التطرّف والاعتدال

eyouba

عضو فعال
إنضم
2 ماي 2008
المشاركات
562
مستوى التفاعل
933
التطرف والاعتدال

التطرف والاعتدال أصبحت اليوم من أكثر المصطلحات استعمالا؛ فمن أراد اليوم أن يزكي جهة ما ويبين محاسنها فإنه يصفها بالاعتدال، وأما من أراد أن يبين عيوبها فيصفها بالتطرف. لذلك لزم بيان مفهوم التطرف والاعتدال حتى نرفع اللبس المتعلق بهذه المصطلحات الخطيرة.

التطرف والاعتدال لغة:

جاء في القاموس المحيط: "الاعتدال توسط حال بين حالين في كم أو كيف, وكل ما تناسب فقد اعتدل".
وجاء في القاموس المحيط: "والطرف محركة: الناحية وطائفة من الشيء... وطرفت الناقة كفرح: رعت أطراف المرعى ولم تختلط بالنوق كتطرفت...". فالتطرف هو: إتيان الطرف، ومجاوزة حد الاعتدال.

المفهوم الشرعي:

من ناحية شرعية, فالاعتدال هو الالتزام بالأحكام الشرعية، والاستقامة عليها، والإتيان بها على الوجه الذي شرعه الله. وأما التطرف فهو مجاوزة الحدود التي وضعها الشرع, أي مخالفة أحكام الإسلام وهو الغلو في الدين. وقد ذمت الشريعة الإسلامية الغلو والتطرف في الدين بمعنى مخالفة ما شرع من أحكام، وحثت على الاعتدال والاقتصاد بمعنى الالتزام بما شرع. ومن ذلك:
· أخرج مسلم عن الأحنف بن قيس عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون. قالها ثلاثا". قال النووي في شرحه على مسلم: "هلك المتنطعون: أي المتعمقون، الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم".

· وأخرج النسائي عن أبي العالية قال: قال بن عباس: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: غداة العقبة... "وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين". قال ابن حجر في فتح الباري: "وأما الغلو فهو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد وفيه معنى التعمق يقال غلا في الشيء يغلو غلوا وغلا السعر يغلو غلاء إذا جاوز العادة والسهم يغلو غلوا بفتح ثم سكون إذا بلغ غاية ما يرمي...". وقال المناوي في فيض القدير: "(إياكم والغلو في الدين) أي التشديد فيه ومجاوزة الحد والبحث عن غوامض الأشياء والكشف عن عللها...".

· وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة". قال ابن حجر في الفتح: "والمشادة بالتشديد المغالبة يقال شاده يشاده مشادة إذا قاواه والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب قال بن المنير في هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة وخير دينكم اليسرة وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر قوله فسددوا أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط قال أهل اللغة السداد التوسط في العمل قوله وقاربوا أي أن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه قوله وابشروا أي بالثواب على العمل الدائم وأن قل والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بان العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره وأبهم المبشر به تعظيما له وتفخيما قوله واستعينوا بالغدوة أي استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة...".

· وأخرج أحمد في المسند عن بريدة الأسلمي قال: "خرجت ذات يوم لحاجة فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم يمشى بين يدي فأخذ بيدي فانطلقنا نمشي جميعا فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتراه يرائي فقلت الله ورسوله أعلم فترك يدي من يده ثم جمع بين يديه فجعل يصوبهما ويرفعهما ويقول عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه". قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "إن المشروع المأمور به الذي يحبه الله ورسوله هو الاقتصاد في العبادة كما قال النبي عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا وقال إن هذا الدين متين ولن يشاد الدين احد إلا غلبه فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا وكلاهما في الصحيح. وقال أبى بن كعب اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. فمتى كانت العبادة توجب له ضررا يمنعه عن فعل واجب انفع له منها كانت محرمة مثل أن يصوم صوما يضعفه عن الكسب الواجب أو يمنعه عن العقل أو الفهم الواجب أو يمنعه عن الجهاد الواجب...".

هذا هو التطرف, وهذا هو الاعتدال, فالذي يزيد في عدد ركعات الفرائض, أو يطوف طواف العمرة عشرة أشواط, أو يحرم أكل العنب لأنه منه تصنع الخمر, أو يوجب على نفسه لبس الخشن من اللباس تقربا إلى الله تعالى, أو يحرم قتل المحتلّ المغتصب لأرض إسلامية، أو يحرم العمل السياسي ويقصر الإسلام على العقائد والعبادات والأخلاق، أو يمتنع عن الزواج لأنه يلهي عن العبادة وقيام الليل, كلّ هؤلاء يعتبرون من المتطرفين والمتنطعين لأنهم جاوزوا حدود الأحكام الشرعية المشروعة.

فلا إفراط ولا تفريط، أي لا نسرف في الأمر ونجاوز الحدّ فيه، ولا نقصّر فيه ونضيّعه. وبعبارة أخرى، فالمطلوب الإتيان بالأمر كما أمر به الله تعالى وكما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فلا نزيد عليه ولا ننقص منه شيئا.
 

eyouba

عضو فعال
إنضم
2 ماي 2008
المشاركات
562
مستوى التفاعل
933
وليس من التطرف تمسك الشخص أو الجماعة برأي أو حكم في شأن من شؤون الحياة, وفي كيفية حمل الدعوة الإسلامية ما دام الحكم أو الرأي أو الفكر مأخوذا باجتهاد صحيح, فالمسلمون جميعا ملزمون بالتقيد بأحكام الإسلام, والإتيان بها كاملة وفق ما شرعه الله لعبادة دون زيادة فيها أو إنقاص, والوقوف عند حدود الله فيها وعدم تجاوزها حتى لو ناقضت مصالحهم وعاداتهم, ورغبات حكامهم, وقوانينهم ودساتيرهم, فدين الله أحق أن يتبع, وحدود الله يجب أن تصان, وأحكام الإسلام يجب أن تطبق بالحكم, وأن يدعى إليها, وأن يتكتل المسلمون عليها، وأن يعملوا لإعادتها إلى الحياة. قال تعالى : "واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ". وكل من يقوم بذلك فهو ملتزم بإسلامه ومتمسك بدينه، ومعتدل, أما من يخالف هذا ويحاربه فهو المتطرف، والمخالف والآثم. قال الله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها, ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون**، وقال سبحانه: {تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم. ومن يعص الله ورسوله، ويتعدّ حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مّهين**.

وكما ترى، فإن الاعتدال لا علاقة له بالتلفيق والتوفيق بين الفكر الإسلامي ونقيضه الغربي، ولا علاقة له بمثالية هيجل ومادية ماركس، ولا بفردية الرأسمالية وجماعية الاشتراكية، ولا بغير ذلك مما يدّعيه أصحاب الوسطية. فالاعتدال هو الالتزام بالإسلام كما جاء، والتطرف والغلو هو مخالفته.

فعلى المسلمين أن لا يخدعوا بما يتردد على ألسنة الحكام وبعض المفكرين ووسائل الإعلام من ألفاظ التطرف والمتطرفين, والاعتدال والمعتدلين, والوسطية والوسطيين، عند الحديث عن الحركات الإسلامية, وأفكار الإسلام وبخاصة السياسية منها. وعليهم أن يردوا هذه الألفاظ على أهلها، ويرفضوا ما حوته من مفاهيم مغلوطة، ويتمسّكوا بالكتاب والسنة فهما الفيصل في محلّ النزاع.

 

med ali gara

نجم المنتدى
عضو قيم
إنضم
25 مارس 2011
المشاركات
3.066
مستوى التفاعل
10.246
التطرف والاعتدال عنها مفهوم شرعي وهو ما بينته بارك الله فيك. وعنها ايضا مفهوم آخر متداول في وسائل الاعلام ومن قبل سياسيي الدول الغربية ومن يدور في فلكهم.
التطرف عندهم هو التمسك بدين الله بدون تبديل ولا تغيير ومن ذلك تطبيق الشريعة في كل مناحي الحياة وليس مجرد ترقيعات للنظام الراسمالي وذلك في اطار دولة اسلامية موحدة توسعية وليست مجرد كيان وطني وهذه الدولة تقوم بالدعوة وبالجهاد لقلع نفوذ الكافر المستعمر السياسي والاقتصادي.
اما الاعتدال فهو عندهم ما يرضون عنه من تبديل شرائع دين الله لتوافق ما يرغبون وما يريدون وضع المسلمين في اطاره وهو كالتالي: دولة وطنية تطبق النظام الراسمالي في الحكم (الديمقراطية) وفي الاقتصاد (الليبرالية) وترقع ذلك وتحسنه بتطبيق بعض الاحكام الشرعية المتناثرة. وتكون سياستها الخارجية مبنية على موالات الكفار والمحافظة على مصالحهم السياسية والاقتصادية. اضافة للمشاركة معهم بفاعلية في ضرب التيار الذي يوصمونه بالاسلام المتطرف.
 
أعلى