التّوجيهات المعتمد في البرامج الرسميّة لدراسة المنزع العقلي

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة حمزة سديرة, بتاريخ ‏13 ديسمبر 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      13-12-2007 09:31
    التّوجيهات المعتمدة في البرامج الرسميّة لدراسة المنزع العقلي في الأدب العربي مختارات من"الرّسائل "و"الحيوان" للجاحظ:
    يتمّ الاهتمام في تبيّن الخصائص الفنّيّة بالحجاج خاصّة وذلك بالنّظرفي:
    *بنية النّص الحجاجي.
    *تنظيمه.
    *سيرورته (الحجج وأنواعها،الأمثلة ومصادرها).
    يتمّ الاهتمام في كتابات الجاحظ بالمنهج العلميّ وتجلّيات الفكر الاعتزالي في مجالي اللّغة والأدب:
    *في المنهج العلميّ:بالموضوعيّة،الشكّ،التّجربة ومقوّماتها كالملاحظة والاستقراء والموازنة والتّرتيب والتّعديل والتّجريح والاستنباط...
    *في تجلّيات الفكر الاعتزالي:بكيفيّة الاستدلال على بعض المسائل الفكريّة والكلاميّة بالحجج العقليّة (النّقد،الشكّ،الجدل،الاستقراء..........)

    هذه الخطوط العريضة الّتي اعتمدتها الوزارة لدراسة هذا المحور.....................لكن نحن التّلاميذ يجب علينا التّوسّع في دراسة هذه العناوين........................
     
  2. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      13-12-2007 10:16
    هو الجاحظ.‏

    اسـمه ونسـبه‏

    هو عمرو بن بحر الكناني البصري المكنَّى بأبي عثمان، كان ثَمَّةَ نتوءٌ واضحٌ في حدقتيه فلقب بالحدقي ولكنَّ اللقب الذي التصق به أكثر وبه طارت شهرته في الآفاق هو الجاحظ، وقد بذل من المساعي أعزَّها وأجلَّها كيما يمحو هذا اللقب الذي كان ينفر منه عنه، ولكنَّه عبثاً كان يحاول ذلك الذي لم يؤت له.‏

    أما ولادته فلم تعرف بالضَّبط مَتَى كانت، فعلى الرَّغْمِ من أنَّ ياقوت الحموي أورد أنَّ الجاحظ قال: «أنا أسنُّ من أبي نواس بسنة، ولدت في أول خمسين ومئة، وولد في آخرها» فإنَّ هناك من يصرُّ على تواريخ أُخْرَى، فمنهم من ذهب مع القول السَّابق، ومنهم من قال إنَّما ولادته كانت سنة 155 هـ، وجعلها بعضهم سنة 159 هـ، ولكنَّ جلَّ الباحثين قالوا: إنَّ تاريخ ميلاده الصَّحيح هو عام 160هـ أما وفاته لم نجد من يشكَّ في أنَّها كانت بالبصرة سنة 255 هـ /896م.‏

    وكما اختلفت أقوال المؤرِّخين في تاريخ الولادة، فقد تباينت الآراء كذلك في تحديد أصله؛ فمن ذاهبٍ إلى أنَّه عربيٌّ صرفٌ من بني كنانة، وكنانة عربيَّة الأصل، ترجع إلى مُضَر، ولذلك نُعِتَ الجاحظ أيضاً بالكناني. وذهب آخرون إلى أنَّه من الموالي، أعجميُّ الأصل أو متحدِّرٌ من الزِّنج. ومهما يكن من أمر مشكلة أصل الجاحظ فإنَّها غيرُ ذاتِ شأنٍ يذكر أو يستحقُّ إثارة البحث فيها هنا على الأقل لأن لهذا الأمر شأناً آخر، ولأنَّ ذلك من ناحيةٍ أخرى لن يغيِّر أو يؤثِّر في شيءٍ، أو أنَّه لن يقود البتة إلى تغيير نظرتنا فيه، فولاؤه للعروبة أشدُّ وضوحاً من الشَّمس في رابعة النَّهار، وانتماؤه إلى العروبة واضحٌ في كتاباته هو ذاته وخاصَّةً منها ما يتعلَّق بردِّه على الشُّعوبيَّة وتفنيد حججهم وادِّعاءاتهم.‏

    ثقافته :‏

    كان للجاحظ منذ نعومة أظفاره ميلٌ واضحٌ ونزوعٌ عارمٌ إلى القراءة والمطالعة حَتَّى ضَجِرَتْ أُمُّهُ وتبرَّمت به. وظلَّ هذا الميل ملازماً لـه طيلة عمره، حتَّى إنَّه فيما اشتُهِرَ عنه لم يكن يقنع أو يكتفي بقراءة الكتاب والكتابين في اليوم الواحد، بل كان يكتري دكاكين الورَّاقين ويبيت فيها للقراءة والنَّظر ويورد ياقوت الحموي قولاً لأبي هفَّان ـ وهو من معاصريه ومعاشريه ـ يدلُّ على مدى نَهَمِ الجاحظ بالكتب، يقول فيه: «لم أر قطُّ ولا سمعت من أحبَّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنَّه لم يقع بيده كتاب قَطُّ إلا استوفى قراءته كائناً ما كان»ولا عَجَبَ إذ ذاك في أن يُفْرِد الصَّفحات الطِّوال مرَّات عدَّة في كتبه، للحديث عن فوائد الكتب وفضائلها ومحاسنها. والحقُّ أنَّه «كان أشبه بآلة مصوِّرةٍ، فليس هناك شيءٌ يقرؤه إلاَّ ويرتسم في ذهنه، ويظلُّ في ذاكرته آماداً متطاوله».‏

    ولكن الجاحظ لم يقصر مصادر فكره ومعارفه على الكتب، وخاصَّةً أنَّ ذلك عادةٌ مذمومةٌ فيما أخبرنا هو ذاته وأخبرنا كثيرون غيره، إذ العلم الحقُّ لا يؤخذ إلا عن معلم، فتتلمذ على أيدي كثيرٍ من المعلمين العلماء واغتنى فكره من اتصاله بهم، وهو وإن لم يتَّفق مع بعضهم أو لم يرض عن فكرهم فإنَّهُ أقرَّ بفضل الجميع ونقل عنهم وذكرهم مراراً بين طيات كتبه.‏

    لقد تكوَّنَتْ لدى الجاحظ ثقافةٌ هائلةٌ ومعارفُ طائلةٌ عن طريق «التحاقه بحلقات العلم المسجديَّة التي كانت تجتمع لمناقشة عددٍ كبيرٍ وواسعٍ من الأسئلة، وبمتابعة محاضرات أكثر الرِّجال علماً في تلك الأيَّام، في فقه اللغة وفقه النَّحو والشِّعر، وسرعان ما حصَّل الأستاذيَّة الحقيقيَّة في اللغة العربيَّة بوصفها ثقافةً تقليديَّة، وقد مَكنَّهُ ذكاؤُه الحادُّ من ولوج حلقات المعتزلة حيث المناقشات الأكثر بريقاً، والمهتمَّة بالمشكلات الَّتي تواجه المسلمين، وبالوعي الإسلامي في ذلك الوقت»‏

    ونظراً لسعة علمه وكثرة معارفه وَصَفَهُ ابن يزداد بقوله: «هو نسيج وَحْدِهِ في جميع العلوم؛ علم الكلام، والأخبار، والفتيا، والعربيَّة، وتأويل القرآن، وأيَّام العرب، مع ما فيه من الفصاحة».‏

    وإن كان معاصرو الجاحظ من العلماء، على موسوعيَّة ثقافتهم، أقرب إلى التَّخصص بالمعنى المعاصر، فإن «تردُّد الجاحظ على حلقات التَّدريس المختلفة قد نجَّاه من عيب معاصريه ذوي الاختصاص الضَّيِّقِ. فهو بدرسه العلوم النقليَّة قد ارتفع فوق مستوى الكُتَّاب ذوي الثَّقافة الأجنبيَّة في أساسها القليلة النَّصيب من العربيَّة وغير الإسلاميَّة البتَّة»، ولذلك «لم يكتف بالتردُّد على أوساطٍ معيَّنةٍ بغية التَّعمق في مادَّة اختارها بل لازمَ كلَّ المجامع، وحضر جميع الدُّروس، واشترك في مناقشات العلماء المسجديين، وأطال الوقوف في المربد ليستمع إلى كلام الأعراب، ونضيف إلى جانب هذا التكوين، الذي لم يعد لـه طابع مدرسي محدود، المحادثات التي جرت بينه وبين معاصريه وأساتيذه في مختلف المواضيع»‏

    أما أساتذة الجاحظ الذين تتلمذ عليهم وَرَوَى عنهم في مختلف العلوم والمعارف فهم كثيرون جدًّا، وهم معظم علماء البصرة إبَّان حياته، المظنون أنَّ الجاحظ لم ينقطع عن حضور حلقاتهم. ولكنَّ مترجميه يكتفون بقائمةٍ صغيرةٍ منهم غالباً ما تقتصر على العلماء الأَجِلَّة المشهورين. ومهما يكن من أمر، وبناءً على بعض المصادر، نستطيع القول: إنَّ أهمَّ هؤلاء الأساتذة هم"‏



    ـ في ميدان علوم اللغة والأدب والشِّعر والرِّواية: أبو عبيدة معمر بن المثنَّى التميمي والأصمعي وأبو زيد بن أوس الأنصاري ومحمد بن زياد بن الأعرابي وخلف الأحمر وأبو عمرو الشَّيباني وأبو الحسن الأخفش وعلي بن محمد المدائني.‏

    ـ في علوم الفقه والحديث: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي ويزيد بن هارون والسري بن عبدويه والحجَّاج بن محمد بن حماد بن سلمه بالإضافة إلى ثمامة بن الأشرس الذي لازمه الجاحظ في بغداد.‏

    ـ في الاعتزال وعلم الكلام: أبو الهذيل العلاَّف والنَّظَّام ومويس بن عمران وضرار بن عمر والكندي وبشر بن المعتمر الهلالي وثمامة بن أشرس النُّميري. وأحمد بن حنبل الشيباني.‏

    وثَمَّةَ علماء ومفكرون آخرون لا تقلُّ أهمِّيَّتهم عن هؤلاء، والجاحـظ ذاته لم يَغفل عن ذكر معظمهم.‏

    وإذا ما أضفنا إلى ذلك أصالة الجاحظ ونبوغه وألمعيَّته واتِّقاد قريحته، وجليل إسهامه وإبداعاته وجدناه يستحقُّ بجدارةٍ كاملةٍ كلَّ ما قاله فيه مريدوه ومحبُّوه والمعجبون به من تقريظاتٍ ساحرةٍ باهرةٍ، تكاد تبدو لمن لم يطَّلع على آثار الجاحظ وحياته وفكره أنَّها محض مبالغات. ومما أورده ياقوت الحموي، ويوجز فيه لنا ما سبق بلفظٍ أنيقٍ وتعبيرٍ رشيقٍ قولـه: «أبو عثمان الجاحظ، خطيبُ المسلمين، وشيخُ المتكلِّمين، ومَدْرَهُ المتقدمين والمتأخِّرين. إن تكلَّم حكى سحبان في البلاغة، وإن ناظر ضارع النَّظَّام في الجدال، وإن جدَّ خرج في مسك عامر بن عبد قيس، وإن هَزَلَ زاد على مزبد، حبيب القلوب، ومزاج الأرَّواح، وشيخ الأدب، ولسان العرب، كتبه رياضٌ زاهرةٌ، ورسائله أفنانٌ مثمرةٌ، ما نازعه منازعٌ إلا رشاه أنفاً، ولا تعرَّض لـه منقوصٌ إلا قدَّم لـه التَّواضع استبقاءً. الخلفاء تعرفه، والأمراء تصافيه وتنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصَّة تسلِّم له، والعامَّة تحبُّه. جَمَعَ بَيْنَ اللسان والقلم، وبَيْنَ الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم، طال عمره، وفشت حكمته، وظهرت خلَّته، ووطئ الرِّجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه".‏

    فلسـفته والاعتزال‏

    تلاقحت في ذهن الجاحظ أصالته المبدعة وقريحته المتَّقدة مع غزارة المعارف والآداب والعلوم التي استقاها من مناهل متعدِّدة الجوانب ومتباينة الاتِّجاهات، وأثمرت رؤيةً جاحظيَّةً، لمختلف هذه المعارف والآداب والعلوم. ولو أردنا تتبع كلَّ جوانب أصالته ومواقفه من كلِّ ما ذكرناه لطال بنا الأمر كثيراً وخرجنا عن صلب بحثنا، ولذلك سَنُعْرِضُ عن كثيرٍ من الجزئيات والأعراض، ونقتصر قَدْرَ المستطاع على أهمِّ ما امتازَ بهِ مَنْحَى الجاحظ الفكري والفلسفي وأَبْيَنِهِ.‏

    صحيحٌ أنَّ للفلسفة تعريفاتٍ متباينةً متباعدةً إلا أنَّ هذا الانشعاب ليس افتراقاً من غير ملتقى، ولا تنافراً من غيرما تجاذبٍ، وإنَّما ثَمَّةَ محاور محدَّدة تنتظم حولها كلُّ التَّعريفات مهما تباعدت مراميها وألفاظها المعبرة عنها. والحقُّ أنَّه وإن لم يدرج مؤرخو الفلسفة على إدراج الجاحظ ضمن الفلاسفة فإنَّهُ ليس من العسير وصفه بالفيلسوف الملهم إلا إذا أصررنا على التَّعامل مع الفلسفة التَّعامل النَّمطي الذي يمحو أيَّ إسهامٍ للعرب في الفلسفة. بل حَتَّى لو تعاملنا مع الفلسفة التَّعاملَ النَّمطيَّ الذي فرضه التَّأريخ الغربيُّ للتَّفلسف من خلال المعايير الغربيَّة فإنَّنا غير عاجزين عن تلمس ما يفسح في المجال بَيْنَ مقاعد الفلاسفة لمقعد جاحظيٍّ.‏

    وعلى أيِّ حالٍ لن نحاور أو نداور لعدِّ الجاحظ فيلسوفاً أَو لدحض مزاعم من يريدون إخراجه من قاعة الفلاسفة، فليس في ذلك أيَّةُ مشكلةٍ، لأنَّنا لا نستطيع أن ننكر البتَّة أنَّ الجاحظ قدَّم قراءاتٍ وأفكاراً فلسفيَّةً مهمَّةً وأغنى البحث الفلسفيَّ بمعالجاته لمختلف الموضوعات الفلسفيَّة؛ الفيزيائيَّة والميتافيزيائيَّة؛ فتحدَّث في الألوهيَّة والخلق والنبوَّة، والإنسان ومشكلاته الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة والجماليَّة والدِّينيَّة والنَّفسيَّة... وأضفى عليها من شخصيَّته وأسلوبه رونقاً وأَلْقاً خاصًّا، ووصل إلى نتائج إمَّا قديمةٍ ولكن بأسلوبه وطريقته ومنهجه، وإمَّا جديدةٍ لم يُسبق إليها، وهذه مسألةٌ يطول البحث فيها، على أنَّنا وإن لم نجد من اضطلع بهذه المهمَّة كاملةً فإنَّ كثيرين تطرَّقوا لفكر الجاحظ وكشفوا النِّقاب عن بعض ذلك، ولذلك نأمل إمَّا أن تتاح لنا فرصة العودة إلى هذه المهمَّة أو أن ينهض غيرنا بها، لأنَّها تستحقُّ أن يبذل من أجلها جهدٌ خاصٌّ، ومهما يكن من أمر فإنَّ ما قدَّمه أبو عثمان لا يقلُّ البتَّة عمَّا قدَّمه أيُّ فيلسوفٍ، ويكفينا لتأكيد جدارة الجاحظ بلقب (فيلسوف) ما سنعرض لـه من كونه صاحب اتِّجاهٍ معتزلي، إذ المعلوم أنَّ علماء الكلام كانوا فلاسفة في إطار خصوصيَّة الفلسفة العربيَّة، هذا من دون أن ننسى منهجه الفلسفي وروحه النَّقديَّة.‏

    يُعدُّ الجاحظ في رأي ج. دي بور مؤرِّخِ الفلسفة الإسلاميَّة «أعظم رجل أخرجته لنا مدرسة النَّظَّام»، ويُجمع مؤرِّخو الفِرَقِ الإسلاميَّة أمثال أبي الحسن الأشعري في كتابِه مقالات الإسلاميين، وابن المرتضى في كتابه طبقات المعتزلة، والشهرستاني في كتابه الملل والنِّحل، والمسعودي في كتابه مروج الذهب، وابن خلدون في مقدِّمته وغيرهم كثيرون من مؤرِّخي الفكر العربي والأدب العربي، على أنَّ الجاحظ أحد كبار شيوخ المعتزلة وصاحب فرقة من فرقهم هي التي دعيت بالجاحظيَّة وكان لها أنصار وأتباع.‏

    لم يفترق أبو عثمان عن المعتزلة في مبادئهم الرئيسة، المعروفة بالمبادئ الخمسة وهي: العَدْلُ، والتَّوحيد، والمنـزِلَة بَيْنَ المنـزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. ولكنَّه انفرد عنهم واستقل باتِّجاهه بمجموعةٍ من الآراء والمواقف الخاصة، وتَمثَّل ذلك بنظريته في المعرفة التي قادته إلى آرائه الخاصة في الله والنُّبوة والإمامة.‏

    من أهمِّ ما انفرد به قوله: «إنَّ المعارف كلَّها ضروريَّةٌ طباعاً، وليس شيءٌ من ذلك من أفعال العباد وليس للعباد كَسْبٌ سوى الإرادة، وتحصل أفعاله منه طباعاً كما قال ثمامة. ونُقل عنه أيضاً أنَّه أنكرَ أصلَ الإرادة، وكونها جنساً من الأعراض، فقال: إذا انتهى السَّهو عن الفاعل وكان عالماً بما يفعله، فهو المريد على التَّحقيق، وأمَّا الإرادة المتعلِّقة بفعل الخير فهو ميل النفس إليه، وزاد ذلك بإثبات الطَّبائع للأجسام كما قال الطَّبيعيون من الفلاسفة، وأثبت أنَّ لها أفعالاً مخصوصةً بها. وقال باستحالة عدم الجواهر، فالأعراض تتبدَّل، والجوهر لا يجوز أن يفنى».‏

    ويتابع ج.دي.بور اجتهاده في نظريَّة المعرفة قائلاً: «والإنسان عنده قادرٌ أن يعرف الخالق بعقله، وعلى أن يدرك الحاجة إلى الوحي الذي ينـزل على الأنبياء، وعنده أنَّ العالم الحقَّ يجب أن يضمَّ إلى دراسة علم الكلام دراسة العلم الطَّبيعي، وهو يصف في كلِّ شيء أفاعيل الطَّبيعة، ولكنَّه يشير إلى ما في هذه الأفاعيل من أثر خالق الكون».‏

    ومن ذلك أيضاً «قوله في أنَّ أهل النَّار لا يخلَّدُون فيها عذاباً، بل يصيرون إلى طبيعة النَّار. وكان يقول: النَّار تجذب أهلها إلى نفسها من دون أن يدخل أحدٌ فيها»، وهذا ما سيبني عليه الفلاسفة اللاحقون ما سمي مشكلة حشر الأرواح لا الأجساد التي كفَّرهم بها الإمام الغزالي في كتابه التهافت.‏

    وإذا كان مذهبه في إثبات القَدَرِ؛ خيره وشره من العبد، هو مذهب المعتزلة بإجماع مؤرِّخيه فإنَّ مذهبه في نفي الصِّفات هو مذهب الفلاسفة فيما رأى شفيق جبري الذي أضاف أنَّ الكعبي «حكى عنه في نفي الصِّفات أنَّه قال: يوصف البَّاري تعالى بأنَّه مريدٌ، بمعنى أنَّه لا يصحُّ عليه السَّهو في أفعاله، ولا الجهل، ولا يجوز أن يُغلبَ ولا أن يُقهرَ... ومن انتحل دين الإسلام، فإن اعتقد أنَّ الله تعالى ليس بجسمٍ ولا صورةٍ ولا يُرى بالأبصار، وهو عدل لا يجور، ولا يريد المعاصي، وبعد الاعتقاد والتبيين أقرَّ بذلك كلِّه، ثُمَّ جحده وأنكره،‏

    أَو دان بالتَّشبيه والجبر، فهو مشركٌ كافرٌ حقًّا. وإن لم ينظر في شيءٍ من ذلك، وَاعْتَقَدَ أَنَّ الله رَبَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، فهو مؤمنٌ لا لوم عليه، ولا تكليف عليه غير ذلك».‏

    وفي قلب هذه الرؤية الاعتزالية الواضحة التي كانت عماد الاعتزالية الجاحظيَّة وجزءاً صميماً من الفكر الاعتزالي في عمومه، كانت هناك بعض اللمسات الفلسفيَّة التي أفاد منها الفلاسفة اللاحقون عليه ونهلوا من معينها، ومنها ما تَمَّت الإشارة إليه، ومنها أيضاً على سبيل المثال فيما رواه الكعبي عنه أنَّهُ قال: «إنَّ الخلق كلَّهم من العقلاء، عالمون بأنَّ الله تعالى خالقهم، وعارفون بأنَّهم محتاجون إلى النَّبي، وهم محجوجون بمعرفتهم، ثمَّ هم صنفان؛ عالمٌ بالتَّوحيد وجاهلٌ به، فالجاهل معذورٌ، والعالم محجوجٌ...»فمثل هذا ما ذهب إليه معاصره الكندي والفلاسفة اللاحقون من حديثهم في الحاجة إلى النبوة والفطرة التي فُطِرَ عليها الخلق.‏

    منهجه العلمي‏

    انتـهج الجاحظُ في كتبه ورسـائله أسلوباً بحثيًّا أقلُّ ما يقال فيه إنَّهُ منهجُ بحثٍ علميٍّ مضبوطٌ ودقيقٌ، يبدأ بالشَّك لِيُعْرَضَ على النَّقد، ويمرُّ بالاسـتقراء على طريق التَّعميم والشُّـمول بنـزوعٍ واقعيٍّ وعقلانيٍّ، وهو «في تجربته وعيانه وسماعه ونقده وشكِّه وتعليله كان يطلع علينا في صورةِ العالم الذي يُعْمِلُ عقله في البحث عن الحقيقة»، ولكنَّه استطاع برهافة حسِّه أن يسبغ على بحثه صبغة أدبيَّةً جماليَّة تُضفي على المعارف العلميَّة رواءً من الحسن والظَّرْف، يرفُّ بأجنحته المهفهفة رفيف العاطف الحاني على معطيات العلم في قوالبها الجافية، ليسيغها في الأذهان ويحببها إلى القلوب، وهذه ميزة قلَّت نظيراتها في التُّراث الإنساني.‏

    1ـ الشك‏

    لم يكتف أبو عثمان بالشَّك أساساً من أسس منهجه في البحث العلميِّ بل عَرَضَ لِمَكانة الشَّك وأهمِّيَّته من النَّاحية النَّظريَّة في كثيرٍ من مواضع كتبه، ومن أهم ما قاله في ذلك: «واعرف مواضع الشَّك وحالاتها الموجبة لها لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة لـه، وتعلَّم الشَّك في المشكوك فيه تعلُّماً، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرُّف التَّوقُّف ثُمَّ التَّثبُّت ، لقد كان ذلك مما يُحتاج إليه. ثمَّ اعلم أنَّ الشَّكَّ في طبقاتٍ عند جميعهم، ولم يُجمعوا على أنَّ اليقين طبقات في القوَّة والضَّعف».‏

    تتبيَّنُ لنا من ذلك مجموعةٌ من النِّقاط المهمَّة التي تفصح عن أصالة الجاحظ وتجلو ملمحاً من ملامح عبقريَّته، فهو لم يرد الشَّكَّ لمحض الشَّك، ولا يقبل أن يكون الشَّكُّ كيفما اتَّفق ولا في كلِّ أمرٍ على حدٍّ سواءٍ ولا بالطريقة ذاتها؛ إن الشَّك الجاحظيَّ، بهذا المعنى، لا يختلف البتة عن الشَّك المنهجيِّ عند الإمام الغزالي والفيلسوف الفرنسي رينه ديكارت ـ Rene Descrtes، فكلُّ منهم أراد الشَّكَّ طلباً للحقيقة؛ الحقيقة الجلية الواضحة، التي لا تقبل تفاوتاً في الدَّرجات.‏

    2 ـ النـقـد‏

    إنَّ تتبـُّعَ كتب الجاحظ ورسائله يكشفُ لنا عن عقليَّة نقديَّةٍ بارعةٍ؛ نقديَّةٍ بالمعنى الاصطلاحي المنهجي وبالمعنى الشَّائع للانتقاد، فنقده بالمعنى الشَّائع يتجلَّى أكثر ما يتجلَّى في تهكُّمه وتعليقاته السَّاخرة التي لم يسلم منها جانبٌ من جوانب المعرفة ولا مخطئٌ أمامه أو واصلٌ إليه خبره، ومن ذلك مثلاً تهكُّمه بالخليل بن أحمد الفراهيدي من خلال علم العروض الذي قال فيه: «العروض علمٌ مردود، ومذهبٌ مرفوض، وكلام مجهول، يستكدُّ العقول، بمستفعل ومفعول، من غير فائدة ولا محصول»‏

    أما نقده المنهجيُّ فما أكثر ما تجلَّى في كتبه ورسائله في تعامله مع مختلف الموضوعات المعرفيَّة؛ العلميَّة والأدبيَّة، ومن ذلك نقده لعلماء عصره ومحدِّثيه ورواته وفقهائه والعلماء السَّابقين، والشَّواهد على ذلك جدِّ كثيرة، تجعلنا حقًّا في حيرة أمام اختيار واحد منها.‏



    انتقد بعضهم اتجاه علماء الكلام نحو الأمور الطَّبيعية بالعناية والدِّراسة فقال: «لو كان بدلُ النَّظرِ فيهما النَّظرَ في التَّوحيد، وفي نفي التَّشبيه، وفي الوعد والوعيد، وفي التَّعديل والتَّجويد، وفي تصحيح الأخبار، والتَّفضيل بَيْنَ علم الطَّبائع والاختيار، لكان أصوب. فردَّ عليه الجاحظ ناقداً ادعاءه بقوله: العَجَبُ أنَّك عمدت إلى رجالٍ لا صناعة لهم ولا تجارة إلا الدُّعاءُ إلى ما ذكرت، والاحتجاجُ لما وصفت، وإلاَّ وضع الكتب فيه والولايةُ والعداوةُ فيه، ولا لهم لذَّة ولا همٌّ ولا مذهبٌ ولا مجازٌ إلاَّ عليه وإليه؛ فحين أرادوا أن يقسِّطوا بَيْنَ الجميع بالحِصص، ويَعْدِلوا بين الكلِّ بإعطاء كلِّ شيءٍ نصيبه، حَتَّى يقع التَّعديلُ شاملاً، والتَّقسيط جامعاً، ويظهر بذلك الخفيُّ من الحكم، والمستور من التَّدبير، اعترضتَ بالتعنُّت والتَّعجُّب، وسطَّرت الكلام، وأطلت الخطب، من غير أن يكون صوَّب رأيك أديبٌ، وشايعك حكيمٌ».‏

    وبنظرةٍ عجلى في آثار الجاحظ « فإنك تراهُ وهو يطلق العنان لقلمه في جلِّ كتبه ـ يزيِّف الخرافات والتُّرَّهات في عصره وقبل عصره، ويورد عليك نقداته ومباحثاته، فيقطع في نَفْسك أنَّه لو جاء كثيرٌ مثله في عقلاء العلماء لخلت كتب الأقدمين من السَّخافات، إذ إنَّ الجاحظ نفسه يقول: ومما لا أكتبه لك من الأخبار العجيبة التي لا يجسر عليها إلا كلُّ وقاح أخبار...»ولذلك ما أكثر ما كان يستفتح الأخبار المغلوطة أو الأسطورية بقوله زعم فلان، وزعموا، ثُمَّ يُعَقِّبُ بتحليله ونقده «بعقلٍ راجحٍ، ونظرٍ صائبٍ، وأسلوبٍ سهلٍ عَذْبٍ متنوِّعٍ دقيقٍ فكهٍ، يَتَتَبَّعُ المعنى ويقلِّبُه على وجوهه المختلفة، ولا يزال يولِّده حَتَّى لا يترك فيه قولاً لقائل».‏

    3 ـ التجريب والمعاينة‏

    إذا كان النَّقد هو الخطوة اللاحقة على الشَّكِّ فإنَّ المعاينة والتَّجريب هي الخطوةُ المقترنة بالنَّقد والمتلازمة معه، وخاصَّةً في مسائل العلم الطَّبيعي، والجاحظ لم ينس هذه الخطوة ولم يتناسها بل جعلها عماداً لازماً من أعمدة منهجه البحثي، وقد بدا ذلك في اتجاهين؛ أولهما قيامه هو ذاته بالمعاينة والتَّجريب، وثانيهما نقل تجارب أساتذته ومعاصريه. وقـد أجرى الجاحظ كما أخبرنا تجارب ومعايناتٍ كثيرةً للتَّثبُّت من معلومةٍ وصلت إليه، أو لنفي خبرٍ تناهى إلى سمعه ولم يستسغه عقله، والأمثلة على ذلك جدُّ كثيرة نذكر منها تجربته في زراعة شجرة الآراك وقصَّته الطَّويلة معها للتَّأكُّد مما قيل عن تكاثر الذَّرِّ عليها ويصف لنا بُرنيَّةَ زجاجٍ وُضِع فيها عشرون فأراً مع عشرين عقرب، وما فعلته العقارب بالفئران وكذلك عندما أجمع أناس، بينهم طبيبٌ، على أنَّ الجمل إذا نُحِر ومات والتمست خصيته وشقشقته فإنهما لا توجدان، فأرسل إلى جزَّار أن يأتيه بالخصية والشقشقة إذا نحر جملاً، ففعل، فلم يكتف بذلك، فبعث إليه رسولاً يقول: «ليس يشفيني إلا المعاينة» ففعل ودحض هذا الادعاء ولجأ أيضاً إلى تجريب بعض المواد الكيماويَّة في الحيوان ليعلم مبلغ تأثيرها فيها، وليتأكَّد مما قيل في ذلك ومما أورده من تجارب غيره تجربة أستاذه النَّظَّام عندما سقى الحيوانات خمراً ليعرف كيف يؤثِّر الخمر في الحيوان، ولم يكتف بنوعٍ واحدٍ بل جرَّب على عددٍ كبيرٍ من الحيوانات كالإبل والبقر والجواميس والخيل والبراذين والظِّباء والكلاب والسَّنانير والحيَّات وغيرها.‏
     
    2 شخص معجب بهذا.
  3. الفيصل

    الفيصل عضو جديد

    إنضم إلينا في:
    ‏7 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    40
    الإعجابات المتلقاة:
    20
      13-12-2007 15:34
    يخليك يا حمزة سديرة .. موضوع مفيد
    مع الود
     
  4. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      25-12-2007 15:38
    هذا واجب فنحن في خدمة الثّقافة والمعرفة
     
  5. blisse alaya

    blisse alaya عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏27 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    245
    الإعجابات المتلقاة:
    104
      27-12-2007 15:43
    MECHKOUR
    :satelite::satelite::satelite::satelite:
     
    1 person likes this.
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...