الوسطية في ميزان العقل والنقل (4)

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏8 ديسمبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      08-12-2007 23:41
    :besmellah1:


    الوسطية في ميزان العقل والنقل (4)


    مناقشة عقلية (2)



    الكاتب: ياسين بن علي



    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه



    مشكلة الأطراف

    إن بحث التوسط والوسطية لا ينفصل عن بحث الأطراف؛ لأن التوسط هو نتاج الجمع بينها ويتولد عنها من خلال عملية تأليفية. وتحديد الأطراف التي يتسنى التوسط بينها هو معضلة الوسطية ومشكلتها الكبرى.

    والطرف، هو ناحية الشيء وجانبه وحرفه. والأصل في وضعه حدّ الماديات وقياسها ثمّ استعير للمعنويات. والخطأ في هذه الاستعارة أو بالأحرى في تعميم هذه الاستعارة وإطلاقها، يكمن في الآتي:



    أولا: عدم دقّة الأطراف المعنوية وبالتالي عدم دقّة التوسّط. ذلك أنّ التوسط ينتج عن الطرفين. ففي حالة عدم دقّة تحديد الطرفين، يصعب تحديد الوسط. وعليه فإنّ المشكلة عند أصحاب الوسطية هي عدم قدرتهم على تحديد الأطراف حتّى يتسنى لهم التوسط. والمثال على ذلك: المثالية والواقعية. فما المقصود بهما؟

    إذا عمّمنا اللفظ وأطلقناه، جانبنا شرط الوسط والطرف من حيث الدقّة في التحديد. وإذا نحن حصرنا اللفظ في مفهوم جانبنا شرط المقياس والطرح من حيث الشمول.

    إنّ عدم توفّر شرط الدقّة في الأطراف المعنوية، أوقع أصحاب الوسطيّة في تناقضات كثيرة. ومثال ذلك أن الأصل في الطرف أنّه طرف، لا وسط ولا طرف له، وإلاّ لما كان طرفا. غير أنّ مشكلة عدم توفّر الدقّة في تحديد الطرف والطرف المضادّ، دفعت بأصحاب الوسطية إلى الانتقائية في تحديد المفاهيم كي يتسنى لهم التوسط المزعوم. فقالوا: "الإسلام وسط في الأخلاق بين غلاة المثاليين الذين تخيّلوا الإنسان ملاكا أو شبه ملاك، فوضعوا له من القيم والآداب ما لا يمكن له.. وبين غلاة الواقعيين، الذين حسبوه حيوانا أو كالحيوان، فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به... وكانت نظرة الإسلام وسطا بين أولئك وهؤلاء".(1) فهذا القول لأصحاب الوسطية ينطوي على خطأين هما:

    الأول: أنّ الطرف طرف لا وسط له ولا طرف وإلاّ لما كان طرفا. وقول أصحاب الوسطية: "غلاة المثاليين وغلاة الواقعيين"، يجعل للطرفين "المثالية" و"الواقعية" طرفا ووسطا. الثاني: إذا كان هناك من غالى في المثالية، فمعناه هناك من قصّر فيها، وإذا كان هناك من غالى وقصّر فيها، فهناك من اعتدل. وكذلك الشأن بالنسبة للواقعية. فلماذا جعل أصحاب الوسطية الإسلام بين غلوين ولم يجعلوه بين تقصيرين أو اعتدالين؟ ما هي القاعدة في ذلك؟ ليس هناك من قاعدة إلا الانتقائية ليستقيم ميزانهم وتنضبط قاعدتهم.



    ثانيا: الطرف – كما قلنا وكما هو في واقعه – جانب الشيء وناحيته وحرفه. وبما أنّه جانب الشيء فهو من الشيء وإلاّ لما عدّ طرفا له. غير أنّ أصحاب الوسطية لم يلتزموا بواقع هذا الأمر ولم يتفطّنوا له، الأمر الذي أوقعهم في التناقض الفاحش والخطأ الفادح.

    من ذلك قولهم عن الفكر الوسطي: "تتميّز وسطية هذا الفكر في موقفه المعتدل من قضايا كبيرة مهمّة: فهو وسط بين دعاة المذهبية الضيّقة، ودعاة اللامذهبية المنفرطة".

    هذا الكلام يناقض بعضه بعضا. ذلك أنّ الطرف بعض الشيء وجزء منه. فإذا نظرنا إلى المذهبية واللامذهبية كطرفين، فلا بدّ أن ننظر إلى الشيء الواحد الذي هما طرفاه. وهذا الشيء هو الإسلام. وبما أنّ المذهبية واللامذهبية طرفا الإسلام، فهما منه. فنحن حينما نثبت أنّ الشيء طرف من الشيء، فمعناه أنّه منه أصالة فهو يرتبط به ارتباطا عضويا، وإلاّ لما كان طرفه. كقولنا عن سطر إنّ مبتداه الواحد ومنتهاه العشرة. فالواحد كطرف من السطر يرتبط به ارتباط حتميا. وعليه فإنّ قولنا عن المذهبية واللامذهبية إنّهما طرفان، معناه أنّهما من الإسلام. فنكون حين التوسط قد أثبتنا للإسلام الشيء ونقيضه وما بينهما. كما أننّا – حين التوسط أيضا – نفينا ما أثبتناه له من طرفين، ولم نعتبرهما منه.

    قد يقال: ليس المقصود هنا البحث في طرفي الإسلام، لأنّ الإسلام يرفض الطرف. إنما المقصود البحث في قضية المذهبية واللامذهبية ورأي الإسلام فيها.

    والجواب هو: واقع الوسطية أنّها نتاج الطرفين. فإذا كان الطرفان من غير الإسلام فإنّ الوسطية التي هي نتيجة التعادل بين الطرفين، ليست من الإسلام. وإذا كان الطرفان من الإسلام، فقد سبق الجواب على هذا.

    وما قيل هنا عن مسألة المذهبية واللامذهبية يقال عن غيرها من المسائل التي قد تؤدي بنا إلى طامات كبيرة، كمثل قولهم: "عقيدة الإسلام في الألوهية وسط بين التجسيد والتجريد". فهذا القول قد يجعل التجسيد والتجريد من الإسلام؛ لأن الطرف بعض الشيء وجزء منه.



    ثالثا: لما كانت الأطراف غير قابلة للتحديد الدقيق، فإن نسبة الوسط إلى الإسلام مسألة نسبية غير دقيقة. وكل ما كان من باب النسبي احتمل الاختلاف وقبل التعدّد. ولذلك فإن القول بمقياس الوسطية سيدخلنا في دوامة التعدد والاختلاف. ومثال ذلك: فإن الأشاعرة يقولون بوسطيتهم في الاعتقاد، وكذلك "السلفية" يقولون بوسطيتهم في الاعتقاد. فمن يمثّل الوسطية الدقيقة ومن يعبّر عن الوسط الذهبي؟ فهذا الاختلاف إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على عدم صلوحية مقياس الوسطية لفضّ النزاعات وإبراز صورة دقيقة عن الإسلام.



    رابعا: ليس بالضرورة أن تكون هناك علاقة بين الأطراف ليجمع بينها، ويؤخذ بوسطها الذهبي. فغالب الأمور تتطلب التطرف في تحديد الموقف لأنها ثنائيات متعارضة غير مرتبطة بخط جامع بينها، فلا وسط بينها، كالخير والشر والحقّ والباطل. وفي هذا يقول الدكتور يحي هاشم فرغل: "وفي رأينا: أن الجمال أو الخير أو الحق أو الإسلام لا يمكن أن يكون جامعا بين أمرين كلاهما قبح أو شر أو باطل أو كفر. ولا يمكن أن يكون محض نقص في أمر هو قبح أو شر أو باطل أو كفر. ولا يمكن أن نطبق عليه مبدأ الجدلية المادية القائلة بتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية أو كيفية. ولا يمكن أن يكون نقطة في خط ممتد كله باسم القبح ما عدا هذه النقطة، أو ممتد كله باسم الشر ما عدا هذه النقطة، أو ممتد كله باسم الباطل ما عدا هذه النقطة، أو ممتد كله باسم الكفر ماعدا هذه النقطة. وإنما هو جوهر مختلف اختلافا ذاتيا. يمكن أن نصفه بأنه مركب من عناصر ذاتية. ويمكن أن نصفه بأنه مبرأ من عناصر غيرية. ولكن لا يمكن أن نصفه – كما هو الذهب - بأنه الجوهر الذي ينقصه العفن، أو أنه هو الجوهر المركب من التراب على يساره والعفن على يمينه، أو أنه نقطة بين التراب والعفن. كلا.

    إن الشجاعة التي يقولون عنها إنها وسط بين التهور والجبن: ليس فيها شيء من التهور أو من الجبن، ولا هي نقطة بينهما، ولا يمكن أن نطبق عليها مبدأ الجدلية المادية القائلة بتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية أو كيفية، إنها تختلف جوهريا عن كل ما حواليها. إن الشجاعة مركبة؟ ربما، ولكن المؤكد أنها ليست مركبة من أضدادها، ولا من يمين ويسار، إنها مركبة من مجموعة من الفضائل، ربما، وقد نقترح أن تكون مركبة من الروية في التفكير، والاستعداد للتضحية، والإيمان بالهدف، والتشبع بالمروءة … هي بذلك جوهر مختلف عن جوهر الجبن، وهي بذلك أيضا جوهر مختلف عن جوهر التهور...".(2)



    يتبع إن شاء الله تعالى

    28 ذو القعدة 1428هـ



    __________________________________

    (1) ينظر (الخصائص العامة)، للشيخ القرضاوي، ص126

    (2) من مقال له بعنوان: (الوسطية بين مخافتين: التطرف والتمذهب 1\2)، نشر بموقعه.
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...