إلي يحبني إجاوبني

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة souzi, بتاريخ ‏7 فيفري 2008.

  1. souzi

    souzi عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    896
    الإعجابات المتلقاة:
    569
      07-02-2008 21:00
    الخصائص الفنية ،المنهج العقلي، الفكر الإعتزالي للجاحظظظظ:مع الشواهد
    آآآمان جاوبوني ما تحقرونيش و ما طبطاوش في الرد بفقرة عليهم الكل أو حتى وحد من التلاثة يفرحكم دنيا و آخرجاوبوني :oh::kiss::satelite::tunis::wlcm::besmellah2:
     
  2. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      07-02-2008 21:10
    في دراسة المنزع العقلي للجاحظ
    "الحيوان" "الرّسائل"

    التوجيهات المعتمدة في دراسة المنزع العقلي للجاحظ حسب ماتنصّ عليه البرامج الرّسميّة المعتمدة:


    ـ يتمّ الاهتمام في تبيّن الخصائص الفنّيّة بالحجاج خاصّة وذلك بالنّظر في :
    • بنية النصّ الحجاجيّ.
    • تنظيمه.
    • سيرورته (الحجج وأنواعها، الأمثلة ومصادرها).
    ـ يتمّ الاهتمام في كتابات الجاحظ بالمنهج العلميّ وتجلّيات الفكر الاعتزاليّ في مجالي اللّغة والأدب :
    • في المنهج العلميّ : بالموضوعيّة، الشكّ، التّجربة ومقوّماتها كالملاحظة والاستقراء والموازنة والتّرتيب والتّعديل والتّجريح والاستنباط...
    في تجلّيات الفكر الاعتزالي : بكيفيّة الاستدلال على بعض المسائل الفكريّة والكلاميّة بالحجج العقليّة (النّقد، الشكّ، الجدل، الاستقراء...).
    الأهداف:
     تبيّن الخصائص الفنّيّة المميّزة لكتابة الجاحظ .
     استجلاء مظاهر المنزع العقليّ عنده.
    إبداء الرّأي في القضايا التي يثيرها نصّه.

    I. في مفهوم الحجاج:


    الحجاج : صوره – بنيته –وظائفه- أنواع الحجج
    1 - تعريف الحجاج :
    • "هو مجموع تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدّي بالأذهان الى التّسليم بما يعرض عليها من أطروحات ، أو أن تزيد من درجة ذلك التّسليم " برلمان وتيتيكا، نقلا عن مقال عبد الله صولة ضمن كتاب " أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو الى اليوم"- تأليف جماعي بإشراف حمادي صمود-كلية الآداب-منوبة ص 297-350)
    • "هو العمليّة التي يسعى من خلالها المتكلّم الى تغيير نظام المعتقدات و التصوّرات لدى مخاطبه بالوسائل اللّغوية ".
    • " فهو إذن خطاب يهدف صاحبه من ورائه إلى جعل المتلقّي يقرّ بصحّة مقولة أو قضية معيّنة ، فيرفضها و يطرحها عنه . فالحجاج يهدف الى التّأثير في فكر المتلقي و حمله على تعديل رؤيته أو مواقفه أو تعديل سلوكه بالاستناد الى تمشّ عقليّ يقوم على التّفكير و المنطق من جهة, و إلى التّأثير بشتّى الوسائل الوجدانية و النّفسية من جهة أخرى ، مع توظيف الوسائل اللّغوية ( الصّياغة و الأسلوب و الأدوات الحجاجيّة المتنوعة ),
    2 - سيرورة الحجاج و تنظيمه :
    تقوم بنية الحجاجي- كما هو معروف- على ثلاثة أقسام كبرى هي :
    -طرح القضيّة التي يراد تأييدها أو دحضها
    -تحليل جوانب القوّة في المقولة التي يراد دحضها، باستخدام الأدلّة و الحجج.
    -التوصّل الى نتيجة يخلص اليها التحليل السّابق( تأييد القضية أو إسقاطها، أو اتّخاذ موقف توفيقي بين هذا و ذاك ).
    3 - وظائف الحجاج عند الجاحظ
    لا تخرج وظائف الحجاج عنده عن الوظائف التي يستخدم من أجلها الحجاج عامّة، و التي لخصها "أوليرون" في ثلاث وظائف هي:
    - أ- الإقناع أو ما يسمّيه "تمرير قناعة"
    و هذا نجده بكثرة في مناقشته المسائل الاعتقاديّة لإثبات مقولات الشّرع .
    - ب- المداولة ، و هي التي يكون الحجاج فيها وسيلة لإتّخاذ قرار بأفضل الحلول ، كأن يطرح قضيّة أو يبسط أطروحة فيعرض أكثر من رأي فيها أو أكثر من تفسير أو تأويل لها ، ثمّ يتصدّى لما فيها من جوانب الضّعف بالنّقد و التّجريح ، وصولا الى ترجيح رأي أو حلّ، أو الى إستبعاد صحّتها، و ربما اكتفى بالتّعبير عن تعجّبه كما تقدم .
    ج إثبات صحة كلام من الأحكام بطرح مسألة او بسط رأي يهدف الى إثبات و بيان أوجه صحّته و الاحتجاج له بالأدلّة و الأمثلة الدّاعمة . فكثيرا ما يعمد الى تأكيد أقوال شيوخه و أساتذته من زعماء الإعتزال، و كذلك آراء السّلف و أخبارهم بما يراه منطقيّا من أحكام العقل .
     و من أساليب الدّحض و إسقاط حجج الخصم عنده :
    - طرح مسألة أو رأي بهدف تخطئته و بيان تهافته و مواضع تضاربه مع العقل ، مع تقديم الحجج المضادّة و الأمثلة التي تنقضه , و من وسائله في ذلك:
     الطّعن في تسلسل القضايا و بيان اختلال التّمشّي و التدرّج من قضية الى أخرى .
     كشف التناقض في حجج الخصم .
     استخدام الحجج المضادة أو السّالبة.


    II. من تجلّيات النّزعة العقليّة عند الجاحظ

    1- منزلة العقل وقيمته عند الجاحظ :

    - إعلاء الجاحظ ألمعتزلي من شان العقل إذ يعدّه ميزة ميّز الله بها الإنسان عن سائر المخلوقات من البهائم و الجمادات و فضيلة كرّمه بها.
    - العقل أداة المعرفة و وسيلة الإنسان إلى اكتساب العلوم وبقدر اتساع حاجة المرء إلى المعارف وارتقائه فيها يكون اتساع عقله وارتقائه. فالعقل و المعرفة لهما عند الجاحظ طابع وظيفي .
    - العقل حكم على صحة العلم بالمدركات أي أن الحواس لا تكون حجّة على العقل لكن العقل حجّة عليها فهو الذي يؤيّد حكمها أو يفنّدها. فعلوم العقل هي الحاكمة على علوم الإدراك الحسي :" فلا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل . و للأمور حكمان حكم ظاهر للحواس وحكم باطن للعقول والعقل هو الحجّة ". لذلك فإنّ الدليل السمعي تابع للدليل العقلي عملا بمبدإ أسبقية العقل على النّقل الذي آثرته المعتزلة.
    - بالعقل يتوصّل إلى معرفة الظواهر الطبيعية من حوله وأحوال الاجتماع الإنساني و الأخلاق والقيم فيتبيّن حكمة الخالق في خلقه كما يتبيّن الخير والشّر فيكون العقل سبيلا إلى التوصّل إلى حكمة الخالق ومعرفة ما أودعه الله في الكائنات من بدائع الخلق و وضوح البرهان "اعلم أنّ الجبل ليس بأدلّ على الله من الحصاة ولا الفلك المشتمل على عالمنا هذا بأدلّ على الله من بدن الإنسان وأنّ صغير ذلك ودقيقه كعظيمه وجليلة ولم تفترق الأمور في حقائقها وإنّما افترق المفكرون فيها " . كما قال :" فإيّاك أن تسيء الظّن بشيء من الحيوان اضطراب الخلق ولتفاوت التركيب و لأنه مشنوء في العين أو لأنه قليل النّفع والرّد فإنّ الذي يظن أنّه أقلّها نفعا لعلّه أن يكون أكثرها ردّا فإلاّ يكن ذلك من جهة عاجل أمر الدنيا كان ذلك في أجل ثواب الدّين وعقابه فهما باقيان و منافع الدنيا فانية زائلة". كما يقول في سياق حديثه عن خمسة أشياء يعتمد عليها في أداء البيان بعد إيراد الأربعة "الأولى: " والخصلة الخامسة ما أوجد من صحّة الدّلالة وصدق الشهادة ووضوح البرهان في الأجرام الجاهدة والصامتة والساكنة ..." . و يقول متحدّثا عن الحكمة من خلق بعض الحشرات :" فأما خلق البعوضة و النملة والفراشة والذرة والذباب و الجعلان واليعاسيب والجراد فإياك أن تتهاون بشان هذا الجند...
    وفيها معتبر لمن اعتبر وموعظة لمن فكّر وصلاح لمن استبصر....وحجة صادقة وآية واضحة وسبب إلى الصبر والفكرة وهما جماع الخير في باب المعرفة و الإبانة. وفي باب الأجر وعظم المثوبة"(الحيوان).

    - الإنسان مسؤول عن استخدام ميزة العقل التي ميزه الله بها لحكمة بالغة وتوظيفها في اجتلاب الخير وإطاعة أوامر الخالق وفي اجتناب الشر والمعصية ليفوز بالسّعادة في الدنيا والآخرة. ويقول مخاطبا :" فإنّك مسؤول عن هذه الفضيلة لأنها لم تجعل لعبا ولم تترك هملا".
    فالعقل وسيلة الإنسان للاختيار و الاختبار وأداته لتمييز الخير من الشّر وبذلك يصبح العقل ضرورة من ضروريات التكليف الإلهي نابعة من الإيمان بمسؤولية الإنسان عن أفعاله .
    - العقل سلاح حارب به الجاحظ الكثير من الأوهام و الخرافات و الاعتقادات السّاذجة وغير ذلك من الظواهر التي لا تخضع للمنطق مما كان يلتبس بالعلم و المعرفة في المروريات و الأخبار ولعل من ابلغ الأمثلة على هذا ردّ فعله على ذلك الاعتقاد الشائع بين أوساط المسلمين إلى يومنا هذا عن الحجر الأسود الذي نزل من الجنة ابيض ثم اسود من أفعال المشركين حين ذكر أنّه كان يجب أن يبيّضه المسلمون حين اسلموا (راجع البستاني"الروائع"-عدد19 -ص-525).
    -على الرّغم من أن الجاحظ يعد أحد أبرز أعلام الفكر الاعتزالي حتى صار له مذهب يسمى باسمه "الجاحظية" (يقوم على جملة المبادئ حاول فؤاد البستاني تلخيصها في أحد الأعداد التي خصّصها لكتاب الحيوان ضمن سلسلة"الروائع "العدد19 ص520-522).فإنّ غلبة العقل عليه وفكره الموسوعي وثقافته الإنسانية الشاملة المتنوعة المشارب و المصادر جعلت الرجل لا يتقوقع في حدود مذهب بعينه فتنحصر رؤاه فيه بل نجده يأخذ بالرأي لما يرى فيه من صواب ومنطق مهما تكن الفرقة التي نادت به ولعل هذا ما جر عليه انتقاد ابن قتيبة إذ قال في ذمّه إنّه :"يحتجّ مرة للعثمانية على الرافضة ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة...ّ" بالإضافة إلى أخذه عن الفلسفة اليونانية ولاسيما منطق أرسطو الذي تشبّع به و سعى إلى تطويعه لثقافة عصره بما يؤيد الشريعة الإسلامية و لا يتعارض معها.(نجد ملامح هذه النزعة إلى الأخذ من مذاهب عدة عند المعتزلة بعامة فقد أخذوا القول بالاختيار ومسؤولية الإنسان عن القدرية و أخذوا القول بنفي الصّفات وخلق القرآن عن الجهميّة ومبدإ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من الخوارج فلم يجدوا غضاضة في تكوين مذهبهم على أساس انتقاء الأفكار الرشيدة السائدة في عصرهم المستوحاة أصلا من الإسلام و التي صاغوها في مقولات فلسفية مستفدين في ذلك من التراث العالمي وعلى رأسه الفلسفة الإغريقية. ولعل هذا ما حدا ببعض الدّارسين إلى الحديث عن"توجه إنساني" في تفكيرهم .
    - على أنّه يعترضنا في ثنايا كتابات الجاحظ الموسوعية – وخصوصا كتاب "الحيوان"- العديد من الأخبار والرّوايات و التعليلات التي تخالف العقل و المنطق مثل قوله أنّ نهر مهران السّند (وهو نهر الهندوس الذي ببلاد الهند) مصدره نيل مصر وقد استدلّ على ذلك بوجود التماسيح فيه مما جعل جغرافيّا كالمسعودي ينتقده لقلّة أسفاره وتقرّيه الممالك (انظر مقال شارل بيلا"الجاحظ" في دائرة المعارف الإسلامية) ومن أمثلة ذلك أيضا حديثه عن الذّباب الذي يخلق من التّعفن ومن الباقلاء إذا عتقت في الأقباء وعن الفراش يخرج من تحت صمامة الآنية المنغلقة حين يقول في حكاية الشيخ و الباقلاء(الحيوان):"وقد علمنا أن الإنسان يأكل الطعام ويشرب الشراب وليس فيهما حيّة و لا دودة فيخلق منها في جوفه ألوان من الحيّات و أشكال من الديدان من غير ذكر ولا أنثى ....و بعد فنحن ننزع الصمامة من رؤوس الآنية التي يكون فيها بعض الشراب فنجد هناك من الفراش ما لم يكن عن ذكر و لا أنثى....و إنّما ذلك لاستحالة بعض أجزاء الهواء وذلك الشّراب إذا انضمّ عليه ذلك الوعاء...ّ" وأشباه ذلك من المعلومات التي تبدو لنا اليوم أوهاما و خرافات لكنها كانت في عصر الجاحظ وظلّت لقرون طويلة من بعده من روايات العلماء كما هو الحال بالنسبة لإسقاط القول"بالتولد التلقائي" مما لم يتوصل العلم إلى إنكاره إلا في القرن التّاسع عشر الميلادي على يد لويس باستور لذلك فلا بد من وضع الآراء و التّمحيصات العلمية للجاحظ في إطارها التاريخي من تقدم العلوم في ذلك العصر. ويظلّ الجاحظ –على الرغم من ذلك- المفكّر العقلاني الذي سلّط العقل حكما على سائر ما يعترضه من قضايا بما في ذلك المسائل الاعتقادية التي أراد أن يكون العقل حجّة لها تؤيدها و لا تتعارض معها لأنّ الغاية من العقل هي الإيمان والبرهنة على حكمة الخالق.
    2- مصادر المعرفة : ( أي مصادر الحجج الّتي يعتمدها الجاحظ)
    أ-المصادر النّقليّة:
    لقد كان حرص الجاحظ على تحصيل الحقيقة و اكتساب المعرفة شديدا , يقلقه " قلقا معرفيا " و "فكريا " و يحمله على البحث , و التقصي , و الارتحال و التنقل سعيا حثيثا خلف مصادر المعرفة. لذلك حفل الحيوان –شأنه في ذلك شأن باقي مؤلفات الجاحظ –بالأخبار المختلفة يلتقطها من مختلف المصادر : مشافهة أو تدوينا , من القرآن و الحديث, و من متون النصوص الفلسفية ( أرسطو مثلا) أو الأدبية (نصوص الشعر العربي قديمه , و نصوص النثر أمثالا مذكورة و اقوالا مأثورة). كما حرص الجاحظ على أن يتلقف الأخبار من أفواه العامّة و الخاصّة , و أصحاب العلم , و أهل المعرفة و الدّراية : أهل الذكر و الاختصاص . فلم يتوان عن السؤال و الأخذ عنهم , و هو أمر مكّنته منه "شعبيته " إذ بقدر تقربه من الخاصة , كان كثير المخالطة لعامة الناس من ملاحين, و صيادين , و حوائين , و غيرهم ... ممن توطّدت صلتهم بالحيوان و اتصلت أسبابهم بأسبابه . و قد مثّلت الأخبار بالنسبة الى الجاحظ مصدرا من مصادر المعرفة لا غنى عنه , بل إنّ اهتمامه بالخبر جعله يمثله على جهة الضرورة و اللزوم بلذّة العشق الدّاعية الى التناسل , قال " و لولا حلاوة الأخبار و الاستخبار عند الناس , لما انتقلت الأخبار و حلت هذا المحل . و لكن الله عزّ و جل حبّبها اليهم لهذا السبب , كما جعل عشيق النساء داعية الجماع , و لذة الجماع سبيلا للنسل ".(الرسائل).
    ب- المصدر العقلي:
    لقد تأثر الجاحظ بنزعته المعتزلية , و بدا ذلك جليّا في منهجه العلمي الذي سار عليه و هو يجمع مادّته المعرفيّة من مظانّها النّقليّة . فلم يكتف بالجمع و العرض و إنما تجاوز ذلك إلى النّقد و المناقشة و المقارنة بين الأخبار, و إبداء الرأي فيها , و إتخاذ موقف علميّ منها . و قد حكم عليه عقله المتوقّد المتحفّز بأن يكون قليل الثّقة كثير الشّك في ما يصله من أخبار , لعلمه بطبيعة البشر و ميلهم الى التحريف و التزييف. و لذلك كان منطلق المعرفة لديه الخبر و الأثر , و منتهاها العقل الذي يحكم حكما فصلا بالقبول أو الرفض , أو بالقياس و التّجربة . و يمكن استجلاء العقل في هذا المستوى على صعيدين: صعيد المنهج العلمي, و صعيد الشخصية العلمية.
    3- من تجلّيات المنهج العلمي عند الجاحظ :
    - دراسة طبائع الحيوان وأساليب عيشه والبيئات التي يعيش فيها وطرق تكاثره وغذائه وأصنافه وجوانب من سلوكه وخصائصه....دراسة يتخلّلها الكثير من الآراء و الأفكار العلمية المتقدمة كالحديث عن تأثير البيئة في الحيوان و الإنسان والشّجر وبعض الأفكار عن الوراثة وتطوّر الأجناس وتأثير الغرائز (راجع في "الحيوان" حديثه عن الخلاسي من الدجاج وعن ابن المذكرة من المؤنث وعن قوة ثأثير الشهوة وطلب النسل يقول :" وعامة اكتساب الرجال وإنفاقهم وهمهم وتصنعهم وتحسينهم لما يملكون إنما هو مصروف إلى النساء و الأسباب المتعلقة بالنساء"-ج1ص104). .
    - قيام المنهج التجريبي على الملاحظة المنظّمة للظواهر الطبيعية المراد رصدها وهذه الملاحظة تكون من طريقين:الخبر("قال أبو إسحاق"-"زعم ابن أبي العجوز"- "حدثني صديق لي ..."والعيان (" وقد رأيت بيض الحيات و كسرتها لا تعرف ما فيها )". ومن أمثلة العيان كذلك قوله:" وفي الذّبّان طبع كطبع الجهلان... فهو صنع غريب عجيب (يقصد تماوتها ثم عودتها إلى الحركة) ولو لا أنّ العيان قهر أهله لكانوا خلقاء أن يدفعوا الخبر عنه. " ثم يقول :" وجرّبت أنا ذلك في الخنفساء فوجدت الأمر فيها قريبا من صفة الجعل"). - وهذه الملاحظة هي في الأساس ملاحظة حسّية مباشرة ("فبينا نحن عنده إذ دخل عليه بعض من يجلب الأفاعي من سجستان ويعمل الترقيات فقال له: حدثهم بالذي حدثني به عين الأفعى...."/..."وزعم بغضهم أن لبعض الحيات لسانين وهذا عندي غلط و أظن انه لما رأى افتراق طرفي اللسان قضي بان لها لسانين فهي ملاحظة حسية تعتمد علي الحواس وعلى رأسها البصر مع ما قد يجر إليه دلك من خطا أو توهم "لعمري إنّ الحواس لتخطئ " . . - لكنّه من جهة اخرى تجريب علميّ يرقى إلى مستوى تعمّد العالم وضع الظّاهرة التي يرصدها موضوع الاختبار عن سابق قصد وتحكّم في ظروف إجراء الاختبار . يقول معترضا على بعض الروايات المتّصلة بقتل النّمل : "وقد جرّبنا ذلك ووجدناه باطلا " ولعلّ من أوضح الأمثلة على استخدام المنهج التجريبي ما أورده في حديثه عن الانتباه الغريزيّ للكلب حين قال : " فلمّا كان العشيّ صنعنا به مثل ذلك...وصنعت ذلك بكلب لي أخر..." وكذلك ما أورده في باب الحيّات أيضا في سياق تجربة النّور المنبعث من عيون بعض الأفاعي يقول أبو عثمان رواية عن محمد بن جهم عن أحد بائعي الأفاعي وصنّاع ترياقها بعد أن رأي في ظلام الليل وهو نائم ضياء ينبعث من مكان ترك فيه رأس الافعي: " فقمت فقدحت نارا و أخذت المصباح معي ومضيت نحو السّرير فلم أجد تحته إلا رأس الأفعي فأطفأت السّراج ونمت و فتحت عيني فإذا ذلك الضّوء على حاله فنهضت كصنيعي الأول حتّى فعلت ذلك مرارا قال : فقلت لآخر مرّة لا أرى شيئا إلا رأس الافعي فلو نحّيته فنحّيته و أطفأت السّراج ثم رجعت إلى منامي ففتحت عيني فلم أر الضّوء فعلمت أنّه من عين الأفعى....". - يتجلّى الطّابع العلمى للملاحظة في ما يصاحبها من عملية انتقاء وتركيز تهدف إلى عزل الظاهرة أو الواقعة التي يراد درسها آو تجريبها (عمّا سواها من الظّواهر والوقائع الأخرى التى لا تستوقف البحث ولا تستدعى اهتمامه ) والتي تثير الحيرة العلمية وحبّ الاكتشاف لديه وتسليط الذّهن عليه بغية تعرّفها وفهم خصائصها.
    ففي ذلك سلوك - على بساطته- ما يدلّ على خطوة مهمّة من خطوات البحث والمنهج التجريبى الذي ينطلق من التجربة ليستخلص قانونا جزئيا ومن أمثلة هذه القوانين أو القواعد الجزئية ما أورده عن الانتباه الغريزي لدى الكلب حين استنتج " فليس يكون مثل هده إلا ّعن مقدارية بمقدار ما بين الوقتين " أو قوله حول تكرار التّجربة " فلم يجدوه غادرذدلك يوما واحدا ".
    - أما الخطوة الثّالثة من خطوات المنهج العلمي التي تتضمّنها هذه الفقرة و مثيلاتها في كتابات الجاحظ، فهي أن الباحث بعد التجربة يخلص إلى الاستنباط العقليّ، ثم يعيد التّجربة مرة ثانية أو مرارا ليتأكّد من صحّة الاستنباط و من تطابق التجربة الواقعية.
    مع الاستنتاج النظري: " ثم سألت عن ذلك – أي النور المنبعث من عين الأفعى – فإذا الأمر حق. و إذا هو مشهور في أهل هذه الصناعة"). وقد يخلص إلى تعميم قانون عن طريق الاستقراء كما في قوله بعد حديثه عن قوة الأفاعي :" و كلّ شيء ممسوح البدن ليس بذي أيد و لا أرجل فانه قد يكون شديد البدن كالسّمك و الحية ("الحيوان). - التّعليل أو البحث عن الأسباب، و من المعروف أن هذا سمة من أهم سمات التفكير العلمي، فبالسؤال "لم؟ " يفسر العلم العلاقة بين الأشياء و الظّواهر، و يربط بينهما في تنظيمات فكرية تساعد على تقدّم العلوم و تراكم المعارف، و التعليل أو ربط الأسباب بمسبّباتها من أنماط التفكير التي تكثر في كتابات الجاحظ. اذ نلحظها على مستوى الفكرة و المضمون، كما نلحظها على مستوى اللغة و المبنى (كما سيرد لاحقا)..
    - التفكير المنظّم و التدرّج المخطّط مظهر آخر من مظاهر التفكير العلمي و العقلاني، و يتجلى هذا في مواضع كثيرة من أبحاثه حول الحيوان، كما يتجلى في رسائله، مثلما نجد في ذلك التدرّج الذي يسلكه عند توضيح أهمية التّرغيب و الترهيب (النفس مطبوعة على حب الخيرات و اجتناب المكاره + والخيرات موفرة : التأديب ضروري و إلا اختلت الحياة و فسدت/ و التأديب و سيلته الأمر و النهي- و الأمر و النهي و سيلته الترغيب و الترهيب – و هما موافقان لما طبع الله عليه النفس).
    - التفكير النقدي: وهو تفكير تحليلي استدلالي نجد له أمثلة متعددة في تمحيص الجاحظ الروايات و تجريحها و إصدار الأحكام بتجريح صحّتها او خطئها او الشّك فيها، فقد اخضع الجاحظ ما تناهى إلى علمه من المرويّات للنقد و التحليل و التّقييم، و رفض ما لا يتفق مع العقل، و ما لا يثبت بدليل .

    III. -المنهج العلمي:


    انتـهج الجاحظُ في كتبه ورسـائله أسلوباً بحثيًّا أقلُّ ما يقال فيه إنَّهُ منهجُ بحثٍ علميٍّ مضبوطٌ ودقيقٌ، يبدأ بالشَّك لِيُعْرَضَ على النَّقد، ويمرُّ بالاسـتقراء على طريق التَّعميم والشُّـمول بنـزوعٍ واقعيٍّ وعقلانيٍّ، وهو «في تجربته وعيانه وسماعه ونقده وشكِّه وتعليله كان يطلع علينا في صورةِ العالم الذي يُعْمِلُ عقله في البحث عن الحقيقة»، ولكنَّه استطاع برهافة حسِّه أن يسبغ على بحثه صبغة أدبيَّةً جماليَّة تُضفي على المعارف العلميَّة رواءً من الحسن والظَّرْف، يرفُّ بأجنحته المهفهفة رفيف العاطف الحاني على معطيات العلم في قوالبها الجافية، ليسيغها في الأذهان ويحببها إلى القلوب، وهذه ميزة قلَّت نظيراتها في التُّراث الإنساني.‏

    1ـ الشك‏

    لم يكتف أبو عثمان بالشَّك أساساً من أسس منهجه في البحث العلميِّ بل عَرَضَ لِمَكانة الشَّك وأهمِّيَّته من النَّاحية النَّظريَّة في كثيرٍ من مواضع كتبه، ومن أهم ما قاله في ذلك: «واعرف مواضع الشَّك وحالاتها الموجبة لها لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة لـه، وتعلَّم الشَّك في المشكوك فيه تعلُّماً، فلو لم يكن في ذلك إلا تعرُّف التَّوقُّف ثُمَّ التَّثبُّت ، لقد كان ذلك مما يُحتاج إليه. ثمَّ اعلم أنَّ الشَّكَّ في طبقاتٍ عند جميعهم، ولم يُجمعوا على أنَّ اليقين طبقات في القوَّة والضَّعف».‏

    تتبيَّنُ لنا من ذلك مجموعةٌ من النِّقاط المهمَّة التي تفصح عن أصالة الجاحظ وتجلو ملمحاً من ملامح عبقريَّته، فهو لم يرد الشَّكَّ لمحض الشَّك، ولا يقبل أن يكون الشَّكُّ كيفما اتَّفق ولا في كلِّ أمرٍ على حدٍّ سواءٍ ولا بالطريقة ذاتها؛ إن الشَّك الجاحظيَّ، بهذا المعنى، لا يختلف البتة عن الشَّك المنهجيِّ عند الإمام الغزالي والفيلسوف الفرنسي رينه ديكارت ـ Rene Descrtes، فكلُّ منهم أراد الشَّكَّ طلباً للحقيقة؛ الحقيقة الجلية الواضحة، التي لا تقبل تفاوتاً في الدَّرجات.‏
    مثّل الشّك لدى الجاحظ طريقة في التّعامل مع مسائل المعرفة و منهجا من مناهج النّظر في الموجودات و معطيات الواقع الحسّي و الذّهني . و لعلّ الجاحظ أن يكون قد استلهم طريقة " الشّك الموصل الى اليقين " من أستاذه النّظام .
    و يرى الاستاذ اليعلاوي أنّها طريقة تعتمد جملة من القواعد يمكن حصرها في :

    *-عدم قبول الخبر مسلّما و عدم تكذيبه مبدئيا يقول " ولا يعجبني الإقرار بهذا الخبر و لا يعجبني الإنكار له "

    *-معالجة الخبر لمعرفة مواضع الضّعف فيه و هي الموصلة الى اليقين . يقول " فاعرف مواضع الشّك و حالاتها الموجبة له لتعرف مواضع اليقين و الحالات الموجبة له .. " . فليس الشّك لديه لأجل الشّك في حدّ ذاته و إنّما طلبا لليقين . و مادام الشّك طريق اليقين فلا بدّ من تعلّمه و التّسلح به و إن لم يوصل الى معرفة يقينيّة . يقول " تعلّم الشّك في المشكوك فيه تعلّما فلو لم يكن في ذلك إلا تعرّف التوقف ثمّ التّثبت لكان ذلك ممّا يحتاج إليه ّ . و في تعامل الجاحظ مع الأخبار التي يجمعها إجراء واع لأدوات الشّك و نعني بها اعتماد منهج التجريح و التعديل بالنّظر في مصداقيّة السّند الناقل للخبر و مبلغ ثقته . ثمّ بتقليب المتن و موازنته و مقارنته و عرضه على التّجربة الملموسة أو العقل المستدل أو الخبرة المتراكمة أو المعرفة الحاصلة .

    2 ـ النـقـد‏

    إنَّ تتبـُّعَ كتب الجاحظ ورسائله يكشفُ لنا عن عقليَّة نقديَّةٍ بارعةٍ؛ نقديَّةٍ بالمعنى الاصطلاحي المنهجي وبالمعنى الشَّائع للانتقاد، فنقده بالمعنى الشَّائع يتجلَّى أكثر ما يتجلَّى في تهكُّمه وتعليقاته السَّاخرة التي لم يسلم منها جانبٌ من جوانب المعرفة ولا مخطئٌ أمامه أو واصلٌ إليه خبره، ومن ذلك مثلاً تهكُّمه بالخليل بن أحمد الفراهيدي من خلال علم العروض الذي قال فيه: «العروض علمٌ مردود، ومذهبٌ مرفوض، وكلام مجهول، يستكدُّ العقول، بمستفعل ومفعول، من غير فائدة ولا محصول»‏

    أما نقده المنهجيُّ فما أكثر ما تجلَّى في كتبه ورسائله في تعامله مع مختلف الموضوعات المعرفيَّة؛ العلميَّة والأدبيَّة، ومن ذلك نقده لعلماء عصره ومحدِّثيه ورواته وفقهائه والعلماء السَّابقين، والشَّواهد على ذلك جدِّ كثيرة، تجعلنا حقًّا في حيرة أمام اختيار واحد منها.‏



    انتقد بعضهم اتجاه علماء الكلام نحو الأمور الطَّبيعية بالعناية والدِّراسة فقال: «لو كان بدلُ النَّظرِ فيهما النَّظرَ في التَّوحيد، وفي نفي التَّشبيه، وفي الوعد والوعيد، وفي التَّعديل والتَّجويد، وفي تصحيح الأخبار، والتَّفضيل بَيْنَ علم الطَّبائع والاختيار، لكان أصوب. فردَّ عليه الجاحظ ناقداً ادعاءه بقوله: العَجَبُ أنَّك عمدت إلى رجالٍ لا صناعة لهم ولا تجارة إلا الدُّعاءُ إلى ما ذكرت، والاحتجاجُ لما وصفت، وإلاَّ وضع الكتب فيه والولايةُ والعداوةُ فيه، ولا لهم لذَّة ولا همٌّ ولا مذهبٌ ولا مجازٌ إلاَّ عليه وإليه؛ فحين أرادوا أن يقسِّطوا بَيْنَ الجميع بالحِصص، ويَعْدِلوا بين الكلِّ بإعطاء كلِّ شيءٍ نصيبه، حَتَّى يقع التَّعديلُ شاملاً، والتَّقسيط جامعاً، ويظهر بذلك الخفيُّ من الحكم، والمستور من التَّدبير، اعترضتَ بالتعنُّت والتَّعجُّب، وسطَّرت الكلام، وأطلت الخطب، من غير أن يكون صوَّب رأيك أديبٌ، وشايعك حكيمٌ».‏

    وبنظرةٍ عجلى في آثار الجاحظ « فإنك تراهُ وهو يطلق العنان لقلمه في جلِّ كتبه ـ يزيِّف الخرافات والتُّرَّهات في عصره وقبل عصره، ويورد عليك نقداته ومباحثاته، فيقطع في نَفْسك أنَّه لو جاء كثيرٌ مثله في عقلاء العلماء لخلت كتب الأقدمين من السَّخافات، إذ إنَّ الجاحظ نفسه يقول: ومما لا أكتبه لك من الأخبار العجيبة التي لا يجسر عليها إلا كلُّ وقاح أخبار...»ولذلك ما أكثر ما كان يستفتح الأخبار المغلوطة أو الأسطورية بقوله زعم فلان، وزعموا، ثُمَّ يُعَقِّبُ بتحليله ونقده «بعقلٍ راجحٍ، ونظرٍ صائبٍ، وأسلوبٍ سهلٍ عَذْبٍ متنوِّعٍ دقيقٍ فكهٍ، يَتَتَبَّعُ المعنى ويقلِّبُه على وجوهه المختلفة، ولا يزال يولِّده حَتَّى لا يترك فيه قولاً لقائل».‏

    3 ـ التجريب والمعاينة‏

    إذا كان النَّقد هو الخطوة اللاحقة على الشَّكِّ فإنَّ المعاينة والتَّجريب هي الخطوةُ المقترنة بالنَّقد والمتلازمة معه، وخاصَّةً في مسائل العلم الطَّبيعي، والجاحظ لم ينس هذه الخطوة ولم يتناسها بل جعلها عماداً لازماً من أعمدة منهجه البحثي، وقد بدا ذلك في اتجاهين؛ أولهما قيامه هو ذاته بالمعاينة والتَّجريب، وثانيهما نقل تجارب أساتذته ومعاصريه. وقـد أجرى الجاحظ كما أخبرنا تجارب ومعايناتٍ كثيرةً للتَّثبُّت من معلومةٍ وصلت إليه، أو لنفي خبرٍ تناهى إلى سمعه ولم يستسغه عقله، والأمثلة على ذلك جدُّ كثيرة نذكر منها تجربته في زراعة شجرة الآراك وقصَّته الطَّويلة معها للتَّأكُّد مما قيل عن تكاثر الذَّرِّ عليها ويصف لنا بُرنيَّةَ زجاجٍ وُضِع فيها عشرون فأراً مع عشرين عقرب، وما فعلته العقارب بالفئران وكذلك عندما أجمع أناس، بينهم طبيبٌ، على أنَّ الجمل إذا نُحِر ومات والتمست خصيته وشقشقته فإنهما لا توجدان، فأرسل إلى جزَّار أن يأتيه بالخصية والشقشقة إذا نحر جملاً، ففعل، فلم يكتف بذلك، فبعث إليه رسولاً يقول: «ليس يشفيني إلا المعاينة» ففعل ودحض هذا الادعاء ولجأ أيضاً إلى تجريب بعض المواد الكيماويَّة في الحيوان ليعلم مبلغ تأثيرها فيها، وليتأكَّد مما قيل في ذلك ومما أورده من تجارب غيره تجربة أستاذه النَّظَّام عندما سقى الحيوانات خمراً ليعرف كيف يؤثِّر الخمر في الحيوان، ولم يكتف بنوعٍ واحدٍ بل جرَّب على عددٍ كبيرٍ من الحيوانات كالإبل والبقر والجواميس والخيل والبراذين والظِّباء والكلاب والسَّنانير والحيَّات وغيرها.



    -4-الموضوعيّة و التّجرّد :
    - رفض التّسرع في الحكم و التعجيل بالتصديق او التكذيب قبل التثبت :"و لا يعجبني الإقرار بهذا الخبر، كما لا يعجبني الإنكار له ". و يظهر ذلك في إيراد الروايات بسند صحيح ثابت كما سمعها أو نقلها إليه الثقات من أصحابه و شيخوخة من دون أي حكم مسبق لها او عليها، مثل إيراده تفصيلات حول طريقة الحيّة في اصطياد العصافير، و طرح وجهات النّظر المختلفة في المسألة التي يدرسها طرحا موضوعيا من غير تدخّل أو إصدار حكم إلا بعد التّمحيص و الشّك و التّحليل، كما فعل حين أورد الرّوايات المختلفة التي سمعها عن طريقة ولادة الأفعى.
    - عدم الاغترار بظواهر الأشياء او الاستناد على المظاهر في تقييم الأمور :"أوصيك أيّها القارئ المتفهّم و أيّها المستمع المنصت المصغ ، أن لا تحقر شيئا أبدا لصغر جثّته و لا تستصغر قدره لقلة ثمنه "، ( الحيوان)
    - الانطلاق في بحث المسألة بحثا عقليا من رفض الانقياد للمسلّمات او التّسليم لصحّة الأفكار المسبقة مهما تكن أو شائعة . و مهما يكن ثبات الرّواة و الثّقة في علمهم : "زعم ابن أبي العجوز أنّ الدّسّاس تلد و كذلك خبّربني به محمد ابن أيوب ابن جعفر عن أبيه و خبّرني به الفضل بن إسحاق بن سليمان فإن كان خبرهما عن إسحاق فقد كان إسحاق من معادن العلم " إلى أن يقول :" و لم اكتب هذا لتقرّ به ... ".
    - بحثه عن المعلومة في مظانّها و مصادرها الأصلية و اتصاله بأصحابه المتخصّصين فيها و أمثلة ذلك كثيرة منها:" وسمعت حديثا من شيوخ ملاحي الموصل ..." " و خبّرني من يصيد العصافير ... وشكا إليّ حواء مرة ... - التّحري و الاقتصاد في الحكم : كثيرا ما يميل الجاحظ إلى التّرجيح و التّغليب أو الشّك و الاستبعاد و لعلّ ذلك من مظاهر تواضعه العلمي و تقديره للثّقات الذين يروي عنهم من أفذاذ العلماء في عصره كما في قوله: "و لا أدري أيّ الخبرين أبعد, أخبر ابن غالب في تفسيخ الثّوب (يقصد تقطّع الثّوب بتأثير سمّ الأفعى ) أو خبر ابن المثنّى في سلامة الفروج على الأفعى" . و لا تكاد تعترضك في كلام الجاحظ أحكام مطلقة أو أراء نهائية مؤكدة إلا متى كان الغلط فيها بيّنا ، كموقفه من ذلك الأعرابي الذي ادّعى وجود حيّة ذات رأسين، فسأله محاجّا:" من أيهما تأكل؟ " و لما أجابه بأنها تتعشّى بفم و تتغدّى بفم ، علّق قائلا :"فإذا به أكذب البريّة ". - استقلاله الفكري و عدم تبعيّته لأحد مهما تعاظمت مكانته العلميّة إلا متى أقرّ بصحّة رأي من أراء أساتذته و وافقه ، فقد رد ّعلى أرسطو في الكثير من المواضع التي نقل فيها عنه ( انظر مقدمة "الحيوان") لعبد السلام محمد هارون ط . مصطفى البابي الحلبي الثالثة- 1965 – ص 22) و من أمثلة ذلك قوله :"و قد سمعنا ما قال صاحب المنطق...و ما يليق بمثله أن يخلد على نفسه في الكتب شهادات لا يحققها الامتحان " (الحيوان) "


    - تجلّيات الفكر الاعتزالي

    يُجمع مؤرِّخو الفِرَقِ الإسلاميَّة أمثال أبي الحسن الأشعري في كتابِه مقالات الإسلاميين، وابن المرتضى في كتابه طبقات المعتزلة، والشهرستاني في كتابه الملل والنِّحل، والمسعودي في كتابه مروج الذهب، وابن خلدون في مقدِّمته وغيرهم كثيرون من مؤرِّخي الفكر العربي والأدب العربي، على أنَّ الجاحظ أحد كبار شيوخ المعتزلة وصاحب فرقة من فرقهم هي التي دعيت بالجاحظيَّة وكان لها أنصار وأتباع.‏

    لم يفترق أبو عثمان عن المعتزلة في مبادئهم الرئيسة، المعروفة بالمبادئ الخمسة وهي: العَدْلُ، والتَّوحيد، والمنـزِلَة بَيْنَ المنـزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. ولكنَّه انفرد عنهم واستقل باتِّجاهه بمجموعةٍ من الآراء والمواقف الخاصة، وتَمثَّل ذلك بنظريته في المعرفة التي قادته إلى آرائه الخاصة في الله والنُّبوة والإمامة.‏

    من أهمِّ ما انفرد به قوله: «إنَّ المعارف كلَّها ضروريَّةٌ طباعاً، وليس شيءٌ من ذلك من أفعال العباد وليس للعباد كَسْبٌ سوى الإرادة، وتحصل أفعاله منه طباعاً كما قال ثمامة. ونُقل عنه أيضاً أنَّه أنكرَ أصلَ الإرادة، وكونها جنساً من الأعراض، فقال: إذا انتهى السَّهو عن الفاعل وكان عالماً بما يفعله، فهو المريد على التَّحقيق، وأمَّا الإرادة المتعلِّقة بفعل الخير فهو ميل النفس إليه، وزاد ذلك بإثبات الطَّبائع للأجسام كما قال الطَّبيعيون من الفلاسفة، وأثبت أنَّ لها أفعالاً مخصوصةً بها. وقال باستحالة عدم الجواهر، فالأعراض تتبدَّل، والجوهر لا يجوز أن يفنى».‏

    ويتابع ج.دي.بور (باحث) اجتهاده في نظريَّة المعرفة قائلاً: «والإنسان عنده قادرٌ أن يعرف الخالق بعقله، وعلى أن يدرك الحاجة إلى الوحي الذي ينـزل على الأنبياء، وعنده أنَّ العالم الحقَّ يجب أن يضمَّ إلى دراسة علم الكلام دراسة العلم الطَّبيعي، وهو يصف في كلِّ شيء أفاعيل الطَّبيعة، ولكنَّه يشير إلى ما في هذه الأفاعيل من أثر خالق الكون».‏

    ومن ذلك أيضاً «قوله في أنَّ أهل النَّار لا يخلَّدُون فيها عذاباً، بل يصيرون إلى طبيعة النَّار. وكان يقول: النَّار تجذب أهلها إلى نفسها من دون أن يدخل أحدٌ فيها»، وهذا ما سيبني عليه الفلاسفة اللاحقون ما سمي مشكلة حشر الأرواح لا الأجساد التي كفَّرهم بها الإمام الغزالي في كتابه التهافت.‏

    وإذا كان مذهبه في إثبات القَدَرِ؛ خيره وشره من العبد، هو مذهب المعتزلة بإجماع مؤرِّخيه فإنَّ مذهبه في نفي الصِّفات هو مذهب الفلاسفة فيما رأى شفيق جبري الذي أضاف أنَّ الكعبي «حكى عنه في نفي الصِّفات أنَّه قال: يوصف البَّاري تعالى بأنَّه مريدٌ، بمعنى أنَّه لا يصحُّ عليه السَّهو في أفعاله، ولا الجهل، ولا يجوز أن يُغلبَ ولا أن يُقهرَ... ومن انتحل دين الإسلام، فإن اعتقد أنَّ الله تعالى ليس بجسمٍ ولا صورةٍ ولا يُرى بالأبصار، وهو عدل لا يجور، ولا يريد المعاصي، وبعد الاعتقاد والتبيين أقرَّ بذلك كلِّه، ثُمَّ جحده وأنكره،‏

    أَو دان بالتَّشبيه والجبر، فهو مشركٌ كافرٌ حقًّا. وإن لم ينظر في شيءٍ من ذلك، وَاعْتَقَدَ أَنَّ الله رَبَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، فهو مؤمنٌ لا لوم عليه، ولا تكليف عليه غير ذلك».‏

    وفي قلب هذه الرؤية الاعتزالية الواضحة التي كانت عماد الاعتزالية الجاحظيَّة وجزءاً صميماً من الفكر الاعتزالي في عمومه، كانت هناك بعض اللمسات الفلسفيَّة التي أفاد منها الفلاسفة اللاحقون عليه ونهلوا من معينها، ومنها ما تَمَّت الإشارة إليه، ومنها أيضاً على سبيل المثال فيما رواه الكعبي عنه أنَّهُ قال: «إنَّ الخلق كلَّهم من العقلاء، عالمون بأنَّ الله تعالى خالقهم، وعارفون بأنَّهم محتاجون إلى النَّبي، وهم محجوجون بمعرفتهم، ثمَّ هم صنفان؛ عالمٌ بالتَّوحيد وجاهلٌ به، فالجاهل معذورٌ، والعالم محجوجٌ...»فمثل هذا ما ذهب إليه معاصره الكندي والفلاسفة اللاحقون من حديثهم في الحاجة إلى النبوة والفطرة التي فُطِرَ عليها الخلق.‏
     
  3. souzi

    souzi عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    896
    الإعجابات المتلقاة:
    569
      07-02-2008 21:33
    إنشاء الله ربِ يعطيك ما تتمنى يا خويا العزيز و ربِ إفضلك أمك و بوك "و الله لا يضيع أجر المحسنين"ربّ إنجحك و نجح إخواتك و خواتي إلي في الباك أو غير الباك و جميع أمة محمّد بجاه ليلة الجمعة.آمين (آش رايك في الدعاء شوفت أنا إلي يعمل معاي الخير يسمع هك أو أكثر من هك).ليلتك زين:satelite:
     
  4. cobraaa

    cobraaa كبير مراقبي المنتدى التعليمي

    إنضم إلينا في:
    ‏29 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    5.809
    الإعجابات المتلقاة:
    25.476
  5. souzi

    souzi عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    896
    الإعجابات المتلقاة:
    569
      07-02-2008 22:08
    ربّ إفضلك بجاه ليلة الجمعة يا أستاذي الكبير:tunis:.آمين (آش رايك في الدعاء شوفت أنا إلي يعمل معاي الخير يسمع هك أو أكثر من هك).ليلتك زين تحيا تونس و أولاد تونس
     
  6. zaydoun72

    zaydoun72 عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏18 مارس 2007
    المشاركات:
    396
    الإعجابات المتلقاة:
    1.042
      08-02-2008 15:11
    باختصار شديد إليك أهمّ النّقاط .
    * تجلّيات النّزعة العقليّة عند الجاحظ تظهر من خلال =
    1- قدرته على الإقناع و الحجاج . و هنا نهتمّ بالحجاج عند الجاحظ - بناؤه و طرائقه و أساليبه و أنواع الحجج .....
    2- وضعه لمنهج في التّعامل مع المعارف صارم و عقليّ أساسه الشّكّ و التّجربة و المعاينة و الملاحظة و الإستقراء و الإستنتاج .
    3- إختياره للمذهب الإعتزالي بإعتباره مذهبا ينتصر للعقل و يقدّمه على النّقل و يتّخذه منهجا في العقيدة و الأحكام الفقهيّة و المواقف المذهبيّة - أنظر نصّ المعتزلة يتوسّطون الفرق -
    * غايات الجاحظ من كتاباته . أهمها
    - تدريب الفرد على التّحرّر من الأحكام المسبقة - تمكينه من آليات معرفيّة يصبح بفضلها قادرا على انتاج المعرفة لا مجرّد متقبّل سلبي - الانتصار للمذهب الإعتزالي و إثبات صحّة مبادئه و أصوله الخمسة - غايات معرفيّة - .............................
     
  7. souzi

    souzi عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    896
    الإعجابات المتلقاة:
    569
      13-02-2008 20:27
    merciiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiii 3raftkoum intouma yasir ithibouni:satelite:
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...