الإسلام يحيط خصوصيات الإنسان بسياج منيع

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة alpacinotun, بتاريخ ‏20 مارس 2008.

  1. alpacinotun

    alpacinotun مسؤول سابق

    إنضم إلينا في:
    ‏7 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    16.293
    الإعجابات المتلقاة:
    28.021
      20-03-2008 05:50
    يعتبر تتبع عورات الناس من خصال المنافقين
    الإسلام يحيط خصوصيات الإنسان بسياج منيع




    شهدت السنوات الأخيرة أشكالاً وصوراً متعددة ومختلفة من العدوان على “خصوصيات” الأفراد، وتبارت كثير من وسائل الإعلام في كشف هذه الخصوصيات، والإضافة عليها وأحيانا اختلاف وإطلاق الشائعات خاصة فيما يتعلق بالمشاهير والشخصيات العامة تحت دعوى حرية الرأي والتعبير.

    الأكثر من هذا ما حدث مؤخرا في الولايات المتحدة الأمريكية من إصدار قانون يمنح إدارة الرئيس صلاحيات واسعة النطاق في مجال المراقبة والتجسس مما أثار ضجة وجدلا مستعرا حول هذا القانون الذي يبيح اقتحام الحياة الخاصة والعدوان عليها بالقانون.

    في مقابل هذه الأنواع من الاعتداء والتجاوز على خصوصيات الإنسان نجد أن ديننا الحنيف قد وضع سياجا منيعا من القيم والتعاليم والأحكام الصارمة التي تحقق السرية والخصوصية المحرم الاطلاع عليها أو كشفها تحت أية دعوى أو مبرر مهما كان. وبهذا يكون الإسلام الحنيف قد سبق كل الدساتير والمواثيق الدولية التي جاءت فيما بعد واهتمت بحق الإنسان في احترام خصوصياته. بل إنها لم ولن تلحق بتعاليم الإسلام في هذا المجال وإلى قيام الساعة.

    يؤكد المفكر الإسلامي د. يوسف القرضاوي أن الإسلام الحنيف يريد أن يقيم مجتمعه على صفاء النفوس وتبادل الثقة بين أفراده لا على الريب والشكوك والتهم والظنون لهذا قرر حق الإنسان بصفة عامة في العيش بسلام واستقرار بعيدا عن الاضطراب والقلق فجعل حياته الخاصة سياجاً منيعاً لا يجوز الاعتداء عليه أو حتى الاقتراب منه في سبيل تحقيق هذا الحق، ولذا جاء قوله تبارك وتعالى ناهياً عن اقتحام خصوصية الإنسان: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم”.

    وهذا الظن الآثم هو ظن السوء فلا يحل للمسلم أن يسيء ظنه بأخيه المسلم دون مسوغ ولا بينة ناصعة، فالأصل في الناس أنهم أبرياء ووساوس الظن لا يصح أن تعرض ساحة البريء للاتهام لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث”.

    والإنسان لضعفه البشري لا يسلم من خواطر الظن والشك في بعض الناس وخصوصا فيمن ساءت بهم علاقته ولكن عليه ألا يستسلم لها ولا يسير وراءها وهذا معنى الحديث الشريف: “إذا ظننت فلا تحقق”.

    النهي عن التجسس

    ثم يأتي النهي الثاني في الآية القرآنية الكريمة حماية لخصوصية الإنسان ويتمثل في عدم التجسس على حياته لأن غياب الثقة في الآخرين يدفع إلى عمل قلبي باطن يتجسد في سوء الظن، وإلى عمل بدني ظاهر يتجسد في التجسس في حين أن الإسلام يقيم مجتمعه على نظافة الظاهر والباطن معا ولهذا قرن النهي عن التجسس بالنهي عن سوء الظن وكثيراً ما كان هذا سبباً لذلك.

    إن للناس حرمة لا يجوز أن تهتك بالتجسس عليهم وتتبع عوراتهم حتى وإن كانوا يرتكبون إثما خاصا بأنفسهم ما داموا مستترين به غير مجاهرين. فعن أبي الهيثم كاتب عقبة بن عامر أحد الصحابة قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داعٍ لهم الشُرط ليأخذوهم فقال له: لا تفعل، وعظم وهددهم، قال: إني نهيتهم فلم ينتهوا، وأنا داعٍ لهم الشُرط ليأخذوهم، فقال عقبة: ويحك. لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من ستر عورة فكأنما استحيا موؤودة في قبرها”.

    بل ان النبي عليه الصلاة والسلام جعل تتبع عورات الناس من خصال المنافقين الذين قالوا آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم وحمل عليهم حملة عنيفة على ملأ من الناس. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: “يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله”.

    لذلك ومن أجل حفظ حرمات الناس حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التحريم أن يطلع أحد على قوم في بيتهم بغير إذنهم فقال: “من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه”.

    كما حرم أن يسمع حديثهم بغير علم منهم ولا رضا فقال: “من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة”.

    وقد أوجب القرآن الكريم على كل من أراد أن يزور إنساناً في بيته ألا يدخل حتى يستأذن ويسلم فقال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم”. وفي الحديث الشريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيما رجل كشف ستراً فأدخل بصره قبل أن يؤذن له فقد أتى حداً لا يحل له أن يأتيه”.

    ونصوص النهي عن التجسس وتتبع العورات عامة تشمل الحكام والمحكومين معا، وقد روى معاوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم”. وروى أبو أمامة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم”.

    الغيبة والشائعة

    يضيف د. يوسف القرضاوي: كذلك شملت الآيات القرآنية السابقة نهياً صريحاً عن الغيبة وإطلاق الشائعات في إطار حرصه وحمايته وصيانته لخصوصية الإنسان وقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحدد مفهوم الغيبة لأصحابه على طريقته في التعليم بالسؤال والجواب فقال لهم: “أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقه بهتّه”.

    وما يكرهه الإنسان هو ما يتناول خَلقه وخُلقه ونسبه وكل ما يخصه، وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية (زوج النبي) كذا وكذا تعني قصيرة فقال النبي: “لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته”.

    إن الغيبة هي شهوة الهدم للآخرين والنهش في أعراض الناس وكراماتهم وحرماتهم وهم غائبون وهي دليل على الخسة والجبن لأنها طعن من الخلف، فلا عجب إذا صورها القرآن الكريم في صورة منفرة تتقزز منها النفوس: “أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه”، فالإنسان يأنف أن يأكل لحم أي إنسان فكيف إذا كان لحم أخيه؟ وكيف إذا كان ميتاً؟

    وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا التصوير القرآني الكريم في الأذهان ويثبته في القلوب كلما لاحت فرصة لهذا التأكيد والتثبيت فقال ابن مسعود: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل (أي غاب عن المجلس) فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: “تخلل” فقال الرجل: ومم أتخلل؟ ما أكلت لحما، فقال له رسول الله: “إنك أكلت لحم أخيك” وعن جابر قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فهبت ريح نتنة فقال رسول الله: “أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين”.

    النمام والقتات

    وإذا ذكرت الغيبة في الإسلام ذكرت بجوارها خصلة تقترن بها حرمها الإسلام كذلك أشد الحرمة هي النميمة وهي نقل ما يسمعه الإنسان من شخص إلى آخر على وجه يوقع بين الناس ويعكر صفو العلاقات بينهم أو يزيدها كدرا، وقد نزل القرآن الكريم بذم هذه الرذيلة منذ أوائل العهد المكي إذ قال: “ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم”، وقال عليه الصلاة والسلام: “لا يدخل الجنة قتات” والقتات هو الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم عليهم.

    وقال أيضاً: “شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب”.

    وأكثر من هذا فإن الإسلام في سبيل تصفية الخصومة وإصلاح ذات البين يبيح للمصلح أن يخفي ما يعلم من كلام سيئ قاله أحدهما عن الآخر ويزيد من عنده كلاما طيبا لم يسمعه من أحدهما في شأن الآخر، وفي الحديث الشريف يقول عليه الصلاة والسلام: “ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو نمى خيرا”، ويغضب الإسلام أشد الغضب على أولئك الذين يسمعون كلمة السوء فيبادرون بنقلها تزلفاً أو كيداً أو حباً في الهدم والإفساد ومثل هؤلاء لا يقفون عند ما سمعوا، بل تدفعهم شهوة الهدم عندهم إلى أن يزيدوا على ما سمعوا ويختلقوا إن لم يسمعوا.

    دخل رجل على أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز فذكر له عن آخر شيئا يكرهه فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: “إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا”، وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: “هماز مشاء بنميم”، وإن شئت عفونا عنك فقال الرجل: “العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبداً”.
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...