دراسة في رسالة الغفران

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة حمزة سديرة, بتاريخ ‏26 ديسمبر 2007.

  1. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      26-12-2007 18:01
    --------------------------------------------------------------------------------

    نبذة مختصرة 1

    المعرّي هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان. ولد في معرّة النعمان في شمال سوريا سنة ثلاث وستين وثلاثمائة هجرية (973 ميلادية) وفي الرابعة من عمره أصيب بالجدري وفقد بصره. درس على أبيه الذي مات وهو في الرابعة عشرة من عمره، فرحل إلى حلب حيث كانت الحركة الثقافية التي ازدهرت في ظل سيف الدولة لاتزال نشيطة، ومن حلب إلى أنطاكية، وكانت لاتزال تدافع عما بقي لها من تراثها البيزنطي، ومن أنطاكية توجّه إلى طرابلس الشام، ومرّ باللاذقية فأخذ عن بعض الرهبان ما وجده عندهم من علوم اليونان وآرائهم الفلسفية.

    في عام 398 هجرية رحل إلى بغداد حيث مكث عامين عاد بعدهما إلى معرّه النعمان ليجد أمه قد لحقت بأبيه فاعتزل الناس إلاّ خاصة طلاّبه وخادمه الذي كان يتقاسم معه دخله السنوي وهو ثلاثون دينارًا كان يستحقها من وقف. ورحل المعري سنة تسع وأربعين وأربعمائة هجرية .




    --------------------------------------------------------------------------------



    خـط سـير مفصّـل 2



    نشأ "أبو العلاء المعري" في أسرة مرموقة تنتمي إلى قبيلة "تنوخ" العربية، التي يصل نسبها إلى "يَعرُب بن قحطان" جدّ العرب العاربةويصف المؤرخون تلك القبيلة بأنها من أكثر قبائل العرب مناقب وحسبًا، وقد كان لهم دور كبير في حروب المسلمين، وكان أبناؤها من أكثر جند الفتوحات الإسلامية عددًا، وأشدهم بلاءً في قتال الفرس.
    وُلد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في بلدة "معرَّة النعمان"
    ونشأ في بيت علم وفضل ورياسة متصل المجد، فجدُّه "سليمان بن أحمد" كان قاضي "المعرَّة"، وولي قضاء "حمص"، ووالده "عبد الله" كان شاعرًا، وقد تولى قضاء المعرَّة وحمص خلفًا لأبيه بعد موته، أمَّا أخوه الأكبر محمد بن عبد الله (355 - 430هـ = 966 – 1039م) فقد كان شاعرًا مُجيدًا، وأخوه الأصغر "عبد الواحد بن عبد الله" (371 – 405هـ = 981 - 1014م) كان شاعرًا أيضًا.

    وعندما بلغ أبو العلاء الثالثة من عمره أُصيب بالجدري، وقد أدَّى ذلك إلى فقد بصره في إحدى عينيه، وما لبث أن فقد عينه الأخرى بعد ذلك.ولكن هذا البلاء على قسوته، وتلك المحنة على شدتها لم تُوهِن عزيمته، ولم تفُتّ في عضده، ولم تمنعه إعاقته عن طلب العلم، وتحدي تلك الظروف الصعبة التي مرَّ بها، فصرف نفسه وهمته إلى طب العلم ودراسة فنون اللغة والأدب والقراءة والحديث.فقرأ القرآن على جماعة من الشيوخ، وسمع الحديث عن أبيه وجدِّه وأخيه الأكبر وجدَّتِه "أم سلمة بنت الحسن بن إسحاق"، وعدد من الشيوخ، مثل: "أبي زكريا يحيى بن مسعر المعري"، و"أبي الفرج عبد الصمد الضرير الحمصي"، و"أبي عمرو عثمان الطرسوسي".وتلقَّى علوم اللغة والنحو على يد أبيه وعلى جماعة من اللغويين والنحاة بمعرَّة النعمان، مثل: "أبي بكر بن مسعود النحوي"، وبعض أصحاب "ابن خالوية".وكان لذكائه ونبوغه أكبر الأثر في تشجيع أبيه على إرساله إلى "حلب" – حيث يعيش أخواله – ليتلقى العلم على عدد من علمائها، وهناك التقى بالنحوي "محمد بن عبد الله بن سعد" الذي كان راوية لشعر "المتنبي"، ومن خلاله تعرَّف على شعر "المتنبي" وتوثقت علاقته به.ولكن نَهَم "أبي العلاء" إلى العلم والمعرفة لم يقف به عند "حلب"، فانطلق إلى "طرابلس" الشام؛ ليروى ظمأه من العلم في خزائن الكتب الموقوفة بها، كما وصل إلى "أنطاكية"، وتردد على خزائن كتبها ينهل منها ويحفظ ما فيها.وقد حباه الله تعالى حافظة قوية؛ فكان آية في الذكاء المفرط وقوة الحافظة، حتى إنه كان يحفظ ما يُقرأ عليه مرّة واحدة، ويتلوه كأنه يحفظه من قبل، ويُروى أن بعض أهل حلب سمعوا به وبذكائه وحفظه – على صغر سنه – فأرادوا أن يمتحنوه؛ فأخذ كل واحد منهم ينشده بيتًا، وهو يرد عليه ببيت من حفظه على قافيته، حتى نفد كل ما يحفظونه من أشعار، فاقترح عليهم أن ينشدوه أبياتًا ويجيبهم بأبيات من نظمه على قافيتها، فظل كل واحد منهم ينشده، وهو يجيب حتى قطعهم جمعيًا.


    عاد "أبو العلاء" إلى "معرة النعمان" بعد أن قضى شطرًا من حياته في "الشام" يطلب العلم على أعلامها، ويرتاد مكتباتها.وما لبث أبوه أن تُوفي، فامتحن أبو العلاء باليُتم، وهو ما يزال غلامًا في الرابعة عشرة من عمره، فقال يرثي أباه:
    أبي حكمت فيه الليالي ولم تزل
    رماحُ المنايا قادراتٍ على الطعْنِ

    مضى طاهرَ الجثمانِ والنفسِ والكرى
    وسُهد المنى والجيب والذيل والرُّدْنِ

    وبعد وفاة أبيه عاوده الحنين إلى الرحلة في طلب العلم، ودفعه طموحه إلى التفكير في الارتحال إلى بغداد، فاستأذن أمه في السفر، فأذنت له بعد أن شعرت بصدق عزمه على السفر، فشد رحاله إليها عام (398هـ = 1007م).
    واتصل "أبو العلاء" في بغداد بخازن دار الكتب هناك "عبد السلام البصري"، وبدأ نجمه يلمع بها، حتى أضحى من شعرائها المعدودين وعلمائها المبرزين؛ مما أثار عليه موجدة بعض أقرانه ونقمة حساده، فأطلقوا ألسنتهم عليه بالأقاويل، وأثاروا حوله زوابع من الفتن والاتهامات بالكفر والزندقة، وحرّضوا عليه الفقهاء والحكام، ولكن ذلك لم يدفعه إلى اليأس أو الانزواء، وإنما كان يتصدى لتلك الدعاوى بقوة وحزم، ساخرًا من جهل حساده، مؤكدًا إيمانه بالله تعالى ورضاه بقضائه، فيقول تارة:

    غَرِيَتْ بذمِّي أمةٌ
    وبحمدِ خالقِها غريتُ

    وعبدتُ ربِّي ما استطعـ
    ـتُ، ومن بريته برِيتُ

    ويقول تارة أخرى:

    خُلِقَ الناسُ للبقاء فضلَّت
    أمةٌ يحسبونهم للنفادِ

    إنما ينقلون من دار أعما
    لٍ إلى دار شقوة أو رشادِ


    ولم يكن أبو العلاء بمعزل عن المشاركة في الحياة الاجتماعية والفكرية في عصره؛ فنراه يشارك بقصائده الحماسية في تسجيل المعارك بين العرب والروم، كما يعبر عن ضيقه وتبرمه بفساد عصره واختلال القيم والموازين فيه، ويكشف عن كثير مما ظهر في عصره من صراعات فكرية ومذهبية، كما يسجل ظهور بعض الطوائف والمذاهب والأفكار الدينية والسياسية.
    وقد عرف له أهل بغداد فضله ومكانته؛ فكانوا يعرضون عليه أموالهم، ويلحُّون عليه في قبولها، ولكنه كان يأبى متعففًا، ويردها متأنفًا، بالرغم من رقة حالة، وحاجته الشديدة إلى المال، ويقول في ذلك:

    لا أطلبُ الأرزاقَ والمو
    لى يفيضُ عليَّ رزقي

    إن أُعطَ بعضَ القوتِ أعـ
    ـلم أنَّ ذلك فوق حقي

    وكان برغم ذلك راضيًا قانعًا، يحمد الله على السراء والضراء، وقد يرى في البلاء نعمة تستحق حمد الخالق عليها فيقول:

    "أنا أحمد الله على العمى، كما يحمده غيري على البصر".


    لم يطل المقام بأبي العلاء في بغداد طويلاً؛ إذ إنه دخل في خصومة مع "المرتضي العلوي" أخي "الشريف الرضي"، بسبب تعصب "المعري" للمتنبي وتحامل المرتضي عليه؛ فقد كان أبو العلاء في مجلس المرتضي ذات يوم، وجاء ذكر المتنبي، فتنقصه المرتضي وأخذ يتتبع عيوبه ويذكر سرقاته الشعرية، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قصيدته: "لك يا منازل في القلوب منازل" لكفاه فضلاً.
    فغضب المرتضي، وأمر به؛ فسُحب من رجليه حتى أُخرج مهانًا من مجلسه، والتفت لجلسائه قائلاً: أتدرون أي شيء أراد الأعمى بذكر تلك القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكره. قالوا: النقيب السيد أعرف! فقال: إنما أراد قوله:

    وإذا أتتك مذمَّتي من ناقص
    فهي الشهادة لي بأنِّي كامل


    وفي تلك الأثناء جاءت الأخبار إلى أبي العلاء بمرض أمه، فسارع بالرجوع إلى موطنه بعد نحو عام ونصف العام من إقامته في بغداد.


    غادر أبو العلاء بغداد في (24 من رمضان 400 هـ = 11 من مايو 1010م)، وكانت رحلة العودة شاقة مضنية، جمعت إلى أخطار الطريق وعناء السفر أثقال انكسار نفسه، ووطأة همومه وأحزانه، وعندما وصل أبو العلاء إلى بلدته كانت هناك مفاجأة قاسية في انتظاره.. لقد تُوفِّيت أمه وهو في طريق عودته إليها.ورثاها أبو العلاء بقصيدة تقطُر لوعة وحزنًا، وتفيض بالوجد والأسى. يقول فيها:

    لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت
    أسباب دنياكِ من أسباب دنيانا

    ولزم داره معتزلاً الناس، وأطلق على نفسه "رهين المحبسين"، وظلَّ على ذلك نحو أربعين عامًا، لم يغادر خلالها داره إلا مرة واحدة، عندما دعاه قومه ليشفع لهم عند "أسد الدولة بن صالح بن مرداس" - صاحب حلب - وكان قد خرج بجيشه إلى "المعرة" بين عامي (417،418هـ = 1026،1027م)؛ ليخمد حركة عصيان أهلها، فخرج أبو العلاء، متوكئا على رجُل من قومه، فلما علم صالح بقدومه إليه أمر بوقف القتال، وأحسن استقباله وأكرمه، ثم سأله حاجته، فقال أبو العلاء:

    قضيت في منزلي برهةً
    سَتِير العيوب فقيد الحسد

    فلما مضى العمر إلا الأقل
    وهمَّ لروحي فراق الجسد

    بُعثت شفيعًا إلى صالح
    وذاك من القوم رأي فسد

    فيسمع منِّي سجع الحمام
    وأسمع منه زئير الأسد


    فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منَّا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منه زئير الأسد. ثم أمر بخيامه فوضعت، ورحل عن "المعرة".


    وكان أبو العلاء يأخذ نفسه بالشدة، فلم يسع في طلب المال بقدر ما شغل نفسه بطلب العلم، وهو يقول في ذلك:
    "وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس مكان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه".ويُعدُّ أبو العلاء من أشهر النباتيين عبر التاريخ؛ فقد امتنع عن أكل اللحم والبيض واللبن، واكتفى بتناول الفاكهة والبقول وغيرها مما تنبت الأرض.وقد اتخذ بعض أعدائه من ذلك المسلك مدخلاً للطعن عليه وتجريحه وتسديد التهم إليه، ومحاولة تأويل ذلك بما يشكك في دينه ويطعن في عقيدته.وهو يبرر ذلك برقة حاله وضيق ذات يده، وملاءمته لصحته فيقول:

    "ومما حثني على ترك أكل الحيوان أن الذي لي في السنة نيِّفٌ وعشرون دينارًا، فإذا أخذ خادمي بعض ما يجب بقي لي ما لا يعجب، فاقتصرت على فول وبلسن، وما لا يعذب على الألسن.. ولست أريد في رزقي زيادة ولا لسقمي عيادة".
    وعندما كثر إلحاح أهل الفضل والعلم على أبي العلاء في استزارته، وأبت به مروءته أن يرد طلبهم أو يقطع رجاءهم، وهم المحبون له، العارفون لقدره ومنزلته، المعترفون بفضله ومكانته؛ فتح باب داره لا يخرج منه إلى الناس، وإنما ليدخل إليه هؤلاء المريدون.فأصبح داره منارة للعلم يؤمها الأدباء والعلماء، وطلاب العلم من كافة الأنحاء، فكان يقضي يومه بين التدريس والإملاء، فإذا خلا بنفسه فللعبادة والتأمل والدعاء.وكما لم تلن الحياة لأبي العلاء يومًا في حياته، فإنها أيضًا كانت قاسية عند النهاية؛ فقد اعتلّ شيخ المعرَّة أيامًا ثلاثة، لم تبق من جسده الواهن النحيل إلا شبحًا يحتضر في خشوع وسكون، حتى أسلم الروح في (3 من ربيع الأول 449هـ = 10 من مايو 1057م) عن عمر بلغ 86 عامًا.
    وقد ترك أبو العلاء تراثًا عظيمًا من الشعر والأدب والفلسفة، ظل موردًا لا ينضب للدارسين والباحثين على مر العصور، وكان له أكبر الأثر في فكر وعقل كثير من المفكرين والعلماء والأدباء في شتى الأنحاء، ومن أهم تلك الآثار:
    - رسالة الغفران: التي ألهبت خيال كثير من الأدباء والشعراء على مَرِّ الزمان، والتي تأثر بها "دانتي" في ثُلاثيته الشهيرة "الكوميديا الإلهية".
    - سقط الزند: وهو يجمع شعر أبي العلاء في شبابه، والذي استحق به أن يوصف بحق أنه خليفة المتنبي.
    - لزوم ما لا يلزم (اللزوميات)، وهو شعره الذي قاله في كهولته، وقد أجاد فيه وأكثر بشكل لم يبلغه أحد بعده، حتى بلغ نحو (13) ألف بيت.




    --------------------------------------------------------------------------------

    المعرّة - معرّة النعمان



    معرة النعمان: مدينة في محافظة إدلب، شمال وسط سوريا. هي أهم مدن المحافظة بعد إدلب، ومسقط رأس الشاعر العربي الشهير أبو العلاء المعري. أهم آثارها المسجد الجامع والمدرسة الشافعية وخان أسعد باشا العظم زخان مراد باشا، الذي يضم اليوم متحفاً لآثار المنطقة.
     
    1 person likes this.
  2. MRASSI

    MRASSI كبير مراقبي المنتدى العام طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏3 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    43.078
    الإعجابات المتلقاة:
    83.052
      26-12-2007 18:13
    شكرا اخي حمزة على هذه الاضافة المميزة
    دام قلمك بالمنتدى
    تحياتي لك
     
  3. barbarous_03

    barbarous_03 نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏28 أكتوبر 2006
    المشاركات:
    2.105
    الإعجابات المتلقاة:
    551
      26-12-2007 18:34
    سلمت يداك على المجهود الطيب

    في انتضار جديدك
     
  4. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      26-12-2007 19:35
    من أشكال القصّ في الأدب العربيّ القديم : رسالة الغفران (قسم الرّحلة)
    الأهداف:

     تبيّن الخصائص الفنّيّة لشكل من أشكال القصّ في نصّ قديم.
     استجلاء مظاهر إعمال العقل في القضايا المطروحة.
     إبداء الرّأي في ذلك.
    المحتوى:
    "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعرّي :
    قسم الرّحلة
    التّوجيهات:

    يتمّ الاهتمام ب :
    ـ البنية القصصيّة :
    • الشّخصيّات (أصنافها، علاقاتها، خصائصها).
    • الرّاوي (أنواعه، مواقعه، وظائفه).
    • الإطار المكانيّ (أنواعه، خصائصه، بناؤه...).
    • الإطار الزّمانيّ (أنواعه، دلالاته، مفارقاته).
    ـ الخيال :
    • مصادره (القرآن، السّنّة، الشّعر، الأساطير).
    • مظاهره (الواقعيّ، الغرائبيّ، العجائبيّ).
    • تقنيّاته (التّحويل، التّهويل، التّركيب).
    ـ أنواع الهزل :
    • السّخرية، التّهكّم، روح العبث.
    ـ الإضحاك :
    • وسائله (المفاجأة، سوء التّفاهم، التّكرار، الدّعاء، الاختلال في الجنّة).
    • مظاهره (الحركة، الكلمة، الموقف، الشّخصيّة السّاذجة).
    ـ الاستطراد :
    • موقعه من الحوار.
    • مضامينه (لغويّة، أدبيّة).
    ـ مواقف المعرّي من :
    • المعتقدات الدّينيّة والقضايا الماورائيّة.
    • القضايا الاجتماعيّة والسّياسيّة.
    • الأخلاق والسّلوك.
    • قضايا اللّغة والأدب.
    ـ يشير الأستاذ أثناء شرح النّصوص إلى مواطن من رسالة ابن القارح أو من قسم الردّ كلّما اقتضى فهم النّصوص ذلك.
    "هذا المحتوى مأخوذ من البرامج الرّسميّة " بكالوريا آداب نظام جديد"
     
    1 person likes this.
  5. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      26-12-2007 20:24
    دراسات د.عائشة عبد الرحمن
    --------------------------------------------------------------------------------------------------------

    يسلط هذا البحث الضوء على التفكير اللغوي عند أبي العلاء المعري. من خلال قراءة في رسالة الغفران، وبالرغم من أن معظم البحوث التي تصدت لهذه الرسالة ركزت بشكل رئيسي على الجوانب المتعلقة بالشعر والفلسفة والنقد، فإننا آثرنا في دراستنا أن ينصب جل اهتمامنا على الجانب اللغوي لما لهذا الجانب من أهمية بالغة ليس في الرسالة فحسب، وإنما في تفكير المعري كله، وهو الذي قيل فيه: " ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة لم يعرفها المعري" و "الشيخ بالنحو أعلم من سيبويه، وباللغة من الخليل"، وهو في رسالة الغفران لم يترك لفظة غريبة إلا استعملها، ولا علامة إلا شرحها.

    لقد تتبعنا جل المسائل اللغوية في رسالة الغفران فوصفناها ووصفنا الطريقة التي تعاطى بها المعري مع المسألة، وتوصلنا إلى نتيجة مفادها أن المعري لم يكن شاعراً بالدرجة الأولى كما عرف عنه، ولم يكن فيلسوفاً بامتياز كما علم من شعره، لقد كان لغوياً قبل كل شيْ وعبر عبقريته اللغوية عبرت معظم أعماله الإبداعية الأخرى.

    ----------------------+++++++++++------------------------
    لا تعد رسالة الغفران رائعة من روائع أبي العلاء المعري وحسب، بل من روائع الأدب العربي والعالمي أيضاً. وإذا كانت هذه الرسالة تشكل نصاً رحباً ومفتوحاً لمختلف أنواع القراءات الفلسفية والفكرية ... والأدبية والنقدية فإن الموضوعية تقتضي أن يختار الباحث ميداناً واحداً من بين هذه الميادين المعرفية التي تزخر بها رسالة الغفران. لكن هذه الموضوعية سرعان ما تنحسر أمام ذاتية الاختيار، فاختيار موضوع واحد من الغفران كي يكون مادة للتحليل والبحث، لا يعني البتة جوهرية هذا الموضوع على حساب الموضوعات الأخرى، لأن الشعر جوهري، والأدب جوهري، والنحو وهكذا بالنسبة للنقد والقصِِ، إلخ. لذا فإن التخصيص قد يساعد المختص في تأمل جوهر الفكرة "المعرية" ونظن أنها – أي الفكرة- واحدة في الموضوعات جميعها مهما بدت مختلفة أو متباينة للوهلة الأولى.

    ونحن عندما اخترنا المسائل اللغوية في رسالة الغفران مادة للدراسة، كنا نعلم أن الموضوع وعر المسالك أكثر من غيره، ولا تتأتى الوعورة من كون المعري أولى موضوع اللغة اهتماماً خاصاً ومتميزاً في كلامه، ولا من بثه المسائل اللغوية في كل أرجاء رسالته، ولا من شهرة المعري باطلاعه على غريب اللغة وحوشيها "ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة لم يعرفها المعري"* بل – وبالإضافة إلى كل ما سبق – المسائل اللغوية ذاتها تحتاج إلى جهد كبير من أجل إحصائها أولاً، ومن أجل تنظيمها وتبويبها وتحليلها ثانياً، فمنها ما هو خاص بلغة المعري، ومنها ما هو متعلق بالنقد الأدبي، ومنها ما هو متصل بالقراءات والموسيقى والعروض، ومنها ماله علاقة بالشروحات اللغوية، أو بالخلافات بين النحويين. لقد رأينا أن أجدى ما يمكن أن نقوم به في هذا البحث، هو التوقف عند مجموعة من مجمل المسائل اللغوية المبثوثة في معظم صفحات الرسالة لتعرّف المعري اللغوي الذي قيل فيه : " الشيخ بالنحو أعلم من سيبويه وباللغة من الخليل."**

    ثمة –في الحقيقة – معطيا ت كثيرة جعلت من أبي العلاء المعري ذلك الرجل العالم والشاعر والحكيم والأديب واللغوي، ومما لا شك فيه أن الوقوف عند هذه المعطيات ودراستها وتحليلها يساعد كثيراً في فهم الآثار العلمية الكثيرة التي تركها المعري، ولم يصل منها للأسف إلا القليل *** الذي زين خزانة الأدب العربي والعالمي.

    ولا أظن أن الباحثين القدامى والمحدثين أهملوا جانباً من الجوانب الكثيرة التي كان لها أثر كبير على ثقافة المعري، فلقد تكلموا عن ولادة المعري ونشأته، وفقدانه للبصر، وتتلمذه على يد أبيه وغيره من تلامذة ابن خالويه، وعن ترحاله إلى طرابلس الشام وبغداد، واطلاعه على علوم الأقدمين من عرب وغير عرب. وتطرق الباحثون مرات عديدة إلى أثر العلوم اليونانية في ثقافة المعري، وتعلمه المسيحية واليهودية. فالمعري "يعرف الديانات والمعتقدات المختلفة، كما يعرف الفلسفة والتنجيم والتاريخ والتصوف، وما يطوى في ذلك من ثقافات يونانية وفارسية وهندية"(1).

    لكن موضوعنا في هذه الدراسة لن يشمل هذه النواحي الفكرية الفذة التي ملأت الأزمنة، وما يزال الناس مشغولين بها حتى يوم الناس هذا. بل سيقتصر على قراءة صفة واحدة من صفات المعري، وهي ولوعه بإحصاء غريب اللغة وشرحه والتعليق عليه ومن ثم استخدامه بصورة لم يسبقه إليها أحد. ولعل هذه الصفة هي التي حضت الدارسين – على اختلاف مناهجهم – على البحث عن فكر أبي العلاء المعري المخبوء في تعقيد لغته، حتى قال أحدهم " وأبو العلاء يتكلف الغريب ويتعمده، ليصد عامة الناس وجها لهم، سواء في ذلك العلماء وغير العلماء، عن قراءته والظهور على ما فيه، وكأن أبا العلاء كان يكتب لهذا العصر الحديث الذي نحن فيه وللعصور التي ستليه، وكأنه كان يخشى على آثاره الأدبية أن يفهمها أهل زمانه فيفسدوها ويشوهوها ويحولوا بيننا وبين فهمها. وكأنه إنما أقام من الغريب وقواعد النحو والصرف والعروض والقافية طلاسم وأرصاداً شغل بها أهل عصره عن هذا الكنز حتى لا يصلوا إليه .وحتى تسلم لنا نحن خلاصته..."(2)

    إن الثقافة اللغوية ساطعة كل السطوع في كل ما كتيه المعري (فالفصول والغايات) يزخر بالشروح اللغوية، و(عبث الوليد) يعج بالكلام على العروض والأوزان الشعرية والمسائل النحوية، وفي (رسالة الملائكة) يتوقف المعري طويلاً عند الفوائد اللغوية ولا تخلو (رسالة الصاهل والشاحج) من حديث لغوي على ألسنة الحيوانات ولعلنا لا نبالغ إذا زعمنا أن هذه الثقافة اللغوية هي التي جعلت رسالة الغفران – كبقية رسائل المعري – طويلة غنية، فالمعري في "الغفران" لم يترك لفظة غريبة إلا توقف عندها وفصل في شرحها حتى قيل فيه " هو البحر الذي لا ساحل له في اللغة"(3) وقيل أيضاً "سمع اللغة وأملى فيها كتباً، وله فيها معرفة تامة" (4) وكان "عالماً لغوياً شاعراً " (5) و"أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو العلاء المعري اللغوي الشاعر (...) أخذ العربية عن أصحاب ابن خالويه ومحمد بن عبد الله بن سعد النحوي .. وتصانيفه في اللغة والأدب أكثر من مئتي مجلد (6) وإذا كانت رسالة الغفران تشمل موضوعات متشعبة ومتباينة، فإن الموضوع اللغوي يعد –برأينا- الأغزر والأهم في هذه الرسالة، ولعل بعض الباحثين المحدثين قد بالغوا كثيراً عندما عدوا أن الغرض الذي سعى إليه أبو العلاء في رسالته هو عرض الفوائد اللغوية، ولقد ذهب د. إبراهيم السامرائي إلى أبعد من ذلك حينما اعتبر أن أبا العلاء قد اتخذ لغرضه في عرض الفوائد اللغوية إطاراً أدبياً" يقوم على زيارته للنعيم وللجحيم وما يتصل بهذا من لوازم هي في جملتها من مشاهد العالم الآخر بنعيمه وجحيمه"(7) ومما تجدر الإشارة إليه ها هنا، هو أن الدكتور السامرائي، يخصص كتاباً كاملاً شاملاً للحديث عن المعري اللغوي، وينجح الباحث في وضع المعري في المكان المناسب بين علماء اللغة والنحاة، ويقر "أن أبا العلاء لغوي نحوي أديب ناقد أقل بضاعته الشعر الذي عرف فيه، ولاسيما في عصرنا هذا" (8) ولكن لا ندري لماذا يضرب الدكتور السامرائي بهذا الإقرار عرض الحائط في قراءته لكتاب المعري (عبث الوليد) فمن يطلع على هذه القراءة التي قدمها الدكتور السامرائي سيجد أبا العلاء ضعيفاً في اللغة، هزيلاً في النحو، غير قادر على التمييز بين خطأ الناسخ وخطأ الشاعر، نظن –مع تقديرنا الكبير لأعمال هذا الباحث- أن الفرصة التي فاتت على الدكتور السامرائي بإعداد معجم المتنبي ومعجم الجاحظ ومعجم ابن المقفع، عوضها بإعداد سريع لكتاب حمل عنوان "مع المعري اللغوي" مما أدى بطبيعة الحا ل إلى هذا التباين في الرأي، فهو يعد المعري من النحويين المتقدمين تارة، ويعده من النحويين المتأخرين تارة أخرى عندما يتصدى لـ (عبث الوليد)، لذا فإن الموضوع اللغوي، وإن كان الأغزر والأهم والأول على رأي الباحثة الدكتورة عائشة عبد الرحمن، فإنه لا يعد بأية حال- غرض المعري من "الغفران" وإنني أميل في تقويم أهمية الموضوع اللغوي في رسالة الغفران إلى رأي الباحث الدكتور أمجد الطرابلسي الذي يقول في هذا السياق "إن كثرة الشروح اللغوية في "الغفران" وتنوع الطرق التي كان يتبعها المتنبي في خلق المناسبات لها، دليل على أن هذه الشروح لم تكن تأتي عرضاً أو اعتباطاً، وإنما كانت في نفسها غرضاً أساسياً من أغراض هذه الرسالة" (9).

    وللاستدلال على كبر الحيز اللغوي في "الغفران" قمنا بعملية إحصاء بسيطة، فوجدنا أن الرسالة تتألف من أربعمائة وخمس وخمسين صفحة، خصص منها المعري اثنتين وثمانين صفحة للحديث عن المسائل النحوية وتأويل اللغويين على الشعراء، فيتعرض لأبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، وابن دريد، والخليل، وسيبويه والفراء، وللمدرسة البصرية والكوفية، فتراه يسخر من قول هذا اللغوي، ويدحض رأي هذا النحوي، ورواية هذه المدرسة على تلك، ويغوص في مسألة خلافية، حتى ليكاد يشعر القارئ أنه بعد كثيراً عن الموضوع المطروح في الرسالة، ولعل هذه الاستطرادات اللغوية هي ما جعلت بعض النقاد يتهمون الرسالة بتشتت الفكر واضطراب السياق والمعري لم يكتف باستعراض أمثلة من الخلافات النحوية في هذه الصفحات الكثيرة المستقلة، بل تعرض في مواضع كثيرة إلى قضايا لغوية متفرقة، منها ما هو متعلق بالأوزان الشعرية، والموسيقى والعروض، والشروح اللغوية التي "تتوالى في جميع صفحات هذا الكتاب العجيب. فلا تكاد تمر لفظة إلا أسرع المعري إلى شرحها وتوضيحها، سواء كانت هذه اللفظة المفسرة من كلامه هو –وهو الأكثر الغالب- أم كلام منظوم أو منثور قد استشهد به"(10) وها هو ذ ا المعري في افتتاح رسالته يبدأ في شرح ألفاظه "يقول: اللهم يسر وأعن، وقد علم الجبر الذي أنزل إليه جبرائيل وهو في كل الخيرات سبيل، أن في مسكني حماطة، ما كانت قط أفانية (...) والحماطة ضرب من الشجر يقال لها إذا كانت رطبة أفانية فإذا يبست فهي حماطة" ويستمر في شرحه وتعليقه واستشهاده بالشعر، وهذا الضرب من الشرح متعلق بلغته الخاصة، أما فيما يتعلق بلغة غيره، فإنه لا يكف عن التعليق عليها أيضاً:

    يا دار سلمى لا أكلفها إلا المرانة حتى تسأم الدنيا



    عن طريق مشهد حواري يسأل فيه الشاعر عن قصده بالمرانة "ما أردت بالمرانة؟ فقد قيل إنك أردت اسم امرأة، وقيل هي اسم ناقة، وقيل : العادة"(11)

    ومثل هذا الشرح كثير كما أسلفنا، لذا فإننا سنتوقف عند الجانب الآخر من الثقافة اللغوية لدى المعري ونقصد المسائل الخلافية في اللغة والنحو. وتأتي أولى هذه المسائل في اللقاء الذي تم بين ابن القارح والأعشى حيث يذكر هذا الأخير قصيدته التي يقول فيها:

    ألا أيهذا السائلي أين يممت فإن لها أهل يثرب موعد ا


    ويأتي على ذكر بيته:

    نبي يرى ما لا يرون، وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا



    فيتوقف المعري عند كلمة أغار التي كثر فيها الخلاف "وإنما أذكرها لأنه قد لا يجوز أن يقرأ هذا الهذيان ناشئ لم يبلغه:حكي "الفراء" وحده (أغار) من معنى غار، إذا أتى الغور، وإذا صح هذا البيت "للأعشى" فلم يرد بالإغارة إلا الإنجاد"(12).

    فالمعري، وبالرغم من كل ما قاله الأصمعي عن أغار وشرحه لها بمعنى الإسراع والإنجاد والارتفاع، وما قاله الجوهري عن هذه الكلمة التي لا تحمل دلالة أتى الغور، كما زعم الفراء، فإنه يقرر بأن أغار –إن صح هذا البيت للأعشى- لم يرد إلا ضد الإنجاد. ونراه من بعد يحمل ابن القارح نقداً لغوياً لبيت عدي بن زيد الذي استشهد به سيبويه:

    أراوح مودع أم بكور أنت فانظر لأي حال تصير


    فبالنسبة لسيبويه، يجوز أن يرتفع الضمير أنت بفعل مضمر يفسره (فانظر) أما رأي المعري الذي يسوقه على لسان ابن القارح، فإنه يستبعد هذا التأويل دون أن يقدم البديل، ولا نظن أن المعري كان يقصد من رد
    عدي بن زيد على كلام ابن القارح "دعني من هذه الأباطيل " سوى السخرية من تأول النحاة على الشعراء وقياسهم الشعر على ما ليس له علاقة بطبيعة اللغة.

    تلاحظ الباحثة الدكتورة عائشة عبد الرحمن أن عدي بن زيد في قوله دعني من هذه الأباطيل لم يكن يقصد تكلف النحاة خاصة، وإنما أراد أنه في شغل بنعيم الجنة عن الشعر والنحو والنحاة جميعاً، ونحن نزعم أن المعري ما قصد إلا ما تدل عليه كلمة الأباطيل عندما يرتبط معنى النحو بالتكلف في التأول، وبتخريج الشعر على غير ما فيه، ولا نعد أنه قبيل المصادفة يذكر كلمة الأباطيل مرتبطة بالنحو مرات عديدة في "الغفران" ففي المرة الأولى يذكر هذه الكلمة ويربطها بالنحو على لسان عدي بن زيد كما في المثال السابق. وفي المرة الثانية يذكرها على لسان بشار بن برد "دعني من أباطيلك، فإنني لمشغول عنك" (الغفران،305) أما في المرة الثالثة، فإن كلمة الأباطيل في مناسبة تأويل قول المتنبي "أذم إلى هذا الزمان أهيله" (الغفران، 378). ناهيك عن ورود هذه الكلمة في رسائل أخرى من رسائل المعري كرسالة الملائكة، ويجب أن لا ننسى تعلق المعري بالسماع وتركه للتأول والقياس، بالإضافة إلى المآخذ الكثيرة التي كان يأخذها على آراء نحاة البصرة. من ذلك ما قاله على لسان القارح مخاطباً النابغة الجعدي، فكيف تنشد قولك:

    وليس بمعروف لنا أن نردها صحاحاً ولا مستنكراً أن تعقرا


    أتقول: (ولا مستنكراً) أم (ولا مستنكر) فيقول الجعدي: بل (مستنكراً). فيقول الشيخ: فإن أنشد منشد (مستنكر) ما تصنع به ؟ فيقول أزجره وأزبره. نطق بأمر لا يخبره. فيقول الشيخ –طول الله أمد البقاء- إنا لله وإنا إليه راجعون ما أرى سيبويه إلا وهم في هذا البيت، لأن أبا ليلى أدرك جاهلية وإسلاماً، وغذي بالفصاحة غلاماً.

    وهذا رد واضح على رواية سيبويه برفع مستنكر وجواز جرها ونصبها (13).

    ويمضي أبو العلاء في ذكر هذه الخلافات على شكل حوار مسرحي مشوق، فها هم علماء اللغة يجتمعون ويتحاورون ويختلفون على وزن إوزة، ويسوق المعري في معرض الحوار رأيه في تأول النحاة على لسان أبي عثمان المازني "تأول" من أصحابنا وادعاء، لأن إوزة لم يثبت أن الهمزة فيها زائدة "فيرد عليه الأصمعي بعد أن أخفق في إقناعه:

    ريشت (جرهم) نبلاً فرمى "جرهماً" منهن فوق وغرار



    تبعتهم مستفيداً، ثم طعنت فيما قالوه معيداً، ما مثلك ومثلهم، إلا كما قال الأول:

    أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني


    وينهض كالمغضب، ويفترق أهل ذلك المجلس وهم ناعمون (الغفران، 276) ويدل هذا الحوار بين المازني والأصمعي على أن الخلاف النحوي لم يكن حصراً على المذهبين البصري والكوفي فالأول نحوي من نحاة البصرة المتقدمين، والثاني راوية وصاحب لغة ونحو وسبق المازني في مجالس البصرة، بل لم يكن النحاة جميعاً يلمون بالمذهبين وكان كثير منهم يحفظون آراء شيوخهم كثيراً من نحو المذهب الآخر مما يشير إلى أنه أصبح لكل مذهب نوع من الاستقلال عن المذهب الآخر" (14).

    لم يكن المعري شديد العصبية على نحاة البصرة، حتى لو أفصح عن ميله لنحاة الكوفة. لأن السماحة العلمية التي كان يتمتع بها المعري خليقة بأن تبعده عن أية عصبية مذهبية ولعل الحوار الذي أشرنا إليه بين المازني والأصمعي يدل على ذلك، بالإضافة إلى تأييده بعض روايات سيبويه، كقوله لراعي الإبل (عبيد بن الحصين النميري) "أحق ما روى عنك سيفي قصيدته (اللامية) التي تمدح فيها "عبد الملك بن مروان" من أنك تنصب (الجماعة) في قولك:

    أيام قومي والجماعة كالذي لزم الرحالة أن تميل مميلا


    فيقول: حق ذلك". ومثال آخر على موضوعية المعري في تناوله للنحاة، وإنصافه لمن يقول الحق حتى لو كان بصرياً، بيت طرفة بن العبد:

    ألا أيها الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات، هل أنت مخلدي



    فسيبويه يكره نصب (أحضر) لأنه يعتقد أن عوامل الأفعال لا تضمر أما الكوفيون فإنهم ينصبون أحضر بالحرف المقدر، ويقوي ذلك قول الشاعر وأن أشهد اللذات، ولكن نصب أحضر ليس خاصاً بالكوفيين فها هو المازني يروي عن علي بن قطربا أنه سمع أباه "قطربا" يحكي عن بعض البعض نصب أحضر. والحق أن المعري تعرض كثيراً في رسالته للغويين الذين عدّوا النحو كله قياساً ونقد حججهم وفند آراءهم وسخر من أحكامهم، لذا نجد أن نصيب أبي علي الفارسي من النقد والتعريض كبير في الغفران، وكان أبو علي الفارسي من أئمة القياس وهو القائل "لأن أخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية أهون علي من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية"(16).

    ولعل مشهد أبي علي الفارسي والشعراء الذين يتحلقون حوله، يجادلونه ويلومونه على طريقته الذهنية في استنباط القواعد وتعليلها، هو من أهم المشاهد التي تتمحور على الخلاف النحوي الذي كان محتداً في المرحلة الزمنية التي سبقت المعري. ويظهر هذا بوضوح موقف المعري اللغوي من ذلك الخلاف.

    يقول المعري:" وكنت قد رأيت في المحشر شيخاً لنا كان يدرس النحو في الدار العاجلة، يعرف "بأبي علي الفارسي" وقد امترس به قوم يطالبونه، ويقولون: تأولت علينا وظلمتنا، فلما رآني أشار إلي بيده، فجئته فإذا عنده طبقة، منهم "يزيد بن الحكم الكلابي" وهو يقول: ويحك، أنشدت عني هذا البيت برفع (الماء) يعني قوله:

    فليت كفافاً كان شرك كله وخيرك عني ما ارتوى الماء مرتوي



    ولم أقل إلا (الماء). وكذلك زعمت أني فتحت الميم في قولي:

    تبدل خليلاً، كشكلك شكله فإني خليلاً صالحاً بك مقتوي



    وإنما قلت "(مقتوي) بضم الميم" (الغفران، 246) وهكذا يمضي المعري في محاكمة أبي علي الفارسي إلى أن يتدخل ابن القارح ليدافع عن أستاذه قائلاً: "يا قوم إن هذه الأمور هينة فلا تعتنوا هذا الشيخ فإنه يمت بكتابه في (القرآن) المعروف بكتاب الحجة) وإنه ما سفك لكم دماً، ولا احتجن عنكم مالاً" (الغفران، 247).

    وواضح من ذكر بيتي يزيد بن الحكم الكلابي، أن المعري يعارض أبا علي الفارسي. ففي البيت الأول يرفع الفارسي (الماء) على أساس أنه فاعل للفعل ارتوى، بينما لا يقصد الشاعر إلا الماء بالخافض على مذهب أبي العلاء الذي يرى معنى الكلام "ما ارتوى من الماء مرتو" وعبارة نزع الخافض هي عبارة أهل السماع الذين يفضلهم المعري على أهل القياس.

    وفي البيت الثاني يفتح الفارسي الميم في مقتوى، بينما يفضل المعري ضم الميم كما أنشد الشاعر، وحجة المعري في ذلك أن الميم المفتوحة لا تتعدى إلى شيء لأنه ليس باسم فاعل، أما الميم المضمومة فقد جعلت كلمة مقتوي تتعدى إلى (خليلاً) فإن قلت: إن باب (افعل) لا يتعدى فالجواب أن الشاعر يجوز أن يكون حمل ذلك المعنى فعداه. والمعنى: (فإني خليلاً بك خادم). وإن شئت نصبت خليلاً بفعل مضمر يدل على (مقتو)، فكأنه قال: فإني أخدم أو أسوس أو أستبدل بك خليلاً. ودل (مقتو) على ذلك(17).

    ومن نقد المعري لغلاة النحو والذين أساؤوا الرواية ما جاء في حوار ابن القارح وامرئ القيس، عندما سأل الأول الثاني، ماذا أردت بالبكر في قولك "كبكر المقاناة البياض بصفرة" فقد اختلف المتأولون في ذلك، فقللوا البيضة، وقالوا: الدرة، وقالوا: الروضة، وقالوا: الزهرة، وقالوا: البردية. وكيف تنشد البياض، أم البياض؟ فيرد الثاني: كل ذلك حسن، وأختار (البياض) بالكسر. فيقول المعري على لسان ابن القارح لو شرحت لك ما قال النحويون في ذلك لعجبت"(الغفران، 306).

    وليس غريباً أن يفضل أبو العلاء الرواة الثقات على النحويين وهو العارف أن النحو أخذ أصلاً عن هؤلاء الرواة، ولعل حكاية سيبويه مع معلمه حما د بن سلمة خير دليل عندما ظن الأول أن ثمة لحناً في رواية الثاني لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء" فقال حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت (أي أنه ظن أن الصحيح هو قوله ليس أبو الدرداء باعتبار اسم ليس) وإنما "ليس"
    ها هنا استثناء، فرد سيبويه: لا جرم سأطلب علماً لا تلحنني فيه".

    إن مذهب أبي العلاء في النحو واضح كل الوضوح، وهو يدل دلالة قاطعة على الثقافة اللغوية التي كان يمتلكها هذا العالم الجلي فاطلاعه على ما رواه الثقات جعله يتوقف عند كل كلمة يشرحها ويبحث في تشعب دلالاتها، ويستبعد ما ذهب إليه بعض النحويين في إعرابها ضمن سياقها، كقوله في بيتي عمرو بن كلثوم:

    فما وجدت كوجدي أم سقب أضلته فرجعت الحنينا

    ولا شمطاء لم يترك شقاها لها من تسعة إلا جنينا



    يجوز نصب شمطاء من وجهين: "أحدهما على إضمار ر فعل دل عليه السامع معرفته به، كأنك قلت: ولا أذكر شمطاء، أي إن حنينها شديد، ويجوز أن يكون على قولك: ولا تنس شمطاء، أو نحو ذلك من الأفعال، وهذا كقولك: "إن كعب بن مامة" جواد ولا "حاتماً"، أي إنه جواد عظيم الجود، قد استغنيت عن ذكره باشتهاره. والآخر، أن يكون من ولاه المطر إذا سقاه السقية الثانية، أي هذا الحنين اتفق مع حنيني، فكأنه قد صار له ولياً، ويحتمل أن يكون من ولى يلي، وقلب الياء على اللغة الطائية" (الغفران، ص.ص 223،224). أو كقوله في

    بيت المتنبي "وأهل، كلمة أصل وضعها للجماعة، في قال: ارتحل أهل الدار، فيعلم السامع أن المتكلم لا يقصد واحداً بما قال، إلا أن هذه الكلمة قد استعملت للأحاد، فقيل: فلان أهل الخير وأهل الإحسان (...) وكأن هذه اللفظة، أصلها أن تكون للجمع ثم نقلت إلى الواحد، كما أن صديقاً وأميراً ونحوهما، إنما وضعن في الأصل للأفراد، ثم نقلن إلى الجمع على سبيل التشبيه. وكذلك قولهم: بنو فلان أخ لنا. ويقال: أهل وأهلة وأهلات في الجمع. قال الشاعر:

    فهم أهلات حول "قيس بن عاصم" إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا

    وقال بعض النحويين في تصغير آل الرجل: يجوز أويل وأهيل، كأنه يذهب إلى أن الهاء في أهل أبدلت منها همزة، فلما اجتمعت الهمزتان جعلت الثانية ألفاً، ومثل هذا لا يثبت. والأشبه أن يكون آل الرجل، مأخوذاً من آل يؤول إذ ا رجع، كأنهم يرجعون إليه أو يرجع إليهم.

    وأورد المعري في "الغفران" الخلاف القائم بين اللغويين في قولهم "فداء لك" يقول المعري في رده على ابن القارح: ألا يعجب من قول العرب: (فداء لك) بالكسر والتنوين كما قال الراجز:

    ويهاً فداء لك يا "فضاله" أجره الرمح، ولا تباله


    ويروي: (تهاله)

    وذكر "أحمد بن عبيد بن ناصح" وهو المعروف "بأبي عصيدة" أن قولهم (فداء لك) بالكسر إذا كان لها مرافع، لم يجز فيها الكسر والتنوين. ولا ريب أنه يحكي ذلك عن العلماء الكوفيين، وعينه في قوله "النابغة":

    مهلاً فداء لك الأقدام كلهم وما أثمر من ما ل ومن ولد


    فأما البصريون فقد رووا في هذا البيت: (فداء لك) بالضم. وهكذا يمضي أبو العلاء رده على ابن القارح في استعراض ثقافته اللغوية، التي – وإن بدت متأثرة بالنحو الكوفي فهي محيطة إحاطة تامة ومعمقة بأقوال أئمة النحو البصري، لذا فإن المعري يقف من المسائل اللغوية موقف المحلل المناقش الذي يستعرض الآراء مهما كان مصدرها فيردها أو يتبناها حسب ما يسمح له علمه الموسوعي ومنهجه العقلاني بذلك، وإذا كان الثراء اللغوي كان يمتلكه المعري سبباً في علو مكانته العلمية بين عاماء عصره فإنه السبب أيضاً في اختلاف الباحثين حول قيمة أفكاره.

    "فبينما يغالي (فون كريمر) A.V.Kremer في تقديره ويعده مفكراً أصيلاً يرى فيه "روزون" Rosen (...) على العكس من ذلك لغوياً لا مفكراً، يعنيه التركيب البلاغي الفني أكثر من الفكرة، كما أن سعيه وراء اللعب بالألفاظ كان يمكن أن يقوده إلى مسالك للفكر بعيدة عنه"(18).

    ويذهب بروكلمان إلى أن نيكلسون مصيب في عقد مقارنة بين المعري والشاعر الإغريقي يوريبيدس، فالإثنان فنان عظيمان يعرفان كل تراث عصرهما من العلم، غير أنهما ليسا مفكرين منهجيين.

    غير أن المعري وبالرغم من كل ما قيل فيه يبدو في "الغفران" مفكراً مطلعاً على شتى المعارف الدنيوية، ملماً بشتى ألوان الحياة الدينية وهو مع ذلك لم يقحم القضايا الفلسفية التي كانت مزدهرة في عصره والتي نهل منها في صبر وأنا ة وعزلة في موضوعات لا تحتمل هذه القضايا، فالمسائل اللغوية التي طرحها المعري في "الغفران" كانت مسائل لغوية صرفة، وتمت مناقشتها بطريقة علمية مأخوذة من طبيعة اللغة ذاتها، لذا، فإن القارىء لم يجد أثراً لعلم الكلام في مناقشة المعري للمسائل النحوية بالرغم من تسرب علم الكلام والفقه والفلسفة للدرس النحوي في الحقبة التي عاش فيها المعري، وهذا يدل دلالة واضحة على المنهج العلمي الذي اتبعه المعري، في تعرضه لمسائل اللغة والنحو في "الغفران" على عكس ما قاله بعض المستشرقين عن غياب المنهج عند المعري.
    **********************************************************************************************************************************
     
  6. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      26-12-2007 20:38
    ملاحظات عن الفن القصصي في رسالة الغفران
    ////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////
    تحقيق أحمد درويش
    ==========================================================

    يمثل نص "رسالة الغفران " لأبي العلاء المعري (363-449هـ)واحدا من النصوص الرئيسية في تاريخ النثر العربي خاصة والأدب العربي عامة ، ومن أكثر نصوص هذا الأدب تأثيرا على مسيرة الأجناس والنصوص الأدبية اللاحقة سواء على المستوى المحلي أو على المستوى العالمي.

    و" رسالة الغفران " نص شديدا لثراء تتنازعه مجالات عدة مثل تاريخ الأفكار، وعلوم اللغة ، والمذاهب الفلسفية ، والمعتقدات الدينية ، وتاريخ الشعر وغيرها من المجالات المتشابكة التي حظيت بعص اهتمامات الدارسين من قبل ، من خلال الحوار مع تجلياتها في رسالة الغفران ، لكنه أيضا نص ينتمي الى تاريخ الفن القصصي الخلاق ، الذي أسهم أبو العلاء بنصيب واخرفي تطويره من خلال نص الغفران .

    وهو نص وهب الامتاع القصصي دون شك للمنتمين الى عصره وثقا فته ، وهو قابل لأن يهب مزيدا من الامتاع للمنتمين الى عصور أخرى ودرجات من الثقافة مختلفة من خلال الحوار الفني معه . والمجال الذي اختارته "رسالة الغفران " مجال مبتكر يتعلق بعالم الغيب ومحاولة ارتياده واطلاق الحرية للخيال وللغة وللعلاقات بين الأزمنة والأمكنة وتذويب الفواصل بين الجمادات والكائنات الحية العجماء أو الناطقة ،وخلق متعة فنية ، من خلال هذا كله - للنثر المجنح في رحاب عالم اللغة ، متكئا أحيانا عل اختبار خيال الشعراء ليثبت قصوره في المواقف التي تفوق الخيال ،وعل ذاكر تهم ليثبت أنها قد تتلاشى أمام عصف الأهوال .

    واللافت للنظر في البدء أن اختيار "الثوب القصصي" لم يكن حتما على كاتب نص "الففران " فالنص يندرج في إطار أدب "الجواب " لأنه جواب عل رسالة ابن القارح ، وأدب الجواب يحكم غالبا بمبدأ المشاكلة ، فعندما يكون السؤال قصيدة أو أر جوزة أو مقامة أو رسالة أو لغزا، يكون التحدي المطروح عل المسؤول أن يجيب سائله من جنس بيانه ، ولم تكن رسالة ابن القارح لأدبي العلاء قصة حتى يكون الثوب القصي حتما في الرد عليها، وانما كانت خواطر شيخ حلبي قادته أعوامه الثمانون الى التأمل فيمن أغرتهم متع الحياة وغفلوا عن التوبة في حينها وقد عدد كثيرين منهم في تاريخ الفكر والشعر، وراعه السؤال المخيف : "كيف يصنع من عنده أن التوبة لا تصح من ذنب مع الاقامة على آخر؟ فلا حول ولا قوة "(1) . هل فتح هذا السؤال أمام أبي العلاء باب التحول من الحال الى المال من الندم الى الغفران ، فكانت هذه القفزة القصصية الرائعة ؟

    إن حركة القاص في مثل هذه الحالة لتبدو أكثر صعوبة من حركة القاص الذي يختار نقطة البدء بنفسه دون أن يكون قصه جوابا ،ودون أن يكون خياله صدى لواقع يحاوره ، واذا كانت هذه الصعوبة تجابه نقطة البدء في النص القصصي للغفران ، فإن صعوبة أخرى أكثر حساسية كانت تجابه نقطة الانطلاق والحركة ، ذلك أن العالم الذي تم اختياره لتنمو فيه "الحكاية " كان عالم الدار الآخرة ، وهو عالم لم تكن الصورة عنه محايدة في درجة الصفر يستطيع خيال القاص أن يشكلها كما يشاء، ولكنها كانت مملوءة بالتصور الديني في النصوص المقدسة وامتداداته في تأويلات الوعاظ والحكائيين مما يتطلب من القاص مهارة خاصة ينبغي أن تتبدى في طرافة الحركة الخيالية وجدتها من ناحية ، وعدم اصطدامها بالثوابت من ناحية ثانية .

    ولقد تبدت براعة أبي العلاء المعري في تناول الخيطين معا بين أصابعه منذ العبارات الأولى التي بدأ بها رده عل رسالة ابن القارح لكي ينمو بالرد الى قصة الغفران ، كان مفتاح الرد عنده هو عبارة : "الكلمة " وهو مصطلح يمتد عند أبي العلاء فيشمل "الرسالة " كما يشمل القصيدة (2) والكلمة هنا وقد أطلقت عل رسالة ابن القارح تتحرك تحركا استعاريا على مستويين ، أولهما المستوى الرأسي ومن خلاله يكون الكلم الصالح قابلا للصعود الى الملأ الأعلى :"ولعله ، سبحانه ، قد نصب لسطورها المنجية من اللهب ، معاريج من الفضة أو الذهب تعرج بها الملائكة من الأرض الراكدة الى السماء ، وتكتشف سجوف الظلماء بدليل الآية "اليه يصعد الكم الطيب والعمل الصالح يرفعه " ، ومن خلال هذا التصعيد الرأسي ، تصبح كلمات الرسالة قابلة لأن تصعد الى الملأ الأعلى وأن تحمل صاحبها معها.

    أما المستوى الثاني للنمو، الذي يمهد للدخول الى العالم القصص ، فهو مستوى "الترشيح " وهو تقنية معهودة لدى البلاغيين العرب يتم من خلالها النمو بالمشبه به أو المستعار منه والا يغال من خلاله في عالم (3) الخيال وأبو العلاء يلجأ الى هذه التقنية عندما يجعل الكلمة الطيبة شجرة لها أصول ثابتة وفروع سامقة وثمار يانعة في كل حين : "وهذه الكلمة الطيبة كانها المنية بقوله :"ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها(5).

    ويهذين المستويين من النمو جعل كلمات الرسالة التائبة أجنحة صعدت الى عالم الغفران وشجرا غرس في تربته وامتدت فروعه في أرجائه وأينع ثمره وآتى أكله . ولقد فتح ذلك "الترشيح " باب النمو التخييلي فأغصان الشجر وظلاله تستدعي المستظلين به : "والولدان المخلدون في ظلال تلك الشجرة قيام وقعود ... يقولون : ... نحن وهذه الشجر صلة من الله لعلي بن منصور، تخبأ له الى نفخ الصور"(6)أ، وأصل الشجر الثابت يستدعي ما يغذي نباته من المياه والأنهار "وتجري في أصول ذلك الشجر أنهار تختلج من ماء الحيوان ، والكوثر يمدها في كل آن (7).

    والأنهار الجارية تستدعي ما يسبح فيها ومن يجلس على شواطئها ومذاقها المتميز خمرا وعسلا ويستدعي ذلك ما قبل في الدنيا وأوانيها ومصير الشعراء الذين قالوا وسؤالهم عن المقارنة بين ما رأوا هنا وهناك ، وهكذا تتسع القاعدة "الترشيحية " لتصبح أصلا يتم التحرك خلاله والنمو به لصنع عالم حكائي مكتمل يتوالى توالد الحكايات فيه من منابع مختلفة ، حقيقية أو تخييلية أو أسطورية من جهة وانسانية وملائكية وشيطانية وحيوانية وجما دية وطبيعية من جهة أخرى، كما يتم تقديمها متداخلة أو مستقلة من خلال معارض حكائية متنوعة بدءا من الاستعارة الموحية الى الشريحة القصصية الى الموقف القصصي الى القصة المكتملة .

    إن اللغة التي يناط بها أن تسوغ هذا العالم الحكائي الغريب لكي تفر به من خيال سامع لم يره ، وتنقل اليه شيئا "لم يخطر على قلب بشر" لغة من شأنها أن تستعين بكثير هن أجنحة "الحرية " وأن تفك كثيرا من الارتباطات التي استقرت بين الدوال والمدلولات وبين المفردات بعضها والبعض الآخر وبين الخصائص التي ارتبطت بأنواع من الكائنات حتى أصبحت من لوازمها منطوقا ومفهوما، وذلك ما حاول أن يقدمه النص القصصي لرسالة الغفران.

    لقد أشار أبو العلاء في مرحلة مبكرة من النص الى أن نمط " القول " الذي يرد في نصه ، أشبه بلغة الأحلام :"وهذا فصل يتسع " وانما عرض في قول نام ، كخيال طرق في المنام (8) وهكذا الحكم وحده يحرر اللغة ، من مثير من قيود الترابط المألوفة . غير أن ومحدودية اللغة البشرية في نهاية المطاف ومحدودية المعنى المتصور في ذهن السامع 0 من خلال خبرته البشرية ، تضع أمام القاص ، المجنح عقبة أخرى، فهو إذا أراد مثلا أن يصف "العسل " في عالم ما وراء الغيب فيما ~ تشير اليه الآية الكريمة "وأنهار من عسل مصفى" وجد أنه في خلد السامع يشير الى شي ء حلو المذاق وأن الشعراء يستلهمون المعنى في المواقف المعنوية العذبة في مثل قول الحارث بن كلدة :
    فما عسل ببارد ماء مزن
    على ظمأ لشاربه يشاب
    بأشهى من لقيكم إلينا
    فكيف لنا به ... ومتى الاياب

    ولكنه يحس بأن عسل الجنة تفوق لذته آلاف المرات ما تحتمله كلمة "العسل "، البشرية ، فيريد أن يلجأ الى "تحرير" الكلمة من محدودية الدلالة وأن يفك عقالها ، فيلجأ الى كتامة نوع من "التضاد" بين المدلول الراسخ والمدلول الجديد في المناخ الجديد، فيكون موقع "العسل " السائد من مدلوله المستحدث كموقع الزفت والقطران من الفالوذج ، يقول : "ولو أن الحارث بن كلدة طعم من ذلك الطريم (العسل ) لعلم أن الذي وصفه يجري من هذا المنعوت مجرى الافل "الزفت " الشاقة من الرعديد (الفالوذج الرجراج ) (9). وكذلك الشأن مع كلمة "السلوى" التي يستخدمها الشعراء فإذا ما قورنت بالسلوى في عالم الغيب كانت أشبه بشجر القار المر النابت في الرمال (10).

    والقاص الذي يتكرر منه هذا الصنيع في مواقف مختلفة يسعى الى أن يحرر اللغة _ وهي اداته الرئيسية في بناء عالمه الجديد - من القيود التي تحد من مدلولاتها في الذهن - وأن يسد الفجوة بين الطاقة المتنافية للمفردات اللغوية في الاستعمال البشري والطاقة غير المتنافية للخيال الأخروي.

    إن "الحرية " مفتاح رئيسي لفهم بعض أسرار الروعة والابهار في عالم أبي العلاء القصصي، وهي حرية تعود معها الكائنات في خيال القصاص الى عجينتها الأولى فتكون قابلة لاعادة التشكيل واستكمال النواقص واقصاء المألوف ، وتلك واحدة من مفاتيح الفن العظيم في كل زمان ومكان ، فهذه رحلة القنص التي يقوم بها ابن القارح ومعه عدي بن زيد في الجنة وهما يطاردان قطيعا من البقر والحمر الوحشية على سابحين من خيل الجنة فإذا ما اقتربت أطراف السنان من ذيل بقرة ، تكلمت(11) : "امسك رحمك الله ، فإني لست من وحش الجنة التي أنشأها آلله ولم تكن في الدار الزائلة ولكنني لحت في محلة الغرور (الدنيا) أروا في بعض القفار ، فمر بي ركب مؤمنون قد كرى زادهم فمرعوني واستعانوا بي على السفر فعوضني الله بأن أسكنني في الخلود" وعلى النحو نفسه يتحدث حمار الوحش عندما يوشك أن يصاد ليخبر أنه دخل الجنة لأن جلده صنعت منه القراب فشرب منها الصالحون وتطهروا (12) . وما دامت البقرة والحمار قد كسرا قيد الصمت ودخلا عالم الكلام فإن "من شأن طير الجنة ، ان يتكلم (13) كما يقول ابو العلاء في صورته القصصية الجميلة التي يقدمها لركب الأوز الذي مر على روضة في الجنة فيها ابن القارح وجماعة معه فيقلن :"ألهمنا أن نسقط في هذه الروضة فنفني لمن فيها ... فينتفضن فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنة ، وبأ يديهن المزدهر وأنواع ما يلتمس به الملاهي فيعجب وحق له العجب ، وليس ذلك ببديع من قدرة الله جلت عظمته " ولسوف تتألق فرقة الراقصات من الأوز ، العازفات البارعات ويصمدن أمام كل اختبار في الموسيقى يطرح عليهن ، ويعزفن بكل لحن معهود أو غير معهود ، ويبدين من ألوان الجمال والدلال ، ما يجعل ابن القارح يقترح على النابغة الجعدي . وكان في حالة غضب إثر نقاش حاد جرى بينه وبين الأعشى _أن يتمتع باحدي هؤلاء الحوريات قائلا(14) "يا أبا ليلى إن آت جلت قدرته من علينا بهؤلاء الحور العين اللواتي حولهن عن خلق الأوز ، فاختر لك واحدة منهن فلتذهب معك ال منزلك ، تلاحنك أرق اللحان وتسمعك ضروب الألحان ، فيقول «لبيد بن ربيعة » إن أخذ أبو ليل قينة وأخذ غيره صكها، أليس ينتشر خبرها في الجنة فلا يؤمن أن يسمى فاعلو ذلك أزواج الأرز؟ فتضرب الجماعة عن اقتسام أو - القيان ",.

    إن قدر الحرية المتاحة أمام التشكيل الحكائي يتسع فلا يصبح وقفا على كسر حاجز الصمت ، وتفجر اللفة على لسان العجماوات ، ولكنه يتقداه الى كسر حاجز "الصورة الثابتة " والانتقال الى طواعية التشكيل وهي حرية تفجر ما لا نهاية له من الصور المحتملة ، وتتحول معها أحلام الاستعارات في اللغة الى مواقف قصصية رائعة ، ألم تربط اللغة في استعاراتها طويلا بين الأنثى والفاكهة فكان التفاح في الخدود والرمان في الصدور والورد في الشفاه والعنم في أطراف الأصابع وغير ذلك مما أبدعته استعارات اللغة ؟ إن حرية التشكيل تتجاوز ذلك الموقف الاستعاري لتجعل القاص يحدثنا عن "الفاكهة الأنثى" وعن شجر في الجنة يعرف بشجر الحور: "يجيء الى حدائق لا يعرف كنهها الا آلله فيقول له الملك : خذ ثمرة من هذا الثمر فاكسرها فإن هذا الشجر يعرف بشجر الحور، فيأخذ سفرجلة أو رمانة أو تفاحة أو ما شاء اشر من الثمار فيكسرها فتخرج منها جارية حوراه عيناها تبرق لحسنها حوريات الجنان ، فتقول : من أنت يا عبدالله فيقول :أنا فلان ابن فلان ، فتقول : إني أمني النفس بلقائك قبل أن يخلق الله الدنيا بأربعة الآن سنة "(15).

    ولا تقف حرية التشكيل التي يطلقها القاص من عقالها، عند حد رؤية الأشياء على غير ما ألفت عليه في الواقع الجامد، حيوانات تتكلم ، واوز تفني وتعزف وترقص ، وحوريات يخرجن من ثمار السفرجل والرمان والتفاح ، وانما تتعدى ذلك الى نقل جانب من هذه الطاقة التي هي للخالق وحدث الى المخلوق الصالح ، فيكون في طوق هذا المخلوق في الجنة أن يشكل المخلوقات التي يحبها عل ما يهوى ، هذا هو ابن القارح وقد منح واحدة من حوريات "الفاكهة الأنثى" يخطر في باله وهو ساجد انها ربما تكون _ على حسنها _ ضاوية الأرداف ، فإذا به وقد قام من سجوده يجدها ذات أرداف لا نهاية لها فيتمنى أن تصفر عن ذلك "فيقال له : أنت مخير في تكوين هذه الجارية كما تشاء فيقتصر من ذلك على الارادة (16).

    وتشيع هذه الظاهرة التي تلفي الفواصل بين تمني الأشياء في النفس وتحققها في الخارج ، فإذا تمنى ابن القارح وعدي بن زيد والنابغة الذبياني والنابغة الجعدي أن يكون معهم الأعشى وقالوا : "فكيف لنا بأبي بصير ؟ فلا تتم الكلمة إلا وأبو بصير قد خمسهم فيسبحون الله ويقدسونه ويحمدونه على أن جمع بينهم د،وهو على جمعهم إذا يشاء قدير"(17)، واذا تمنى النابغة أن يحضر رواة الشعر مجلسه ليؤيدوا رأيه فلا يكاد ينطق بالقول "إلا والرواة أجمعون قد احضرهم الله القادر"(18)

    (19 ) واذا اشتاق ابن القارح الى سماع غناء القيان في فسطاط مصر وفي بغداد لاحدي القصائد ، سارعت جماعات من الطير اللاقطة لكي يتحولن الى "خلق حور غير متساقطة تلحن قوله "المخبل السعدي" :

    ذكر الرباب وذكرها سقم

    وصباد وليس لمن صبا عزم

    وإذا ألم خيالها طرفت

    عيني فماء شئونها سجم

    فلا يمر حرف و حركة إلا ويوقع مسرة لو عدلت بمسرات أهل العاجلة منذ خلق الله آدم الى أن طوى ذريته من الأرض لكانت الزائدة على ذلك ، زيادة اللج المتموج على دمعة الطفل "(19).

    وتقنية "حرية التشكيل " التي تفتح كثيرا من الأبواب المؤدية الى عالم البناء القصص المتميز في رسالة الغفران ، تتجسد أحيانا في صورة "إعادة التشكيل " وهي صورة تبرز كثيرا من الأبعاد الانسانية لهذا العمل الأدبي الكبير، وتقوم فكرة اعادة التشكيل على مبدأ "تعويض النواقص " واحداث التوازن لمن حرموا قدرا من أوجه الجمال أو الكمال في الدنيا العاجلة ، فتتحول صورهم من خلال اعادة التشكيل الى صور تبلغ درجة الكمال في النقيض المفقود، وأبو العلاء الذي حرم نعمة البصر وحرم ألوان "الحرية " المترتبة عليها في الدنيا واختار أن يكون رهين المحبسين ،وهو الذي يرسم بقلما صور الجمال ويعوض النواقص للمحرومين ، فها هو الأعشى "وقد صار عشاه حورا معروفا، وانحناء ظهره قواما موصوفا "(20) وهاهو زهير بن أبي سلمى الذي كان رمزا لحمل ثقل الشيخوخة وأعبائها والسأم من الحياة ، يرتد في الجنة " شابا كالزهرة الجنية ... كأنه ما لبس جلباب هرم ولا تأفف من البرم ،وكأنه لم يقل :

    سئمت حولا – لا – أبالك- يسأم(21)

    ومثله لبيد بن ربيعة الذي يتردد بيته المشهور في السأم :

    ولقد سئمت من الحياة وطولها

    وسؤال هذا الناس كيف لبيد ؟

    هاهو يمر في الجنة وهو "شاب في يده محجن ياقوت "(22).

    أما الشعراء الخمسة العور من بني قيس : تميم بن مقبل وعمرو بن أحمر والشماخ بن ضرار وعبيد بن الحصين ، وحميد بن ثور، فعندما يردهم ابن القارح في الجنة يقول : "ما رأيت أحسن من عيونكم في أهل الجنان ، فمن أنتم خلد علكم النعيم ؟ فيقولون : نحن محوران قيس "(23) وليست اعادة التشكيل وتعويض النواقص في العالم القصص لرسالة الغفران وقفا على مشاهير الشعراء والكتاب وحدهم بل إنها تقنية تمتد الى البسطاء من عامة الناس وتفتح أمامهم آفاق الآمال والأحلام ويرمز لهم النص القصصي بامرأتين دميمتين فقيرتين احداهما من حلب والأخرى من بغداد، ولكنهما تتحولان الى اثنتين من الحور العين يلتقي بهما علي بن منصور فينبهر بالسحر والجمال ، تقول احداهما له : "أتدري من أنا يا علي بن منصور؟ فيقول : أنت من حور الجنان اللواتي خلقكن الله جزاء للمتقين ، وقال فيكن : "كأنهن الياقوت والمرجان " فتقول : أنا كذلك بإنعام الله العظيم ، على أني كنت في الدار العاجلة أعرف بـ "حمدونة " وأسكن في باب العراق بحلب وأبي صاحب رحى وتزوجني رجل يبيع السقط ، فطلقني لرائحة كرهها في فمي وكنت من أقبح نساء حلب ، فلما عرفت ذلك زهدت في الدنيا الفرارة وتوافرت على العبادة وأكلت من مغزلي فصيرني ذلك الى ما ترى.

    وتقول الأخرى : أتدري من أنا يا علي بن منصور؟ أنا "توفيق السوداء التي كانت تخدم في دار العلم ببغداد ... وكنت أخرج الكتب الى النساخ فيقول : لا إله إلا الله ، لقد كنت سوداء فصرت أنصع من الكافور"(24).

    إن تقنية "اعادة التشكيل " في الفن القصصي لرسالة الغفران لا تتوقف عند ظاهرة "تعويض النواقص " بل قد تتحقق من خلال الصورة المقابلة التي يتم فيها احداث التوازن من خلال "سلب المرأيا الخاصة " من الذين كانوا يمتعون بها في الدنيا ، وخلعها على من كانوا قد حرموا منها والصورة القصصية التي تجسد ذلك في الغفران هي صورة "الجن " الذين كانوا قد أعطوا في الدنيا القدرة على التشكل والتحول فحرموا في الآخرة ميزة أن يظلوا شبابا كأهل الجنة من الأنس ، وأصبحت تظهر عليهم علائم الشيخوخة كما حدث مع الجني الذي حاوره ابن القارح في الجنة : أديا أبا هدرش مالي أراك أشيب وأهل الجنة شباب ؟ فيقول : إن الانس أكرموا بذلك وأحرمناه لاننا أعطينا الخولة في الدار الماضية فكان أحدنا إذا شاء صار حية ، وان شاء صار عصفورا وان شاء صار حمامة فمنعنا التصور في الدار الآخرة "(25).

    وتقنية "اعادة التشكيل " تبلغ مداها عندما ترى الكائنات تنتقل من "صورة " الى "أخرى" ثم تعود الى صورتها الأولى ، دون أن تذوق "الألم " الذي يصاحب التحول عادة ، لأن الجنة تخلو من الألم حتى الفريسة التي تصاد وتؤكل تحس بلذة الصيد كما يحس بها الصائد وتشعر بمتعة المأكول كما يشعر هو بمتعة الآكل وها هو "أسد القاصرة " يقول : "أنا افترس ما شاء الله فلا تأذى الفريسة بظفر ولا ناب ولكن تجد من اللذة كما أجد بلطف ربها العزيز"(26)، وها هو طاووس يمر أمام معمر بن المثني فيتمنى أن لو وجده أمامه مطبوخا بالخل "فيتكون كذلك في صفحة من الذهب ، فإذا قضى منه الوطر ، انضمت عظامه بعضها ثم تصير طاووسا كما بدأ، فتقول الجماعة ، سبحان من يحيي العظام وهي رميم "(27) فإذا مرت من أمام النحاة أرزة تمناها كل على طريقة الطهي التي يحبها "فتتمثل على خودن من الزمرد، فإذا قضيت منها الحاجة عادت بإذن الله الى هيئه ذوات الجناح "(28) وهكذا يستطيع أبو العلاء من خلال "حرية التشكيل "، وما يتوالد عنه من تقنيات فرعية أن يقودنا الى منابع جديدة للامتاع القصصي من خلال إعادة تشكيل الواقع واذابة قيوده والتخفيف من جهامته و"أحرى بنا أن نزعم أن الفناء الذي يملأ أرجاء رسالة أبي العلاء لا يعدو _ إذا خلصت نفوسنا - نوعا من تحرير النفس من الحزن والخوف "(29).

    إن قضية "المنابع الجديدة " تثير التساؤل حول تنوع منابع الحكاية ومصادرها في رسالة الغفران ،وكما يقول رولاند بارت : "إن كل مادة تصلح لأن يشكل منها الانسان حكاية . يمكن أن تكمن الحكاية في الصورة الثابتة أو المتحركة أو في الاشارة أو في خليط من الاشارات والصور والكلمات ، انها كامنة في الأسطورة والخرافة والقصة والرواية والملحمة والتاريخ والمأساة والملهاة والمشهد الصامت واللوحة المرسومة والزجاج الملون ، والأحداث المختلفة والحوار بين الأفراد ، وهي موجودة تحت أشكال تكاد أن تكون غير متنامية في كل الازمنه والأمكنه في كل المجتمعات (30 ).

    والواقع أن رسالة الغفران امستلهمت كثيرا من هذه المنابع وفي مقدمتها التاريخ الذي استقت منه ذاكرة أبي العلاء كثيرا من الأحداث والتقطت كثيرا من الأسماء فوظفتها من خلال التحوير واعادة التشكيل توظيفا فنيا على نحو ما أشرنا ، ولقد نعجب لكثرة الأسماء التاريخية التي وردت في رسالة الغفران والتي تكاد تبلغ ستمائة اسم (31)

    مشكلة غابة كثيفة من الأسماء الحقيقية كان يمكن أن تكون عائقا أمام حرية الحركة لدى الحاكي التخييلي ولكن أبا العلاء كان يعرف طريقه الخاص في المسارب الضيقة في غابة الأسماء ، ولقد يلاحظ أن معظم هذه الأسماء يلتقي بها ابن القارح في الجنة أو في مشاهد الحشر وأن نفرا قليلا هم الذين اضطرهم أبو العلاء أن يرافقوا إبليس في النار ، حتى أن بعضا من شعراء الجاهلية تسرب الى الجنة لأن بيتا قاله قد غفر له ، والى جانب التاريخ توجد "الأساطير" كمصدر قصصي للحكاية عند أبي العلاء ومعظم هذه الأساطير تنتمي الى عالم الحيوانات والزواحف مثل أسطورة الحية الوفية "ذات الصفاء"(32) التي وفت لصاحبها وكانت تصنع اليه الجميل ، ولكن صاحبها لم ينس أنها كانت قد قتلت أخاه من قبل فحاول أن يغدر بها وأن يضربها بالفأس وهي على الصخرة "فلما وقيت ضربة فأسه ، والحقد يمسك بأنقاسه ، ندم على ما صنع أشد الندم ... فقال للحية مخادعا: هل لك أن نكون خلين ؟ فقالت : لا أفعل وان طال الدهر " وتلك الحية يلتقي بها ابن القارح في الجنة جزاء وفائها.

    ومنها الحية التي كانت تسكن في دار الحسن البصري وحفظت عنه القرآن من أوله الى آخره (33). فلما توفي رحمه آلله . انتقلت الى جدار في دار أبي عمر بن العلاء فراجعت عليه القرآن وقراءاته وهي تحاور ابن القارح في القراءات ورواياتها وعندما يشتد عجبه تدعوه الى الاقامة وتعده بأنها يمكن أن تنتفض فتصير مثل أحسن غواني الجنة ، لو ترشف رضابها لعلم أنه أفضل من الترياق ، ولو تنفست في وجهه لعلم أن ريح عبلة التي كان يحن اليها عنترة في قوله :

    وكأن فارة تاجر بمقسمة سبقت عوارضها إليك من الفم

    ليست بجانب ريحها إلا كرائحة البخر، في الفم ، لكن ابن القارح يصاب بالذعر من اقتراحها وينصرف .

    ومن عالم الحيوان يلتقي ابن القارح في الجنة "بأسد القاصرة " ويعجب عندما يجده يلتهم من الظباء المئة والمائتين وهو الذي كان في الدنيا "يفترس الشاة العجفاء فيقيم عليها الأيام لا يطعم سواها شيئا"(34).

    فإذا ما سأله عن خبره ، عرف أنه الأسد الذي استجاب لدعوة الرسول كيف عندما جاءه عتبة بن أبي لهب وكان النبي قد زوجه ابنته رقية قبل البعثة ، فلما بعث جاء عتبة وقال : يا محمد ، أشهد أن قد كفرت بربك وطلقت ابنتك ، فدعا الرسول ربه أن يسلط عليه كلبا من كلابه ، فخرج الى الشام مع ركب حتى إذا كانوا بوادي القاصرة وهي أرض فيها سباع نزلوا فافترشوا صفا واحدا فقال عتبة : أتريدون أن تجعلوني حجرة ، لا والله لا أبيت إلا في وسطكم ، فجاء السبع ليلا وهم نائمون ،فشم رؤوسهم رجلا رجلا، حتى انتهى الى عتبة فأنشب انيابه في صدغيه ، فصاح : قتلتني دعوة محمد (35)، ويلتقي كذلك في الجنة بالذئب الذي تكلم على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما خاطب أهبان الأسلمي وكان في غنم له فهجم عليها ذلك الذئب فلما صاح به الاسلمي ، وكان الذئب جائعا جريحا منذ ليال كثيرة أقعى على ذيله وخاطبه قائلا: أتحول بيني وبين رزق قد ساقه الله إلي ؟(36).

    والى جانب الأساطير قد تكون الصورة الاستعارية العابرة تبعا لحكاية طريفة ، فأنهار الخمر في الجنة "تلعب فيها أسماك على صور السمك بحرية ونهرية وما يسكن في العيون التبعية إلا أنه من الذهب والفضة وصفوف الجواهر ... فإذا مد المؤمن يده الى واحدة من ذلك السمك شرب من فيها عذبا" (37) فهذه الصورة الاستعارية التي يتردد نمطها كثيرا في رسالة الغفران _ تفجر نبعا للحكاية ، يضاف الى ينابيع الانسان والجان والزواحف والطير والحيوان .

    ينسج أبو العلاء من هذه الروافد ألوانا من الفن القصص تتراوح أشكالها بين التعبير القصصي والمشهد القصصي ، والمشاهد المتتابعة والقصة المكتملة ، ويتحقق في بعضها الكثير من العناصر المألوفة في الفن القصصي، من التشويق والعقدة والمفاجآت للحل .

    وفي إطار المشاهد القصصية المتتابعة ، تأتي حكاية نجاة الأعشى من النار، فقد سأله ابن القارح عندما فوجيه به في الجنه (38)؟ : "كيف كان خلاصك من النار، وسلامتك من قبيح الشنار؟ فيقول : سحبتني الزبانية الى سقر فرأيت رجلا في عرصات القيامة يتلألأ وجهه تلؤلؤ القمر. والناس يهتفون به من كل أرب : يا محمد يا محمد.، الشفاعة الشفاعة !! نمت بكذا ونت بكذا، فصرخت في أيدي الزبانية : يا محمد أغثني فإن لي بك حرمة ! فقال : يا علي ، بادره فانظر ما حرمته ؟ فجاءني علي بن أبي طالب صلوات آت عليه وأنا أعتل كي ألقى في الدرك الأسفل من النار، فزجرهم عني وقال : ما حرمتك فقلت أنا القائل :

    فاليت لا أرثي له من كلالة

    ولا من حفي حتى تلاقي محمدا

    نبي يرى ما لا ترون ، وذكره

    أغار لعمري في البلاد وأنجدا

    ولقد كنت أؤمن بالله وبالحساب وأصدق بالبعث وأنا في الجاهلية الجهلاء.. فذهب علي الى النبي، (صلى الله عليه وسلم) فقال :يا رسول الله ، هذا أعشى قيس قد روي مدحه فيك ، وشهد أنك نبي مرسل ، فقال : هلا جاءني في الدار السابقة ؟ فقال علي : قد جاء ، ولكن صدته قريش ، وحبه للخمر فشفع لي ، فأدخلت الجنة على الا أشرب فيها خمرا فقرت عيناي بذلك .. وكذلك من لم يتب من الخمر في الدار الساخرة ، لم يسقها في الآخرة ".

    ويلاحظ أن المشاهد القصصية تتوالى في سهولة ويسر بل وفي مستوى لفري ميسور يختلف عن المستوى الذي تلجا اليه رسالة الغفران ذاتها عندما يتصل الأمر بمناقشة اللغويين أومحاجة النحاة أو محاكاة الشعراء من بني الانس أو الجان ،وكأن القص في ذاته يمثل مستوى من مستويات التأليف يلبس له الراوي مسرحه الخاصة ، ولا يجيء عرضا أثناء الحديث عن أمر آخر، ولنتأمل في "العقبات " التي تنتشر في المجرى القصصي وتجعل أنقاس السامع لاهثة وراء الحدث ، فبين سحب الزبانية ومصادفة رؤية وجه الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهو اخ الأعشى واصرار الزبانية ، وقدوم علي وسحب الأعشى الى الدرك الأسفل ، وزجر علي لهم ، وسماع القصيدة والاعتراض بأنها لم تقل على سمع الرسول في الدنيا والاعتذار بمؤامرة تريش وحب الخمر والانتهاء بالشفاعة مع شرط يمثل المفاجأة الأخيرة ، الحرمان من شرب الخمر لعاشق الخمر في جنة تجري بها الخمر انهارا، هذه المواقف المتعارضة المتكاملة تشف عن جانب كبير من براعة القصاص في رسالة الغفران .

    على أن القصة التي بلغت أوج الاكتمال في رسالة الغفران دون شك هي قصة ابن القارح نفسه في موقف الحشر، فهي تعد قصة مكتملة بالمعنى الفني، وهي قد سميت "قصة " على لسان أبي العلاء نفسه عندما قال ابن القارح في مقدمتها : "أنا أقص عليك قصتي"(39) وهو تعبير يحل محله في المشاهد القصصية الأخرى مقدمات أخرى مثل ما خبرك ؟ ما حدثك أخبرني عن كذا. . الخ .

    وهي من حيث الكم تحتل أكبر مساحة متصلة لموقف واحد يحتل نحو خمس عشرة صفحة (40) الى جانب تغير الأماكن التي تدور فيها الأحداث من مشهد الى مشهد ، واختلاف شخوص الأبطال كذلك من موقف الى موقف ومرد هذا التميز دون شك ، يعود الى أن هذه القصة تعد محور "رسالة الغفران " فهي تمثل الرد الرئيسي على رسالة ابن القارح والاجابة على تساؤلاته الحيري حول قبول التوبة واحتمال تحقق الغفران ، وهي اجابة لم يشذ أبو العلاء أن يجعلها من جنس السؤال فتكون طرحا لاحتمالات أو سردا لأدلة ولكن أراد أن يجعلها معادلا فنيا قصصيا ، لا يخلو فيها تحقق الغفران المرجو من عقبات يشيب لها الولدان ، وتتعرض خلالها صكوك التوبة للضياع والفقدان ويحل اليأس محل الأمل في كثير من مراحل الطريق ويحقق التشويق والاثارة القصصية هدفها الفني حتى يتحقق التطهير في نهاية المطاف بالخلاص والغفران .

    وتبدأ القصة باستشعار ابن القارح للبعد الزمني الطويل ليوم الحشر "في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة " ويشتد عليه الظمأ، وينظر في كتاب أعماله حين يقدم له فيجد حسناته قليلة متفرقة تفرق النبات الضئيل في العام الجديب وفي آخرها أمل للتوبة كأنه مصباح راهب رفع لسالك السبيل ، ويقيم ابن القارح في الحشر زهاء شهرين يخاف بعدها من الفرق في العرق فيبحث عن حيلة للخروج من الموقف ، ويفكر ؤ كتابة قصيدة يمدح بها رضوان خازن الجنة ، فيكتبها وينشدها على مقربة منه فلا يلتفت اليه فيظن أن القافية لم تعجبا فينتظر نحو عشرة أيام أخرى ليكتب قصيدة جديدة في مدح رضوان على قافية مغايرة فيكون مصيرها كمصير الأولى ، ويجرب على كل الأوزان والقوافي دون فائدة وأخيرا يصرخ في رضوان مزهرا له أنه أنشد على مسامعه عشرات القصائد في مدحه لينجيه من العطش فلم يستجب له ، ويسأله رضوان "وما الأشعار؟ فإني لم أسمع بهذه الكلمة قط إلا الساعة".

    ويحاول أن يشرح له طريقة العرب في استمالة النفوس عن طريق الشعر فلا يجد لديه أذنا صدغية .

    ويتركه الى خازن آخر من خزنة الجنة يقال له " زفر " فيجرب معه قصائد المديح دون جدوى ويقول له زفر عن شعر المديح : "أحسب هذا الذي تجيشني به قرآن إبليس المارد ولا ينفق على الملائكة ".

    فيئس من تأثير الشعر على خزنة الجنة وبحث عن طريقة أخرى للشفاعة وبينما هو يتجول رأى وجها نورانيا تحيط به كوكبة متلألئة فسأل فعرف أنه حمزة وحوله شهداء أحد ، فكتب قصيدة يمدح بها حمزة ، ومع أن حمزة استنكر الشعر في موقف الحشر إلا أنه في نهاية الأمر أرسل معه رجلا الى علي بن أبي طالب ليخاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) في أمره فلما سمع على قصته ، سأله عن صحيفة حسناته ، ففتش عنها فتبين أنها ضاعت منه عندما وقف في زحام حلقة لجماعة من النحاة يتناقشون وفيها صك التوبة فلما رجع يبحث عن الصك لم يجده فحزن حزنا شديدا ، لكن عليا أخبره بأنه يكفي أن يجد شاهدا يشهد على توبته في الدنيا، فقال إنه قاضي حلب عبدالمنعم بن عبدالكريم فنودي به فحضر بعد لأ ي وأقر بتوبته ومع ذلك فعندما سأل عليا أن يشفع له ليصرفه من موقف العطش ، قال له : إنك تروع مطلبا صعبا ولك أسوة بولد أبيك آدم .

    جماعة من "العترة " الطيبين فذكرهم بأنه كان إذا فرغ من كتاب قال "وصلى آلله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى عترته الأخيار الطيبين " ورجاهم يحق هذا الدعاء أن يسألوا له فاطمة عليها السلام إذا هي " خرجت من الجنة أن تسأل أبدها لمحي يشفع له ، ويخرج موكب فاطمة وفيه السيدة خديجة وأبناء النبي (صلى الله عليه وسلم) ممن ماتوا أطفالا ، ويطرح عليه أمره فتأمر بأن يتعلق بركاب أخيها ابراهيم لكي يجتاز الزحام وصولا الى مقام النبي في موقف الحشر، وينتهي ، الأمر بالشفاعة له والأذن بدخول الجنة بعد اظهار صك التوبة وختمه بخاتم النبوة .

    وعندما يؤذن له بعبور الصراط يهتز اهتزازا شديدا فتؤمر إحدى الجواري لكي ` تصطحبه وهو يتساقط يمينا ويسارا م فتقترح عليه أن تريحه وأن تحمله على 0 ظهرها فتعبر به الصراط كالبرق الخاطف ، لكنه عندما يصل الى باب الجنة يسأله رضوان عن "جواز" الدخول ، ويتبين له أنه لا يحمل جوازا ويكاد يعود أدراجه من جديد لولا أن التفت ابراهيم صلى آتو عليا وسلم . فراني وقد تخلفت عنه ، فرجع الي فجذبني جذبة حصلني بها في الجنة .

    الا يحتمل أن تكون هذه القصة الجميلة هي الرد الفني الذي تشكل في نفس أبي العلاء عند تلقي رسالة ابن القارح ، لكنه خاف إن هو قدمها وحدها أن تثور التساؤلات عن مشروعية استشراف عالم الغيب ، والقدرة على تصور ما يدور فيه ، . وتقريبه الى النفوس بلغة تألفها فكانت بداية الرحلة الطويلة عند أبي العلاء من الكلمة الطيبة للشجرة الطيبة للأصل الثابت وتحته الأنهار للفرع الممتد في السماء ينشر الظلال ، للصحاب يتسامرون على شواطيء الأنهار وتحت ظل الأشجار ويشربون خمر الجنة وعسلها ، ثم تمتد الرحلة فتشمل كثيرا من الأدباء والشعراء ، ويجيء ابن القارح بينهم فلا يكون حديثه مستغربا ولا غفرانه مستبعدا، ويكتسب الأدب العربي والعالمي من وراء هذا كله عملا أدبيا رائدا وفنا قصصيا رائعا؟
    ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
    الهوامش :

    ا - رسالة ابن القارح تحقيق د. عائشة عبد الرحمن ص 55 من طبعة رسالة الغفران دار المعارف - الطبعة الثامنة .

    2- يستخدم ابو العلاء في التعبير عن القصيدة عدة مصطلحات في رسالة الغفران ، ومن بينها مصطلح الكلمات - في مثل قوله في الحوار مع أمرىء القيس: "اخبرني عن كلمتك الصادية والضادية والنونية " ثم يذكر مطالع نصوص تنتهي بهذه القوافي : انظر ص 315 رسالة الغفران .

    3- السابق ص 140.

    4- كان الاسراف في هذه التقنية مثار جدل بين النقاد المحافظين والشعراء المجددين كما حدث في قضية الجدل حول شعر أبي تمام .

    5- رسالة الغفران : ص 140 .

    6- السابق ص ا 14 .

    7- السابق ص 141.

    8- السابق س 164.

    9- السابق 166.

    10- السابق ص 167 .

    11- السابق ص 198.

    12 - السابق ص 198 .

    13- السابق 212.

    14- السابق ص233.

    15 - السابق ص 288.

    16- السابق ص 289.

    17- السابق ص 204.

    18- السابق ص 206.

    19- السابق ص 224.

    20- السابق ص 178.

    21- السابق ص 182.

    22- السابق ص 215.

    23- السابق ص 237 .

    24- السابق ص 286.

    25- السابق ص 393.

    26- السابق ص 305.

    27- السابق ص ا 28.

    28- السابق 283.

    29- د. مصطفي ناصف - محاورات مع النثر العربي ، سلسلة عالم المعرفة سنة 1397 (العدد218) ص 251.

    30- R. Barthes, Poetique du reeit..

    E. Seuil Paris 1977 .p 7.

    31- انظر فهارس الاعلام في طبعة د. عائشة عبدالرحمن ص 595 وما بعدها.

    32- رسالة الغفران ص 364.

    33- السابق ص 367.

    34- السابق ص 204.

    35- الغفران ، هامش ص 304 والمراجع المبينة به .

    36- السابق ص 307.

    37- السابق ص 168.

    38- السابق ص 178- 181 بتصرف يسير.

    39- السابق ص 248.

    40- في طبعة د. بنت الشاطيء، من ص 246 الى 262.
     
  7. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      26-12-2007 20:49
    ألا في سبيل المجد أنا فاعل‏

    عفاف وإقدام وحزم ونائل‏

    وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم‏

    بإخفاء شمس ضوؤها متكامل‏

    تعدُّ ذنوبي عند قوم كثيرة‏

    ولا ذنب لي إلا العلى والفضائل‏

    ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً‏

    تجاهلت حتى ظُنَّ أني جاهل‏
     
    1 person likes this.
  8. عفريتة

    عفريتة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏22 فيفري 2008
    المشاركات:
    169
    الإعجابات المتلقاة:
    330
      05-03-2008 21:33
    أحسنت يا أخي فقد قدّمت ما يمكّن من الوقوف على المطلوب
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...