1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

و للكلاب دموعها...

الموضوع في 'منتدى الشعر والأدب' بواسطة hamham111, بتاريخ ‏15 أفريل 2008.

  1. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      15-04-2008 14:47
    كان مجرّد طفل يداعب جروه الأليف ذات صائفة تحت شجرة الزّيتون عندما ارتفع الصراخ في بيته ... لحظتها صار الجرو كلبا أمّا هو فضاق على قدميه الحذاء.
    يهرول الناس نحو البيت متسائلين عن سبب الصّراخ و سمع أنّ رجلا كان يأتيه بالتفاح و الإجاص و جوز الهند قد مات... فجأة سمع الكلب يئنّ و قد انحدرت من عينيه دموع.
    الكلاب لا تبكي... و لكنّه أبدا لم يقتنع بهذه الحقيقة لأنّه رأى كلبه يومها يبكي.
    ركض مثل البقيّة إلى داخل البيت ليرى أمّه متهاوية على الأرض و الناس من حولها يمسكونها كي لا تغور فيها تماما...لكـأنّهم خافوا أن يبتلعها البلاط فلا يسمعون عويلها.
    هو؟
    لم يبك...لم يتألّم...كلّ ما تملّكه بضعة تعجّب و اندهاش و قليل جدّا من السؤال:كيف تسقط الهامات هكذا؟
    - يا محمّد...نعوّل عليك كي نأخذهم في إهابك إلى الحياة...
    قال له مدير المدرسة بعد عشرين سنة من تلك الحادثة.
    - يا محمّد... أنت سيّد العائلة اليوم و تلك الهامة الغارقة في صراخها أمّك و ذاك المخبول أخوك...لكن أنتَ...أنتَ السيّد.
    فجأة أحسّ بأنّ الدهشة لا تناسب مراسيم الحداد فأفرغ نفسه من كلّ اندهاش و ألقى بذراعيه الصغيرتين حول تلك الكتلة المختلجة ذهولا و ترمّلا يخلصها من براثين الشفقة الممتدة إليها في نهم جائع إلى اللحم و الإحسان.
    و لا يزال يتذكّر و قد مرّ على موت أبيه عشرون سنة مشهدا بقي منغرزا في ذاكرته،مشهد جروه الّذي استحال فجأة كلبا يبكي، يرمق الحاضرين بعينين طاهرتين.
    ذات يوم استقبلته والدته بابتسامة مصطنعة و رائحة اضطراب تحاول إخفاءها...بعد أن أكل و شرب صبت عليه فجأة جام الخبر: عمّك جمعة طلبني للزواج.
    أوّل ما تبادر إلىه صورة أب طويل القامة نافر العضلات أسمر البشرة يشق خدّه الأيسر جرح قديم تلقاه من سكين عميل جزائري للشرطة السرية الفرنسيّة. و تخيّل نفسه يركب دراجته الناريّة من نوع (ياماها)مطلقا لمّته السوداء الطويلة للريح.
    لكنّه سأل أمّه:
    - ما معنى أن يكون زوجك؟
    أجابته:
    - يصير أب العائلة...
    تخيّل للمرّة الأولى أباه و هو (كما وردته الأخبار) جاثما في ركن من باخرة ما في بحر ما و هو يتضرّع إلى ربّه أن يُنقذه من الغرق.فتذكّر فجأة طعما قديما لتفاحة و إجاصة و جوز هند...فانتابت الطفل الحمّى.

    كانت إجابته أوضح من أن يفصح عنها كلام...
    بعد ثلاثة أيّام و عندما كان عائدا من المدرسة وجد نفسه مرميّا على الرصيف و قد تلوثت ميدعته الزرقاء بالغبار و الدم النازف من أنفه:
    - دراجة ناريّة من نوع (ياماها) دهسته و واصلت طريقها.
    هكذا سمع أحد الهابّين إلى نجدته يقول... و بين اليقظة و الإغماء ، رأى عيني كلب يبكي...

    مرّ ذلك اليوم تاركا في جبينه جرحا قد اندمل و في نفسه جرحا آخر...
    غير أنّه لم يأبه فأقبل على حياته لا همّ له غير أخ مخبول و أمّ ... كيف كانت أمّه؟ليس يذكر...
    يذكر فقط أنّه رآها ذات يوم تقبل عليه بشوشة و قدّمت إليه قناعا للغوص طالما حلُمَ بأن يحصل عليه... كان يودّ أن يقفز في عنقها مقبّلا لكنّه فجأة انتبه إلى فراغ فيه:
    - أين سلسلتك الذّهبية؟
    غمغمت بعبارة لم يفهمها إلاّ بعد أسبوعين تقريبا، لمّا سمع جدّته تلومها:
    - تبيعين سلسلتك من أجل هذا البلاستيك؟ حمارة أنتِ مثل أبيكِ...
    لم تكن أمّه حمارةً ... كانت ببساطة ملائكة من نوع غير الذي سمع معلّمه في التربية الإسلاميّة يتحدّث عنه...كانت ملائكة بلا سلسلة من ذهب...
    احترق من داخله... بكى في صمت تحت شجرة الزيتون... بادر إلى القناع فأحرقه و لمّا سألته أمّه عنه أجابها:
    - تنازلت عنه لصديق لي...
    قرعته أمّه بغضب غير أنّه قاطعها:
    - صديقي يتيم.
    ضحكت بمرارة قائلة:
    - و أنتَ؟ ألستَ يتيما؟
    كان يتوقع سؤالها و كان الجواب حاضرا في ذهنه:
    - هو يتيم أكثر منّي...لقد فقد أمّه.
    رأى دمعتها ...ثم أحسها تتدحرج على خدّه....أحسّها طاهرة نقيّة كحبّات الثلج حين تقبّل قمة جبل شاهق...
    دمعتها كانت تشبه دمعة كلبه...
    أ لا تبكي الكلاب تحت الزيتون حين يضيق على قدميه الحذاءُ؟.
    وقف بمواجهة تلاميذه و قال كمن يبتدع الحكمة لتوّه:
    - أما الحيوان فلا يصنع تاريخا...إنّه سجين الطبيعة و الغريزة... لا عقل له، لا نظام، لا فلسفة، لا دين...
    و واصل في سرّه:
    - لكنّ الكلاب تبكي أيضا ...






    (انتهت)​





    كلّ الحبّ...

     
    10 شخص معجب بهذا.

  2. بن العربي

    بن العربي عضو مميز في منتدى الشعر والأدب

    إنضم إلينا في:
    ‏10 مارس 2008
    المشاركات:
    435
    الإعجابات المتلقاة:
    1.032
      15-04-2008 16:50
    اطلعت على الصفحات التي تعودت أن أزورها كل يوم منذ شهر تقريبا.. فوجدت أنها أكلت جميعها مع التفاح وجوز الهند.. فقلت هنيئا لهذا الأخ الجائع أكله ما كتبنا أوعلقنا جميعنا.. ثم قرأت الإسم (الاستعارة طبعا) فوجدت أن همهاما111 قد مرّ من هنا اليوم.. وأن من طبيعة الهمهام النهم.. فجزعت في البداية وخفت أن يكون من شبابنا الذين صرت لا أطيق تعليقاتهم التي لا تتجاوز كلمة شكر يكتبونها أحيانا بأحرف لاتينية.. ثم تتبعت أثرك من تعليق إلى آخر حتى وصلت مراح الجرو الذي تجاوز وفاؤه المعقول.. ليضرب لنا المثل نحن بنو البشر. فأدركت أن هديتك التي بين يدي أثمن من كل ما تصفحت.. ففرحت لأن هذه الأسرة الصغيرة قد بدأت تكبر وتصبح قبيلة من "الأدباء" وأسعدني كثيرا أن أكون بينكم.. أنت سبقتني إلى هذا المنتدى وربما تعرف بعض الإخوة الكرام.. لكنني لم أطلع على ما تكتب سوى هذه اللحظة التي أسعدتني..
    قصتك من صميم الواقع، وقد تلاعبت فيها بالزمن كيفما شئت.. حتى أنني قرأتها ثلاث مرات متتالية فأدركت أن من وراءها صاحب شأن أدبي مرموق.
    فمرحبا بك أخا وصديقا وكاتبا في هذا الركن النير من منتديات تونيزيا سات..
     
    5 شخص معجب بهذا.
  3. alia

    alia كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏1 أكتوبر 2007
    المشاركات:
    1.236
    الإعجابات المتلقاة:
    3.441
      15-04-2008 19:16
    السلام عليكم




    حين قرأت ما كتبت, انتابني احساس أنني أقرأ لكاتب و أديب عملاق. حقا رائع هو ما كتبت و لأكون منصفة تماما ,كل ما كتبته على صفحات هذا المنتدى رائع حد الإعجاز فلا الكلمات بعد ما خطط قلمك قادرة على إيفائك حقك.
    سعيدة بعودتك أيها المبدع و مرحبا بك بين إخوانك كاتبا و شاعرا و ناقدا.







    دمتم في رعاية الله و حفظه
     
    5 شخص معجب بهذا.
  4. hech-jemna

    hech-jemna عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏29 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    2.260
    الإعجابات المتلقاة:
    4.084
      15-04-2008 20:17
    لم أرد أن أقطع اللحظة الابداعية لمن سبقني في الكتابة و الرد خاصة و أن كتابتي بسيطة لكني عندما طالعني اسم الاخ صاحب الموضوع دخلت دون أي تردد بما هو لا يعرفني لكني عرفته من كتاباته و كل دخول لهذا المنتدى أبحث عن مشاركاته خاصة

    و كلمت حق كل أعمالك التي كتبتها في المنتدى قمت بأخذها و هي عندي على أوراق و أكثر هي في الذاكرة


    أسف على تطفلي
     
    3 شخص معجب بهذا.
  5. tunis2008

    tunis2008 عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏20 فيفري 2008
    المشاركات:
    162
    الإعجابات المتلقاة:
    228
      16-04-2008 21:28
    صديقي اسلوب رائع يدل علي تمكن تام ملاحظة ( وراء الخيال تنام الحقيقة الا تري انها مقولة تنطبق مع نصك). كل الاحترام
     
    2 شخص معجب بهذا.
  6. اميرة الجمال

    اميرة الجمال عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏2 فيفري 2008
    المشاركات:
    327
    الإعجابات المتلقاة:
    169
      22-04-2008 08:18







    الكلاب تبكي ايضا

    كل الحب .....
     
    2 شخص معجب بهذا.

  7. اميرة الجمال

    اميرة الجمال عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏2 فيفري 2008
    المشاركات:
    327
    الإعجابات المتلقاة:
    169
      22-04-2008 08:21
    • لكن الكلاب تبكي ايضا
    • صدقت
    • كل الحب ..
     
    3 شخص معجب بهذا.
  8. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      22-07-2010 14:38

    ابن عربي
    و في اسمك المستعار عمق و بصيرة و في تعاليقك الّتي أعتزّ بها كرم ما بعده كرم لكنّي أتساءل :أينك؟


    كلّ الحبّ...​
     
    2 شخص معجب بهذا.
  9. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      22-07-2010 14:43
    Alia
    كلامك سيّدتي يكاد يصيبني بالغرور و الحقّ أنّه كثير عليّ... أنا فقط أهوى القلم و أحاول أن أعبث به لأصنع أشياء فأصيب حينا و أخطئ أحيانا... عموما أنا سعيد جدّا برأيك و به أفخر فخرا كثيرا
    كوني بخير سيّدتي



    كلّ الحبّ...​
     
    2 شخص معجب بهذا.
  10. hamham111

    hamham111 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    135
    الإعجابات المتلقاة:
    348
      23-07-2010 13:31
    أميرة الجمال
    أينك؟​
     
جاري تحميل الصفحة...
مواضيع مشابهة التاريخ
صُداع و ضياع ‏29 مارس 2016
حصار و جوع و موت ‏3 ماي 2016
ثناءٌ و وفاءْ.. ‏9 ماي 2016

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...