما هو: مجهولا.

    والشاعر لا يكتب الشعر إلا حين يمارس القياس ويصف ملامح السماء مستسلما لمظاهرها كما ان الاسم المتداول حول الملمح والمظهر هو "الصورة bild" ويتمثل جوهر الصورة في ابانة شيء ما. وعلى العكس من ذلك فان النسخ والتقليدات هي مجرد تنويعات منحطة للصورة الحقيقية التي تعمل, مثل الملمح, على اظهار اللامرئي, وبذلك "تتخيله" من خلال ايلاجه في شيء غريب عنه. ولأن الشعر يقوم بهذا الاجراء الغامض فانه يتحدث بالصور. ولذلك فالصور الشعرية هي تخيلات, وليس مجرد أوهام, بل هي تخيلات باعتبارها تضمينات مرئية لما هو غريب في المظهر المألوف. والقول الشعري للصور يجمع ويوحد في فعل واحد صفاء الظواهر السماوية وأصداءها, وعتمة ما هو غريب وصمته. ولذلك يقول هولدرلين بعد مقطع "مفعما بالجدارات لكن شعريا, يقيم الانسان فوق هذه الأرض":

    غير أن ظل الليل بنجومه
    ليس أنقى من الانسان
    المخلوق على صورة الاله

    و".. ظل الليل" هو الليل نفسه, وهو الظل, تلك العتمة التي لا يمكن أبدا أن تتحول الى ظلمة خالصة, لأنها باعتبارها ظلا تبقى موكولة للضوء ومنعكسة من خلاله. والقياس الذي يجريه الشعر يحيل على نفسه- باعتباره ذلك الشيء الغريب حيث يصون اللامرئي وجوده الخاص- من خلال ذلك الشيء المألوف, أي من خلال ملامح السماء. ولهذا فان طبيعة القياس الأساسية هي نفس طبيعة السماء. لكن السماء ليست ضوءا خالصا. وبريق ارتفاعها هو في حد ذاته عتمة اتساعها التي تحتمي بها كل الأشياء. كما ان زرقة السماء الشهية هي لون العمق. وبريق السماء هو شروق وغروب الغسق الذي يلف كل ما نعرفه, هذه السماء هي المقياس. ولذلك يجد الشاعر نفسه مضطرا الى التساؤل: هل ثمة فوق الأرض مقياس؟

    ثم يجيب على مضض: "كلا ولا واحدا" لماذا؟ لأن معنى "فوق الأرض" لا يدوم إلا بدوام إقامة الانسان فوق الأرض ومن خلال هذه الاقامة يبقي على الأرض كما هي.

    لكن الاقامة لا تتحقق الى حين يظهر الشعر وينشر وجوده بالكيفية التي نقدمها الآن: أي كقياس للمقاسة. فهو نفسه المقياس المرتب بالمعنى الخالص للكلمة, وليس مجرد قياس بواسطة مساطر مرقمة لوضع التصاميم. كما أن الشعر هو أكثر من فعل بناء, اذا كان المقصود بالبناء تشييد عمارات وتجهيزها. وبمقدار ما يكون الشعر مقاسا يحقق بعد الاقامة فإنه سيكون هو "السكن" الأساسي. فالشعر هو الذي يوفر لإقامة الانسان كينونتها... وهو "الإسكان" الأصلي. وبذلك تكتسب عبارة "الإنسان يقيم بقدر ما يبني" معناها الحقيقي. لأن الإنسان لا يقيم حقا حين يقتصر على تنظيم مقامه في الأرض, تحت السماء, والاعتناء مثل فلاح بالأشياء التي تنمو, والانشغال في نفس الوقت بتشييد المباني, الانسان لا يستطيع البناء إلا إذا أقام بالطريقة التي يتخذ بها الشاعر المقاس, والإقامة الحقيقية تتوفر حيثما يوجد الشعراء, ويوجد من يضبطون المقاس للهندسة المعمارية وبناء السكن.

    في الثاني عشر من مارس 1804 كتب هولدرلين من Nitrtingen الى صديقه "ليوفون سيكندورف" رسالة جاء فيها:: "إن الحكاية كرؤية شعرية للتاريخ ولهندسة السماء المعمارية هي في الوقت الحالي شغلي الشاغل والجرماني بوجه خاص, لأنها تختلف عن الحكاية الاغريقية".

    شعريا يقيم الانسان

    الشعر يشيد كينونة السكن. والشعر والسكن لا يتنافيان. بل انهما يتعاضدان ويستدعي أحدهما الآخر بالتناوب. "شعريا يقيم الانسان", ونحن؟ هل نقيم شعريا؟ نحن نقيم, على وجه الاحتمال, بدون شعر. وإذا كان الأمر كذلك أفلا يعني هذا أن كلام الشاعر واثق من خطئه؟ كلا. لأن صحة كلامه مؤكدة بكيفية أقل اقناعا. ولأن الاقامة لا يمكن أن تكون لا شعرية إلا إذا كانت شعرية في الأصل. ولكي يكون الانسان أعمى ينبغي أن يكون مبصرا قبل ذلك. فقطعة الخشب لا يمكن أبدا أن تصير عمياء. لكن حين يصبح الانسان أعمى يجوز لنا أن نتساءل عما إذا كان عماه ناجما عن خصاص وفقدان أم عن فيض وزيادة.

    يقول هولدرلين في نفس القصيدة التي يتروى فيها مقاس كل قياس:

    "ربما كانت للملك أوديب عين زائدة". إذن, من الممكن أن تكون اقامتنا بدون شعر, وعجزها عن اجراء القياس, نابعين من افراط غريب ومغالاة في القياس والحساب.

    هل نقيم نحن بطريقة لا شعرية؟ كيف ذلك؟ هذا ما لا نستطيع في كل الحالات معرفته بالتجربة إلا إذا أدركنا معنى الشعر. هل يؤثر فينا هذا القلب Renversement بهذه الكيفية اللاشعرية؟

    لا يمكننا توقع ذلك إلا إذا ما ترسخ في ذهننا ما هو شعري. وكيف يمكن لعملنا ولا علمنا أن يكون لهما نصيب في هذا القلب؟ وفي أي نطاق؟ نحن وحدنا قادرون على اثبات ذلك إذا ما أدركنا أهمية الشعر.. الشعر هو القوة الاساسية للاقامة الانسانية. لكن الانسان لا يمكنه أن يكون شاعرا إذا لم يكن قادرا على حب الانسان وصون وجوده.

    ولذلك لا يظهر الشعر الحقيقي في كل الحقب.
    متى يعيش الشعر الحقيقي بيننا؟ وكم الوقت يدوم ذلك؟

    هذا ما يجيبنا عنه هولدرلين في المقطع الشعري الذي قرأناه أعلاه, فلنصغ إليه مجددا:

    طالما سكن الود الخالص
    قلب الانسان
    أسعفته النباهة
    على أن يقيس نفسه بالآلهة

    و"الود" ما معناه؟ انه كلمة غير مؤذية, لكن هولدرلين يلحق بها نعت "الخالص" وقد نقل الشاعر كلمة "الود" عن اليونانية.

    يقول سوفوكل في قصيدة :"Ajax"

    "الرعاية تجلب أختها دائما"

    بدوام الرعاية يدأب الانسان على مقارنة نفسه بالآلهة.

    وحين, يحدث مثل هذا القياس يصبح الانسان شاعرا, انطلاقا من وجود الشعر ذاته. وعندما يظهر الشعر يقيم الانسان فوق الأرض إنسانيا. وساعتها كما يقول هولدرلين في قصيدته الأخيرة "تكون حياة الناس حياة مقيمة HABITANTE

    مجلة (نزوى)
     

  2. MAHMOUD9

    MAHMOUD9 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏3 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    2.343
    الإعجابات المتلقاة:
    192
      26-11-2007 13:20
    الف شكر اخي مجدي و لك 10+ نقاط من اخوك محمود
     
  3. sat200

    sat200 صديق المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏30 جوان 2007
    المشاركات:
    4.452
    الإعجابات المتلقاة:
    9.940
      27-11-2007 14:06
    [​IMG]
     
جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
الشعر... ‏30 مارس 2016
قصيدة "أحبكِ" (محاولة في الشعر الحر) ‏2 جوان 2016
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...