حكم الإمساك عن الشعر والأظفار في عشر ذي الحجة للمضحي

shomokh

عضو فعال
إنضم
21 أفريل 2011
المشاركات
462
مستوى التفاعل
1.386
قد اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في حكم الإمساك عن الشعر أو الأظفار لمن أراد أن يضحِّي وقد دخل هلال ذي الحجة على أقوال، أوجهها ثلاثة:
(1) القول الأول: أنه يجبُ عليه ذلك، فيحرم على من أراد أن يضحِّي، وقد دخل هلال ذي الحجة أن يحلق شعره أويقصَّ أظفاره خلال عشر ذي الحجة.
وهو مذهب الحنابلة، ووجهٌ في مذهب الشافعية، وبه قال إسحاق بن راهوية، وربيعة الرأي، وداود بن علي وابن حزم الظاهريَّان، وأبوثور، والأوزاعي، وهو مرويٌ عن سعيد بن المسيِّب.
(2) القول الثاني: أنه يستحبُّ له ذلك، فيكره لمن أراد أن يضحِّي وقد دخل هلال ذي الحجة أن يحلق شعره أويقصَّ أظفاره خلال عشر ذي الحجة.
وهو مذهب المالكية، والشافعية، ووجهٌ في مذهب أحمد، وروي عن الحسن البصري.
(3): القول الثالث: أنه يباح لمن أراد أن يضحِّي وقد دخل هلال ذي الحجة أن يحلق شعره أويقصَّ أظفاره خلال عشر ذي الحجة؛ بلا وجوب ولا استحباب.
وهو مذهب الحنفية، وبه قال الليث بن سعد، وروي عن عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبدالله بن عمر، وطاووس بن كيسان، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار، وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، وسعيد ابن المسيب، وجابر بن زيد.


أدلة أصحاب القول الأول:
1- استدلُّوا بحديث أم سلمة أنَّ النبي قال: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي =فليمسك عن شعره وأظفاره))(1).
وفي روايةٍ عنها: (من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي). وفي روايةٍ: (ولا من بشرته).
وأجيب عن هذا الحديث: بأنَّ النهي فيه محمول على الكراهة، لا على التحريم.
ونوقش مفهوم هذا الحديث: بعمل سعيد بن المسيب أنه: (كان لا يرى بأسا بالاطلاء في العشر)، ووجه الدلالة منه أنه هو راوي هذا الحديث عن أم سلمة؛ وقد فَهِمَ منه عدم الوجوب.
• وأجيب عن الاستدلال بهذا الأثر من وجوه:
1- أنه لا حجة في قول سعيد، وإنما الحجة التي ألزمناها الله تعالى فهي روايته ورواية غيره من الثقات.
2- أنه قد صح عن سعيد خلاف ذلك كما تقدم.
3- أنه قد يتأول سعيد في الاطلاء أنه بخلاف حكم سائر الشعر، وأن النهي إنما هو شعر الرأس فقط.
4- أن يقال لهم كما قلتم لما روي عن سعيد خلاف هذا الحديث الذي روي دل على ضعف ذلك الحديث؛ لأنه لا يدع ما روي إلا لما هو أقوى عنده منه.
5- أنه قد يكون المراد بقول سعيد في الاطلاء في العشر إنما أراد عشر المحرم لا عشر ذي الحجة، واسم العشر يطلق على عشر المحرم كما يطلق على عشر ذي الحجة.
6- أن نقول: لعل سعيدا رأى ذلك لمن لا يريد أن يضحي فهذا صحيح.
وأجيب أيضاً: بأنه ليس إذا وجب أن لا يمس الشعر والظفر بالنص الوارد في ذلك يجب أن يجتنب النساء والطيب، كما أنه إذا وجب اجتناب الجماع والطيب لم يجب بذلك اجتناب مس الشعر والظفر. فهذا الصائم فرض عليه اجتناب النساء، ولا يلزمه اجتناب الطيب ولا مس الشعر والظفر. وكذلك المعتكف، وكذا المعتدة يحرم عليها الجماع والطيب، ولا يلزمها اجتناب قص الشعر والأظفار.


أدلة أصحاب القول الثاني:
1- استدلُّوا بحديث عائشة رضي الله عنها: ((كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحلَّه الله له حتى ينحر الهدي))(2).
ووجه الدلالة: أنَّ فيه دليلاً على إباحة ما قد حظره حديث أم سلمة.
قالوا: ومجيء حديث عائشة رضي الله عنها أحسن من مجيء حديث أم سلمة رضي الله عنها؛ لأنه جاء مجيئا متواتراً، بخلاف حديث أم سلمة رضي الله عنها فلم يجئ كذلك.
قالوا: وحديث أم سلمة قد تكلِّم في رفعه؛ فقيل إنه موقوف على أم سلمة رضي الله عنها.
ونوقش حديث عائشة: بأنه إنما يدل على أن من بعث بهديه وأقام في أهله فإنه يقيم حلالاً، ولا يكون محرماً بإرسال الهدي.
قالوا: ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول الخاص توفيقاً بين الأدلة.
قالوا: ويجب حمل حديث عائشة على ما عدا ما دلَّ عليه حديث أم سلمة؛ فإن النبي لم يكن ليفعل ما نهى عنه وإن كان مكروهاً.
قالوا: وعائشة إنما تعلم ظاهر ما يباشرها به أو يفعله ظاهراً من اللباس والطيب، وأما ما يفعله نادراً كقص الشعر وتقليم الظفر مما لا يفعل في الأيام العديدة إلا مرة فهي لم تخبر بوقوعه منه في عشر ذي الحجة وإنما قالت لم يحرم عليه شيء.
وهذا غايته أن يكون شهادة على نفي فلا يعارض حديث أم سلمة.
قالوا: والظاهر أنها لم ترد ذلك بحديثها وما كان كذلك فاحتمال تخصيصه قريب فيكفي فيه أدنى دليل، وخبر أم سلمة صريح في النهي فلا يجوز تعطيله أيضاً.
فأم سلمة تخبر عن قوله وشرعه لأمته؛ فيجب امتثاله، وعائشة تخبر عن نفي مستند إلى رؤيتها، وهي إنما رأت أنه لا يصير بذلك محرماً يحرم عليه ما يحرم على المحرم.
ولم تخبر عن قوله إنه لا يحرم على أحدكم بذلك شيء، وهذا لا يعارض صريح لفظه.
ونوقش حديث عائشة أيضاً: بأنَّ عائشة تخبر عن أم سلمة عن قوله، والقول يقدم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصاً به.
2- واستدلّوا بالقياس؛ فقالوا: إنه لا يحرم عليه الوطء واللباس والطبيب؛ فلا يحرم عليه حلق الشعر ولا تقليم الظفر.
قالوا: ومن المعلوم أنَّ الإحرام ينحظر به أشياء مما قد كانت كلها قبله حلالاً؛ منها الجماع، والقبلة، وقص الأظفار، وحلق الشعر، وقتل الصيد =فكل هذه الأشياء تحرم بالإحرام وأحكام ذلك مختلفة، فأما الجماع فمن أصابه في إحرامه فسد إحرامه. وما سوى ذلك لا يفسد إصابته الإحرام.
فكان الجماع أغلظ الأشياء التي يحرمها الإحرام، ثم رأينا من دخلت عليه أيام العشر، وهو يريد أن يضحي أن ذلك لا يمنعه من الجماع.
قالوا: فلما كان ذلك لا يمنعه من الجماع وهو أغلظ ما يحرم بالإحرام، كان أحرى أن لا يمنع مما دون ذلك؛ كحلق الشعر أو قص الإظفار.
وأجيب عن هذا القياس: بأنه قياس فاسد مصادم للنص، وردُّ القياس بصريح السنة أولى من رد السنة بالقياس.
قالوا: وتحريم النساء والطيب واللباس أمر يختص بالإحرام لا يتعلق بالضحية، وأما تقليم الظفر وأخذ الشعر فإنه من تمام التعبد بالأضحية.

(3): أدلة أصحاب القول الثالث:
استدلُّوا بأدلة أصحاب القول الثاني نفسها.

-------------------------------------------------

الهوامش المهمة:
(1) أخرجه مسلم (1977) وغيره، وقد اختلف في رفعه ووقفه.
فقد رويَ مرفوعاً إلى النبي ، ورويَ موقوفاً على أم سلمة راوية الحديث.
وممن رجَّح رفع الحديث على الوقف وصحَّحه: سفيان بن عيينة، ومسلم، والترمذي، والبيهقي، وابن قيم الجوزية، ومن المتأخرين الألباني رحمهم الله جميعاً.
وممن رجَّح الوقف على الرفع: الإمامين الدارقطني، وأبي مسعود الدمشقي.
قال ابن القيم رحمه الله حاشيته على سنن أبي داود (7/346): " وقد اختلف الناس في هذا الحديث وفي حكمه.
فقالت طائفة: لا يصح رفعه، وإنما هو موقوف.
قال الدارقطني في كتاب العلل: " ووقفه عبد الله بن عامر الأسلمي ويحيى القطان وأبو ضمرة عن عبدالرحمن بن حميد عن سعيد ووقفه عقيل على سعيد قوله.
ووقفه يزيد بن عبد الله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة قولها. ووقفه ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبدالرحمن عن أبي سلمة عن أم سلمة قولها. ووقفه عبدالرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد قوله.
والمحفوظ عن مالك موقوفٌ.
قال الدارقطني: والصحيح عندي قول من وقفه.
ونازعه في ذلك آخرون فصحَّحوا رفعه؛ منهم مسلم بن الحجاج ورواه في صحيحه مرفوعاً، ومنهم أبو عيسى الترمذي، قال: (هذا حديث حسن صحيح)، ومنهم ابن حبان خرجه في صحيحه، ومنهم البيهقي، وقال: (هذا حديث قد ثبت مرفوعاً من أوجه، لا يكون مثلها غلطاً، وأودعه مسلم في كتابه)، وصحَّحه غير هؤلاء.
وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبدالرحمن بن حميد عن سعيد عن أم سلمة عن النبي . ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم سلمة عن النبي .
وليس شعبة وسفيان بدون هؤلاء الذين وقفوه. ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة؛ بل هو المعتاد من خطاب النبي في قوله... ".
(2) أخرجه البخاري (1612) ومسلم (1321).




للفائدة منقول
 
أعلى