النهضة العلمية الحديثة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة Md Ali, بتاريخ ‏6 أفريل 2008.

  1. Md Ali

    Md Ali نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏3 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    2.394
    الإعجابات المتلقاة:
    4.108
      06-04-2008 19:41
    بسم الله الرحمن الرحيم النهضة العلمية الحديثة
    دور النهضة العلمية في التمذهب في كل من مصر وتونس
    بعد الحرب العالمية الأولى نالت مصر قسطا من الاستقلال (في سنة 1922) مما سمح لها بتطور أمورها في عدة مجالات: كالسياسة،والاقتصاد،والعلم،والتمذهب..وكان بين المتدينين اتفاق على بعض المبادئ ،واختلاف على بعضها الآخر.اتفقوا-مثلا-على ضرورة القيام بعمل جاد، يرمي إلى دعم الإسلام، وتركيز العقيدة، علي أسس علمية سليمة، بعيدة عن التصورات الذاتية، حتى تبقى حية في النفوس. وعلى أن الإنسان لا يشعر بالسكينة والطمأنينة، وصفاء القلب،ونظافة السلوك ،إلا في ضل الإيمان بعقيدة سماوية.وإذا ما فقد الإنسان صلته بالدين،وحرم من غذائه الروحي،فانه مهدد بالانحدار في البؤس والشقاء،إن هو انقاد مع دعاة التحلل والإلحاد.وأما الاختلافات، فهي وان بدت منصبة على منهجية العمل، فهي لا تخلو من عمق.فجناح من المتمذهبين لاحظ أن الجانب الإيماني لم يعد وحده المحرك الأساسي للحياة،بل لا بد من تجسيمه في صرح اجتماعي متكامل الأجزاء،شامل لشؤون العقيدة والاقتصاد والثقافة والسياسة والإدارة والقضاء،وكل ما يهم الناس في دينهم ودنياهم،وبنظرة جديدة تواكب روح العصر.فيرد الجناح الآخر بأن هذه الفكرة مجرد مشروع يصعب تطبيقه في بلاد كمصر،لعدة أسباب،منها: وجود نسبة من المصريين غير مسلمين،وهم الأقباط،لهم نفس حقوق مواطنيهم المسلمين في دواليب الإدارة،وأجهزة الجيش،ودنيا الصناعة والتجارة.ولصفتهم هذه يرفضون وضعية الذميين.والبلاد في حاجة إليهم،والى الرأسمال الأجنبي اليهودي والمسيحي للنهوض باقتصادها،وتحسين أوضاعها.
    خضوع القضاء لتشريعات مستمدة في جانب منها-من القوانين الأجنبية
    ولم يتطور الفقه بعد ليحل محلها،خاصة الأحكام المنظمة لعلاقات مصر بمؤسسات دولية مختلفة الاختصاص،مع علمنا أنه لا يمكن فصل ديننا عن مرافق الحياة وتحنيطه،مخافة أن يتسرب إليه الفناء.ويرى أنصار الجناح الأول أن الرجوع إلى نمط الحكم الذي عرفه السلف الصالح،كفيل بحل هذه المشاكل.فالدين-أيامهم-كان مسيرا لحياتهم في مختلف مظاهرها.والاجتهاد كفيل بتطوير الحكام بما يتماشى مع حاجيات العصر.ويرد عليهم خصومهم بقولهم: إن هذه الآراء هي ضرب من الشعارات التي ترددها الأحزاب السياسية،ولا تمثل أصولا لسياسة شرعية.ونظرتهم هذه للإسلام،يغلب عليها طابع المصلحة الشخصية،وان اتسم بالغيرة الدينية.والضرورة تدعو إلى إبعاد العقيدة عن المشاحنات الطائفية والسياسية لأن الدين للجميع لا لفئة دون أخرى.فربط الدين بسياسة معينة يجعله في مرتبة مذهب فلسفي،كالماركسية التي ارتبطت بعنصر نسبي،هو الصراع الطبقي.ويقول بشير العوف في هذا الصدد:{ويعرف المسلمون بعد أن اتضحت مرامي الحركات الثورية والاشتراكية،أن العصر الحاضر ليس عصر صراع بين أديان السماء،ولا عصر تخاصم بين المؤمنين بالله،بل هو عصر حرب عنيفة بين الإلحاد والإيمان،بين المادة والروح،بين الحق والباطل ولقد وجب أن يتنادى جميع المؤمنين إلى صيانة مبادئ الحق والروح والإيمان**. ويضيفون أن الرجوع إلى السلفية شيء حسن،لكن بشرط ألا نستهين بمجهودات التابعين،وألا ننتقص أعمال من جاء بعدهم إلى يومنا هذا.فقد كان فيهم من العلماء الأفذاذ الذين كيفوا الشريعة مع مقتضيات مجتمعاتهم،ولهم اجتهادات صائبة.فإذا استقرت هذه الحقيقة في الأذهان،فلماذا نحكم على المعاصرين بالدجل والنفاق،لأن فيهم من أيد الحكام في بعض مواقفهم المشبوهة؟ومن جهة أخرى،فان الصراع مع السلطة قد يتنافى مع مبادئ الإسلام،التي تأمرنا بما يلي:-{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ **-النحل(125) ؟ولهذا السبب فهم يطالبون بإبقاء السلطة على ما هي عليه من سيرة تتأرجح بين الإسلام واللائكية،لأن مثل هذا الوضع هو الذي يتناسب مع تركيب المجتمع المصري،بما فيه من طائفيات.والله يقول: -{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ**-الممتحنة(8) هذه بعض الآراء الصادرة عن الجناح المعتدل من المتمذهبين الإسلاميين،والمكون في معظمه من شيوخ الأزهر.ورغم قلة المنتسبين إلى هذا الجناح فانه استطاع-بفضل قوة جناح أفراده،وغزارة علمهم-أن يثبت وجوده أمام الأكثرية الساحقة من المتمذهبين التي يضمها الجناح الثوري.وكان دوره فعالا،خاصة في توضيح العقيدة،وتكييف الشريعة بما يتماشى وسنن التطور،وأن يحافظ على سلامتها وقوتها رغم الهزات،التي تحدث من حين لآخر بين السلطة ومعارضيها،وللجناح الثوري أيضا مزايا.منها:أنه نجح في استقطاب المثقفين والعمال،وبعض عناصر الجيش،وأنقذهم بذلك من الارتماء في أحضان الحركات الملحدة والهدامة.وبنشاطه هذا قوي جانب العقيدة في النفوس،وسعى إلى تهذيب سلوك الأفراد،ودفعهم إلى العمل في نطاق المبادئ السامية.وهكذا ظهر بين الجناحين تكامل من أجل العمل لخير الإسلام،وتحسين أوضاع البلاد.
    -الماركسية في تونس:أ)قبل الاستقلال:دخلت أفكار ماركس إلى تونس قبل الانتصار البلشفي بروسيا ((بلشفي:كلمة روسية بمعنى:الأغلبية.وأصبحت مصطلحا في سنة 1903،عندما انعقد مؤتمر الاشتراكية الديمقراطية الروسية.حيث تصارعت فيه نزعتان:-أنصار التيار البورجوازي الصغير،الذي نال أقلية الأصوات فنعتوا-ب-(ألمنشفيك)أي الأقلية-وأنصار (لينين)من الاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين الذين أحرزوا على أكثرية الأصوات فسموا(بلشفيك) أي أكثرية.وكان الصراع عنيفا بين الاتجاهين،وطويلا،إذ استمر إلى ما بعد انتصار ألبلشفيك في روسيا)) قلنا: دخلت أفكار ماركس إلى تونس قبل الانتصار البلشفي بروسيا وذلك عن طريق الاشتراكيين الفرنسيين والايطاليين،الدين أقاموا ببلادنا فروعا للأحزاب الموجودة ببلادهم.فانضم إليها من الأهالي اليهود،وعدد قليل من التونسيين.وبعد ثورة أكتوبر 1917،أصبح الرأي العام التونسي يسمع عن الماركسية والشيوعية والمادية.ولما تأسس بفرنسا الحزب الشيوعي في سنة 1920،تكون له ببلادنا فرع يحمل اسم الحزب الشيوعي التونسي.وقد كانت أغلبية المنخرطين فيه هو الآخر من أبناء الجاليات الأوروبية،ومن اليهود وبعض التونسيين.وهذا الفرع وان نعت بالتونسي،فانه كان شديد الارتباط بنظيره الفرنسي،وتابعا في كل اتجاهاته.وعارض التونسيون الشيوعية على عدة مستويات:-إسلامي-لمعارضتهم للدين والأخلاق،واقتصادي-لمطالبتهم بإلغاء الملكية الخاصة،-وسياسي-لارتباطه بالمصالح الفرنسية.ولم يتغير موقف التونسيين على هدا المستوى الأخير،حتى بعد ما نفي المقيم الفرنسي(بيروتون)بعض الشيوعيين،مع الزعماء الوطنيين.وكان ذلك في سبتمبر 1934.ثم وجدت أحداث،كان من الممكن أن تكون مناسبة للتقارب بين التونسيين والشيوعيين على المستوى السياسي،وتتمثل في تكوين التجمع الشعبي التونسي في 22جانفي 1937،والذي ضم الأحزاب اليسارية في بلادنا،على غرار ما حصل بفرنسا.التي ظهرت بها الجبهة الشعبية.قدم هذا التجمع بعض المطالب الإصلاحية إلى فرنسا،قصد استمالة التونسيين إلى صفوفه )الذي قدم لحكومته مخطط Pierre Vienot ومبادئه.وفي هذا الإطار،جاء إلى بلادنا كاتب الدولة الفرنسي بيار فينو(
    إصلاحات .وكان من الممكن لهذا البرنامج السياسي أن يكون له بعض التأثيرات المذهبية،لو قدر له النجاح،لكن المعمرين الفرنسيين قاوموه بشدة وعنف،مما دفع بالحزب الحر الدستوري إلى إعلان العصيان المدني،والمقاومة التي كان من آثارها حوادث 9 أفريل 1938. ومنذ ذلك الحين،زال تفتح الوطنيين على الأحزاب الماركسية،وعدم الاغترار بدعاويهم،واليأس من جدوى التعامل معهم.وازداد إعراض التونسيين عن هذه الأحزاب الماركسية بعد الحرب العالمية الثانية إلى حد القطيعة.والسبب في ذلك، أنه بعدما تحررت فرنسا من الاحتلال الألماني،أصبح الشيوعيون الفرنسيون يشاركون في حكومة بلادهم،ولهم كلمتهم المسموعة في تسيير سياستها،ولكنهم لم يفعلوا شيئا من أجل تحسين الأوضاع في المستعمرات.والحزب الشيوعي التونسي عوض أن يدافع عن مطالبنا الوطنية في الحرية والاستقلال،نادى بفكرة جديدة فيها استمرارية الاستعمار،صاغوها في هذه العبارة (نكافح من أجل تونس جديدة،ديمقراطية وسعيدة،متحدة،بحرية وإخاء،مع الشعب الفرنسي الكبير).وتولت جريدتهم-المستقبل-الدفاع عن هذه الفكرة.فكانت خيبة أمل كبرى في الرأي العام التونسي امتدت آثارها إلى الشيوعيين أنفسهم،فتصدع صفهم،وأدركوا أنه يحتم عليهم: أما السير في تيار الوعي القومي،أو السير في ركب الاستعمار.وبعد مداولات قرروا الانفصال عن الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كانوا يتبعونه حتى ذلك التاريخ،ليعلموا بما يشبه الاستقلال عن وصاية الحزب الفرنسي.إلا أن انفصالهم هذا لم يجلب لهم أتباعا كثيرين كما ظنوا،لأن التونسيين لم يعودوا يطمئنون إليهم.ومما زاد في خيبة الماركسيين،انفصال العمال التونسيين عن الفرع التونسي للمنظمة الشغيلة ذات الاتجاه الماركسي،بالجامعة العامة للشغالين(س.ج.ت) إذ أحدثوا نقابات مستقلة،بداية من ماي1945.وكانت في الأولى متفرقة،ثم انضمت إلى بعضها في 20 جانفي 1946،تحت اسم الاتحاد التونسي للشغل.وكون الشغالون اليساريون بعد ذلك حركة مستقلة التحاد النقابي.وبذلك حقق الاتجاه الوطني كسبا كثيرا،سمح بتغلغل نزعته في فئات كبيرة من الناس كانت قبل خارجة عن مجال نفوذه،ولم يبقى متأثرا بالماركسية،سوى بعض المثقفين،درس جانب منهم بالجامعات الفرنسية. –ب- بعد الاستقلال:كان تأثير النزعة العلمية في التمذهب واضحا جدا بعد الاستقلال،لتضافر عدة عوامل،منها: حصول ما يسمى بالانفجار التعليمي،المتمثل في الإقبال الشديد على التعلم بمختلف مستوياته،والذي غطت معاهده كل مناطق الجمهورية.واحتاجت تونس،لمواجهة ذلك السيل من التلاميذ والطلبة،إلى الاستعانة بعدد كبير من الأساتذة الأجانب،من مختلف الدول الغربية والشرقية.وكان جانب من هؤلاء يحمل الفكرة الماركسية،ويدعو إليها إما صراحة أو ضمن بعض المواد التي يدرسونها،كالفلسفة والتاريخ والأدب.ومن المعلوم، أن ارتفاع المستوى العلمي لشعب ما يساعده على التمذهب،لأن هذا الأخير ينطلق من فلسفة،لها قضاياها وحججها ونظرياتها،والماركسية هي إحدى تلك الفلسفات،بصرف النظر عما قاله في شأنها بعض دعاتها ومناوئيها.وبالإضافة إلى عنصر انتشار التعليم،فان الاستقلال يسر عملية الاتصال بالشعوب الأخرى،وعلى عديد المستويات أبضا:عمال، طلبة،حركات شبابية،سياح .رجال أعمال،مؤتمرات دولية.....وهو عمل من شأنه أن يساعد على معرفة وجهات النظر المختلفة،وعلى تبادل الآراء والاطلاع على أوضاع الأمم التي نتعامل معها.وبعد الاستقلال أيضا،تطورت وسائل الإعلام-من تلفزة وإذاعة وصحافة-التي عملت الكثير من أجل التعريف بالذاهب الفلسفية،والسياسية،والاقتصادية ولم تشذ بلادنا عن تجربة مصداقية بعض تلك المذاهب،كالاشتراكية،والتعاضد.وبذلك لم تبقى علاقتنا بالتمذهب على المستوى النظري فحسب،ما دمنا سعينا إلى تجسيم بعض تلك المذاهب:واستفادت الماركسية-إلى جانب هذا كله-من الحرية السياسية التي حققها الاستقلال،فتمكنت من ممارسة نشاطها الذي جلب إليها بعض طلبة الجامعات،والصحافيين،وعددا قليلا من العمال ورجال الحركات السياسية.والكثير منهم لا يطمئن إلى ما يفعله الشيوعيين في بولونيا،وأفغانستان وتشيكوسلوفاكيا، وغيرها،بل لا يرضى حتى عما يدور في روسيا.
    -الاتجاه الديني في تونس-
    هناك نشاط تشابه بين تونس ومصر في الاتجاه الديني،ما دامت العقيدة التي ينتسبان إليها واحدة،وهي الإسلام.ولكن هناك عدة عوامل ظرفية وبيئوية تفرق بينهما،أبرزها: أن الشعب التونسي بأكمله مسلم،لا وجود فيه لأقباط،أو لجاليات أو أقليات أجنبية مندمجة في المجتمع،كالأرمن واللبنانيين،واليونانيين.واتحاد التونسيين في العقيدة أعطى للتمذهب بهذه البلاد ميزات خاصة،سنحاول توضيحها من خلال فترتين:ما قبل الاستقلال، وما بعده. -أ)ما قبل الاستقلال- من الصعب،في هذه الفترة،أن نتحدث عن تمذهب بالمعنى الفلسفي لهذه الكلمة.فللتونسيين دين يؤمنون بما جاء به من عقيدة، ويخضعون لأحكامه في أحوالهم الشخصية والعامة،ويستمدون من توجيهاته أخلاقهم وسلوكهم.وبذلك صار المقوم الأساسي لذاتيتهم.وعملوا طيلة قرون على صيانته وتقويته بكل ما لديهم من جهد وإمكانيات،وصار الدين بدوره يحميهم من التفسخ والذوبان،ويحفظ وحدتهم.وبذلك تم التمازج بين الدين والأمة.وأدرك الاستعمار هذه الحقيقة،فساعد ماليا وتشريعيا وعسكريا الحركات التبشيرية التي حاولت تنصير الأهالي،وفصلهم عن عقيدتهم الأصلية بشتى الوسائل.وأدرك الوطنيون-على اختلاف اتجاهاتهم-خطورة هذا المقصد الاستعماري،فاتخذوا من الدين سلاحا قويا قاوموا به العدو المشترك.وجعلوا من تحرير البلاد هدفهم الأوحد،لأن ذلك وحده هو الكفيل بإنقاذ الأرض والدين واللغة والمصالح الاقتصادية والإدارية،وغير ذلك من مقومات الذاتية.وهنا أعرض عن ذكر عديد الأمثلة،على كثرتها،وأكتفي بواحد فقط،وهو المشهور باسم ميثاق ليلة القدر.فقد اجتمع في تلط الليلة الموافقة ل-25 أوت 1946 ممثلون لمختلف النشاطات والاتجاهات القومية،وطالبوا بالاستقلال التام،ولم يخطر ببال أحدهم الحديث عن اتجاه مذهبي معين،لأنهم أدركوا أن التحرر السياسي هو المقدمة الشرطية لكل اتجاه مذهبي،أو سياسي،أو اجتماعي.وهكذا نلاحظ أن الوطنيين،في تونس،هم الذين طالبوا بالتغيير لا الماركسيون،ووجدوا في الإسلام المنهج ألتغييري.وهو ما جعل المستعمرين وعملاءهم يعلنون عليهم حربا ضروسا،لاهوادة فيها.ولمعترض أن يقول:أتنكر وجود اتجاه إسلامي متمذهب في تونس قبل الاستقلال،مع وجود شيوخ الزيتونة،وحركة صوت الطالب الزيتوني؟ وردا على هذا التساؤل أجيب:أن شيوخ الزيتونة كانت لهم اتجاهات سياسية وفلسفية متقاربة مع بعضها،أو متناقضة يصعب حصرها في تيار معين له صلة بتنظيم ما،غير الحزب الحر الدستوري والاتحاد العام التونسي للشغل ركيزتي الحركة الوطنية.وعملوا جميعا على التعريف بالإسلام لا أن يعرفوا به.وهذا ما جعل الأمة التونسية بأكملها تعترف لهم بفضل المحافظة على الدين وعلى اللغة وعلى التراث،وتقر لهم جميلهم في تكوين إطاراتها من أساتذة،وقضاة،ومحامين،ومعلمين،وأئمة،ومرشدين.وبذلك لم نشعر بالفراغ عندما أخرجت فرنسا موظفيها من بلادنا،بعد الاستقلال.هذا من جهة شيوخ الزيتونة.أما صوت الطالب الزيتوني فقد كانت هيئة تدافع عن مطالب مدرسية،شبيهة بمثيلاتها في بقية معاهد الدنيا. وشهرتها جاءتها من الوضع السيئ الذي أبقى عليه الاستعمار تعليمنا الأصلي،رغم كثرة عدد تلاميذه. –ب)بعد الاستقلال: جسم الاستقلال المثل الأعلى الذي كافحنا من أجله، وهو التحرر الذي يسمح لنا بتكييف أرائنا كما نريد،وباختيار المسلك الذي نبتغيه،وبالدفاع عن ذلك بالحجج التي نرتضيها.والى جانب هذا،أدخل التونسيون على برامجهم التعليمية تغييرات جذرية،أصبحت فيها العلوم التطبيقية كالرياضيات والفيزياء ومختلف التقنيات تحتل مكانة بارزة،وتحظى بضوارب مرتفعة،مما كان له أثره السيئ في العلوم النظرية،بما فيها التربية الإسلامية.ومن جهة أخرى،وقع الإلغاء التدريجي للتعليم الزيتوني الذي كان،طيلة قرون،المنارة الوضاءة التي اهتدى بها الناس لمعرفة دينهم،بمختلف أحكامه ومقاصده فأحيل شيوخه على التقاعد في انتظار الموت،أو تم توزيعهم على معاهد ليس لهم فيها إشعاع يذكر.لكن العقيدة الدينية المتأصلة في النفوس لم يقع إلغاؤها،ولم ولم يخبوا نورها،فأصبحت تلتمس الهداية والتوجيه لا من شيوخ الزيتونة وحدهم ولكن بالخصوص من الحركة الإسلامية الموجودة في مصر،وبعض البلدان الإسلامية الأخرى.ولم يأخذ الناس عن هذه الحركات أصول دينهم وأحكام شريعتهم فقط، إنما أخذوا أيضا تفسيراتها للعقيدة،وفلسفتها الاجتماعية.وهكذا بدأ يتسرب إلى تونس التمذهب الديني.وهناك عوامل داخلية أخرى،شجعت على انتشار مثل هذه الأفكار،منها:الازدياد الملحوظ للدعاية الماركسية التي ذكرناها في ما سبق،وتشجيع بعض الأوساط على نشر المبادئ اللائكية التي لم تسلم أحيانا من التهجم على الدين،مما أغضب أصحابه وأثار حفيظتهم وتخلى الزيتونيين عن التأطير الديني للأحزاب السياسية والمنظمات النقابية وحركات الشباب،بينما كانوا من أبرز مسيريها.هذا مع انحلال في الأخلاق يصل أحيانا إلى التفسخ،واكب هذه الظروف،مما جعل الناس يشعرون بالفراغ،الذي أحدث ضعف الوازع الديني في النفوس،ويعطفون علي المنادين بإرجاعه إلى علوه إلى مكانته السابقة.وكيفت هذه الظروف الاتجاه الديني في تونس فأصبح أنصاره ينادون بمقاومة التيارات الملحدة،ومنع البلاد من الوقوع في اللائكية،وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية،والعمل الجاد على ترسيخ الأخلاق السامية في نفوس فئات المجتمع،والمناداة بعدالة اجتماعية يزول معها التفاوت في الرزق،المخل بروح الأخوة بين الناس...ولم يرضى بعض المنتمين لهذا الاتجاه الدفاع عنه كفكرة فلسفية،ورأى مذهبي،بل حاولوا تجسيم نزعتهم في تنظيم له قوانينه،يخرج بهم من الدعوة إليه في المساجد،إلى استمالة الناس في أماكن تجمعهم،وفي نواد معروفة.وبقي هذا مطمحهم.وحاول بعض شيوخ الزيتونة من جهتهم تكوين حركة مذهبية اجتماعية،تمكنهم من التعبير عن رأيهم في إطار إسلامي عام،يعطيهم بعدا دوليا يضاف إلى مكانتهم الوطنية.فأنشئوا لهذا الغرض فرعا لمؤتمر العالم الإسلامي.ولكن هذه الفكرة لقيت عراقيل داخلية وخارجية،حالت دون نجاحها،بالرغم من أنها قطعت أشواطا في سبيل ذلك.وتعددت في صفوف الشباب المحاولات لتكوين حركات إسلامية،هي فروع أو محاكاة لمثيلاتها في الخارج إلا أن قلة المقبلين عليها،وعدم معرفة الرأي العام لبعض مسيريها،جعل هذه الحركة لاتظهر إلا عند حلها،الذي لم يؤثر في تمسك التونسيين بعقيدتهم.وأخيرا،فان اختلاف وجهة نظر المتمذهبين في الطريقة التي يمكن لهم بها أن يخدموا هذا الدين،وحداثة هذا الموضوع عندنا،جعل فكرة إقامة مذهبية إسلامية لم تتمحور بعد.
    - نحو مذهبية متوازنة- الآن، وبعدما قطعت نهضتنا الحديثة أشواطا كبيرة في سيرها بالشعبين التونسي والمصري، نحو التقدم والرقي، نجد أن السؤال المطروح على الساحة الفكرية،هو هذا:هل أن الصراع المذهبي القائم حاليا في بلدينا يمكن أن تكون له نتائج ايجابية أم أنه سينتهي بتمزيق صفوفها؟ وأرى أن الإجابة عن هذا السؤال لا تحمل على التشاؤم، لأن مثل هذا الصراع هو بمثابة المنبه للناس كي يراجعوا شؤونهم،ويعدلوا تفكيرهم،ويفحصوا مخططات عملهم.ومن فوائدها الواضحة،إنها تدفع بكل فريق إلى تجسيم ما يطمح إليه من مثل.والدوافع الأخرى إلى عدم التشاؤم كثيرة،منها: أن تضادد الآراء يدفع إلى التقدم والتطور،بشرط القيام بأمر الله،الذي قال في شأنه الرسول صلى الله عليه وسلم –(لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله،لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)- رواه أحمد والبيهقي عن معاوية. إن الاختلاف المذهبي الذي نعيش بعض تطوراته، حفز الأطراف المنافسة على إثراء تراثنا، بما نشروه من ذخائر نفسية، وبما ترجموه من روائع الفكر الأجنبي، وبما ألفوه من كتب تعرف بوجهة نظرهم.فكان لهذا الإنتاج العزيز أثره في إقامة صرح ثقافتنا على أسس متينة.فلا ضرر من وجود بعض الهامشيين،الذين لم يعرفوا من التمذهب سوى بعض المظاهر التافهة،كتقليدهم لستالين في شاربيه،أو لينبن في ذقنه،أو حسن ألبنا في لحيته.أو كلبسهم لرابطة العنق الحمراء،أو السراويل الشرقية.فكل يتمذهب على قدر مستواه الفكري. ولا خوف على الشعبين من التمذهب،لأنهما يعيشان منذ قرون عديدة في ظل الإسلام، دين التوازن والاعتدال والتوسط، كما قال في شأننا المولى عز وجل :-{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا**-البقرة(143) . والإسلام بوصفه دين التسامح، عرف في تاريخه الطويل عديد المذاهب الكلامية والفقهية والسياسية واللغوية والتفسيرية والاجتماعية، فأحتضنها جميعا،وخلد ما كان فيها سليما،ولفظ ما كان منها شاذا أو مغاليا.فهذا الأفق الرحب الذي يتصف به ديننا،هو من عوامل بقائه،ومن أسرار خلوده، رغم ما تعرض إليه من هجمات عسكرية وحملات مذهبية،آخرها ما كان صادرا عن الغربيين منذ قرنين. ولست في حاجة الى تأكيد هذه الحقيقة، بذكر أسماء فطاحل المفكرين من مختلف النحل والملل،الذين استصغروا مذاهبهم السابقة،وكفروا بما كانوا يقدسونه من آراء،ويدافعون عنه من مواقف،وأقبلوا بكليتهم على الإسلام.فقد وجدوه دين القيم الخالدة والمرامي السامية،والذي تنصهر فيه كل الخصوصيات على اختلاف نوعها،جنسيا،أو لغويا، أو مذهبيا،فإقبالهم على دينهم الجديد، مع علو قدرهم،دليل واضح على إفلاس التمذهب اللا إسلامي.فإذا ما أقبل الناس على التمذهب بهذه الروح،فان النهضة العلمية الحديثة التي ظهرت بالبلدين وبغيرهما من دون العالم الإسلامي،تكون قد أدت رسالتها،وحققت غايتها،وصارت في طريق الرشد والفلاح.- انتهى النص-(وهو للكاتب محيي الدين عزوز) وأما عن مسرحية (خمسون) للمخرج فاضل الجعايبي فاني لم أسمع بها من قبل إلا منك الآن أخي مراقب المنتدى العام ( الهواء) فقرأت التعليقات التي أوردتها لنا عنها وتصريحات ذاك الأخير أي فاضل فلم أتعجب ولكني تذكرت هذا النص ففكرت في نشره وخير ما نختم به هو قول الله سبحنه وتعالى –{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ**-البقرة (143) صدق الله العظيم.
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...