هل يستطيع التلميذ؟ د. محمد كشكار

mkochkar

مفكّر وباحث
إنضم
21 ماي 2010
المشاركات
323
مستوى التفاعل
1.229
هل يستطيع التلميذ بناء معرفة علميّة جديدة فوق معرفته غير العلميّة القديمة؟ د. محمد كشكار

استوحيت هذا المقال من محاضرة حضرتها في سوسة بمناسبة الأيام الوطنيّة الثالثة لتعلّميّة علوم الحياة و الأرض في 22 و 23 نوفمبر 2008 بسوسة. قدّم هذه المحاضرة الأستاذ
André Giordan
مدير مخبر فلسفة و تعلميّة العلوم بجامعة "جنيف" في سويسرا حول تصوّرات التلميذ أو المكتسبات التي يأتي بها للقسم
Les conceptions de l’apprenant
وبدأ بطرح النماذج المختلفة التي نستعملها لمعالجة هذه التصورات غير العلمية

.- النموذج الأول

نتجاهل هذه التصورات غير العلمية لدى التلميذ و نعتبر هذا الأخير وعاء فارغا و على المدرس أن يملأه بالمعرفة أو نعتبره صفحة بيضاء يكتب فيها المعلّم ما يشاء. سادت هذه المقاربة في التعليم آلاف السنين حيث يعرف المعلم كل شيء و لا يعرف التلميذ أي شيء

-. النموذج الثاني

نتجنّب هذه التصورات غير العلمية حتى لا ترسخ في ذهن التلميذ أو تعيق اكتسابه للمعرفة العلميّة الجديدة. هذه مقاربة "المدرسة السلوكيّة" (واتسون و سكينر) التي تسود الآن في التعليم التونسي و تعتبر التلميذ علبة سوداء لا يعنينا ما بداخلها و لا نحاول فهم آلية تشغيلها. نلقّن التلميذ معارف متفرقة وفق مواد منفصلة عن بعضها البعض و نطلب منه حفظها و استرجاعها يوم الامتحان كما تلقاها دون اجتهاد ذاتي. لا يتساءل أصحاب هذه المقاربة عن "ميكانيزم" أو كيفية فهم التلميذ للدرس أو آلية اكتسابه للمعرفة. لقد توصل التلامذة بذكائهم الجمعي إلى كشف و فضح الخلل الأساسي في هذه المقاربة و عبّروا عنه بشعارهم الواقعي و الساخر مخاطبين مدرّسيهم أثناء الامتحان "بضاعتكم ردّت إليكم!" و هي في الحقيقة بضاعة المدرس و ليست بضاعة التلميذ لأن هذا الأخير لم يشارك في اكتسابها بل فرضت عليه غصبا فحفظها و كررها كالببغاء و حملها دون فهم و تملك

-. النموذج الثالث

نتعرّف علي هذه التصورات غير العلمية حتّى نحدّد الرسالة المعرفية التي نريد تمريرها في البرامج. هذه مقاربة "المدرسة البنائيّة" (بياجي) التي حررت التلميذ من التبعية للأستاذ و منحته الثقة في قدراته الذهنية و أكدت أن المتلقي قادر عل بناء معرفته بنفسه لو وفرنا له الوسط المناسب و المدرس الكفء

-. النموذج الرابع

نعالج هذه التصورات غير العلمية و هذه مقاربة "المدرسة الاجتماعيّة-البنائيّة" (فيڤوتسكي و دواز و مونيي). ينقسم هذا النموذج إلى قسمين

- القسم الأول من النموذج الرابع

نعالج تصورات التلميذ غير العلمية بالإفصاح عنها داخل القسم حتّى تصبح مصدر تحفيز له

- القسم الثاني من النموذج الرابع

نعالج التصورات غير العلمية للتلميذ بتوظيفها في عمليّة التعلّم. يتفرّع هذا القسم الأخير إلى ثلاثة فروع

- الفرع الأول من القسم الثاني للنموذج الرابع

نستفيد من التصورات غير العلمية للتلميذ و لا ننفيها و نحاول إبرازها و مكافحتها بالمعرفة العلميّة الجديدة

- الفرع الثاني من القسم الثاني للنموذج الرابع

نحاول تفنيد التصورات غير العلمية للتلميذ و تفكيكها و هذه "مقاربة القطيعة الإبستومولوجيّة" لباشلار. في هذه الحالة قد تعترضنا الصعوبة التالية: إذا جابهنا التلميذ بأخطائه فقد نصل إلى نتيجة معاكسة تتمثل في تعطّل تفكيره و فقدان توازنه الذهني. مثلا: يتصور التلميذ أنّ القلب هو مصدر الحب. نفنّد هذا التصور غير العلمي لديه بالتذكير بعمليّات زرع القلب فإذا زرعنا قلب أحد ميت للتو في جسم آخر حي فهل ينتقل شعور الميّت للحي؟ قد يجد التلميذ نفسه مجبرا على القطيعة التامة مع معارفه السابقة مما قد يسبب له حرجا و فشلا و عائقا في مستقبله الدراسي

- الفرع الثالث من القسم الثاني للنموذج الرابع

يجمع الفرع الثالث بين الفرعين الاثنين السابقين و يتمثّل في الاستفادة من التصورات غير العلمية للتلميذ و نفيها في نفس الوقت. مثلا: يتصور التلميذ أنّ النبتة الخضراء تتغذّى من التربة فقط. نفنّد تصوره هذا الذي يتأرجح بين العلمي و غير العلمي بالتذكير بالنباتات التي تعيش خارج التربة تماما في الماء أو في الهواء مجهريه كانت أو مرئيّة و النباتات الطفيليّة التي تعيش على كاهل نباتات أخرى دون تربة. نتساءل و نقول: لماذا ننفي دائما تصور التلميذ ؟ فتصوره قد يحتوي على جزء من الجواب الصحيح فالنبتة تأخذ بعض غذائها المتمثّل في الأملاح المعدنيّة و الماء من التربة و تكمل أكثر غذائها من ثاني أكسيد الكربون المتوفّر في الهواء المحيط بها عن طريق وظيفة التركيب الضوئي. يتعلّم التلميذ في هذه الحالة بالاعتماد على تصوراته القديمة (تتغذّى النبتة من التربة) و في نفس الوقت ضدّ هذه التصورات (تتغذّى النبتة من الهواء). يتكوّن هذا النموذج الثنائي المتضاد من العمل مع/و ضد التصورات غير العلمية للتلميذ و يتضمن عدة متناقضات يجب المحافظة عليها و إذكائها عند اختفائها و هي التالية

 يتطلب التعلم مجهودا يتناقض مع اللذة, لكن قد يحتوي هذا المجهود على لذة تسمى لذة بناء المعرفة و هي محرك مهم للبحث عن الجديد

 يعارض المدرس التلميذ و يكشف له عدم علمية تصوراته لكن في نفس الوقت يساعده على تجاوزها و على بناء تصورات علمية بديلة كمن يهدي عكازين طبيين لمعوق عضوي قبل أن ينتزع منه عكازيه التقليديين

 يفقد المتعلم توازنه الذهني عندما يتلقى معارف تنفي معارفه الراسخة و المريحة لكن في نفس الوقت يستطيع هضم هذه المعارف الجديدة بمساعدة المدرس و الأقران فيستعيد توازنه الذهني و يبقى في حالة "توازن ولا توازن دائم

نحن المدرسون، نعلم التلميذ كيف يجيب و لا نعلمه كيف يسأل. فهل طلبنا مرة من التلميذ أن يعد فرضا تأليفيّا على شكل تمرين في القسم قبل أن يجتاز الفرض التأليفي الرسمي؟ لقد حاولت في قسمي القيام بهذه التجربة الطريفة و المفيدة و اكتشفت من التلامذة أنماطا من الأسئلة لم تكن تخطر على بالي قبل هذا التمرين و استفاد التلاميذ بالمراجعة و الاستعداد للامتحان و العمل الجماعي

قديما كان المتعلم يكتسب زادا معرفيا صالحا مدى الحياة مثلا: أستاذ علوم الحياة و الأرض يتخرج مجازا و يبقى كامل حياته المهنية يجتر هذا الزاد و لا يجدده لأنه لم يتعلم كيف يتعلم بنفسه و قس على هذا المثال الطبيب الذي يعالج حالات مرضية جديدة بعقلية علمية قديمة و المسؤول المتخرج في الستينات من القرن العشرين الذي يتعامل مع مرؤوسيه بعقلية البايات و المعلم القديم الذي لا يزال يربي الأجيال الجديدة بعصا مؤدب الكتّاب التقليدي

أما اليوم فالعلوم البيولوجية تتجدد كليا تقريبا كل سبع سنوات و علوم الإعلامية كل أربع سنوات انتهت مدة صلوحيته زاد الأمس و لو أصررنا على مواصلة استعماله لأصيب تلامذتنا بالتخلف الذهني. لذلك نرى أنه من واجبنا تعليم التلميذ التعلم الذاتي حتى يكون قادرا على تجديد زاده العلمي بنفسه كل ما جدّ جديد. . ينطبق المثل الصيني الشهير تماما على التعليم اليوم "لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد

كل النماذج البيداغوجية و التعلمية التي تعرضنا إليها في هذا المقال تبقى صالحة على شرط استعمال كل واحد منها في موضعه المناسب و وقته المناسب. مثلا: في مؤتمر علمي حيث يتقارب المستوى العلمي للمشاركين و المحاضرين، يذهب المشاركون مباشرة لنموذج المواجهة و يدخلون في نقد و تفنيد المعارف المقدمة من طرف المحاضر دون مقدمات و مجاملات فارغة

خلاصة القول
بعد نيل شهادة الدكتورا في تعلميّة البيولوجيا, أشعر و كأنني لست واثقا من معارفي تمام الوثوق و أشعر في نفس الوقت أنني متأكد من كل شيء و بما أنني في حالة تعلّم متواصل اشعر دائما بالتوازن و فقدان التوازن المعرفي و القيمي و هذا قدر الباحث


يطلب الداعية السياسي أو الفكري من قرائه أن يصدقوه و يثقوا في خطابه أما أنا - اقتداء بالمنهج العلمي - أرجو من قرائي الشك في كل ما أطرح من إشكاليات و أنتظر منهم النقد رغم أن الشكر يفرحني كأي بشر رقيق و حسّاس

أمضي مقالي كالعادة بجملتين مفيدتين: "أنا أكتب - لا لإقناعكم بالبراهين أو الوقائع - بل بكل تواضع لأعرض عليكم وجهة نظر أخرى"....."على كل مقال سيّئ نردّ بمقال جيّد لا بالعنف اللفظي

التاريخ: حمام الشط في 14 ماي 2009
 
أعلى