ألفريد { نوبل**

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة b.awatef, بتاريخ ‏11 مارس 2008.

  1. b.awatef

    b.awatef عضوة مميزة

    إنضم إلينا في:
    ‏22 جانفي 2008
    المشاركات:
    2.017
    الإعجابات المتلقاة:
    2.842
      11-03-2008 14:38
    :besmellah2:

    كلنا بكل تأكيد سمعنا عن جائزة نوبل للسلام..

    من هو نوبل..!!

    وماهي قصته..!!

    فالروايه التاليه..،

    قراءه ممتعه أتمناها لكم



    [​IMG]



    1833 وعام 1896 عاش رجل يعرف كلّ الناس قصّتَه، ويذكرون اسمه خمس مرات في السنة على أقل تقدير، وكثير من الذاكرين ينسون أو يتناسون تفاصيل سيرته لأن اسمه أصبح رمزا، ومعلوم أن للرمز سلطة على الأذهان جبّارة تنسي أصحابها الأهمّ وتبقي لهم فتاتا من المهمّ. هذا الرجل العالم بوسعنا أن نعيد قراءة قصته في هذا الظرف الكوني تحديدا، وفي لحظة الارتباك الإنساني هذه تخصيصا، على أن تكون قراءتنا من خلال عدسة مجهرية استثنائية ربما لم يفكر هو فيها تفكيرا واضح الوعي، وهذه العدسة هي نقطة ضوئية غزيرة الكثافة لأنها حصيلة تجمّع أشعة ثلاثة: شعاع العلم وشعاع السياسة وشعاع الأخلاق. إنه العالم الكيمياوي السويدي ألفريد نوبل، ذاك الذي اخترع مادة النيتروغليسيرين، وهي الصيغة الأولى لكل التركيبات المتفرقعة، وهي كذلك نقطة الانطلاق لصناعة المتفجرات بأكملها. كان شغوفا بالعلم، وَلُوعا على وجه خاص بالعلوم التطبيقية، وكان كل مهجته للبحث والاكتشاف.

    كان أبوه من طبقة الفلاحين، حصل على الهندسة والتحق بالجيش ثم ارتحل إلى روسيا وتعاطى صناعة الألغام، ولكن الابن كأخويه تربّى في كنف الرخاء، وسافر إلى الولايات المتحدة لينهل من العلم، وابتسمت الدنيا لأخويه في مجال استغلال البترول، والتأم شمل العائلة من جديد في وطنها السويد، وشرع الابن مع أبيه في استثمار ذاك الاكتشاف الكيمياوي العجيب: سائل النيتروغليسيرين الذي كان يتفجر من تلقاء نفسه فيحدث الأضرار المفزعة، وكان من بين الضحايا أحد إخوة ألفريد، فانكبّ صاحبنا على مزيد من البحث العلمي حتى اخترع الديناميت فسماه الناس مسحوق نوبل للأمان، وواصل البحث فاخترع الباليستيت الذي أصبح أساس صناعة البارود.

    اجتمع لألفريد نوبل ما لم يجتمع لغيره من براءات الاختراع ومن المصانع الموزعة على مختلف البلدان الكبرى، وتدفقت إليه ثروات زادتها نماء حكمته في إدارة شؤون المال. وستزداد قصته إثارة إذا تأملنا فيها من خلال تلك العدسة الضوئية الكثيفة عند تقاطع العلم والسياسة والأخلاق، ولكل واحد من ثلاثتها سلطة: سلطة العلم وهي على العقول، وسلطة السياسة التي هي على العباد، وسلطة الأخلاق وفضاؤها الضمائر والقلوب.

    لقد أثمر العلم اكتشافا، ولقد أفادت البشرية منه لمّا أحسن الإنسان استغلاله، فلولا ما اكتشفه نوبل ما حفرت قناة باناما، ولا نسفت صخور الهلغات في ممر نيويورك، ولا تمت السيطرة على نهر الدانوب عند ما يسمى بأبواب الحديد. يومها كان الزواج سعيدا بين العلم والأخلاق والسياسة. ولكن السياسة سرعان ما أدخلت المادة الجديدة إلى مصانع الأسلحة فأصبحت آلة من آلات إنتاج الدمار، فقفزت أدوات الحرب من شكلها اليدوي البدائي إلى أشكال ميكانيكية رهيبة. يومئذ حصل الطلاق بين السياسة والأخلاق فبدا كأنه طلاق بين العلم والأخلاق أو بين العلم والسياسة.

    أوصى ألفريد نوبل بقسط وفير من ثروته الضخمة لإحداث جائزة تتوزع على مجالات الفيزياء والكيمياء والطب والآداب، وجائزة ترصد إلى قضية السلام في العالم، وكانت كلها من حقل العلوم العملية حيث يسود التطبيق بعد سيادة النظرية، لذلك لم يخصّ الرياضيات بجائزة رغم أنها أنبل العلوم من حيث تمثل أقصى درجات التجريد الذهني. وراجت قصص وحكايات لتفسير هذا الحيف، وقيل عبر التخييل الأسطوري إن نوبل قد كان يبغض علم الرياضيات لأنه تَعلّق امرأةً فوجدها قد تعلقت عالما من علماء الرياضيات ولذلك لم يكوّن أسرة في حياته قط. وراح المخيال يفعل فعله، والسبب أن ألفريد نوبل قد غدا أسطورة: فيما صنع أولا، وفيما أوصى به تاليا. والأسطورة تستمد سلطتها من سلطة الرمز، لذلك جنى هذا الإرث الأسطوري على صاحبه فلم يعد الناس متقبّلين للقراءة الأخرى. ومن مظاهر إجحاف المجد بصاحبه، وجناية الشهرة على ذويها، ما شاع في أذهان العامة والخاصة من تفسير لحيثيّات الوصية بالجائزة. فكيف تأوّلها الناس؟ وكيف حادوا عن صواب التأويل؟ وما عسى أن يكون مفهومهم لقراءة التاريخ؟

    في مسألة حدّ تاريخ الإنسانية قد نذهب إلى الاهتمام برواية الأحداث وسرد الوقائع، وقد نميل إلى اتخاذ كل ذلك مادة خاما للمعرفة نتحسس من أسرارها، ونستكشف ما انحجب من عللها، فنكون عندئذ بحضرة نشاط ذهني خالص هو حقل علم التاريخ. فمن وراء التاريخ يقوم علم التاريخ، ومن وراء علم التاريخ تقوم كذلك فلسفة لذاك العلم. ولم تخرج النظريات الفلسفية الكبرى في هذا المجال عن ثلاث: قال بعض الفلاسفة إن تاريخ الإنسانية يتطابق على تاريخ ملوكها، وقال البعض الآخر إنه يتماهى مع تاريخ شعوبها، وبين هؤلاء وهؤلاء ذهب كثيرون إلى القول بأن تاريخ الإنسان إنما هو صورة من تاريخ الحروب. اليوم ليس ابتداعا منا أن نزعم بأن أشمل التواريخ في أوسع الآفاق ـ عندما نريد الجمع بين مؤسسة القرار ومؤسسة المعرفة ومؤسسة القيم ـ هو أن نقول إن تاريخ الإنسانية الحقيقي هو تاريخ مقاومة الحروب، وبشيء من التدقيق سنضيف قائلين إنه تاريخ مقاومة استغلال العلم في إيقاد لهيب الحروب. وليس أولى بارتياد جداول الاعتراض واغتراق سوائل النقض من الفكر الخالص التواق.

    وفي سيرة العالم السويدي ألفريد نوبل عِظة وأيّ عظة في هذا المضمار، فلقد ترك وصية تكافئ العلماء الذين أخلصوا مهجتهم للعلم الذي يعين البشرية على مغالبة قسوة الطبيعة ومكائد الزمن فيما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان، وكم يخطئ الناس كلما تأولوا شططا تلك الوصية إذ يظنون أن نوبل قد ندم على اكتشاف مادة النيتروغليسيرين وعلى ما اشتقه منها من مادة الباليستيت وتركيبة الديناميت. إنما الذي لا مراء فيه هو أنه قد عاش الكآبة حين أيقن أن السياسة تفسد العلم لأنها تلغي مرجعية الأخلاق. لقد كان نوبل تجسيما حيا لتضارب العلم والسياسة والأخلاق، فكان هو بنفسه صورة لملحمة الصراع الدائر بين الفكر والقيم والقرار. ولكن هل من المستساغ أن نتصور عالما يندم على كشف المجهول من خلال المعلوم فيتمنى لو أن اختراعه لم ير النور؟ كيف وفي ما اكتشفه نِعم شتى أعانت الإنسان على مغالبة الطبيعة؟

    إن نوبل قد عاش بامتلاء مكين تجاذُب الأطراف بين العلم والسياسة والأخلاق، وعاش التمزق الذاتي لأنه أدخل في المعادلة عنصرا رابعا لم يسبق لغيره أن أقام سلطته بيده من خلال ثمرة الكشف العلمي، إنها سلطة المال، فالثروة الطائلة كانت رمزا إضافيا أعان على تحويل الذات إلى أسطورة. عرف نوبل أن السياسة بدون أخلاق تفسد العلم وتسخّر المال فتنتج الحرب وتصنع الدمار، وبناء على ذلك نصت الوصية على أن جوائز البحث العلمي في الفيزياء والطب والكيمياء تمنح لمن يقدم "أفضل الحسنات للإنسانية". وعلى أن جائزة الآداب تعطى لمن "أشاد بالمثل". وتعطى جائزة مخصوصة لمن ساهم في "إخاء الشعوب وتقليص الجيوش وتنظيم مؤتمرات السلام".


    لم تأت وصية نوبل وليدة استفاقة مثالية غامرة كتلك التي تنتاب الكائن عند مشارف خاتمة المطاف، بل جاءت تجسيما لموقف نضالي يعززه وعي حاد تجلى بشكل مخصوص على مدى عشرين سنة: منذ 1876 الى عام وفاته 1896. فلقد ارتفع في أيامه صوت دعاة السلام، وأعلنوا شعارهم "تسقط الأسلحة" فقام جدل عنيف ذهب البعض فيه الى إلقاء التهمة على كل عالم يعين بأبحاثه على تطوير صناعة الأسلحة سواء بقصد أو بدون قصد. واقتحم نوبل ساحة الصراع الفكري وكانت بينه وبين الأديبة الروائية بيرثا كينسكي محاورات شديدة، كان يرى أن حماية السلام لا تتم إلا بتوفر السلاح الرادع، وكان يدعو الدول الكبرى ـ وكلّها يومئذ أوربية ـ الى أن تجهّز نفسها بما يكفل لها أن تردع كل من يبدأ بالنّزاع. وكتب يوما الى داعية السلام بيرثا كينسكي يقول : "قد تكون مصانعي أقدر من برلماناتكم على إنهاء الحروب، ففي اليوم الذي يمكن فيه لجيشين متقابلين أن يحوزا على ما يبيد به الواحد منهما الآخر في ظرف ثانية واحدة فإن جميع الأمم المتحضرة ستتراجع أمام هذا الرعب الهائل فتسرّح كلّ جيوشها".

    هو ذا الحلم الجميل، ولكن ألفريد نوبل قد كان يعرف أن محرك الجماعة أقوى من "فرامل" الفرد، وأن السياسة تقتل أنفاس القيم فتستعبد العلم وتسخّر المال، ولم يكن صاحبنا يخفي حزنه أو يتستر على كآبته، فقد سأله أخوه لودفيغ أن يصف نفسه بأوجز العبــارات فكتب له يقول : "ألفريد نوبل : نصف إنسان، ضئيل، كان ينبغي أن يشرف على ولادته طبيب من أهل الخير يخمد أنفاسه الأولى قبل أن يرسل صرخته الأولى في هذه الدنيا".

    ومات نوبل كمدا، وكثير من العباقرة والأفذاذ يموتون كمدا، وكان منبع الأسى ومصدر الشقوة أن الحروب لم تخمد، وأن الأسلحة لم تسقط، فأما بيرثا كينسكي فقد أحرزت بعد موت عنيدها ألفريد نوبل بتسع سنوات على الجائزة المخصصة من وصيّته للسلام وذلك تثمينا لروايتها "تسقط الأسلحة" وأما صاحبنا فقد ترك إرثا من الجدل اختط به نهجا، وسيلقى عبقريّ آخر نفسه في نفس المضيق الشائك الوعر : إنه ألبيرت أنشتاين. ويراودنا الإغراء عن أنفسنا مرة أخرى، إغراء ارتداء المجهر الاستثنائي لإنجاز القراءة الاستثنائية. فبين أنشتاين ونوبل علاقة التزاميّة قاسية في دلالتها، عصيّة في نضالها، عاتية في رمزيّتها، لا تقف فقط عند حصول أنشتاين عام 1921 على جائزة نوبل في مجال اكتشافاته العلمية الدقيقة.

    القصة المنسيّة هي قصة التوريط التي تصنعها السياسة بحقول العلم قصة الأوجه النيّرة للعلم نقرأها بعدسات السياسة الظلماء، ونزداد خوفا على العلم، ورعبا على الأنفس، لأن مجال البحث قد خرج من يد الأفراد ليدخل مخابر الجماعة، ولأن الاكتشاف كان موكولا إلى تلقائية العلماء وهم يبحثون فأصبح موكولا إلى المؤسسات وهي ترصد المال وتستثمر عوائده. لقد أذعن العلم إلى سلطان المال تحت غطاء تمويل المشاريع البحثيّة. والذي قد يتراءى هو التحالف الماكر بين سلطة القرار وسلطة الاستثمار مما سيعمّق الفُرقة القاسية بين العلم والأخلاق.


    المصدر: مقال عن سلطة العلم والسياسة والأخلاق للدكتور عبد السلام المسدي (منقول​
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...