1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

لطيفة.. فراشة تونس التي رفرفت ولم تحترق

الموضوع في 'أرشيف المنتدى العام' بواسطة cortex, بتاريخ ‏9 ديسمبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. cortex

    cortex كبير مراقبي منتدى الأخبار الطبيّة والصحيّة الحديثة طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    6.981
    الإعجابات المتلقاة:
    5.044
      09-12-2007 13:35
    ابنة مدينة الخصب التي تلألأت في سماء الأغنية العربية


    صوتها دعوة مفتوحة للحياة، وحياتها مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات، نزلت ضواحي العاصمة التونسية من مدينة باجة المعروفة بخصبها، بقمحها ولبنها، باجة التي تعد «مطمور تونس» بلا منافس. كانت فتاة حالمة بالأضواء، وتمكنت خلال فترة وجيزة من إدارة كل الأضواء نحوها. انطلقت حياتها البسيطة بين عائلة تضم ثمانية إخوة، ومع ذلك شقت طريقها بكل ثبات. طريقها لم يكن معبدا كما يظن البعض، بل إنها كافحت، كما الكثير من الفنانين، تفاءلت أحيانا، وتشاءمت أحيانا أخرى.

    ولدت لطيفة بنت عليه العرفاوي، في منطقة سيدي عمر، منوبة، في 14 فبراير (شباط) 1960، بين بساتين الياسمين والفل بضواحي العاصمة التونسية في محيط معروف بطبيعته الخلابة، فمدينة منوبة اتخذها بايات تونس (الحكام في العهد العثماني) مجالا للسكن من بين مناطق قليلة في تونس استرعت انتباههم.

    فتحت عينيها على بياض حيطان المنازل المنتشرة هنا وهناك، ترعرعت بين أختين وخمسة إخوة، منذ الصغر كانت تميل إلى الفن والغناء، فانضمت منذ نعومة أظافرها الى «كورال» الأطفال بمدرسة سيدي عمر الابتدائية، وواصلت النشاط والحيوية في المرحلة الثانوية، واستقطب معهد خزندار جانبا مهما من إمكانياتها وعرف بصوتها الذي شد انتباه أساتذتها في تلك الأثناء. ولم يكن يدر بخلد أولئك أن تخطو لطيفة كل تلك الخطوات فتسافر إلى القاهرة في رحلة مازالت تمثل للكثير من الفنانين التونسيين شيئا أشبه بالمغامرة غير محسوبة العواقب. ولكن لطيفة كان بداخلها نداء غريب لا يسمع معانيه غيرها، لذلك ذهبت مباشرة إلى الهدف ولم تترك ولو مقدار أنملة للفشل. هل كانت تسكنها روح المغامرة أكثر من أبناء جيلها؟ هل دخلت القاهرة في الظرف الزمني المناسب؟ هل كان نجاحها سهلا؟ ما الذي جعل كبار الملحنين والشعراء يتلقفون صوتها؟

    حينما بدأت الغناء كونت ثنائي «لطفي ولطيفة»، ولطفي هو أخوها، لكن هذه الرابطة سرعان ما انفضت وذهب لطفي بعيدا عن الفن، واتخذت لطيفة سكة الفن ولم تتراجع.

    لقد كانت الصدفة وحدها ـ وربما الحظ ـ هو الذي قادها للتعرف على الفنان التونسي الكبير علي السريتي، الذي تبنى موهبتها وأخضعها لدروس في الموسيقى والعزف على العود وذلك في الفترة المسائية وبعد الانتهاء من دروس الثانوي.

    وخلال فترة الدراسة الثانوية، كانت لطيفة تتلقى دروسا في معهد للموسيقى بشارع باريس، وهو مقر المعهد الأعلى للموسيقى حاليا. وسننتظر عام 1978، لنقف على نتائج تلك التدريبات، إذ حصلت ضمن برنامج «نادي المواهب» على جائزة أفضل موهبة، ورشحتها بعد ذلك وزارة الثقافة التونسية لتمثيل تونس في المهرجان العربي الثالث في العراق، وقدمت أغاني تونسية وأطلعت الحاضرين على قدراتها الصوتية والمساحات التي بإمكانها تغطيتها وذلك بأدائها لأغنية «أنا في انتظارك» لام كلثوم واقتنع الحضور بحسن أدائها.

    ولم تنتظر لطيفة كثيرا، ففي عام 1983 حطت الرحال في القاهرة في رحلة سياحية غرضها الأساسي إخراج والدتها من حالة الحزن التي رافقتها بعد رحيل رفيق دربها، ومرة أخرى يلعب الحظ دوره من جديد في مسيرة لطيفة، فقد تعرفت خلال هذه الرحلة على كبار الشعراء والملحنين، فقد دعاهم نجل الموسيقار الكبير الراحل محمد عبد الوهاب إلى مأدبة عشاء في داره وذلك لمعرفته السابقة بأحد أصدقاء لطيفة، وكانت الفرصة الذهبية التي لم تتركها لطيفة تمر من دون أن تثبت للحاضرين مدى ما تختزنه من قدرات صوتية، فغنت خلال السهرة لأم كلثوم وليلى مراد وأسمهان.

    وخلال آدائها أغاني «افرح يا قلبي» و«ح قابلو بكرة» حضر الموسيقار بليغ حمدي، فاستمع لأدائها، وقبل أن تكمل أغانيها، اتصل بالشاعر الغنائي الراحل عبد الوهاب محمد يدعوه للحضور بسرعة.

    وبعد الاستماع لصوتها، رجاها الجميع للقدوم إلى القاهرة والاستقرار بها، إلا أن الظروف لم تكن مناسبة، فالإمكانيات المادية كانت متواضعة ولا تكفي للاستقرار بالقاهرة والإنفاق على دراستها وعلى مرافقيها.

    ولكن تلك الزيارة كانت بمثابة بالون الاختبار الذي أطلقته لطيفة للتعرف على الأجواء العامة ودرجة القبول هناك، لذلك رجعت إلى تونس وهي تضمر في نفسها الرجوع بسرعة إلى «هوليوود الشرق».. فمن «شرب من نيلها يعد لها» على حد تعبير المصريين.

    وكان بليغ حمدي المعروف بتبنيه للعديد من الأصوات المقبلة إلى مصر أول المشجعين للطيفة إلى جانب الشاعر عبد الوهاب محمد، وكان على لطيفة اجتياز امتحان قبل الالتحاق بمعهد الموسيقى، فوجدت أمامها 150 طالبا من مختلف البلدان العربية، ووجدت نفسها تغني أمام رتيبة الحفناوي وليندا فتح الله وحسين جنيديف، فأعادت أداء أغاني «ح قابلو بكرة» و«افرح يا قلبي» وهي التي أعجب بها الموسيقار بليغ حمدي، فصفقت لها رتيبة حنفي وهمست لها قائلة: «أول مرة أسمع أسمهان بتغني أم كلثوم».

    وتتواصل لطيفة الرحلة الطويلة وتفرح لكلمات بليغ حمدي حين يقول لها: «برافو لطيفة.. ظني فيك لن يخيب أبدا.. أنا متأكد من نجاحك». في حياة لطيفة النجاح يجلب النجاح، فقد تعرفت في بداية استقرارها في القاهرة الى الموسيقار عمار الشريعي، وهو الذي لحن لها ألبوم «أكثر من روحي بحبك» من كلمات الشاعر عبد الوهاب محمد، وكان هذا الألبوم الجواز الذي أدخل رسميا لطيفة إلى الساحة الغنائية العربية، وبواسطة أغانيه وصلت إلى المستمع المصري والعربي.

    وأدت قبل ذلك أعمالا موسيقية لسيد مكاوي وبليغ حمدي ومحمد الموجي وجمال سلامة، ولم تقف القاطرة عند ذاك الحد، فقد أصبحت بفضل عائدات ألبومها الناجح شريكة بشركة ستوديوهات دارين، وهي التي أنقذتها من عقود الاحتكار الفني وأنتجت لها أغلب ألبوماتها. وصورت لطيفة أغنية «أوعى تغير» تلفزيونيا مع المخرج جمال عبد الحميد، التي لحن لها الموسيقار عمار الشريعي ألبومين آخرين هما «بالعقل كده» و«الغنوة».

    ولئن اندمجت لطيفة في الوسط الفني المصري لسنوات عدة، فإنها حاولت التواصل مع الوطن الأم، حيث قدمت بعض المقامات التونسية في أغنية «نار» كما قدمت الآلات الموسيقية التونسية في أغنية «همسولي» وقد أدمجتها مع المقامات المصرية.

    وجاء ألبوم «حبك هادي» ليمثل نقطة تحول في حياة لطيفة الفنية، حيث تعاملت من خلاله مع دفعة من الملحنين، ضمت صلاح الشرنوبي وزياد الطويل وخالد الأمير وخليل مصطفى. فيما كانت كلمات أغنية «حبك هادي» من تأليف الشاعر عبد الوهاب محمد، الذي كان قد كتبها في الأصل للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، ولحنها الموسيقار كمال الطويل. وهكذا تجتمع كل الظروف لدفع لطيفة إلى القمة، فهذه الأغنية بقيت في أدراج مكتب الموسيقار كمال الطويل لتحيا بعد وفاته بعد أن نفض عنها غبار النسيان ابنه زياد، ولتكون في نهاية المطاف من نصيب لطيفة.

    لطيفة كانت شرهة إلى حد كبير ولم يقف أي حاجز في طريقها، ذكاء في اقتناص الفرص ودهاء في ربط العلاقات والاستفادة منها. فعندما حلت ضيفة على فرقة أم كلثوم للموسيقى العربية وغنت أغنية «حيرانة ليه»، جلبت اهتمام موسيقار الأجيال، وبسرعة لم تترك الفرصة تمر لتربط الصلة به وتوطدها.

    ولكن لطيفة استطاعت التكيف مع كل الظروف والطقوس، فأدت الأغاني الطربية عندما كان للطرب مريدوه، ولكنها عدلت الأوتار ومالت إلى الأغاني الشبابية عندما أدركت أن السوق تتطلب ذلك، وأن شعار «الجمهور عاوز كده» أصبحت له الغلبة، حتى وان كانت لطيفة قد حافظت على مميزاتها في أغانيها الخفيفة. فلما تأكدت بحاستها السادسة أن نجم الفنان العراقي كاظم الساهر بدأ يسطع، سارعت إليه، فلحن لها أول أعماله من كلمات الشاعر عبد الوهاب محمد، الذي تربطها به صلة منذ قدومها إلى القاهرة، وكان كاظم يرغب في التعرف إليه.

    وغنت لطيفة أغنية وطنية مطلعها «أهيم بتونس الخضراء...» عام 1996، وخرج للنور ألبوم «ماوحشتكش» من ألحان كاظم الساهر وكلمات عبد الوهاب محمد، وفيه تم تقديم مزج مميز بين الأصالة العراقية عبر الألحان، وبحلو كلمات الشاعر المصري، وجمال أداء الصوت التونسي.

    ولا شك أن لطيفة كانت توظف الأطراف المحيطة بها أحسن توظيف: من الشعراء إلى الملحنين، والى المخرجين الذين تلتقي بهم، فصورت معظم أغاني ألبوم «ماوحشتكش» بطرق مختلفة ووجهات نظر متنوعة جمعت بين «مازن الحلبي» و«إيناس الدغيدي».

    واتجهت لطيفة إلى الشاعر الكبير نزار قباني وأدت من كلماته قصيدة «القدس» التي صورتها في الجولان السوري والجنوب اللبناني وأمام مبنى الأمم المتحدة بنيويورك، وبذلك تكون لطيفة حاضرة بانتظام في كل الأحداث التي تعرفها المنطقة العربية.. وهي بحدسها الفطري تدرك أهمية تلك الأحداث ومدى تأثيرها في الشارع العربي وهي وفية لهذا الشارع.

    وبعد سنوات قضتها مع ألحان كاظم الساهر، هاهي لطيفة تخرج مرة أخرى عن الطوع وتذهب بالتجربة بعيدا، فتقوم سنة 2004 ببطولة مسرحية «حكم الرعيان» وهي تدرك تماما أن التعاون مع الرحابنة سيدخلها في مرحلة جديدة وتجربة مختلفة، فهي هذه المرة تتعامل مع منصور الرحباني ومروان الرحباني وأسامة الرحباني وعدي الرحباني، وتلك أمنية من أمنيات لطيفة منذ التسعينات حققتها بعد سنوات.

    ولم تقف الحياة الفنية للطيفة عند هذا الحد، بل إنها اتجهت هذه المرة نحو إلى المخرج السينمائي يوسف شاهين ومثلت معه في فيلم «سكوت حنصور» وإن كانت تجربتها تلك بقيت بين اخذ ورد، فإن ذلك لا يمنع لطيفة من القول إنها أثرت حياتها الفنية في كل الاتجاهات ولم تترك «نصف فرصة» إلا وحولتها إلى فرصة كاملة، مما جعل مسيرتها تعرف زخما حقيقيا قلما نجده لدى غيرها من بنات جيلها وهو ما أثار غيرة الكثير منهن.

    لقد عرفت لطيفة كيف تعيش بالفن وللفن فأعطته من روحها ومن دمها، فرد الجميل بأحسن منه، ولكن حين نقرأ تصريحاتها وإقرارها بالفشل الاجتماعي، نتأكد أن الصورة غالبا ما تكون غير مكتملة، فحلم الزواج والأمومة يراودها ككل فتاة عربية، ولكن.. على من سترضى لطيفة.



    :ahlan::ahlan:
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...