تفسير قوله تعالى: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة النمر الدهبي, بتاريخ ‏25 جانفي 2008.

  1. النمر الدهبي

    النمر الدهبي عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏14 جانفي 2007
    المشاركات:
    1.024
    الإعجابات المتلقاة:
    152
      25-01-2008 21:44
    :besmellah1:
    قال عز وجل: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:73] المعنى: أن الله عز وجل بين لنا الأمانة، وأنه عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان لأجل هذه النتيجة، وما هي النتيجة؟ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:73] هؤلاء ثلاثة أقسام انقسم إليها الخلق: الأول: المنافقون. الثاني: المشركون. الثالث: المؤمنون. انتبه يا أخي وانظر سبيل من تسلك.








    المنافقون وصفاتهم



    قال تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ [الأحزاب:73] فمن هم المنافقون؟ المنافقون: هم الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، يظهرون الإسلام ويقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ويحضرون الصلاة، ويتصدقون، لكن قلوبهم خربة خالية من الإيمان، أعاذني الله وإياكم من ذلك! اللهم أعذنا من النفاق. هذا الصنف من الناس خرج حينما صار للمسلمين قوة وعزة، لكن في مكة قبل الهجرة ليس هناك منافق، الناس إما مؤمن صريح وإما كافر صريح، لكن لما قويت شوكة المؤمنين وخصوصاً بعد أن هزم الكفار في بدر، وقد كانت في السنة الثانية من الهجرة في رمضان -لما هزم المشركون بدأ النفاق؛ لأنهم -أي: المنافقين- عرفوا أن محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيظهر دينه، فصاروا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وأنزل الله فيهم سورة كاملة من طوال المفصل، وهي قوله تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ... [المنافقون:1] فكانوا يحضرون الصلاة، لكنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ويتصدقون لكنه رياء وسمعة، ويأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ويقولون: نشهد إنك لرسول الله، سبحان الله! فماذا قال الله فيهم؟ قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1] أي: لكاذبون في قولهم: نشهد؛ لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولذلك إذا احتاجوا إلى هذه الكلمة عجزوا عنها، فإن المنافق إذا دفن في قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان يسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت! يقول: لا أدري؛ لأنه ليس في قلبه إيمان، والآخرة مبنية على السرائر لا على الظواهر، أما الدنيا فمبنية على الظواهر، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين استؤذن في قتل المنافقين، قال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، وفي الآخرة العبرة بالسرائر .. أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات:9-10] .. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:8-9] .. اللهم طهر سرائرنا، اللهم طهر سرائرنا، اللهم طهر سرائرنا يا رب العالمين، وأمتنا على الإيمان والتوحيد. أيها الإخوة: المنافقون لهم روغان عن الحقائق، ولذلك كان من صفاتهم أنهم إذا حدثوا كذبوا، وأكذب حديث أنهم يقولون: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهم كاذبون في هذا لا يؤمنون به، وإذا عاهدوا غدروا، لا يوفون بالعهد؛ لأنه ليس عندهم إيمان يحملهم على الوفاء بالعهد، وإذا خاصموا فجروا؛ فجحدوا ما يجب عليهم وادعوا ما ليس لهم، وإذا ائتمنوا خانوا. أخي المسلم: هذه علامات النفاق، هذه علامات النفاق، هذه علامات النفاق، فاحذر أن تتصف بواحدةٍ منها؛ لأن نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذرنا منها. والآن لو نظرت في واقع المسلمين اليوم لوجدت كثيراً منهم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان. إن كثيراً من المسلمين وليس أكثرهم، فالحمد لله أكثرهم مستقيم، لكن فيهم من إذا حدثك كذبك، وإذا وعدك أخلفك، وإذا عاهدك غدر بك، وإذا خاصمك فجر بك، وما أكثر الذين يأتون إلينا يشكون من كفلائهم! أتى به على عقد معلوم بينهم ثم لا يفي بالعهد ولا يفي بالعقد، يماطل بالأجرة وربما ينكرها، ويؤذي العامل ويحمله ما ليس واجباً عليه .. وهكذا. وهناك -أيضاً- من إذا اؤتمن خان، وما أكثرهم! إذا اؤتمنوا خانوا، وما أكثر الخيانة في كثير من الناس! ومن ذلك -مثلاً- أن يعرض الإنسان سلعته فيأتيه الزبون ليشتري فيقول: كم قيمة هذه؟ فيقول: ألف ريال، وقيمتها في الحقيقة خمسمائة، لكن استغل فرصة جهل هذا المشتري بالثمن وقال: بألف ريال، هذا جمع بين الكذب والخيانة والغدر، ثلاث صفات من صفات المنافقين، وما يدري أن ما ترتب على هذا الكذب من كسب مادي فهو حرام، ويوشك من أكل الحرام ألا تستجاب دعوته؛ لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!) ومن الخيانة في الأمانة: ما يفعله كثيرٌ من أولياء النساء في التزويج، فتجده يخطب منه الرجل الصالح المستقيم في دينه وخلقه ولكن إذا عرف أنه لن يعطيه مالاً رده، وقال: البنت صغيرة، البنت مخطوبة لغيرك، وما أشبه ذلك، ثم يزوجها ابن عمها الذي ليس عنده خلق ولا دين، أو يزوجها من ليس ابن عمها ولكن أكثر الدراهم لأبيها، وهذه والله خيانة، وستطالبه البنت يوم القيامة، وحينئذٍ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه .. لماذا تحجب المرأة عن خاطبها الكفء من أجل مصلحتك الخاصة؟ أليس هذا من الخيانة؟! أليس هذا من الظلم؟! سبحان الله! لو أنك أنت أيها الأب خطبت امرأة ثم منعت منها لاستكبرت هذا الشيء وعددته ظلماً وجوراً، والعجب أن هؤلاء يظلمون أقرب الناس إليهم وهنَّ بناتهم اللاتي هنَّ بضعةٌ من الأب وقطعة وجزء منه، ومع ذلك يظلمها هذا الظلم، يحجزها لابن عمها، أو يقول: لا تتزوجي رجلاً من غير القبيلة، أو ما أشبه هذا! هذا من المنكر، وللقضاة أن يتدخلوا في هذا الموضوع، بمعنى: أن المرأة إذا خطبها كفءٌ لها وأبى أبوها فلها أن ترفع الأمر إلى القاضي ويقول لأبيها: زوجها وإلا زوجتها أنا أو من يليك في الولاية من عصبتها. ومن الخيانة وهي من صفات المنافقين: ما ذكره الله عز وجل في قوله: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3]، إذا استوفى لنفسه استوفى كاملاً، وإذا كال لغيره نقص، (يخسرون) أي: ينقصون، قال الله عز وجل: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:4-6]. ومن الخيانة في الأمانة: ما يفعله بعض الناس في أهله، يرضيهم بما حرم الله عليهم، فيجلب لهم من وسائل الإعلام المنظورة والمقروءة والمسموعة ما فيه البلاء والشقاء، وهذا خيانة للأمانة، وسوف يحاسب عند الله عز وجل يوم القيامة، لقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]، فجعل وقاية الأهل كوقاية النفس، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته)، مسئول أمام الله يوم القيامة. أسأل الله أن يعينني وإياكم على أداء هذه الأمانة الكبرى. عليك أن توجه أهلك من بنين وبنات وزوجات وغيرهن ممن لك ولاية عليهن، أن توجههم إلى الطريق السوي، الطريق المستقيم، ولا تظن أنك بريء من المسئولية أبداً، فقد حملك إياها الله رب العالمين وحملك إياها رسول رب العالمين محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن النفاق: أن بعض الناس يرائي، بمعنى: أنه يفعل العبادة ليقول الناس: إن فلاناً عابد. اللهم أعذنا من الرياء .. ومن راءى راءى الله به، وسوف يفضحه إما في الدنيا وإما في الآخرة. ومن ذلك أيضاً: أن يتصدق بشيء أمام الناس ليقولوا: فلان كريم، لا ليتقرب إلى رب العالمين، وهذا الرياء مبطلٌ للعمل، قال الله عز وجل في الحديث القدسي الصحيح: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، ولما سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الرجل يقاتل أعداء الله، يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، فالمراءاة في العمل محبطة له، ويا أخي المسلم! ماذا ينفعك الناس؟ ماذا ينفعونك إذا راءيتهم؟ وماذا يضرونك إذا أخلصت العمل لله وتركتهم؟ إنهم لن يضروك شيئاً بالإخلاص، وإنهم يضرونك بالرياء، وأنت الذي أضررت بنفسك. فاحذر أخي من النفاق، احذر من النفاق العقدي والعملي، العقدي في القلب أجارني الله وإياكم منه، والعملي بالجوارح.








    المشركون وصفاتهم



    قال تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ [الأحزاب:73] المشرك: من اتخذ مع الله إلهاً يعبده، أو اتخذ مع الله رباً يعتقد أن له تدبيراً في الكون، والمشرك كافر واضح وليس منافقاً، يظهر شركه علناً ويقاتل المؤمنين من أجله، مثل مشركي قريش، أليسوا قاتلوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمداً؟ أليسوا أخرجوه وأصحابه من ديارهم؟ أليسوا يسيئون إليه بالقول وبالفعل؟ يقولون: إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كاذب، وأساءوا إليه بالفعل أيضاً؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يومٍ ساجداً تحت الكعبة، آمن مكان على الأرض ذلك المكان، وهو محترم معظم عند قريش إلا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان ساجداً لله عز وجل فقالوا: من يذهب إلى جزور بني فلان ويأتي بسلاها القذر المكروه منظراً ويضعه على ظهر محمد؟ فانتدب لذلك أشقاهم والعياذ بالله! فذهب وأتى بسلا الناقة الذي يخرج منها عند الولادة، فألقاه على ظهر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو ساجد .. بالله عليكم أفي هذا إهانة للرسول؟! بلى والله .. أفي هذا إهانة للمسجد الحرام؟ بلى والله، والعجب أنه لو جاء بدوي جاهل يسجد تحت الكعبة لعظموه واحترموه، وهذا النبي الكريم الذي هو أولى بالكعبة من هؤلاء المشركين يفعل به هذا! لماذا؟ لأن المشركين لا يبالون، يعلنون بشركهم ولا يبالون، ما عندهم نفاق. هذا الصنف الثاني من الناس.








    المؤمنون وصفاتهم




    الصنف الثالث: قال تعالى: وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:73]، اللهم تب علينا يا رب العالمين .. يتوب الله على المؤمنين الموحدين الذين ليس عندهم نفاق، فهم موحدون ضد المشركين، وهم خالصون ضد المنافقين، يتوب الله عليهم، حتى لو أنهم تابوا من الشرك ومن النفاق تاب الله عليهم، لقول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] وكم من مشرك منابذ للدعوة الإسلامية تاب فتاب الله عليه. عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ضد الدعوة الإسلامية، فأسلم وكان الخليفة الثاني في هذه الأمة. خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم من صناديد قريش وكفارها أسلموا فتاب الله عليهم. أبو سفيان زعيم قريش، كان يقول يوم أحد : اعلُ هبل. لأن أبا سفيان لما انتهت الحرب وصارت الهزيمة على المسلمين لأنهم حصل منهم ما يوجب الهزيمة، افتخر وقال: أفيكم محمد؟ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تجيبوه) لماذا؟ إهانة له، وحتى يربو بنفسه بعد ذلك ويفتخر، انظر يا أخي إلى الحكمة النبوية، وهكذا وقع، ثم قال: أفيكم ابن أبي قحافة ؟ أفيكم عمر ؟ قال: (لا تجيبوه) حينئذٍ افتخر وانتفخ ورأى أنه حصل على كل شيء، فقال: اعلُ هبل. وهبل صنم لقريش وسط الكعبة، والمعنى: ما أعلاك اليوم! اليوم أنت العالي، ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أجيبوه)، الآن حمي الوطيس، وصلت المسألة إلى الباري عز وجل، قال: (أجيبوه، قالوا: بماذا نجيبه؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقالوا: الله أعلى وأجل)، إذا كنت اليوم تفتخر بصنمك بأنه عالٍ فالله أعلى وأجل، ثم قال أبو سفيان لما رد عليه بالتوحيد أتى عن طريق الرسالة، قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال. كيف يوم بدر ؟ يوم بدر كان النصر للمسلمين، وقتل من صناديد قريش وكبرائهم ما هو معلوم .. قال: يوم بيوم بدر ، أي: اليوم غلبناكم وأنتم غلبتمونا يوم بدر، والحرب سجال، أي: مرة لكم ومرة عليكم، فأجابوه: لا سواء، لا سواء -أي: بين اليومين- قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. وهل هذان اليومان على حد سواء بعد أن كان قتلى المسلمين في الجنة وقتلى الكفار في النار؟ لا. أنا المقصود من هذا أن المشركين يصرحون بمنابذة المؤمنين، وأن الإنسان إذا تاب ولو كان مشركاً منابذاً تاب الله عليه؛ فهذا الرجل أبو سفيان أسلم وصار من الصحابة، لكنه تأخر إسلامه فتأخرت مرتبته. إذاً: من تاب تاب الله عليه، حتى من الشرك، وحتى من النفاق، وحتى من الاستهزاء بالله وآياته، والدليل على أن التائب من النفاق يتوب الله عليه قول الله عز وجل: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [النساء:145-146]، لكن لاحظ أن الله ذكر أشياء مهمة .. الَّذِينَ تَابُوا [النساء:146] أي: رجعوا من النفاق إلى الإيمان الخالص .. وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ [النساء:146] توكلوا عليه واعتصموا به .. وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ هذه ثلاثة أوصاف .. فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:146]. والمستهزئ بالله وآياته هل تصح توبته؟ الجواب: نعم تصح، والدليل: قول الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة:65]، أي: سألت المستهزئين؛ لأنهم كانوا يستهزئون ويقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه- ما رأينا مثلهم أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء. وكذبوا والله، هذه الأوصاف في المنافقين تماماً، قال الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً [التوبة:65-66] إذاً معناه: أن هؤلاء قد يعفو الله عنهم وذلك بالتوبة، فمن تاب مهما كان شركه وكفره فإن الله يتوب عليه. وهؤلاء الذين تابوا من الكفر وقد قتلوا من قتلوا من المسلمين هل يلزمهم ضمان المسلمين الذين قتلوهم؟ لا يلزمهم، لقول الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:38] ولهذا لو رأى شخص شخصاً كان كافراً وقد قتل أباه ثم أسلم فإنه لا يجوز له أن يقتله؛ لأن إسلامه عصمه وغفر له به ما سلف. قال تعالى: وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب:73] أيها الأخ العربي النحوي: تشكل عليك هذه الجملة: وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب:73] أي: كان فيما مضى، والآن؟ كان فعل ماضي، نقول: (كان) هنا لا يقصد بها الزمان، بل يقصد بها تحقيق اتصاف الله عز وجل بالمغفرة والرحمة، فهي كما يقول النحويون: مسلوبة الزمان، والمقصود بها التوكيد، فالله تعالى متصف بالمغفرة والرحمة دائماً وأبداً.

     
    3 شخص معجب بهذا.
  2. MRASSI

    MRASSI كبير مراقبي المنتدى العام طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏3 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    43.088
    الإعجابات المتلقاة:
    83.083
      25-01-2008 21:56
    جزاك الله خير وكثر الله من امثالك وحشرنا الله يوم القيامه مع المؤمنين




    الحمد لله العلي الكبير اللطيف الخبير يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يقضي بالحق ويبين المجهول ويكشف المستور أنزل في كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة:73) وأشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له ؛ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم النشور وسلم تسليما كثيرا .
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...