• كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها

جرنيكا و - وداعا يا سلاح

Mohamed Bejaoui

كبير مسؤولي منتدى الرياضة
طاقم الإدارة
إنضم
24 مارس 2011
المشاركات
11.903
مستوى التفاعل
40.401
جرنيكا و - وداعا يا سلاح





لقد كتب النقاد والمحللين و المؤرخين و اصحاب الفن والسير عن بيكاسو وجرنيكا وقد ملأوا بذلك مكتبات العالم بحيث يشعر الكاتب والمحلل احيانا انه ليس بقى هناك شئ يكتبه عنه.. لكنني وجدت قول رائع لديلاكروا وهو: ( كل شئ لم يقل بعد , والانسان لا يأتي متأخرا ابدا) وفي هذا السياق نجد قول آخر لاحد المفكرين: ( العلم علمان : مطبوع ومسموع ولا ينفع المسموع اذا لم يكن مطبوع ) والمطبوع يعني مارسخ في النفس وهو العلم الحقيقي . والمسموع هو المنقول والمحفوظ . وقد قدمت اليوم دراسات علمية واسعة تثبت بان الانسان يمكن ان يحمل خصائص جينات منحدرة من اجداده القداما الى عدة قرون بل الى عدة آلاف سنة.. وتحمل استعدادات في طياتها من المحاسن او المساوئ.. وتظهر متى ما وجدت البيئة الملائمة ... اذن ان الانسان يمكن ان يحمل ارث قديم ينعكس على افكاره وتصرفاته - وبالتالي فالناس منابع وروافد لا ينتهي عطائها وابداعها ابدا في كل المجالات العلمية والادبية والفنية وغيرها ...
كما ان لكل كاتب زاوية ينظر منها حسب موقعة الفكري والمساحة الثقافية والبيئية التي يعيش ويتحرك فيها.

البدايات

نشرت جريدة الوطن الاسبانية El Pais- - في 9/9/2011 تحليلا جميلا عن لوحة جرنيكا. وصاحب المقال هو مصور ومخرج سينمائي يدعى خوسيه لويس الكايني -.. وقد اعطى خوسيه نظرة فاحصة عميقة لاحداث رسم اللوحة وكشف لنا الاسرار الكامنة والظاهرة فيها و التي يمكن ان تعطينا معلومات جديدة عن اللوحة. يذكر انه عندما نشبت الحرب الاهلية في اسبانيا سنة 1933 بين الفريقين المتخاصمين الجمهورين وفرانكو . كلف بيكاسو برسم حادثة جرنيكا من قبل رئيس الحكومة نجرين - Negrin- لعرضها في المعرض العالمي السنوي المقام في باريس يومذاك . وقد خاطب رئيس الحكومة زملائه بصوت ثوري : ( نحن عندنا بيكاسو لحما ودما ويمكن ان تكون اللوحة خير من معركة طاحنة مع الفاشستيين .. ) وفعلا كانت توقعات الرئيس اليساري قد حققت ما كان يصبو اليه, لما يعرفه عن بيكاسو من تمرد و كفاح شديد ضد فرانكو .. وبالتالي رسمت اللوحة وعرضت في المعرض. ويعتقد المخرج ان بيكاسو قد استوحى شخصياته من السينما حيث كان كثير التردد على صالات العرض و مشاهدة الافلام ومنها فلم - وداعا يا سلاح - للكاتب الروائي ارنست همنغواي واخراج Frank Porzago وقد عرض الفلم في باريس سنة 1933 وقد بقى يعرض في صالات اوربا لمدة ستة سنوات. شاهده بيكاسو اكثر من مرة .. وكانت لبيكاسو صداقة طيبة مع همنغواي, ودفعه ذلك الانفعال العطفي الى رسم لوحة - وداعا يا سلاح -سنة 1937 -..
وتعتبر رواية - وداعا للسلاح - رواية خيالية عبرت باسلوب ادبي رائع مدى سخافة وسخرية الحرب.. وتشير الرواية الى ان الناس الواقعيين والطيبين يعيشون تحت وطأة النيران المتقاطعة بين الاطراف المتخاصمة المجرمة المتوحشة. وهي تقاتل حتى الموت . من اجل مصالح سياسية واستعمارية وحب السيطرة. اذن
- (لمن تقرع الاجراس؟) -
وقد خدم همنغواي-1899-1961 - في الجيش الامريكي اثناء الحربين العالميتين الاولى والثانية ثم عمل مراسلا في عدد من الصحف الامريكية والاوربية.. وتعتبر رواية وداعا للسلاح شبه سيرة ذاتية للمؤلف وقد نشرت لاول مرة عام 1929 واعتبرها البعض اعظم رواية حربية على الاطلاق .
وفي هذه الفرصة اتذكر الشاعر العراقي المعروف عبد الوهاب البياتي كان له قصيدة رائعة مهداة الى ارنست همنغواي وكان يومذاك يشغل رئيس المركز الثقافي العراقي في مدريد في اواسط الثمانينات وقد التقيت معه:

الموت في مدريد
والدم في الوريد
والاقحوان تحت اقدامك والجليد
احزان اسبانيا بلاحدود
لمن تدق هذه الاجراس
لوركا صامت وانت في آنية الورود

ويذكر المؤرخ الدكتور حسن محمد حسن بان بيكاسو كان مولعا في السيرك وكان يذهب كل ليلة مع اصدقائه لمشاهدة العروض ومعه ادوات الرسم.. ولهذا ليس مستبعا ان يحمل معه ادوات الرسم عندما يذهب لمشاهدة احد الافلام السينمائية المهمة والمثيرة مثل فلم - وداعا للسلاح -
ويذكر المخرج انه اخذ الفلم وشاهده frem frem اي لقطة لقطة وتفاجئ عندما شاهد بعض اللقطات تشبه بعض الحركات والشخصيات التي رسمها بيكاسو في الجرنيكا.. مثلا لقطة تمثل اليد البيضاء ذات الاصابع المنتفخة وهي غاطسة في الوحل . ولقطة اخرى للحصان الجامح, واخرى لامرأة تستغيث رافعة يديها الى السماء , واخرى لحوافر الخيل , واخرى لامرأة تحتضن طفلها.. و يذكر خوسيه بان اللوحة رسمت في عتمة الليل بينما القصف على المدينة حدث في النهار. كما يذكر بان الشخصيات في اللوحة تتحرك من اليمين الى اليسار كما هي في الفلم حيث ان حركة الممثلين تبدأ بالحركة من اليمين الى اليسار .. ثم يقول ان الثور الواقف على يسار اللوحة ينظر الينا و هي من تأثيرات لوحة فيلاسكس المسمات -Las mininas - حيث نشاهد فيلاسكس ماثلا في اللوحة ينظر الينا. لهذا فان الثور هو ليس- فرانكو- على الاطلاق انما هو يعبر عن النبل والشهامة , وربما يمثل بيكاسو.. ثم يختم مقالته بالقول اذا لم يكن تحليلي صائبا فانها وجهة نظر سليمة ( ..si no es cierto , esta bien visto )

تلوين اللوحة

قبل فترة طرحت احد الصحف الاسبانية فكرة تلوين لوحة جرنيكا و اشترك في ذلك عدد من كبار الفنانين الاسبان امثالCanogar و - Villar وغيرهم وقد تم التلوين على نسخة لجرنيكا محفورة على الزنك - كرافيك- و نشرت بعد ذلك النتائج في الصحافة.. ولكنها لم تبلغ مابلغته الوان بيكاسو الرمادية الاصلية من قوة تعبيرية عالية تنسجم مع مأساة جرنيكا..
فعندما تقف امام اللوحة ترى الجميع في صراخ واستغاثة وهي تدوي متجهة بابصارها نحو السماء حيث العنف والوحشية والقتل. وقد نجح بيكاسو في تحريك روح المشاهد واثارة شذوة الحماس والانفعال العاطفي. كم استطاع غرس روح الثورة في المشاهد من خلال تلك الالوان الرمادية والسوداء التي زادت من تعميق الجروح والآلام وارتفاع الصرخات.. ولهذا اعتقد ان فكرة تلوين اللوحة غير موفقة .. وربما استوحت الصحيفة الفكرة من لوحة غويا - 3 مايو - و لوحة - مذبحة القديسين الابرياء - لروبينز.. وهي لوحات تعج بالالوان المتنوعة ...ولكن لكل عصر ميل وذوق ولكل فنان طرق في الاداء والتعبير ...

وكان بيكاسو قد رسم جرنيكا سنة 1937 بمقاييس 3,50 X 7,80 ثم بيعت الى احد الاثرياء , بعدذلك اخذت الى متحف نيويوك.. وعندما جاء الاشتراكيون الى الحكم طالبوا بعودة اللوحة الى اسبانيا, وفعلا جائت جرنيكا بيكاسو في 10 / 9 / 1981 وقد عمل لها استقبال جماهيري كبير في المطار وعرض عسكري.. وفي سنة 1992 استقرت اللوحة في متحف الملكة صوفيا في مدريد الى اليوم ...
- وقرعت الاجراس لجرنيكا- .
 
أعلى