بربي عاونوني

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة virus9791, بتاريخ ‏24 مارس 2008.

  1. virus9791

    virus9791 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏7 فيفري 2008
    المشاركات:
    1.296
    الإعجابات المتلقاة:
    1.157
      24-03-2008 12:30
    بربي il prof اعطانا باش نعملو بحث على الرومنطقية في الادب العربي
    امان الي عندو حاجة في هالموضوع يقولي عليها



    svp please
    :dance::dance:
     
  2. souzi

    souzi عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    896
    الإعجابات المتلقاة:
    569
      24-03-2008 14:32
    التاريخ: السبت 13 نوفمبر 2004
    الموضوع: نقد



    - مدخل :
    بين نص ّ الرثاء ونص الاختيار

    ما نص الرثاء إلا نص الوقوف على الأطلال بعد أن انتظر هلاكه دون أن يسمى إلى حتفه ولو بالمشاغبة وإذا نص الاختيار يتحرك إلى الفعل ولو على حساب دماره إذ لا مجال عنده للنواح أو الاستجداء أو الرثاء إذا ما حلت المصيبة أو النكبة بصاحبه.

    يقال انطلاقا من هذه الفرضية إن النص العربي على العموم نص رثاء يواجه الملمات بالشكوى والبكاء ونعي الفوت والهلاك وهو لا يوجه الحادثة ولا يخلقها بقدر ما يسجلها ويحفظها في الرفوف وبين دفات الكتب .

    وإن كنا لا نبالغ في الركون إلى التشاؤم من واقع النص العربي فإننا نقول بأن نص الاختيار نص مسؤول لصاحبه أن يحفر قبره على طريقته هو لا على طريقة غيره فلا ينتظر مغسلا أو محملا أو مدفنا أو أكتافا ترفعه إلى مثواه الأخير .

    موت النصوص كموت الأجساد يغري حتى وإن كان انتحارا لكن هل بمقدور صاحبه أن يشرع لنفسه وينقذ لذاته ما أراد لها واختار وفضاء النص أرحب من فضاء العيش على ما يبدو .


    من تجربة حيدر حيدر

    - غسق الآلهة

    الكلام على الحداثة في القص العربي بمفهومها الغربي أمر يكتنفه الغموض والحذر لا سيما وأن مفهوم الأدبية إن كان مقترنا عند العرب بالبيان وإنجاز الوظيفة الإصلاحية أو النضالية فإنه عند الغرب مقترن بتطور الشكل البالغ أقصاه مع كتابة الفوضى أو ما يسمى بالسريالية العفوية التي مثلها في بداية القرن بريتون وأمثاله .

    والسريالية بخلاف الرومنطقية ظلت في الأدب العربي الحديث عنصرا دخيلا ناشزا لا تستسيغه الذائقة الجماعية ولا حتى الفردية أمام هم الأدب النضالي بمختلف مذاهبه وضرورة الدفاع عن الكيان في الداخل والخارج ولم تظهر شذرات كتابة اللغو أو الفوضى إلا مقموعة في ثنايا الكتابات المعاصرة وظل أصحابها في نهاية هذا القرن مهمشين أو منبوذين ولعل حيدر حيدر في مجموعته غسق الآلهة تتنازعه فسحة الفن في فوضى التحرر وقرينته المغالاة في العدول الإستعاري وحتمية النضال وقرينته محاكاة استعارات النضال على مستوى أنحاء الجمل وأنحاء البناء النصي .

    في غسق الآلهة ست أقاصيص هي : غبار الطلع ، وطائر الموت وغسق الآلهة ونصب تذكاري لرجل منتحر ، وسنوات العزلة وصخر الجرانيت ...

    هذه الأقاصيص وردت ثلاث منها مفعمة بتسريحة التشبيه المنكر في بلاغة التراث المحبذ في بلاغة السريال .
    هذا التشبيه الموغل نراه يتصدر أقصوصة غبار الطلع إذ يرد على لسان الراوي ما يلي "طور على شكل سحب صغيرة تتراءى على خط الأفق البحري طيور ممتدة كخيط ملتو تخفق بين هبوب ريح ساخنة في سماء كأنما انفجر في فضائها جبل من غبار الطلع فجر هذا الربيع العذب .
    رأيناه كلما توغلنا في القراءة ووقفنا عند نهاية مقطع رقمه " و " أفعى جميلة ملساء الجلـد تهجع تـحت السرير أو تتـدلى من الفضاء داخل غرفة تضيئها شمعة تتلوى في نويات الغلمة السرية منسلة بين أعشاب الجسد تثب في انبهاق الطلقات ودوي الانفجارات لتلسع لحظة بداية القذف أن تبدأ الصرخة لجسدين يتفصدان بالبهجة والغياب .

    والراوي واع بما يفعل إذ يقول في أقصوصة طائر الموت هكذا هجست أو هلوست لصديقتي ونحن في هزيع البراري الموحشة قرب نار أوقدناها على حافة البحر.
    إذ جست نبض صدغي أو جست : هل أنت محموم رقص بنات النار فوق الحمى المضيء وهن يتمايلن كعرائس المعابد البحرية أبهجني : أنا أعشقك كما النار للحطب والموجة للشط .

    اللاّفت في مجموعة أقاصيص غسق الآلهة أن ثلاثا منها وردت متحررة تماما أو تكاد من هذا النفس الموغل في الإيحاء لتفسح المجال للحكاية في صيغتها التقريرية إذ يقول الراوي الضمني في أقصوصة نصب تذكاري لرجل منتحر "ما جرى يوم خروج المقاومة من بيروت حدث يذكر بيوم عاشوراء أو سقوط غرناطة المدينة ترتدي حدادها وهي تودع مقاتليها بالرصاص والدمع والرز الأبيض المتناثر كرذاذ الثلج فوق رؤوس المقاتلين المهزومين" .
    إلى أن يقول في أقصوصة صخرة الجرانيت
    "مع نفسك وقناعاتك كيف يكون الإنسان اثنين هو ونقيضه ؟
    في تلك الليلة القمراء روى شيئا محزنا غامضا على نحو ما عن الإنسان الوحيد في العراءات ، الإنسان المرمى في العاطفة والمواجه بالوحوش والمخبرين السريين والقوادين وأبناء العاهرات الذين يملكون مقبض المدية وزناد الطلقة" .

    لكن إن كان تيار الفوضى في الأدب عند قوم شارة تحرر الذات وهجومها من أجل البديل المختلف فهل يمكن القول دون جزم بأن عزوف الجسد السردي العربي عن هذا التيار وما تجاوزه من ضروب التجريب والعدول شارة قيد ودفاع ؟ .


    [​IMG] - المستقبل والمشهد في وليمة لأعشاب البحر (1)

    إن كانت الغيبة والمضي في بعديه الزمني والمكاني ، من مقومات الحكاية المثلى أو "التلفظ شبه الموضوعيّ"(2) في الأدب العربي قديمه وحديثه ، فإنّ ما تشهده الحكاية بأنماطها في الغرب من جرأة التجريب بفضل ما أوتي الإنسان من قدرة التحكّم في الكون زمانا ومكانا فلم يعد الفن محكوما بما تفرضه عليه ثنائية "المأساة والملهاة" من مقامات في القول متكرّرة غير محرّرة الذهن من مسار العود على بدء، وإنما هو توق إلى المستقبل من أجل رجفة الخرق خرق السائد لا استجابة لنكوص الحنين والبكاء على الأطلال .

    والأدب العربي إن لم يخلص بعد من منطق تهجين الحاضر، وتحقيره على حساب تعظيم الماضي ، وتلميع مسالكه فإنه لا يخلو من بوادر التمرّد على مثل هذا المنطق ولو بالمحاولة المحفوفة بالمخاطر: مخاطر التجديف في أرضية فكرية ، وثقافية غير متأهلة بحكم ظروف موضوعية لقبول مثل هذا التمرد تمرّد التجريد الرامي إلى استبدال منظومة في الكتابة الحكائية تختلف مع منظومة أخرى متحكمة في الأيدي والأعناق بوهم الصرامة المترسّخة باستعارة الغالب الأوحد الذي يجري الكلام مجرى الشهادة على خور النفس وخوائها وما البقاء إلاّ للكلام الرّباني فلا فن ولا خروج عن المسطور، وقد اقترنت بوادر التمرّد منذ المحدثين والمجدّدين في القرون الأولى من الهجرة إلى يومنا هذا بصيرورة التجديد والتمرّد عند الآخر غازيا بسلاحه وفكره الفاعل في مراسم الحكاية بتعمد التورية والمحاكاة الساخرة والرمز كما هو الأمر في المثل والرسالة والنادرة والمقامة وغيرها من أنماط الخبر كالأقصوصة والرواية فيما بعد.

    والحكاية الحديثة في الأدب العربي المعاصر، وإن كانت مواكبة في مجملها لحركة التجدد في الغرب على وجه التخصيص فإنّها لم تقطع تماما مع منظومة العود على بدء، ولم تخلص من الرّواية باعتبارها تمثلا مروّيا لاستعادة ما فات أو للتبشير بمنظور إصلاحي قادم أو لتأبين آفل ، لذلك لم تسلم ظاهرة الحكاية من مصادرات الأيديولوجيا ومضاربات السوق ولم تخلص إلى الفنّ، فن الكتابة وإن رامت التعلق بأذياله فبدت مفاتنه غائمة ، أو مهمشة بقراءات من دأبوا على ألاّ يروا في الحسناء إلا عورتها متغافلين أو متعامين بحكم ما ترسّخ من استعارات استهجان الجسد عن مفاتن جسد الأنثى ، وما الأنثى إلاّ الحكاية وما مفاتن جسدها إلاّ الفرص التعبيرية السانحة بخلق سرد بديل عابق بمشاهد تطل على رؤى جديدة متحرّرة ومحرّرة .

    وحيدر حيدر لا يختلف في وليمة لأعشاب البحر كثيرا عما يسرد في غسق الآلهة(3) وإن شاءت شارة الغلاف أن تجعل من العمل الأوّل رواية ، والثاني مجموعة قصص، نعم هو يسرد ناشئا مشاهد متحرّرة مما يحيط أو ما يغمرها من استعارات القيد والشد إلى السلف الميّت، ولحيدر حيدر ولع في وليمة لأعشاب البحر بالغسق القائم في جسد الرواية شرط من أشراط النشأة المتبدّلة كما هو ولع في حكايته بالتسويف للمستقبل القريب بالسين ، والمضارعة ومفتون بفتنة الأنثي في بونة أو عنابة الجزائرية كما فتن بسمائها وبحرها من قبله الباركامي في أعراس الصيف وإن اختلف الحرف واختلفت العبارة بل الاستعارة .

    والغسق لعين بنعت رواية، حميد بمسرودة في عين قارئه، وهذا الرجل الملتبس ما يزال كامنا خلف مصراع غامض، آسيا الأخضر لا تعرف منه غير القناع وهذا الرجل لا يعدو كونه صدفة فارغة إلا من الأداء طرحها البحر حملته الريح ذات غسق لعين فوصل شواطئ بونة البعيدة وهو حطام (ص36) .

    والغسق في رحلة البداية سقف، سقف سماء يراه الراوي بعينه الساردة كما يرى الجالسين المتحاذيين في صالون البيت : "السماء ، السماء، غبراء ورمادية تحت هذا الغسق .
    ها هما يجلسان متحاذيين في صالون البيت . زند آسيا سائب فوق مائدة مستطيلة. إنها تنجز ما تبقى من وظيفة الدّرس (ص36) .

    ويجثم الغسق جاريا في مفاصل الرواية، كما يجري النضال والعهر والأمومة في أضلاع المرأة الجزائرية في وجوهها الثلاثة "مع أوّل غسق الليلة الثالثة بلا طعام وتحت جيشان الفزع والحصار والبحث عن منفذ راحوا يتكهنون بالاتجاهات، وهم يسيرون على الضفاف تحت نجوم بدا لمعان نجمة العشاء الغربية أكثرها إشارة إلى إحتمال وجهة الهور... وهكذا تقدموا في ذلك الغسق الفضي باسم نجوم عبد الجبار مسراهم ومجراهم ... يتناوبون حمل الجريح ويقاومون طوال الليل الجوع والضنى وانهيارات حسين وعبود الذين صمتا تحت تهديد طلقات أبو صبري ومطبات الغرين العين الذي يفاجئهم بالحفر" (ص211 و ص212) .

    والغسق علامة متحرّرة بشحنها الرّوائي ، ممتدّة إلى فجر النهر ورد فعل الجماعة، ولليسار، كما للنهر والجماعة أبعاد إنشائية "مع الفجر فوجئوا بالنهر على يسارهم كما اكتشفوا أنهم كانوا ينعطفون بانعطاف النهر، وأنّ المسافة التي قطعت لم تقربهم من الأهوار، إنّما فتحت أمامهم سهلا مستويا كان في ما مضى مسيل ماء جفت مياهه وعلى مبعدة أقل من خمسمائة متر تناثرت بيوت قرية مجهولة من القصب والطين قامت فوق هضبة" (ص212).

    ولعل الوعي الجماعي بسوء تقدير الموضع منشؤه الفجر رافع ظلمة الغسق فكان الهذر وكانت الحيرة حيرة الجماعة إزاء جهلها بموقعها الآن هنا "بهذر مفاجئ وسط هذه البلية التي سقطوا فريسة شباكها سيهمس الباهلي في أذن أبي صبري بأن الرفيق جبار ومخطوطات جده الخرف كذبت علينا وقادتنا إلى التهلكة وسيرد أبو صبري وهو يمسح العرق بطرف سترته العسكرية بأن الخط ليس في النجوم ولا المخطوطات.
    سيقول مهيار ذلك في اللّحظة التي اتخذ فيها قرار الكمون في هذه الساقية الجرداء المحصبة ، والبدء بتجهيز الحفر الفردية للاختباء داخلها قبل انكشافهم ما كانوا يعرفون أين هم الآن" (ص212).

    الجهل الجماعي بالموقع الجماعي هنا الآن ناشئ عن وضع معقد نسجته لغة سردية تضيق بالحقيقة ، وتتسع بالمجاز "كان النهر وراءهم وفي المواجهة قام جدار انهدامي من الصلصال الرّمادي ، وراءه ، كانت تجثم القرية المجهولة التي ترى من خلال أغصان بعض أشجار الصفصاف ، حريق من العرق والإنهاك كان يلهب الحلوق والرؤوس والبطون الجوعى عندما بدأوا الحفر في منحدر ما تحت الانهدام الساتر لقد صدرت الأوامر وتحت التهديد ، وإطلاق النّار، على كل من يتراجع نحو النهر طلبا للماء ثمة مطرتان عسكريتان على المجموعة أن تشرب منهما بالقطرات حتى ينسدل ستار الليل (ص212) .

    السرد تشي حقيقته بقواعد الوضع المعقد من نهر وجدار ومواجهة وقرية مجهولة كما يوسّع المجاز مجال الوشاية ، فتلامس الأغصان وتحس بالعرق ، وتقدر لهيب الإنهاك في علاقته بالماء والعسكر وستار الماء .

    هذا الواقع المعقد المنجذب بسرده إلى الماضي القائم في حاضر الكلام مطلّ على المستقبل عن طريق بوابة عنابة حيث ملجأ المروي عنه بصيغة الغياب ، فينتظر هناك حتفه "في أمسيات بونة والمدن التي سيلجأ إليها فيما بعد ، إلى أن يتاح لهم أن يصطادوه بطلقة أو يموت حزنا وتوحدا ستلوح على ذاكرة مهيار البيضاء صورة اندفاعهم إلى ضفة النهر مع أوّل الليل وكيف سبح وخوض في عمق النهر ثم نام في الماء حتى أحس مسامه تنفتح كأزهار اللوتس داخل هذه الرطوبة العذبة التي تدف الكون منها" (ص212) .

    علاقة حميمية بين الراوي والمرويّ عنه تكشف عنها قدرة الراوي العجيبة على إدراك ما يحس به المروي عنه في أخص الحالات وأحرجها إذ هو تركة الماضي وعماد الحاضر ورؤيا المستقبل.


    المستقبل : مظــاهـره ودلالاتـه

    المستقبل في السرد ليس إلاّ ذلك الشّريان ، أو نقطة دمّه واسمة بسين التسويف للقريب الأمل، أمل الخلوص إلى المشهد، مشهد الروّاية غير المنتظر ، والسين علامة كالغسق تكاد لا تفارق وحدة من وحدات السرّد أو حلقة من حلقاته "تحت تأثير العولـمـة والتجربة الجديدة للمثقف الذي اعتاد حياة المدن ، والجدالات النظرية ثم انتقل بغتة إلى هذا التيه المستنقعي بين القصب والبردي والبعوض والخنازير وأفاعي الماء والجرذان السمينة كالقطط وجليد الصباحات وهذا الغموض الرهيب للندى تحت أصوات الطيور والضباب الكامد والأصداء سيداهم ظافر إحساس عميق باختلاف الطقس وامتداد الزمن البطيء والثقيل على نحو مختلف عن التسارع السهمي في مجرى الدماغ والأفكار سيلمح مهيار الباهلي إلى هذه النقطة المظلمة فيما بعد وليستدير حولها على خالد النزول إلى بغداد ليطلع على أوضاع ومواقف القيادة وأسباب لا مبالاتها وهو يضمر استراحة نفسية للمسؤول العام عن قيادة المجموعة في أعقاب هذه الصدمة العصابية المنذرة بالدمار (ص140).

    والتسويف منغمر فى أوصاف من أفعال سردية تسترجع قصة البدء منذ القرن الخامس ميلادي إلى ظهور أوّل بؤرة ماركسية مقاتلة في النصف الثاني من القرن العشرين، والتسويف للقريب مندمج أو محاصر بزمن التذكر زمن الحكاية ماضيا وحاضرا ومضارعا "وفي تلك المرحلة التي ينبغي تذكرها جيدا حتى لا تطمس من التاريخ الرسمي سيدعو تقرير خط أب للقيادة العائدة من موسكو في أعقاب من الدول الاشتراكية إلى ضرورة الاعتماد على نظام عارف وغض الطرف عن طبيعتــه وتكوينه السياسي كما سيصف التقرير نظام عبد الناصر في مصر بأنّه حركة تقدمية تاريخية وهذه الحركة ستشمل العالم العربي بأسره ولا بد لها أن تشمل العراق بتيارها الجارف (ص143) ويستبد التسويف بالحكاية "فيما سيتحدث الباهلي عن هذه المرحلة الحميمة إلى قلبه فيشبهها بلحظة لقاء أبي ذر الغفاري بالرسول يوم انخرط في الدعوة مسحورا بألق تلك اللحظات النشوى التي ستقلب التاريخ على عقب .
    لكنه بعد أن يختلف مع أمين خيون ويسبر أغواره الجريحة من خسارة معركة الكاظمية واندفاعه الأخرق للانتقام سيدرك بعد فوات الوقت أنّه مطوق برجل تنتفض فيه روح الثارات الموروثة التي لا تتقن أبعد من الموت الانتحاري (ص148) .

    التسويف صيغة تعبير حكائي تعوض صيغة المضيّ وإن لم تتجاوز دلالتها السرديّة على تعاقب الأحداث بسرعة تكاد تكون معلومة أو محكومة بمنطق ذهنية قوامها الجدالات والعزلة، عزلة رجل الفكر ورجل الطبيعة "وعلى مدى شهرين سيعيش الباهلي مع صديقه أبو صبري الذي وقف معه في منزله المعزول في قضاء العمارة .
    عزلة رجل الفكر مع رجل الطبيعة المأخوذان هكذا بالطبع بحلم أن يكون العالم حفلا من القمح والحرية للبشر الشرفاء .
    في تلك العزلة البعيدة عن عيون الرصاد والمخبرين سيبدو أبو صبري مكتئبا لأن بندقيته الروسية أخذت منه بعد أن استولى أمين خيون على الأسلحة (ص148)

    اقتران السين بالمضارع ظاهرة مفيدة في وليمة لأعشاب البحر تخل بصرامة التقرير الواهم به فعل السرد في العربية وشارته المضي لكنه في هذه المرة طريق فسحة غير منتظرة "وفي لحظة الوهج صرخا معا صرخة الاحتفال بالدم وهو يمتزج بالدم زمن جديد يطلع نجم ساطع في لسان سيتذكر فيما بعد الأزمنة البعيدة التي ستأتيه مع الرياح في مطلع الربيع وهو ينتشر فوق التلال والسهول وحقول المنفى وستأتيه الروائح التي تقطر القلب إذ يهبط الشوارع المشجرة الشبيهة بشوارع بونة في الأصائل التي تشبه أصيل اللورانجري العابق بهر اليمون وهو يقبلها على عتبة الدار (ص174)

    والعلوق بسرد التسويف مدخل أو طريق يوميات مهجورة أو مشاهد نادرة المشهد في وليمة لأعشاب البحر "في ذلك المساء يكتب مهدي جواد في اليوميات المهجورة
    زمن جديد يطلع نجم ساطع في ليل امرأة العصور الجديدة التي حلمت بها مذ كانت الدنيا سديما والعالم هيولي حيث لا حب لا توجد حقيقة عدم الكون وعدم الحب شيء واحد انغمر في غياب الآلهة وهذا الدمار البشري داخل أمواج هذه المرأة التي قذفتها في وجهي ابتهالات البحر مدينة جديدة .
    ناصعة ومصقولة بضياء الشمس وهذا التموج الشفاف الغامض الخارج من كل نبضة من نبضات الأرض والفضاء ، بونة الربيع (ص174) .

    ويغتبط المشهد بشعرية سرد دافق بما تلهمه الطبيعة في بونة من فسح لطالما غيبها سرد الرواية الصفراء فانشغل الأدب عنها باستعارة نبذ الطبيعة وغض النظر عن مفاتن الجسد "ضياء فجر يتدفق من السماء وشجر الحدائق والساحات وانفساح البحر فضاء شبيه ملاءة حريرية شاسعة كالكون أرختها سماء عارية من الغيم لا موت البشر أطفال يضحكون في الشوارع وعلى الأرصفة أبنية جديدة وساحات جديدة ، الشمس والغبطة تنهمر أشعتها شلالات الوجوه والأعشاب وبياض المنازل"

    نعم لا موت، ها هي الجزائر في هذا المشهد وغيره حية كما عهدناها حية في أدب كامي وغيره من الأدباء الفرنسيين الذين عاشوا في الجزائر أو مروا بها وإن فضل كامي الحياد أو التخلي عن ثقافة العربي المسلم ولم تأت الإشارة إليها إلا لماما أو بصفة هامشية خلافا لما يفعله حيدر حيدر في وليمة لأعشاب البحر فتحضر وقائع الحلم وتبدد أو تكاد وتختلط بعالم الطلاب والمعرفة عندما يختلط "المشهد بصخب الطلاب ودوي أصواتهم في باحة المعهد ثم في قاعة الدرس تتبدد الأشعة والأزهار وحقول الأرض والبحر ليتجسد تحت بصره هؤلاء الأبالسة" (ص175).

    والمشهد كالمستقبل إن كان مثقلا أو محاصرا باستعارات السلط من دين وبوليس وجدل فإنّه يسعى عن طريق البارودي وغيره من أساليب التمثل والمواجهة "مضت عشر دقائق على المسرحية الصاخبة خلالها كان جمهور المقهى القائم في الطابق الأوّل يترقب أمام البناية مفاجأة فضيحة الشرقيين الذين قدموا من أقاصي بلادهم لهتك الأعراض وتفريغ الشهوة بدلا عن تربية الأجيال الصاعدة .
    بعد هدوء رعشات الهلع واستعلب المسرحية الهزلية والإدراك الحسي السريع للحادثة ومصادفة غياب آسيا قرر مهدي جواب باستجابة خاطفة أن يكون لا مباليــا وساخرا جلس على العتبة ومد رجليه على مداهما كان يرى إلى مفتش البوليس بعينين هازئتين وهو يدور كالثور الأهوج مصطنعا دورا بائسا في مسرحية هزلية مغرقة في الانحطاط .
    عندما سأله مهدي إن كان لا يتعب من هذا الدوران الأبله ارتد المفتش صارخا بعربية محطمة فحواها أن العرب جاؤوا البلاد للعمل لا للتقحيب ضحك العربي القحب من رجل البوليس وخاطبه بالفصحى التي لا يفهم بها: الحب مسرة للجسد والنفس وبه تشف الروح ويتفتح الجسد (ص362) .

    يسعى المشهد إلى الفيض عن ركام الحزن والموت ، موت الجسد بالسعي إلى قتل الحب ، وكأنّي بالمشرقي أو العربيّ القحب في نظر البوليس ، المثقف المتفتح على الحياة في نظر الرواية محور الوليمة في أعشاب البحر، فتقترب الرواية من الترجمة الذاتية المرتبطة بتجربة التعريب في الجزائر ودور المتعاونين من المدرسين المشارقة في نشر ضروب من الثقافة والسلوك جعلتهم في خلاف مع دأب عليه أهل البلد من سلوك يومي يقمع الحب واللّقاء المباشر بين النساء والرجال .

    والمشاهد في الرواية تتصاعد نافثة كلاما منسابا في كون اللغة بلا حدود .
    " ارتديا ثيابهما لملما المائدة وغادرا
    من الوهدة الصخرية صعدا إلى التلال المعشبة سارا بين الأجمات صامتين بعد أن نأيا عن الناس والشواطئ الصخرية هبط على الحشائش متعبة دعنا نسترح هنا قليلا.
    ما كان قادرا على الكلام في الحلق صخرة تجثم على الصدر، تمدّدت آسيا على العشب ، واستلقى جوارها بين الأجم المشتعل بالزهور الصفراء والبنفسجية، في عمق السّماء كان يراقب الضياء الساطع المنسكب على العالم وفي ذلك الفراغ أزرق راح شريط الحدث الغريب يستعاد ثم يمّحي في عمق الضياء .
    شاهد حدأة بحرية سوداء تدور كطائر ورق اقتربت من الصخور وسطح البحر وفجأة ضمت جناحيها وانقضت مخترقة سطوح الماء ثم شالت وفي منقاريها سمكة" (ص354) .

    وتغتبط قارئا بهذه المشاهد العذبة الطافحة إلى السريالية فتلاحقها في تضاعيف الرواية متدفقة بماء التحديث النابع من احتكاك الوصف المتمرد بالبارودي على مناسك العقل الصوفي: "حلم الإشراق في العقل الصوفي المصاب بلوثة المستقبل الوضّاء وهو يدخل تحت أمواج تحولاته انهدام كل العالم القديم وبناؤه أرضيا على شكل الله السماوي بدءا من بشر جوهرهم جوهر ملائكي أما أجسادهم فمن لحم ودم يرتقون فوق رغباتهم وصغائرهم العضويّة ليكونوا الحالة الجديدة الخارجة من الزمان القديم البالي والزمان الراهن الخرع الزمان الصارخ : لا إله إلا الله إلى الزمان الصارخ : لا إله إلا الإنسان في وقت فسد فيه كل شيء من الدّم إلى الهواء المستنشق وقت الاستعادة الطبيعية للحياة الأولى بعد أن فتت ذراتها عبيد الله بن أبي ضبيعة الكلبي ظل الآلهة الممسوخة فاق الأرض فكونها على صورته الحيوانية ماحيا جوهرها إلهي الذي يقول للأشياء كوني فتكون" (ص312) .

    التناص بمفهومه الحداثي تزخر به وليمة لأعشاب البحر فالجملة الروائية تتحدّى الجملة الروائية سواء أكانت منطوقة أو مكتوبة ، رسمية أو هامشية لذلك جاءت غلمة الأنثى منثورة في ما تتجرّأ على لفظه من كلام قد يبدو في نظر من يقرأه على عواهنه موقفا جادا من عقيدة ونص وهذا الكلام ينقله حسب مراسم السرّد المعروفة على لسان المروي مثل آسيا والبوليسي وغيرهما "وصرخ البوليسي الذي هشم البيت وقلب عاليه سافله يزي يزي كيفاش واش تقول هاي البلاد متاعنا فهمت حررناها من الكولون العرب عملوها بورديل يقحبوا فيها سيارات بوليتيكا توا واش دخلك في البوليتيكا يا دين الرب هاه دي موا .
    هي البوليتيك إذن وليس القحاب
    قال مهدي لنفسه ساخرا" (ص363) .

    الكلام هنا مرجعية أدبية لا مرجعية وثائقية فاللفظ في هذا السياق تتأسلب دلالته حسب المقامات المختلفة المرتبطة بمقاصد التعبير في هذا البلد العربي وذاك .

    الهوامش :
    (1) حيدر حيدر وليمة لأعشاب البحر ط دار أمواج بيروت لبنان ط5 2000
    (2) انظر كذلك
    Michal Clowinski : Esthétique et poétique T .R.F. par Gérard Genette Editions du seuil septembre 1992 p 230 ( l énonciation quasi objective )
    (3) حيدر حيدر غسق الآلهة ط 1 دار أمواج بيروت لبنان 1995
    محمد خريف : كاتب وناقد تونسي
    إقرأه وتأمل جيداهل يفيدك أم لا?:hi2:
     
  3. virus9791

    virus9791 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏7 فيفري 2008
    المشاركات:
    1.296
    الإعجابات المتلقاة:
    1.157
      24-03-2008 14:53
    merci pour l effort اما راهو موش هدا الي انلوج عليه:satelite:
     
  4. souzi

    souzi عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    896
    الإعجابات المتلقاة:
    569
      24-03-2008 15:18
    أنا بيدي مافهمتش أما قدمتلك حسب ما تقريبا لفهمي
    أما إنت على إشنوا ملا:oh:
     
  5. virus9791

    virus9791 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏7 فيفري 2008
    المشاركات:
    1.296
    الإعجابات المتلقاة:
    1.157
      24-03-2008 16:04
    انا ظاهرلي الرومنطقية نوع متاع كتابة
    اما كان تلقاليش تعريف الرومنطقية
    :kiss:
     
  6. MeTaLLisTiC

    MeTaLLisTiC عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏21 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    74
    الإعجابات المتلقاة:
    60
  7. virus9791

    virus9791 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏7 فيفري 2008
    المشاركات:
    1.296
    الإعجابات المتلقاة:
    1.157
      24-03-2008 20:48
  8. حامد التونسي

    حامد التونسي عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏19 جويلية 2007
    المشاركات:
    100
    الإعجابات المتلقاة:
    477
      24-03-2008 21:53

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...