الكونية بين الواقع والرهان إعداد الأستاذمحمدعلي كسيرة "قفصة"

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة حمزة سديرة, بتاريخ ‏13 أفريل 2008.

  1. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      13-04-2008 12:15
    الكونية بين الواقع والرهان

    إعداد الأستاذ محمد علي كسيرة
    التمهـيـد : ملابسات الكونية.

    حين نطرح مسألة الكونية فإننا ننفتح على مسألة تخص الإنسـان وحـده وهذا ما يدفعنـا إلى البحث في مدى التوافق بين هذا الكائن وبين مسعى الكونية، فالإنسان يميل بطبعه إلى تحصين ذاته والدفاع عنها ضد كل الأخطار الخارجية وهذا ما يجعله يخشى الكونية خشيته للاحتواء والمعاصرة مما يقوي الإحساس لديه بغرابة الآخر وبغرابة الكونية كمظهر من الالتقاء بالآخر غير أنه حين ينغلق على ذاته تطارده ويلاق العزلة ولا يجد بدا من أن يستأنس بغيره. إن الغيرية بالنسبة للبدائي لا تفوق في مختلف أنشطتها دائرة العشيرة أو القبلية أما الغيرية المعاصرة فإنها قد بلغت من الاتساع ما يغطي العالم بأكمله، وإذا المجتمعات القديمة تتحرك في محيط ضيق لا يخرجها عن إطار الخصوصية فإن مجتمعاتنا المعاصرة قد انفتحت بفعل تكنولوجيا الاتصال إلى درجة لم يكن من الممكن أن ننأى عن منتجات الكونية التي تغرينا بالرفاه المادي وبالثراء المعرفي إنها تعدنا بتحويل لوجه الإنسانية من التقدم ما لم يشهد له العالم مثيلا ولكن في الآن نفسه فإنها تعيد من جديد تشكيل العالم وتشكل الخصوصيات وفق منظور مغاير يتجدد بأوانها.
    تتحدد نواتها المركزية في كونية العلم مما يغري بتوسيعها لتشمل السياسة والاقتصاد والثقافة, فهل هي كونية مغايرة وتنويع أم كونية فهو للكل ضمن المماثلة ؟ وهل الإنسان غاية للكونية أم أداتها ؟ وهل تتردد كونية العلم كونية ؟ النموذج الديمقراطي سياسيا ؟ وهل أن ثقافة الاستهلاك والرفاه هي فك لأزمة التفاوت الاقتصادي بين البشر أم تعميقا لها ؟ وهل في القول بثقافة كونية ما يحافظ على التنوع؟
    I- الكونية : أزمة مزمنة أم صعوبات ظرفية ؟
    تحمل الكونية في معنى لوحدة التي تجمع الإنسانية في كليتها بما يرتبط به من استعدادات خاصة لدى الفرد الإنساني على الانفتاح على كل البشر وهذا ما يتعذر وجوده لدى الحيوانات التي تجبرها الغريزة المحدودة على التحرك في محيط محدود. كما أنه بإمكاننا تمثل دلالتها في معنى توسيع نموذج معرفي أو سياسي أو ثقافي حين تتأكد قدرته في محيط اجتماعي خاص، غير أن النظر إلى الكونية -سواء الرهان الذهني أو من جهة الرهان الواقعي المادي- يجعلنا نتبين أنها يسيرة من جهة ما يجب أن يكون ولكنها عسيرة من جهة ما هو كائن؛ ذلك أن ما هو كائن بالأساس هو الخصوصية التي تسعى للدفاع عن نفسها دفاعها عن وجودها. والخصوصية هي كل ما يتعلق بالخصائص المميزة لهوية ما سواء في معنى الفرد قبالة غيره من الأفراد أو مجموعة سياسية أو نقابية مقابل غيرها بالمنافسة وفرض الذات الجماعية، أو قومية ما أو أمة تسعى إلى المحافظة على ما يجعل منها متماثلة مع ذاتها ومغايرة لغيرها بما يعنيه ذلك من حرص على تجنب السقوط في احتواء الآخر المغاير، فالحرص على الخصوصية هو نفسه الخشية من الإبادة؛ والحقيقة أن هذا الموقف العدائي تجاه الكونية له ما يبرره، فقد أبيدت حضارات بأكملها كحضارة الهنود الحمر في أمريكا مثلا، وتعرضت الآثار القديمة آلاف المرات في حقب متعاقبة للتدمير، فيكون بذلك الدفاع عن الخصوصية هو العقبة الأساسية في وجه الكونية، كونية اقترنت بالتخويف وسحق الخصوصيات، ألم يكن الاستعمار العسكري -ذو الأطماع الاقتصادية- متسترا بغطاء كونية العلم و الثقافة "فقد "ارتبطت الثقافة بالنفوذ.. فالإمبريالية هي النتيجة المنطقية لادعاء الكونية " كما يؤكد ذلك هنتغتون وأن تكون الكونية إدعاء، فمعنى ذلك أنه لا وجود إلا لخصوصيات حتى وإن اتخذت أوجها ملتوية ومتعددة، فكل المجتمعات تمكن أفرادها من الدفاع عن أنفسهم بتمكينهم من القواعد الأساسية للخصوصية. صحيح أنه قد يكون الطموح إلى الكونية والتوسع واقعا ولكن "كل أشكال التنشئة الاجتماعية تتضمن منظورا عالميا في جوهره متمركز عرقيا" -كما يذهب إلى ذلك ريتشاردسون- ويسعى إلى فرض إيديولوجيته الخاصة على غيره وإن المناطق الساخنة ودائمة الصراع كالهند وباكستان والشرق الأوسط تعاني من سعي الخصوصيات إلى فرض نفسها على أنها كونية ولكن لو عدلت عن الكونية واعترفت بخصوصيات مغايرة متنافرة ومتباعدة لكان السلم أكثر اتساعا ولكانت الحرب أقل انتشارا. إن وعود الكونية لا تبدو واضحة المعالم ولا تبدو مشروطة بضمانات وتأمينات وإنما هي تراوغ بين آليات القوة من جهة وآليات الإغراء والوعود من جهة أخرى فأزمة الكونية هي أزمة في منطلقاتها ومقوماتهـا بالأساس لأنها لم تنبن من جهة المنطلق على التقـاء خصوصيات بل هي توسيع لخصوصية غربية وتقديم نفسها على أنها كونية. وكأن كل المجتمعات -فيما عدا الغربية منها- متوحشة وتحتاج إلى توعية وتثقيف، وما يبدو غريبا أن تطال هذه القناعة الفلاسفة أنفسهم؛ ألم يؤكد جاك دريدا ذلك بقوله "لا أعتقد أنه بإمكاننا التحدث عن المنطقية المركزية في أي ثقافة أخرى غير الغربية". وإن كونية تقوم على قناعة كهذه يتعذر قبولها أو الدفاع عنها، فالكونية تضعف نفسها بنفسها إن هي انبنت على أسس تفاضلية مؤداها الأخير أن الغرب أسند إلى نفسه وسام كونية تعتبر الآخر متوحشا ولقد انتهى ليفي بريل-وهو باحث أنتربولوجي- إلى القول بأن الكثير من المجتمعات الهندية والإفريقية "يكاد التفكير يكون معدوما لدى هؤلاء الناس وإذا اتفق لهم أن يفكروا، فإن تفكريهم لا يسمو إلى ما فوق الأمور المادية التافهة". وبهذا المعنى نتبين أن أزمة الكونية هي على درجة من التعقيد يصعب فكها؛ فهي تواجه خصوصيات تقاوم الاحتواء ولكنها تواجه تعثرا في منطلقاتها ومقوماتها مما يضعف عن مشروعيتها واستساغتها بشكل عالمي وبالتساوي بين جميع الخصوصيات ولكن ألا يقتضي الأمر تغييرا في دلالة كل الكونية والخصوصية حتى تتحول الأزمة الممكنة إلى صعوبات ظرفية ؟

    II- مشروعية الكونية :

    1- المشروعية الإنسانية :

    إن ما يميز الإله هو التوافق التام بين إرادته وتعقله فالإله متعقل بشكل كلي للعالم وبالمقابل لا يحتاج الحيوان إلى تعقل ما هو كلـي وإنما يكتفـي بإدراك محيطـه بصفة جزئية على الدوام ولا يداخله أي توتر أو إحساس بالنقص المعرفي. خلافا للمطلق الإلهي والجئي الحيواني، فإن الإنسان يعيش تفاوتا بين إرادته للمعرفة وقدرة عقله الإحاطة بها، وهذا ما يجعل العقل في دلالته الفردية عاجزا عن تمثل العالم؛ وإن كانت رغبة المعرفة لا تغادر الفرد فلأن الإنسان في حاجة إلى "تمثل موحد ومنسجم للعالم الذي يحيط به" فالعقل –كقدرة- لا يمكن تمثله في شكله الفردي بل في شكله الإنساني فكونية الإنسان هي كونية العقل نفسه.
    تنضاف إلى الحاجة المعرفية نقصا عمليا، فلا يمكن للإنسان أن يكون قادرا على تحقيق كل حاجياته العملية بنفسه ذلك أن "كل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج" وإذا كانت الحاجة تفوق القدرة، وإذا كانت حاجياتـنا تتعدى الطابـع الغـريزي لتتضاعف ثقافيا وبشكل مطرد، فإن الانفتاح على الكونية قد يكون ضمانا لتحقيقها ومواكبة تنوعها المتجدد على الدوام.
    ويمكننا أن ننتهي تبعا لذلك، إلى أن قصور العقل ذاتيا وكذلك قصور القدرة جسديا يحملان الإنسان إلى الانفتاح على الغيرية، انفتاحا يشهد عليه التاريخ باستمرار مما يشرع إلى القول بأن الكونية ليست اصطناعا تعسفيا فرضته مصالح اقتصادية وأغراض إيديولوجية، بقدر ما هي استجابة لطبيعة الإنسان نفسه.
    2- المشروعية التاريخية :
    إن مسألة الفصل بين الإنسان والتاريخ تبقى فرضية ذهنية يكذبها التاريخ الإنسان نفسه، فالإنسان ليس ماهية متفردة، وإنما هو كيان يقع تشكيله ثقافيا من خارج الذات نفسها. إن الأمر نفسه ينطبق على ميلاد الحضارات إلى درجة أمكننا أن نسلم فيها مع ماركس أن الإنسانية نفسها هي صنع ثقافي وليس معطى طبيعيا. والأمر نفسه ينطبق على ميلاد الحضارات الخصوصية التي لم توجد من عدم وإنما هي امتداد لكونية حضارة واحدة هي حضارة إنسانية ومثلما أنه من الصعب أن نتحدث عن نقاء عرقي، فإنه من المستحيل أن نتحدث عن خصوصية ثقافية لا تجتمع فيها منجزات كونية سابقة. وما الإنسانية في لحظة تاريخية ما إلا ثمرة لثقافة كونية ممتدة في التـاريخ : "إن ما ننجزه عملاقة في غابـة بكر نخرها الزمن، وتستطيع أن تمد أغصانها النخرة طوال قرون وآلاف من السنين" وإذا كنا نفصل بين ماضي الإنسانية وحاضرها أو بين حضارة قديمة وحضارة غربية معاصرة، فذلك مجرد فصل زمني لأن التاريخ واحد والواقع واحد.

    3- المشروعية الواقعية
    إذا كانت الحضارات السابقة قد انبنت على خصوصيات متباعدة ومتمايزة بشكل كلي، فإن الحضارات المعاصرة لم تنبن إلا على جملة من الخصائص المشتركة التي لا يمكن تجزئتها إلى خصوصيات؛ فبعض الحضارات الهندية السابقة لم تكن لها أي جامع مشترك مع بعض الحضارات الإفريقية ولكننا لا يمكن أن نفصل اليوم بين الحضارة البريطانية مثلا والحضارة الأمريكية كما أنه لا يمكن أن نجزأ الحضارات طالما أن الأعراق كلها قد ساهمت في بنائها فالحضارة الغربية هي الحضارة التي استطاعت أن تجمع كل المنجزات السابقة وتفككها إلى جملة من التقنيات الضرورية لإعطاء وجه جديد لحضارة وهي- في أصلها ومأتاها- كونية بالأساس ومثلما أن الاستفادة من العلم والتقنية تشمل كل البشر، فإن الأزمات السياسية والعسكريـة والاقتصاديـة تطال العالـم بأكمله؛ فالتوترات السياسيـة قد تنعكس على العملة وارتفاع الأسعار بل تطال المقدرة الشرائية لأبسط المستويات الاجتماعية. وكذلك فإن التجارب النووية والذريـة والإشعاعيـة لا تنحبس في مواقـع جغرافيـة محددة، بل تطال البشريـة جمعاء.
    إن وحدة الكيان البشري تجد مشروعيتها في لحظات الرخاء وكذلك في لحظات التأزم مما يؤكد القول بأن الكونية ليست مجرد أفكار بل هي واقع.
    إن فاعلية الحضارات المتعاقبة لم تكن جزئية أو هامشية، بل هي التي تٌثور الواقع وتغيره وتطوره. غير أن التطور لا يكون صفة من صفات الواقع بل هو الواقع نفسه الذي يطرأ على البشرية جمعاء؛ فثورة تكنولوجيا الاتصال لم تعد تسمع بانغلاق الخصوصية بل يبدو العالم بأكمله منكشفا على ذاته ليستفيد البشر من مختلف الإنجازات. إن الأمر لم يعد قابلا لطرح سؤال: كيف نقوى على تجسيد خصوصياتنا ؟ بل على العكس: كيف نجعل منها فاعلة ومساهمة في الكونية؟ وبدل التقبل السلبي -إما بالرفض أو بالإذعان- يكون من الضروري تعقل الكونية وإعادة تعقل الخصوصية وهذا ما يستوجب التفكير في شروط تجنب التصادم بين الخصوصيات الممتدة تاريخيا زمنيا وبين كونية تتمدد جغرافيا ومكانيا؛ فهل الكونية أمر ممكن أم هي بوادر تبقى حبيسة طموحات خاصة ؟ وهل يمكن وضع شروط مرحلية لتحققها أم أن تلقائية الاستفادة منها تغني عن ذلك ؟ وهل نخشى تعصب الخصوصيات وانغلاقها أم نخشى غطرسة الكونية واستبدادها ؟ وهل عقلنة الشروط تكفي لتجعل من الكونية إنسانية؟

    III- الكونية : الشروط والرهانات :
    يقتضي أي بناء نظري للعلاقات الإنسانية أن يكون الإنسان نفسه القيمة والغاية وإذا كان المقصد من الكونية إنسانيا بالأساس فإنه يكون لزاما أن تراجع الإنسانية أخطاءها وأن تقرأ تاريخها قراءة نقدية تسمح بتقييم انحرافاتها القائمة أساسا على تقديم قيمة الأشياء وتفضيلها على قيمة الأشخاص. فرهان الكونية هو بالأساس رهان تفوق الإنسان من جهة القيمة حتى يكون للعالمية معنى إنسانيا. وإذا كانت التاريخ مخبر لأخطاء الكونية فيكون الشرط الأساسي هو الاستفادة من الأخطاء السابقة.
    1) شرط الاعتراف بالأخطـاء :
    عادة ما يختزل الغرب أخطاءه في الأنظمة الشمولية والاستبدادية كالنازية والفاشية ولكن يعفي بقية القوى من الاعتـراف بالمجازر التي ارتكبتها. وإننا لنتحسس وخز الضمير الأوروبـي من العجرفـة اليهودية ولكن لم نر اعتراف فرنسا بمجازرها في حق بلدان المغرب العربي عامة والمجازر الوحشية في الجزائر على وجه التحديد، وكأنما عقدة الذنب الغربية تختزل في حق العرق اليهودي وحده وإنه ليمكننا اليوم أن نطرح مسألة. هل بإمكان الدول التي وقع استعمارها أن تطالب بتعويض وهل من الممكن أن يتحمل الغرب مسؤولية عن فقرنا وتخلفنا إذا كان قد نهب خيراتنا في لحظات تاريخية ؟ أم أنه لابد من أن قبر هذه الأخطاء بدعوى الصفح والمسامحة ؟
    إن شرط الاعتراف بالأخطاء التاريخية هو معيار أساسي لاختبار مدى استعـداد القوى العظمـى في العالم لكي تكون متواضعة وقابلة لكونية متكافئة. وتكون عقلنة النوايا الإنسانية شرطا لعقلنة العلاقات.
    2) شـرط التكـافـؤ العقلانـي : من عقلانية غازية إلى عقلانية متكافئة :
    لا نذكر أن واقعنا الراهن وما وصل إليه من رضاء ورخاء هو من صنع العقلانية العلمية بل إن مسعى الكونية أصبح واقعا ممكنا بفضل هذه العقلانية إلا أن الالتباس الذي يصعب فكه هو اقتران القدرة على إنتاج العقلانية بالغروب بالإنفراد بها ومن الغريب أن فلسفات بأكملها أقيمت على أساس من تفاضل الغرب وتفرده بالفكر العقلاني فقد انتهى ليفي بريل بعد أبحاثه الأنترولوجية إلى أن بعض المجتمعات الهندية والإفريقية غير قادرة على التفكير لقوله "يكاد يكون التفكير معدوما لدى هؤلاء الناس وإذا إتفق لهم أن يفكروا فإن تفكيرهم لا يسمو إلى ما فوق الأمور المادية التافهة" ولا يمكن نزعة تفاضلية أن تكون إلا معادية ولا يمكن للعداء أن يؤسس نظرة كونية إلا ليقيمها على التعسف والكره. فيكون من الأحرى أن ننطلق مما انتهى عنده ديكارت من أن "العقل أعدل الأشياء توزعا بين الناس" كي يكون من الممكن الالتقاء عند وحدة القدرة على تقبل العقلانية بل وإنتاجها. وإذا كانت الخصوصية الغربية قد أنتجت حداته عقلانية فإنها لم تنطلق من خواء معرفي بل هي تفعيل لمنتجات حضارية متعاقبة. وإن الانطلاق من تكافئ عقلاني يكون شرطا أساسيا لنشر ثقافة الاختلاف.

    3) شـرط الاعتراف بـالمغـايرة : من كونية التماثل إلى كونية الاختلاف:

    إن الحرص على مماثلة الآخر لنا هو في حد ذاته حرص على وضع سكوني تكون الذات هي مركزه ويطوع الآخر لكي يكون تابعا وخاضعا لمركز المغايرة وقبول الاختلاف يقتضيان جهدا لتقييمهم الآخر وإذا كانت الكونية التي شروطها هي كونية إنسانية بالفعل فلابد من جهد للتخارج عن الآخر. أليست الثقافة في حد ذاتها صقل للذات وتطويعها على تفهم الآخر ؟. "فلا يمكن للحضارة العالمية أن تكون شيئا آخر على المستوى العالمي، غير تحالف الثقافات التي تحتفظ كل واحدة منها بخصوصياتها" ذلك أن الاختلاف لا يعود الإقرار به بالنفع إلى الآخر وحده بل وأيضا لنا حين نعترف بأن وجودنا الخاص قائم أساسا على النقص. فالاعتراف بالنقص ليس نقيضا لعقده النقص ولكنه تجاوز لعقده التفوق، التي تحول دون الاستفادة من الاختلاف والتنوع.

    4) شـرط المرونـة السيـاسيـة : التطهير الأخلاقي للسياسة الكونية :

    إذا كانت الديمقراطية تحمل في معناها العام معنى الحوار والاختلاف الذي يتجاوز الرأي الواحد الأوتوقراطي والديكتاتوري فإننا نعايش في واقعنا الراهن التباس بين النفوذ والديمقراطية. أو الديمقراطية التي تقدم نفسها على أنها البديل الذي لا رجعة عنه. ولكن حين تقدم نفسها على أنها بديل أوحد ألا تكون الديمقراطية نفسها ديكتاتورية ألا يكون من المضحك أن تكسر الديمقراطية الحدود على ظهور الدبابات ؟ وإن من أصعب ما تواجه الكونية اليوم هو أنها عودة مقنعة ومتخفية للاستعمار الذي يواجه لحظات مقاومة تخطره سريعا إلى كشف قناع العولمة والكونية ليعود من جديد إلى شكله الاستعمـاري. إن الديمقراطيـة السياسيـة لا تكفي نفسها بنفسها بل إنها تحتاج إلى تطهير أخلاقي، فلا يمكن للديمقراطية ولا للتكنوبيروقراطية أن تكونا نموذجين إنسانيين طالما أن المقصد غير أخلاقي وغير إنساني؛ فرهان السياسة البديل عن النفوذ هو بالأساس رهان أخلاقي قيمي. وإذا كانت السياسة هي جملة التقنيات الناجحة في إدارة الشعوب، فإن تقويمها وتهيئتها لكونية إنسانية لا حياد عنه.

    5) شرط تعميم النفع الاقتصادي∙ : من الابتزاز إلى التصنيع :


    إذا كان كانط قد شرع لحق الزيارة على أساس أن العالم ملك للجميع فإن العولمة تتسرع. في وجه من وجوهها. إلى أن ثروات العالم هي ملك للجميع وليس لأحد أن يحتكر المواد الخام بدعوى القطرية والحدود فإن ما نذهب إليه بالأساس بأن كسر الحواجز لا يكون فقط سماحا للمواد الطبيعية أن تنتقل إلى الدول الأقوى كما لا يختزل في تحرير رأسالمال من عبء الحدود الجغرافية والجمرقية، وإنما يجب أن يوازي الملكية المشتركة للأرض ولثروات العالم ولحق حرية رأسالمال، حق الدول الأضعف في الاستفادة من التطور التقني الصناعي باعتباره امتدادا لحق مفاده، أن المعرفة والثقافة هي ملك للبشرية جمعاء وبدون استثناء. فإذا كانت النية في إنشاء عالمية إنسانية فإنه لا إنسانية إلا بالشعور بالمسؤولية الأخلاقية والقيمية إزاء كل البشر. والحقيقة أن هذا الشرط ناجم أساسا عن امتعاض من تاريخ استعماري يُخشى عودته في أشكال مقنعة تدفع إلى التيقظ احترازا وحذرا من كل دهاء سياسي وابتزاز اقتصادي وهذا ما يدفع إلى اعتبار التصنيع والتمكين من التقنية شرطا أساسيا إذا كانت فعلا المساعي للكونية إنسانية.
    إن ما يمكن أن نعيبه على العولمة هي أنها تسعى إلى تهيئة الشعوب لتقبلها أكثر من سعيها إلى تبني قضايا هذه الشعوب إن الحرص على ضرورة التكافؤ في الاستفادة من الكونية لابد له من اتخاذ شكل قانوني التزامي لا يكتفي بتطويع الشعوب الأضعف بل يلزم الدول الأقوى على الالتزام مهمتها بشكل يضبط سلفا قانونيا ولا يدعو إلى التملص من المسؤولية اعتبارا وأن الشكل التعاقدي للقانون هو الذي يضمن حدا للأنانية والعدوانية والتفاوت في النفع.

    خــاتـمـة :
    إذا كانت الكونية هي من إنشاء البشر، فإن نواقصها ومراوحتها بين المحاولات والترددات أمرا ممكنا وإن صياغتها على الشكل النهائي لهو على غاية من الصعوبة ولكن مع ذلك لابد من تجميع الأهداف الإنسانية سواء في جلب المكاسب أو درء المخاطر. كما أنه من الضروري أن نعود إلى التاريخ كمخبر أساسي لتسفيد الإنسانية من أخطائها ويكون الاعتراف بالخطأ الذي يصل إلى أقصى الجرائم الإنسانية، تطهيرا لها من الغرور والتكبر والإجرام والأنانية، فيحل التسامح بدل العدوانية وفق شروط إنسانية وقانونية واضحة. غير أنه مهما بلغت الشروط من صرامة فإن الرهان الأساسي هو اقتناع الإنسان بمسؤولية إزاء الغير إنسانيا وأخلاقيا ولا يكون ذلك بإلزامات خارجية بل بالتزام ذاتي نختزله في قول لوموانييه : "إنني لا أوجد إلا من أجل الغير".
     
    4 شخص معجب بهذا.
  2. حمزة سديرة

    حمزة سديرة عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏11 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    281
    الإعجابات المتلقاة:
    301
      19-04-2008 15:15
    نرجو الإلتزام بقوانين المنتدى ، أخت"سوزي" أمر واجب علينا جميعا في هذا المنتدى الكتابة باللّغة أو الأحرف العربيّة
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...