حول الفطرة والعقل والعقيدة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏18 مارس 2008.

  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      18-03-2008 11:25
    حول الفطرة والعقل والعقيدة


    السؤال:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

    العقيدة الإسلامية هي عقيدة مبنية على العقل؟ أي عقل؟ إذا أخذنا بالاعتبار تعريف الشيخ تقي للعقل "والذي يدخل فيه المعلومات السابقة وأن القاعدة المفاهيمية تلعب الدور الرئيسي في إعطاء الأحكام على الأشياء" إذن ممكن أن يكون العقل ملحدا أو عقلا نفعيا إذن هنا العقول تتفاوت وتتناقض. الأمر الآخر القول بأن العقيدة الإسلامية صحيحة لأنها تتوافق مع الفطرة. ولكن موضوع الفطرة موضوع غير ملموس بحيث يمكن الجزم به أعني أن محددات الفطرة غير دقيقه وتتفاوت بين الأفهام. وكذلك بالنسبة لإثبات الخالق تبارك وتعالى بالواقع الملموس أليس هي طريقة حكم الشاهد على الغائب؟ أي إذا كان المطر له أسباب هذا لا يعني أن الكون الشاسع له مسبب؟!

    لبيان ذلك: إن النظرة العقلية للأشياء لن تكون محايدة, ولسوف تكون محكومه للمعلومات السابقة من حيث الصدق و الكذب. هذه من ناحية أما من ناحية أخرى. فان الحس الناقل للواقع ( كما جاء في كتاب الفكر الإسلامي ) يختلف عن تصوير الواقع. و اعتقد والله اعلم إن مكمن الاختلاف هو تعلق الحس بالأشياء بمفهوم القيمة الإنسانية لها. أي إن خضوع الأشياء للاختيار الإنساني من حيث الإقبال أو الإحجام و قضايا الخير والشر المرتبط بشكل عضوي بنظرة الإنسان للأشياء بحيث يتشكل, الواقع الحقيقي, بالحس الإنساني ليخرج عن جوهره. واقصد أننا سنبقى نتأرجح ما بين النظرة المثالية والتجريبية للموضوع. عدا عن إن البحث في مسألة الوجود اللاهي من عدمه هو بحث في ما وراء المادة ورغم ذلك البحث الميتافيزيقي نستخدم فيه براهين مستمدة من قوانين الأشياء المادية ولذلك هو بحث غير صحيح . كوننا نقيس الغائب على الشاهد. عدا عن إن الغائب غير مادي وإثباته غير خاضع لقوانين العقل المجرد, لتجاوزه المادي. وكل محاوله من هذا النوع تعطي العقل بشكل ضمني مكانه تتجاوز تعريفه بالعناصر الأربعة لتصفه بالجوهر وأنه مطلق... وهذا ما أحد منا يدعو إليه. و اعتقد و الله اعلم إن مبنى العقيدة هي القرآن الكريم كونه يتجاوز قانون الطبيعة كمعجزة إلهية أي إن يقينيته كمبنى للعقيدة آتيه من كونه متجاوز لقانون المادة ومطابق مطابقة فطرية للسؤال الوجودي الذي يطرحه الإنسان من حيث كونه إنسان والمتعلق بالقيمة والغاية من وراء الوجود (أي الأسئلة المبدوءة لماذا) وهذا السؤال الفطري النابع من داخل الإنسان, رغم تركيب الإنسان المادي, إلا إن هذا السؤال الوجودي لا يمكن إن يفسر سبب طرحه بأدوات ماديه بل على العكس يناقض مادية الإنسان. ولا يمكن أن نجيب عليه بإجابات ماديه كونه متجاوز للمادة. وتأتي الإجابة كذلك متجاوزه لحدود المكان والزمان عبر الرسالات المختومة بالقران الكريم. ولذلك لم يبعث الله تعالى الرسل لتعلم الناس المنطق الأرسطي أو ما يقال لها مسلمات العقل ليتوسل إليها الإنسان في معرض بحثه عن وجود الله تعالى. ولكن كل ما هنالك أنه تزامن إرسال الرسل بإرسال المعجزات (خوارق لقوانين المادة) لإثبات مصداقيتهم إمام الناس ولتكون تلك الرسالات هي بمثابة إثبات حتى وجود الموجود. وشكرا لحسن استماعكم


    الجواب:



    الكاتب: ياسين بن علي

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه



    هذا السؤال في واقعه عبارة عن مجموعة أسئلة أثارت جملة من الإشكالات يضيق المقام عن تناولها كلّها، ومع ذلك سنحاول الإجابة وإزاحة اللبس بالتركيز على بعض النقاط:

    أولا: سواء عرفنا العقل بأنه "نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية"، أو بأنه "غريزة يتبعها العلم بالنظريات عند سلامة الآلات"، أو بأنه "صفة يميز بها بين الحسن والقبيح"، أو بأنه "آلة التمييز"، أو بأنه "المدرك للأشياء على ما هي عليه"، أو بأنه غير ذلك، فالتباين في التعريف لا يخرج العقل عن حقيقة استعماله لدى الناس. والناس تطلق العقل وتريد به الإدراك ذاته، وتطلق العقل وتريد به التفكير أي عملية التفكير والحكم على الأشياء والأمور، وتطلقه أيضا وتريد به نتاج التفكير أي ما توصل إليه الإنسان من أحكام بواسطة العملية الفكرية. وما أطلقت عليه "العقل الملحد" أو "العقل النفعي" هو من باب التعريف بالناتج عن العقل أو التفكير. فالعقل النفعي مثلا هو العقل الذي ينطلق من مقياس اعتبار صدق الفكرة فيما تحقّقه من منفعة، فتقدر كل فكرة بمقدار ما لها من أثر على مسلك الحياة. وهذا هو الذي أطلقت عليه في سؤالك لفظ "القاعدة المفاهيمية"، أي أن العقل يحكم على الأشياء والأمور مرتكزا على قاعدة. فالعقل النفعي يرتكز على قاعدة المنفعة، والعقل المسلم يرتكز على قاعدة الشهادة.

    ولاحظ هنا، أنك قلت في سؤالك "العقل الملحد" و"العقل النفعي"، فعددت الوصف أي الإلحاد والمنفعة لموصوف واحد أي العقل. وهذا يدلّ على أن العقل واحد عندك، ولكن اختلفت نتائجه. فلم يحصل التفاوت في العقل إنما في النتائج. ولتوضيح الأمر بكيفية غير معقدة نقول: بغض النظر عن أي تعريف أو صفة للعقل، لو اجتمع صاحب العقل الملحد وصاحب العقل النفعي في غرفة مؤثثة مثلا، فسألتهما عن طاولة موجودة في الغرفة، فهل يؤثر الإلحاد أو النفعية في حكم إثبات وجود الطاولة؟ بالطبع لا، وسيقول صاحب العقل الملحد وصاحب العقل النفعي: الطاولة موجودة.

    سبب حصول التوافق في هذه المسألة هو أن العقل هنا أطلق حكما متعلقا بوجود شيء، والحكم المتعلق بإثبات الوجود أو نفيه يخضع للإحساس بالواقع، وهذا مما يشترك فيه البشر بغض النظر عن خلفيتهم الثقافية أو الحضارية، وبغض النظر أيضا عن المعلومات السابقة؛ لأن المعلومات السابقة تفيد في تحديد ماهية الشيء وصفته، وليس في وجوده، لذلك من الممكن أن يقول شخص لا يعرف معنى الطاولة ولا شكلها، هذه ليست طاولة، ولكن ليس له أن ينفي وجودها. وبعبارة أخرى فهو يتفق معنا على وجود شيء، ويختلف معنا في ماهية الشيء وصفته.

    وإثبات وجود الخالق المدبر من هذا القبيل أي من قبيل الحكم على وجود شيء يدرك بالحس وليس من قبيل الحكم على الماهية والصفة، لذلك فلا يجب أن يختلف فيه الناس.

    ثانيا: مسألة إثبات الخالق لا علاقة لها بقياس الشاهد على الغائب أو قياس الغائب على الشاهد، بل هي مسألة تتعلق ببديهيات العقل (بغض النظر عن تعريفه وصفته وغير ذلك) في حكمه على الواقع المحسوس من حيث الإثبات أو النفي. ونوضح المسألة فنقول: عقل الإنسان الملحد والنفعي والمسلم، يطلق أحكامه على الأشياء الموجودة المحسوسة بكيفية واحدة لا أثر للإلحاد أو للإيمان فيها. ذلك أن الأصل في الأشياء الموجودة التي يقع عليها حس الإنسان إما أن تكون ممكنة الوجود، أو مستحيلة الوجود، أو واجبة الوجود. ومثال ذلك: دخلت غرفة فوجدت أثر الطعام على طاولة، فوجدت مثلا بقايا الخبز وبقايا المرق في صحن وغير ذلك، فالحكم البديهي الذي يطلقه العقل (عقل المسلم أو غيره) أن أثر الطعام هذا يدل على وجود شخص قد أكله. فالمأكول أي الطعام هو في حقيقته ممكن الوجود لذاته، بمعنى أنه يمكن أن يؤكل ويمكن أن لا يؤكل، ويمكن أن يطبخ ويمكن أن لا يطبخ وهكذا. ولكن الآكل بالنسبة لذلك الطعام واجب الوجود، فلا يمكن أن يؤكل الطعام ويبقى أثره بدون آكل له. والكون من قبيل ممكن الوجود، فاقتضى هذا عقلا وجوب وجود من أوجده أي واجب الوجود وهو الخالق تبارك وتعالى. وكما ترى فالمسألة لا علاقة لها بعقل ملحد أو نفعي، لذلك لو وجدت بقايا سيجارة، فإنك تحكم بداهة بوجود مدخن، ولو قال لك أحد وجدت من نفسها لقلت: هذا غير معقول. وقس على هذا بقية الأمور.

    هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن البحث في إثبات الخالق لا تعلّق له بمباحث الميتافيزيقا؛ لأنه بحث في المدرك المحسوس، فلم نتجاوز الحسّ أو ما وراء المادة أو ما بعد الطبيعة. فنحن ننطلق من موجودات الله تعالى لإثبات وجود الله، وننطلق من المخلوقات لإثبات الخالق، أي ننطلق من المحسوسات لإثبات المحسوس. وبعبارة أخرى، فإننا ننطلق مما يقع عليه حسنا، فنثبت وجود الذات الواجبة الوجود أي نثبت وجود الخالق المدبر وهو الله تعالى، ثم نتوقف هنا فلا نبحث فيما يتجاوز الحس كصفات الله ونرجع في تحديدها إلى النص.



    ثالثا: الأصل في كل معجزة أتى بها نبي، أنها إثبات لنبوته. فإن جاء شخص وزعم أنه نبي، طالبناه بالدليل على صدق زعمه. فإن جاء بدليل يمكن لبشر مثله الإتيان به، كذبناه؛ لأنّ الإتيان بما في مقدور كل بشر الإتيان به لا يثبت تميّزه بما ليس لكل بشر زعمه. وأما إذا أتى بما ليس لكل بشر الإتيان به، فإننا نصدّقه فيما ليس لكل بشر زعمه. ومن هنا اقتضى التصديق بنبوة نبي أن يكون الدليل على صدقه من خوارق العادات أو كما قلت من"خوارق قوانين المادة".

    ومعجزة النبي، مثلما تتضمن صدقه وإثبات نبوته، تتضمّن أيضا إثبات الخالق؛ لأنّ خرق العادة لا يتأتى إلا لخالق العادة الخبير العليم بما خلق. ومن هنا جاز لنا القول إن القرآن يثبت وجود الخالق وصدق رسوله ورسالته. ولكن، ماذا عن إثبات الخالق قبل إرسال الرسل؟

    لو فكرنا في الأمر لوجدنا أن الخالق سبحانه لم يقصر أدلة وجوده على معجزة الرسل وجعل الكون بما فيه ومن فيه دالا على وجوده سبحانه وتعالى. {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ**، {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ**، {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ**، {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ**.

    ومن هنا فإنك ترى في القرآن الكريم عشرات الآيات الآمرة بالتفكير لإدراك حقيقة وجود الخالق تبارك وتعالى.



    رابعا: الفطرة هي الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين. قال الراغب في المفردات: "وفطر الله الخلق وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال فقوله: {فطرة الله التي فطر الناس عليها** فإشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى، وفطرة الله: هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان وهو المشار إليه بقوله: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله**...". ومعنى قولنا: العقيدة الإسلامية توافق الفطرة، أي تشبع ما في الإنسان من غريزة تدين وتقرر ما فيه من عجز واحتياج إلى الخالق المدبر.

    وغريزة التدين أو شعور الإنسان الفطري بالعجز والحاجة إلى الخالق المدبر مما يقع عليه حسّ الإنسان. فالإنسان بطبعه يميل إلى التقديس والتعظيم والتبجيل كمظاهر من مظاهر فطرته وتدينه؛ لذلك نجد الإنسان متدينا رغم اختلاف اللغات والأعراف والأعراق والأوطان، ونجد من الناس من عبد الشمس، ومن عبد الحجر، ومن عبد الشيطان، ومن عبد الحيوان وغير ذلك.

    وأما ما يزعمه بعض الملحدين من نفي التدين وإنكار الفطرة، وما يظهر عليهم من عدم العبادة، فلا ينفي حقيقة الفطرة ووجود غريزة التدين فيهم؛ لأنّ الإلحاد هو الأقل النادر والتدين هو الغالب الظاهر. لذلك كان الإلحاد في حقيقته صرفا للفطرة من العبادة الحقيقية وهي عبادة الله تعالى إلى عبادة خاطئة مغلوطة وهي تقديس الأبطال والمادة وغير ذلك. ومع ذلك فإنك ترى الملحد في حالة الهلاك يأمل في قوة غيبية تنجيه، وتراه إذا أقمت له الأدلة العقلية على بطلان إلحاده عاد إلى فطرته فصارحك بالطمأنينة والسكينة بعد القلق والحيرة.

    وأما الاختلاف في مفهوم الفطرة، وفي إثباتها ونفيها، فلا يؤثر في بحث الإيمان بالله؛ لأن البحث عقلي، فإذا أثبتنا وجود الله عقلا، وآمن الملحد بذلك فسيعود إلى أصل فطرته ويقرّ بها، فلا نحتاج معه بعدها إلى البحث المنفصل فيها من حيث الإثبات والنفي.



    خامسا: نلخص ما تقرر فنقول: إنّ كلّ من كان له عقل يدرك من مجرّد وجود الأشياء التي يقع عليها حسّه، أنّ لها خالقا خلقها، لذلك فإن الإنسان إذا نظر إلى ما حوله وفكّر فيه بدون تفلسف وتعقيد، سيصل إلى حقيقة إثبات وجود خالق الكون. وقد سئل بعض الأعراب: ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: "البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام على المسير، أفسماء ذات أبرج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير!". والعقيدة الإسلامية عقيدة موافقة لفطرة الإنسان؛ لأنّها تشبع غريزة التّدين فيه، وتقرّ باحتياجه إلى الخالق المدبّر.

    قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ**.



    09 ربيع الأول 1429هـ
     
  2. med yassin

    med yassin كبير المراقبين طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    23.035
    الإعجابات المتلقاة:
    85.159
      18-03-2008 11:39
    صحيح يا خويا
    و الله موضوع هام للغاية
     
  3. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      18-03-2008 20:53
    بارك الله فيك
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...