الجاحظ و ما ادراك ماالجاحظ

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة محمد عرامي, بتاريخ ‏11 جانفي 2008.

  1. محمد عرامي

    محمد عرامي عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏20 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    56
    الإعجابات المتلقاة:
    19
      11-01-2008 01:40

    :besmellah1:

    الجاحظ من أنصار اللفظ، الذين يجعلون مدار الجودة في العمل الأدبي على اللفظ دون المعنى. ولهذا الموقف النقدي البلاغي ظاهريا دلالة سياسية في العمق تتمثل في صدوره عن حس عربي أصيل، يقصر البلاغة والبيان على الجنس العربي. وعندي أن الجاحظ هنا يرتبط بالتصور الديني لمفهوم اللفظ، فاللفظ العربي معجزة وصياغته في قوالب شكلية معجزة أيضا. وبالتالي فلا أحد بقادر على صوغ اللفظ والتلاعب به سوى الشعب العربي الذي فطر على هذه الألفاظ، وتوغلت طرق صياغتها وضروب تأليفها في حسه ووجدانه. وهذا الموقف من الجاحظ وليد إحساس بامتهان الكرامة العربية المستهدفة من قبل الزحف الشعوبي. فالجاحظ ممن توقدت فيهم الحمية العربية، فساهم في دحض تخرجات الشعوبيين الباطلة، ولم يدخر وسعا في التنويه بمكانة العنصر العربي. والجاحظ لا ينفك يؤكد أن كل شيء للعرب (…) إنما هو بديهة وارتجال. أما إذا سولت لغير العربي نفسه صياغة الألفاظ العربية فإنه لن يفلح في ذلك مهما عانت نفسه في سبيل ذلك.
    وهكذا فإذا كان الجاحظ ينصب نفسه متحدثا بلسان حال العربية، والمتعصبين لها، فإن موقف عبد القاهر الذي قرر المساواة بين اللفظ والمعنى، حري بأن يعتبر رد فعل إزاء تعصب الجاحظ وتحيزه للفظ. ويجوز القول إن عبد القاهر صاغ نظرية النظم في سبيل نسف نظرة الجاحظ المتعصبة للعنصر العربي، من جهة، كما صاغها احتجاجا على قصر المزية على اللفظ، إذ يرد الاعتبار لعنصر المعنى في البلاغة عند عبد القاهر، فصار من المتاح لغير الجنس العربي أن يتعلم اللغة العربية، وأن يتضلع في بيانها وأدبها، ما دامت العبرة بائتلاف اللفظ والمعنى، وليس باللفظ وحده.
    ويتمثل التحول الفكري في النظرة البلاغية، عند عبد القاهر الجرجاني في صياغة نظرة بلاغية تتجذر في أرضية الفكر الشعوري الذي عرفه زمنه. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن عبد القاهر لم يؤثر عليه الأسلوب اليوناني، كما أنه لم يرضخ لعنف الخطاب التقليدي المحافظ للبلاغة العربية، وذلك لمراوحته في دراسته بين مقومات الذوق العربي والتصورات العقلية التي أصبحت في زمنه وجها جديدا للفكر البلاغي العربي.
    ـ ففي دلائل الإعجاز مثلا، نجد مباحث كثيرة تهتم بالقضايا الإعجازية، وجلها مقاربات حكم فيها الذوق أساسا.
    ـ أما أسرار البلاغة فقد استرشد فيه عبد القاهر بمفاهيم العقل، وتصوراته، ويتضح طغيان العنصر العقلي في تناول القضايا البلاغية في هذا الكتاب كالمجاز والاستعارة مثلا.
    وقد يتساءل البعض عن مصدر هذا المعطى العقلي في البلاغة عند عبد القاهر، فنجيب مقررين أن التصور العقلي للكون والإنسان واللغة سينضج في دائرة المتكلمين عند علماء المعتزلة الذين كانت أغلب محاوراتهم الفلسفية والدينية لا تبعد عن الإطار العلمي. ولما كان الاهتمام بالجدل عند المعتزلة قد شمل نواحي الفكر البلاغي، فقد صار من الطبيعي أن تزخر البلاغة على عهد عبد القاهر بالامتدادات الأدبية واللغوية لهذا التصور العقلي.
    وما نصل إلى القرن السابع الهجري، حتى نجد صاحبنا حازما القرطاجني يدفع بالبلاغة العربية إلى الأمام، وذلك بتقديم تصور جديد لمفهوم البلاغة يختلف بصفة جذرية عن كامل التصورات التي سبقته في تاريخ الفكر البلاغي عند العرب. وهذا التصور عند حازم القرطاجني محكوم بنظرة فلسفية عميقة يمكن إبراز أهم ملامحها في الحديث التالي، وينبغي اعتبار هذا التفسير وجهة نظر شخصية حول المشروع البلاغي عند حازم تسعى إلى سبر أغواره الفكرية، وإجلاء عمقه النظري، ودلالته الفكرية في تاريخ البلاغة بصفة عامة. لقد لاحظ حازم ما آلت إليه البلاغة العربية من عقم فكري، ناشئ عن الاجترار، ففكر في طريق ينقذ بها مجال البلاغة عن التردي المحقق.
    لاحظ حازم أن البلاغة صارت عائقا دون الشعراء والفن الأصيل، فقد أضحت تكلفهم عنتا ومشقة بدل أن تذلل السبل لهم وتروضها. تأمل حازم وضع الشعر في عصره خاصة، فألقاه قد بلغ من الانحطاط منزلة كبيرة، ومن الإسفاف الدرجة العظيمة، على ألسنة شعراء لم ينالوا قسطا من التكوين البلاغي. لاحظ حازم أن نظرة البلاغة القديمة إلى الشعر كانت جزئية، تنظر للفظ وحده، وللمعنى بعزلة عن اللفظ، وتفصل دراسة العروض عن مباحث اللفظ والمعنى. وتلافيا لمثل هذه النظرة التجزيئية دمج حازم هذه المباحث فيما بينها، فاستقام له منها جميعا علم البلاغة وعدها أساسا لقوانين الصناعة الشعرية.
    نظرا لخلو الساحة النقدية والبلاغية من نموذج التصور الذي يطمح إليه حازم، عقد هذا الأخير العزم على وضع نظرية جديدة لأصول العملية الشعرية ضبطا لمعطيات العمل الشعري على كافة مستوياته الشكلية والمضمونية. ويبدو لي أن معرفة حازم بأصول المنطق قد أسعفته وقربت إليه النموذج النظري الذي طالما بحث عنه. فأنا أرجح أن يكون حازم الذي يبحث عن تصور نظري شامل، يستوعب العملية الشعرية بكافة أطرافها، ويحيطها بسياج نظري من المفاهيم والمصطلحات، قد عثر على هذا النموذج النظري الشامل في علم المنطق، فهو علم يستجيب لطموحات حازم ونزوعه نحو النظرة الجامعة المانعة.
    لقد سعى حازم إلى الاقتداء بالأسلوب المنطقي في العرض النظري والتحديد التطبيقي، والتحديد المفهومي والمصطلحي، في إطار وضعه لنظرية شاملة جامعة مانعة لأصول العملية الشعرية تضاهي في أحكامها ودقتها وطاقتها الشمولية النظرة المنطقية. كما سعى حازم إلى اقتناء أدوات المنطق واستعارة تصوراته الفلسفية بغية توظيفها على الصعيد المنهجي، في سبيل إيجاد علم "منطق للأدب"، ينظم العملية الشعرية خاصة وفق أصول ومقررات سافرة الأبعاد المنطقية.
    هذا المنطق الأدبي، الذي توصل حازم إلى صياغته على هدى من المنطق الفلسفي، هو علم البلاغة أو علم النقد الأدبي.ويلفتنا لفظ (علم) الذي قرنه حازم بالبلاغة في إطار مركب إضافي تصير البلاغة بموجبه علما، تتحقق فيه صفة العملية التي تميزها في نظره عن البلاغة القديمة. فحازم فيما أرى قد شعر بأن إحاطة البلاغة بسياج منطقي خليق بأن يرقى بالبلاغة إلى مستوى العلم، وأن يقصيها عن دائرة البحوث اللغوية والنقدية الهجينة غير المحددة تحديدا منطقيا صارما كما هي الحال بخصوص البلاغة عند حازم. فالعلم عنده هو الوعي النظري بالصفات الثابتة في موضوع معين محدد الأطراف، والمختص بمنهجية مرسومة المعالم. والبلاغة عند حازم هي علم لأنها علم لسان كلي على حد تعبيره، (منشأ على أصول منطقية وآراء فلسفية). ولو بحثنا عن المؤثرات الفكرية العامة التي هدت حازما إلى هذا التصور الشمولي لعلم البلاغة لوجدنا بعضها ماثلا في خصوبة الفكر الفلسفي على عهد حازم في المدرسة المغربية التي كانت تتخصص في الفلسفة اليونانية التي استغرقت جل شروحها وتلخيصاتها. وقد استقطب المنطق اليوناني اهتمام مثقفي عصر حازم بشكل ملحوظ جدا، وكان من الطبيعي أن نلقى أثر ذلك في تصور حازم لموضوع البلاغة، إذ صيرها علما منطقيا للأدب.

    :dance: :kiss:
     
    3 شخص معجب بهذا.
  2. صفاء عبده

    صفاء عبده عضو جديد

    إنضم إلينا في:
    ‏9 أكتوبر 2009
    المشاركات:
    2
    الإعجابات المتلقاة:
    2
      25-10-2009 22:50
    اذا كان الجاحظ اولى اهتماما باللفظ فليس ذلك معناه انه اهمل المعني بالعكس فان للجاحظ نظرية فى المعنى عظيمة وخطيرة نستطيع ان نقول عنها انها سبق لنظريات المعنى الحديثة او على الاقل تضاهيها
     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...