1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

رحلة في عمر عاصِف

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة hamham111, بتاريخ ‏19 فيفري 2008.

  1. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      19-02-2008 00:32
    جلجلَ بوق الباخرة في صفير حاد معلنا عن رفع المرساة و اشتدّت وتيرة صوت المحرّك فيما حملقت أبصارُ المسافرين تراوغ النعاس و تشيع مسحة من القلق في أجواء القاعة.

    كان الطّقسُ عاصِفا و صوت الرياح يخترق الشّقُوق كمسامير من جليد...بين البحر و الرياح ميثاق شؤم يعرفه كلّ هؤلاء الّذين يتنفّسون الملح كما لا يتنفّسه غيرهم من النّاس..

    أنا أيضا، أحسستُ بقلق ما...التفت إلى زميلتي الجالسة قربي:
    - هل كان من اللازم حضور هذا الاجتماع الإخباري؟
    - لو لم أكن محتاجة إلى السّفر من أجل استخراج أوراق من البنك ما كنت أفكّر فيه و لو مجرّد تفكير...

    ... أوغَلَت الباخرةُ في البحر...أوغلْتُ في القلق...اِستقمتُ واقفا أنظر من خلال النافذة إلى ملايين الأمواج المتسابقة من كل اتجاه...كأنها تلاحق بعضها بعضا في همهمة وحشيّة نحو فريسة واحدة...أغرب ما رأيتُهُ موقعُ الشمس... لم تكن الشمس حيث توقّعتُ...
    عُدتُ إلى جلستي قائلا لها في محاولة للمزاح:
    - الشمس ليست في مكانها المعتاد...يبدو أننا راجعون.
    - قالت:
    - ربّما هي إحدى علامات السّاعة...
    سألتها:
    - ماذا تقصدين؟
    أجابت:
    - يُقال أنّها و قبل القيامة بفترة تبزغ من الغرب و تغرب في النّاحية الشرقيّة...
    سكتُّ متفكّرا و سألت من جديد:
    - يعني أنّ الزمن وقتها يعود إلى الوراء؟
    ضحكت:
    - نعم...
    - يعني أننا نخرج إلى العمل لمّا تكون الشمس عند المغرب؟
    قالت :
    - نعم...بشرط أن نسير جميعا إلى الخلف.
    قلتُ:
    - نبدأ العمل على الساعة السّادسة مساء و ننهيه عند الساعة الثامنة صباحا...
    ابتسمت....ابتسمتُ...صرتُ أفكّر بجدّ في المسألة:
    - سيكون نظاما جميلا...نلتقي بالتلاميذ أمام المعهد، نبدؤهم بالتحيّة فيجيبون...ندخل القسم قبلهم...يلتحقون بنا...بدل أن نمسك بالقلم للكتابة على السبورة نمسك بالطلاسة نمسح بياضها فإذا بها في كل مرور لها ترسم جُمَلاً و فقراتٍ ...نتوجّه إلى التلاميذ فإذا بشيء غريب يحصل...يجيبون عن أسئلة لم نطرحها عليهم و بعدها نطرح الأسئلة الموافقة لإجاباتهم...نفرح لهم قبل أن يقولوا صوابًا...نحنقُ على إجاباتهم الغبيّة قبل أن يفصحوا عنها...ثمّ نلتفت إلى السبورة و بدل أن نبدأ من أعلاها ننحني بأقلامنا الحبريّة إلى السطر الأخير... يجب أن يكون القلم بنفس لون الخطّ... و بدل الكتابة من اليمين إلى اليسار نجد أيدينا تجر القلم على الخط تماما لكن من اليسار إلى اليمين و بدل من أن يرتسم الخطّ نراه ينمحي بسرعة هاربا إلى جوف القلم و هو يشفط الحبر...
    لا تنتهي الحصّة إلا و تكون السبّورة التي كتبناها بالطلاّسة قد خوت من أي حرف أحمق، من أيّ رسم...
    سيكون الأمر ممتعا حينها... بدل من أن نعطي التلاميذ المعلومة نستلّها منهم... في الصباح حين يخرجون من القسم، يكونون أجهل ممّا كانوا عليه لمّا التحقوا به.
    خيّم صمت... ثمّ سألتها:
    - و أجرتنا؟ تكون حلالا عندها؟
    انفجرت ضاحكة و تساءلَت في استنكار:
    - عن أي أجرة تتحدّث؟ وقتها عندما نذهب إلى الصّرّاف الآلي سنكتشف أننا نخرج الأوراق النقدية من جيوبنا و نضعها في المكان المخصص بها فإذا بتلك الآلة اللعينة تسحبها منّا و في مقابلها تخرج لنا بطاقة السّحب...

    ضحكتُ بدوري...تخيلت المشهد...تخيلت نفسي في سعي محموم بين الدكاكين و المغازات و الأسواق و بائع التبغ أتخلّص من بضاعاتهم عندهم و يتخلّصون من ثمنها عندي...و أجمل ما جال في خيالي سيارتي و هي تتوقّف في محطّة البنزين بخزان ممتلئ فيأتي العامل و يدسّ الخرطوم فيها فإذا هو يمتصّ المحروقات و على قدر ما يرتسم على آلته يدفع لي مالا...و تتحرّك السّيارة بي إلى الخلف ساحبة الدخان الكثيف محوّلةً إيّاه إلى ذلك السّائل اللزِج الذي طالما أرهقنا في حياتنا الدنيا...و تأتي حينئذ شاحنة ٌصفراءُ ذات صهريج ضخم فتجمع ما اجتمع من بنزين و غاز و زيوت ثم هي تنقلُه - كلّ ذلك سيرا إلى الخلف طبعا- إلى الميناء حيث محطة تكرير النفط فتضخه صافيا في ناحيةٍ من تلك الأنابيب الفضّية المتشعبة ليخرج من ناحية أخرى بترولا قطرانيّا أسود يُحمَّلُ بعدئذٍ إلى الخليج في بواخر هناك - أتصوّرُ- يضخّونهُ في باطن الأرض...و على قدر ما يضخّون، يجمع الأمراء ثرواتهم من كازينوهات" لاس فيغاس" و دور الدّعارة في روما و ملاهي "النّواعير الباريسيّة الحمراء" و شاليهات جبال سويسرا ثم يدفعونها إلى فقراء الأرض... تلك الأموال ذاتها التي أخذتُها من محطّة البنزين الصغيرة التّائهة في تلك الجزيرة الصّغيرة التّائهة...

    أتخيّل نفسي...أجمع قوارير الجعة و النّبيذ الفارغة الملقيّة خلف غرفتي و في نافذتي و تحت سريري فأملؤها و أُرجِع إليها أغطيتها الفلّينيّة بمهارة عشرين سنة من الخبرة... ثم آخذها إلى الخمّارة...أدفعها إلى صاحبها النّزق فإذا به و لأوّل مرّة يفتح خزانته الحديدّية الضخمة و كما لم يفعل أبدا يستخرجُ منها أموالاً و يضعها في يدي مبتسما عن أسنان صفراءَ...فأجيبه..."صباح الخير".

    ثمّ أراني أعود إلى البيت أفتح جهاز الكمبيوتر في انكسار و تلهّف...أبحث عن فتاة فارقتني دون أن تفارقني.... أجدها، و لأوّل مرة منذ ما يزيد عن الشّهر، في انتظاري،...أقرعها بسخطي لأنّها تركتني وحيدا و تقرعني بعتابها لأنّي لم أَمت من فرط حزني على غيابها...أتّهمها بما لا يهمّ من الاتهامات،تجيبني بما لا يهمّ من عتاب أنثويّ ساذج...في غمرة دموعها أبتسِمُ لها تبتسِم بدورها...تضيءُ الغرفةُ يُضيءُ قلبي...أرتشف السعادةَ من نورها... تلتقِطُ دلائل قيمتها من سعادتي برجوعها... و تمرّ الأيام فارّة كمثل الحلم و علاقتي بها بين ارتفاع و انخفاض كغصني ياسمينة أيّام الربيع حين تهبّ عليها نسائم "مارس"...

    ذات يوم تعترِفُ لي دون مُوجبٍ بأنّها أيضا لا تحبّني و كشهقَة من السّعادة لا أدري كنهها أعترف لها بكرهي...كرها لا يشعر به إلاّ يتيمٌ فقد أمّه الأرملَةَ...يتبدّد الضّياء...أفقد طعم الأشياء...تصبح الحياة كعلكة مُستعملة جفّ منها رحيقُها السُّكّر...

    أتخيل نفسي...أزداد كلَّ يوم شبابا و فتوّة...و يتضاءل عمري و تتناقص تجربتي على نفس الوتيرة التي يغيب بها البياض عن شعري...في كلّ سنة أتوجه إلى الجامعة فأسلم الدّكاترة الموقرين شهاداتي فيكافئوني عليها بسنوات من الدراسة المجّانيّة أبدؤها بكراريس مليئة و أنهيها بكراريس جديدة عذراء أحملها (و السير دائما إلى خلف) إلى المكتبة أعطيها إلى صاحبها ذي الوجه الشّاحب فيسلمني مقابلها المالي...أركض به إلى والدتي فأجدها حزينة يائسة...أفرغ بين يديها ما اجتمع في جيبي من ثمن السجائر و الكراسات و المواصلات فإذا بها مشرقة الوجه جميلة و جمالها يزداد و تجاعيدها تنقشع... و قدّها ينتصب..ألاحظُ أنّها تصير أعلى قامة منّي، أشد قوّة منّي، و على مرّ الأيام و الأشهر و الأعوام أذبُلُ أنا و تونِعُ هي أتقلّصُ فتتمطّطُ ،أذبُلُ فتزهرُ إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي أشعُرُ فيه بحاجتي الفعليّة إليها...أشعر ينقصاني و لا اكتمال لي بمعزل عن ثدييها فألقي بنفسي عليهما و أغمس وجهي فيهما... أنفث في حلمتيهما من فمي لبنا مدرارا و بين يدي الصغيرتين أحس بهما يمتلئان ، يتكوّران ،يتصلَّبان...نشوةٌ تعتريني فأغرز أظافري الرقيقة في الصّدر المكتنز و أحسّ بنفسي يخور عزمها و بلاهتي تزداد تسطّحا و براءة ...إني أصغُرُ... أصغُرُ... أصغُرُ أتحوّل إلى مجرّد كائن حيوانيّ قمئ ينفث اللّبن و يتنفّس ...

    و كلّما صرت تافها حضنتني أكثر و أحبّتْني أكثرَ فتناغيني بأناشيد ملائكيّة كغمغمات السّماء حينما تتصالح الأكوان مع الأكوان...هكذا تفعلُ أمّي اعترافا لي بجميل وُجودي...

    ذات يوم يجتمع أفراد العائلة المُوسّعة...عشرات الزغاريد تحلق في البيت فتختطفها النسوة بألسنتهن الأفعوانيّة المرتعِشة و البخور المشعشِعُ في كلّ مكان يستوجِب منهنّ إيقاد المجامر لإحراقه حتّي يصير الهواء نقيا ...و أنا أبلهُ تائهُ في حفّاظتي و قماطتي البيضاء...حينها يحملني أبي الذي عاد بطريقة عجيبة من قبره...يخرجُ بي متبوعا بزوجته إلى المستشفى، إلى قسم الولادات تحديدا...

    هناك...هناك...أرى القابلة تمسِك بي من قدمي بيدين قاسيتين ككلّاب جهنّمي...و تحشِرني غير مبالية بصراخي و لا بصراخ أمّي و لا بالزغاريد الحائرة التي تصلني من بهو الانتظار…تحشرني في مكان ضيّق معتم ملتهِب...فيكفّ هلعي و يطمئنّ قلبي ...أشعر بهدوء...أشعر بالجنّة...أسبح في مياه مثل الكوثر...أنام ...أنام...أنام...
    إنّه الموت ولادةً يا حبيبتي...

    يرتفع، فجأة، صوتُ المضخّم يحمل إعلانا من القبطان:"وصلت الباخرةُ إلى الميناء على الضفّة الأخرى بسلام"...
    لقد انتهتِ الرّحلة...رحلة في عُمُرٍ عاصفٍ....فأعود إليّ...أتقدّمُ على الرّصيف المعبّد في مدينة لم يصحُ أهلُها بعد...أتقدّمُ ... إلى الأمام...إلى الأمام دائما ...​


    -انتهت-​






    كلّ الحبّ...​
     
    4 شخص معجب بهذا.

  2. MRASSI

    MRASSI كبير مراقبي المنتدى العام طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏3 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    43.132
    الإعجابات المتلقاة:
    83.149
      19-02-2008 00:35
    كل الحب و التقدير لك أخي همهم على مشاركتك الطيبة
    ...و إلى الأمام دائما
     
    4 شخص معجب بهذا.
  3. radar1

    radar1 كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏11 أوت 2007
    المشاركات:
    2.772
    الإعجابات المتلقاة:
    5.497
      19-02-2008 00:51

    كالعادة مشاركات دائما متميّزة

    +نقاط ونحثّك على بذل المزيد

    :kiss::kiss::kiss:
     
    2 شخص معجب بهذا.
  4. hech-jemna

    hech-jemna عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏29 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    2.260
    الإعجابات المتلقاة:
    4.084
      20-02-2008 00:28
    الشوق لمداخلاتك
    كل الشوق
     
    2 شخص معجب بهذا.
  5. اميرة الجمال

    اميرة الجمال عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏2 فيفري 2008
    المشاركات:
    327
    الإعجابات المتلقاة:
    169
      20-02-2008 11:51
    وهل يأفل في كل مرة
    يشرق بسطوع أكثر ..؟

    حين أقرأك أشعر أن مسام
    حرفك تتنفس من صميم الإنسانية
    هو شعور أجمل لكن لا أستطيع
    وصفه ! سوى أني أستمتع
    بقرائتك ..

    كن بخير hamham
     
    2 شخص معجب بهذا.
  6. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      23-02-2008 13:38


    مرحبا MRASSI

    سعيد أنّ ما خطّه الهذيان وجد لنفسه فيك صدًى...


    مبارك عليّ مرورك الأنيق...




    كلّ الحبّ....​
     
    2 شخص معجب بهذا.

  7. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      23-02-2008 13:40
    و كالعادة مرور عطر منك radar1

    بتُّ أخاف إدمان كلماتك أخي...



    كلّ الحبّ...​
     
    2 شخص معجب بهذا.
  8. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      23-02-2008 13:41
    kazanostra

    مرحبا بك سيّدي

    و ألف شوق لحضورك...و سعادة به حين تشرق منك الكلمات....





    كلّ الحبّ....​
     
    2 شخص معجب بهذا.
  9. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      23-02-2008 13:43

    أميرة الجمال

    أنا حزين جدّا
    تعرفين السبب؟
    صلاحيّة المراسلة عندي غير موجودة...
    حمدا للأقدار أنّي أتجوّل بين عذب نفسك كلّما كتبتِ...




    كلّ الحبّ...​
     
    2 شخص معجب بهذا.
  10. tunis2008

    tunis2008 عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏20 فيفري 2008
    المشاركات:
    162
    الإعجابات المتلقاة:
    228
      23-02-2008 18:30
    صديقي من قلب السماء يولد القبر
    من رحم المأساة يكتب القلم
    و حين يضحي صامتا فمعناها موتي
    قد تستغرب قولي لكن اشكراك لانك
    منحتني اليوم بعض الكلام فما كتبت
    هو رحيل عن الذات الغوص في رحم الحياة
    في عقل تمرد و نام فكتب احلي الكلام
    ورسم عفوية بعثت من قرار الذات
    لا اعرفك صدقا لكنك تحمل بين ضلوعك تمرد الكبار و قلما صادقا لا يتوهج الي حبا للحياة .
    سعيد بصداقتك
     
    1 person likes this.
جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
في البحر ‏20 ديسمبر 2015
الاختناق في عالم اللامادة ‏13 جانفي 2016
بلا أشرعة : سهرة مع الأديب عمر البوزيدي ‏4 أوت 2016

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...