الرياء

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة mm77, بتاريخ ‏16 أفريل 2008.

  1. mm77

    mm77 عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏14 مارس 2008
    المشاركات:
    192
    الإعجابات المتلقاة:
    494
      16-04-2008 09:49
    :besmellah1:




    من أعظم المصائب التي تحبط الأعمال و تضر التوحيد و تتسبب في سوء العاقبة هي الرياء عافانا و عافاكم الله.
    فالرياء مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة ليراها الناس فيحمدوا صاحبها.(فتح الباري جـ11 ص443)

    وقد حذّر منه الله تعالى في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر"(البقرة 264)
    بما أنه صفة من صفات المنافقين و بامكانه ابطال الصلاة في قوله تعالى:
    "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا" (النساء 142)
    "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"(الكهف110)

    و قد توعدهم الله بعذاب أليم "فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون" (الماعون)

    وقد قال ابن كثير ـرحمه الله ـ أنّ لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يُرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس.(تفسير ابن كثير ج 4)

    و ينقسم الرياء إلى خمسة أقسام:

    1ـ الرياء بالبدن:ويكون بإظهار النحول ليوهم بذلك شدة الاجتهاد في العبادة ، وعظم الحزن على أمر الدين ، وغلبة خوف الآخرة.

    2ـ الرياء بالهيئة والزي: بتشعيث شعر الرأس وإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه

    3ـ الرياء بالقول : كرياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار لاستعمالها في المحاورة وإظهارا لغزارة العلم وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس وإظهار الغضب للمنكرات والأسف على مقارفة الناس للمعاصي

    4ـ الرياء بالعمل كمراأة المصلي بطول القيام والركوع والسجود وكذلك بالصوم والغزو والحج والصدقة

    5ـ الرياء بالأصحاب والزائرين كالذي يتكلف أن يستزير عالما أو عابدا ليقال إن فلانا قد زار فلانا وكالذي يكثر زيارة الشيوخ ليرى أنه لقي شيوخا كثيرة واستفاد منهم ويتباهى بشيوخه عند المخاصمة.

    ومن غلب على قلبه حب الرياء صار مقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفا بالتردد إليهم والمراأة لهم ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته لديهم و ذلك حبا في الحمد فرارا من الذم طمعا فيما في أيدي الناس

    و نظرا للؤم الرياء فقد شبهه الرسول صلى الله عليه و سلم بالشرك في قوله:"عن أبي سعيد الخدري ? قال :
    خرج علينا رسول الله ? ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال ( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟ ) فقلنا بلى يا رسول الله ! قال ( الشرك الخفي ، أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل)"

    علينا اذا إخواني أن نتجنب هذا التصرف ليس فقط في عباداتنا بل أيضا في معاملاتنا الاجتماعية فاذا كان عمل المسلم عملا خالصًا لوجه الله تعالى ثم ألقى الله له الثناءَ الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح المسلم بفضل الله ورحمته واستبشر به لم يضره ذلك.

    عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجلَ يعملُ العمل من الخير، ويَحْمَدُهُ الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بُشرى المؤمن». (رواه مسلم)



    ملاحظة:هذا الموضوع ألهمني إياه موضوع الأخ حول النميمة لذا أقترح أن نكتب كلما سنحت الفرصة عن هذه التصرفات التي نعرف أنها سيئة و لكن ليس بالقدر الذي يذكره القرآن و الأحاديث و ذلك لنتعرف عليها أكثر عسانا نتفاداها كالنميمة والغيبة و الحسد و النفاق و الإعجاب بالنفس ....و لما لا نجمعها كلها في موضوع واحد



    :satelite::satelite::satelite:
     
    4 شخص معجب بهذا.
  2. med yassin

    med yassin كبير المراقبين طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    23.035
    الإعجابات المتلقاة:
    85.159
      16-04-2008 11:19
    الله يسترنا


    [​IMG]
     
    1 person likes this.
  3. MEHERMD

    MEHERMD عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    233
    الإعجابات المتلقاة:
    291
      16-04-2008 13:45
    :besmellah1:


    إنَّ الحمد لله، نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنَّه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.
    ثم أمَّا بعد:
    فإنَّ خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ​

    1 ـ الرياء وحدُّه:
    الرياء مأخوذ من الرؤية والسمعة من السماع . وحدُّ الرِّياء المذمومِ إرادةُ الْعاملِ بِعِبادتهِ غيرَ وَجهِ اللَّهِ تَعالَى كأن يَقصِدَ اطلاعَ النَّاسِ على عبادته وكماله حتى يحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء . ​

    إمَّا بِإظهار نحول وصفرة ، ونحو تشعث شعر ، وبذاذة هيئة ، وخفض صوت ، وغمض جفن إيهَامًا لشدَّة اجتهاده في الْعبادة وَحُزْنِهِ وَقِلَّةِ أَكله وعدم مبالاته بِأمر نفسه لاشتغاله عنها بِالأهمِّ ، وتوالي صومه وسهره ، وإعراضه عن الدُّنيا وأهلها ، وما درى الْمخذول أنه حينئذ أقبحُ من أَرَاذِلِهِمْ كَالْمَكَّاسِينَ وَقُطَّاعِ السَّبِيلِ . وَأَمْثَالِهِمْ ، لأنهم معترفون بِذنوبِهم لا غُرُورَ لهم في الدِّينِ بِخلاف ذلك المخذول الممقوت .
    وإمَّا بِإِظهَار زيِّ الصَّالحين كإطراق الرَّأس في المشي والهدوءِ في الحركة ، وإِبقَاءِ أَثَرِ السُّجُودِ عَلَى الوَجهِ ولبس الصوف وخشن الثياب وتقصيرها وغير ذلك إيهامًا أنَّه من العلماء والزهاد . ​

    2ـ تحريم الرياء وأنه من الكبائر :
    اعلم أن الرياء هو الشرك الأصغر وهو من الكبائر المحبطة للعمل ، وقد شهد بتحريمه الكتاب والسنة ، وانعقد عليه إجماع الأمة :
    أ ـ الكتاب :
    قال تعالى : (( الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ )) وَ قال تعالى: (( وَاَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَاب شَدِيدٌ )) قَالَ مُجَاهِدٌ : هُمْ أَهْلُ الرِّيَاءِ ، وَ قال تعالى: (( وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ))
    ب ـ السنة :
    فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ : (( إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ : اذْهَبُوا إلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً )) . وَالطَّبَرَانِيُّ : (( إنَّ أَدْنَى الرِّيَاءِ وَأَحَبَّ الْعَبِيدِ إلَى اللَّهِ الْأَتْقِيَاءُ الْأَسْخِيَاءُ الْأَخْفِيَاءُ )) أَيْ الْمُبَالِغُونَ فِي سَتْرِ عِبَادَاتِهِمْ وَتَنْزِيهِهَا عَنْ شَوَائِبِ الْأَغْرَاضِ الْفَانِيَةِ وَالْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ (( الَّذِينَ إذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا ، وَإِذَا شَهِدُوا - أَيْ حَضَرُوا - لَمْ يُعْرَفُوا أُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى )) . وَالْحَاكِمُ : (( أَوَّلُ النَّاسِ يَدْخُلُ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ، يُؤْتَى بِالرَّجُلِ ، فَيَقُولُ : رَبِّ عَلَّمْتَنِي الْكِتَابَ فَقَرَأْتُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَيْ سَاعَاتِهِمَا رَجَاءَ ثَوَابِك ، فَيَقُولُ : كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تُصَلِّي لِيُقَالَ : إنَّك قَارِئٌ مُصَلٍّ وَقَدْ قِيلَ ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ ؛ ثُمَّ يُؤْتَى بِآخَرَ ، فَيَقُولُ : رَبِّ رَزَقْتَنِي مَالًا فَوَصَلْتُ بِهِ الرَّحِمَ وَتَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَحَمَّلْتُ بِهِ ابْنَ السَّبِيلِ رَجَاءَ ثَوَابِك وَجَنَّتِك ، فَيُقَالُ : كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تَتَصَدَّقُ وَتَصِلُ لِيُقَالَ : إنَّهُ سَمْحٌ جَوَّادٌ فَقَدْ قِيلَ ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ ، ثُمَّ يُجَاءُ بِالثَّالِثِ فَيَقُولُ : رَبِّ خَرَجْتُ فِي سَبِيلِك فَقَاتَلْتُ فِيك غَيْرَ مُدْبِرٍ رَجَاءَ ثَوَابِك وَجَنَّتِك فَيُقَالُ : كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تُقَاتِلُ لِيُقَالَ : إنَّك جَرِيءٌ وَشُجَاعٌ فَقَدْ قِيلَ ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ )) . وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ : (( مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ : وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .
    ج ـ الإجماع :
    انعقد إجماع الأمة على تحريم الرياء . ​

    3 ـ أقسام الرياء من حيث القبح :
    أ ـ َأَقْبَحُهَا الرِّيَاءُ فِي الْإِيمَانِ :
    وهو شأن المنافقين الذين أكثر الله من ذمهم في كتابه العزيز : (( إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ ))
    ب ـ وَيَلِيهِمْ الْمُرَاءُونَ بِأُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ :
    كأن يعتاد تركها في الخلوة ويفعلها في الملأ خوف المذمَّة ، وهذا أيضًا عظيم عند اللَّهِ تعالى لإنبائه على غاية الجهل وأدائه إلى أعلى أنواع المقتِ .
    ج ـ وَيَلِيهِمْ الْمُرَاءُونَ بِالنَّوَافِلِ :
    كأن يعتاد ذلك فيها وحدها خوف الاستنقاص بِعدم فعلها في الملإ ، وإيثارًا للكسل وعدم الرَّغبة في ثوابها في الخلوةِ .
    د ـ وَيَلِيهِمْ الْمُرَاءُونَ بِأَوْصَافِ الْعِبَادَاتِ :
    كتحسيِنها وإطالة أركانها ، وإظهار التَّخشُّعِ فِيهَا ، والاقتصار في الخلوةِ على أدنى واجباتها، فهذا محظورٌ أيضًا لأنَّ فيه كالَّذي قبله تقديم المخلوقِ على الخَالِقِ. ​

    4 ـ وَلِلْمُرَائِي لِأَجْلِهِ دَرَجَاتٌ :
    أ ـ فأقبحها أن يقصدَ التَّمكُّن من معصيةٍ كمن يظهر الورع والزُّهد حتَّى يعرف به فيولَّى المناصبَ وَالوَصَايَا ، وَتُودَعَ عندهُ الأموالُ ، أو يفوَّض إليه تفرقة الصَّدَقَاتِ وَقَصده بِكلِّ ذلك الخيانة فيه.
    ب ـ ويليها من يتَّهم بمعصيةٍ أو خيانةٍ فيظهر الطَّاعة والصَّدقة قصدًا لدفعِ تلك التُّهمة .
    ج ـ ويليها أن يقصدَ نيل حظٍّ مباحٍ من نحوِ مال أو نكاحٍ ، أو غيرهما من حظُوظِ الدُّنيا .
    د ـ ويليها أن يقصد بإظهار عبادته وورعه وتخشعه ونحو ذلك أن لا يحتقر وينظر إليه بِعين النَّقص ، أو أن يعدَّ من جملة الصَّالحين وفي الخلوة لا يفعل شيئًا من ذلك ، ومن ذلك أن يترك إظهار النَّظر في يوم يسنُّ صومه خشيةَ أن يظنَّ به أنَّه لا اعتناءَ له بالنَّوافل .
    قال الغزالي : وجميعهم تحت مقت اللَّهِ تعالى وغضبه وهو من أشدِّ المهلكات . ​
     
    1 person likes this.
  4. MEHERMD

    MEHERMD عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏25 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    233
    الإعجابات المتلقاة:
    291
      16-04-2008 13:49
    :besmellah1:


    * فمن مظاهر الرياء عند طلبة العلم التي ينبغي الحذر منها :

    أولاً ــ الجرأة على الفتوى

    قال الله تعالى : (( آلله أذن لكم أم على الله تفترون )) [ يونس/59 ]
    ومن تأمل سير السلف يعرف حقًا كيف كان هؤلاء الأكابر أكثر الناس علمًا وورعًا ، فكانوا يهابون مما يقتحمه المتعالمون في هذه الأيام ، ومما يقع فيه علماء السوء من شواذ المسائل .
    قال أبو داود في مسائله : ما أحصى ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول لا أدري .
    قال : وسمعته يقول ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى أحسن فتيا منه ، كان أهون عليه أن يقول لا أدري .
    وقال عبد الله ابنه في مسائله سمعت أبي يقول وقال عبد الرحمن بن مهدي سأل رجل الإمام مالك بن أنس عن مسألة فقال لا أدري فقال يا أبا عبد الله تقول لا أدري قال نعم فأبلغ من ورائك أني لا أدري .
    وقال عبد الله : كنت أسمع أبي كثيرًا يسأل عن المسائل فيقول : لا أدري ، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف ، وكثيرا ما كان يقول : سل غيري فإن قيل له من نسأل قال سلوا العلماء ولا يكاد يسمي رجلا بعينه.
    يقول ابن القيم : وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره ، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى . [إعلام الموقعين لابن القيم (1/33،34) ، المدخل لابن بدران (1/120) ط مؤسسة الرسالة] .
    قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى : أدركت عشرين و مائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
    وقال سحنون بن سعيد : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه . ​

    * قال الإمام أحمد : " لا ينبغي للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال :
    إحداها :: أن تكون له نية ، أي أنْ يخلص في ذلك لله تعالى ، ولا يقصد رياسة ولا نحوها ، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ، ولا على كلامه نور،إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى .
    الثانية : أن يكون له حلم ووقار وسكينة ، و إلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية .
    الثالثة : أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته ، و إلا فقد عرض نفسه لعظيم .
    الرابعة :: الكفاية و إلا أبغضه الناس ، فإنه إذا لم تكن له كفاية احتاج إلى الناس ، وإلى الأخذ مما في أيديهم فيتضررون منه .
    الخامسة : معرفة الناس .[ كشاف القناع للبهوتي (6/299) ط دار الفكر] .
    ولعلك إن فتشت فيمن حولك عمن تنطبق فيه تلك الأوصاف لا يسعفك عد عشرة على أصابع اليدين ولا حول ولا قوة إلا بالله .
    فحذار حذار من فتنة التصدر ، وطلب الشهرة والجاه ، فإنها عمار للنار ، قتالة للقلب ، مفسدة له ، دالة على سوء النوايا ، وإنما من ابتلي بذلك صبر ، ومن استراح من هذا شكر لو تعلمون . ​

    ثانياً ــ الاشتغال بفرض الكفاية عن فرض العين :

    قال في مختصر منهاج القاصدين : ( وأنت تجد الفقيه يتكلم في الظهار واللعان والسبق والرمي ، ويفرع التفريعات التي تمضي الدهور ولا يحتاج إلى مسألة منها ، ولا يتكلم في الإخلاص ، ولا يحذر من الرياء ، وهذا عليه فرض عين ؛ لأنَّ في إهماله هلاكه ، والأول فرض كفاية ، ولو أنَّه سئل عن علة ترك المناقشة للنفس في الإخلاص والرياء لم يكن له جواب ) [ مختصر منهاج القاصدين ص (27)] .​

    ثالثاً ــ حب المناظرة ، وحب الجدل و كثرة الكلام : ( يهرف بما لا يعرف )

    قال الله تعالى : (( وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً )) [ الكهف /54]
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقاّ، وَبِبَيْتٍ في وَسَطِ الْجَنّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كان مَازِحاً، وَبِبَيْتٍ في أعْلَى الْجَنّةِ لِمَنْ حَسّنَ خُلُقَهُ ) [ أخرجه أبو داود (4800) ك الأدب ، باب في حسن الخلق ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (4015)] .
    قال الأوزاعي : إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم الجدل ، ومنعهم العمل.
    قال معروف الكرخي : إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل ، وأغلق عنه باب الجدل ، وإذا أراد الله بعبد شرًا فتح له باب الجدل ، وأغلق عنه باب العمل . [اقتضاء العلم العمل ص (79)] .
    وقال بعض السلف : إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمَّت خسارته .
    وإنما يعطى الجدل الفتانون ، فما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل ، وما يشتهي المناظرة إلا الباحثون عن أعراض الدنيا الزائلة ، وإنما كان الرجل من السلف لا يقع في المناظرة إلا اضطرارًا ، وما زلَّ من زلَّ في هذا الباب إلا بسبب الرياء والسمعة ، وإنما كان همُّ الأوائل الأعمال لا الأقوال ، وصار قصارى همّ بعضنا الآن الكلام طلبًا للظهور .
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام، فان من ورائكم أياما الصبر فيهن القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم."[ أخرجه الترمذي (3058) ك التفسير ، باب ومن سورة المائدة ، وقال : حسن غريب] . ​

    رابعاً ــ الولع بالغرائب والبحث عن المهجور من الأقوال :

    فترى من ابتلي بهذه الشهوة الخفية ألا وهي الرياء يتصيد الغرائب ويتصيد المهجور من أقوال العلماء ، فبمجرد أن يتصيد مسألة من هنا أو هناك ، سمعها في مجلس ، أو من شريط ، أو قرأها في صحيفة ، أو في كتاب ، يوالي ويعادى على تلك المسألة. ، وأكثر الناس اليوم لا علم له إلا ببعض المسائل ، وليتها بالنافعة ، وإنما شواذ المسائل ، وغريب الآراء ، والمهجور من الأقوال ، وكأن الشعار "خالف تُعرف" فالخلاف عنده أشهى من الاتفاق .
    حتى وجدنا بعض المتعالمين من يشغل العامة بالمسائل النادرة الحدوث والمختلف عليها والتي هي أصلاً ليست أهلاً لطرقها على المنابر فتراه يصطنع عليها خطباً متكررة متنوعة ، إنما الشذوذ والغرابة والبحث عن المهجور من الأقوال ساقه إليها ، وكان الأولى شغل الناس والعامة بعوالي الأمور والمهمات الجسيمة التي ترقى بهم وبإيمانهم .
    فالولع بالغريب والشاذ من الأقوال ، وإحياء المسائل المهجورة والتي حسمها أهل العلم منذ زمن بعيد ، كل ذلك ـ إن كان عن عمد ـ يدل على خلل واضح ، وسوء قصد بيِّن ، لا سيما إذا كان الأمر زلَّ فيه عالم من العلماء ، ومن هنا حذر أهل العلم من تتبع هذه المسائل التي أسموها بـ (( الطبوليات )) إذ قيل : (( زلة العالم مضروب لها الطبل )) [حلية طالب العلم ص (7) للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد] . ​

    خامساً ــ الشغب على المخالف والزهو بالمتبع.

    فإنك تراه يشاغب على من خالفه ، ويعاديه ، وينفر منه ، ويفرح بالمدح ، ويزهو بكثرة الأتباع ، وبالضد تتميز الأشياء ، وتلك من نتاج العصبيات والحزبيات ، لعدم تحقيق عقيدة الولاء والبراء فيصير الولاء للمتبع ، والبراء من المخالف ، وما كان هذا هدي السلف في الخلاف ، لا سيما في الفروع ،وكم من مجر للخلاف على ألسنة الناس لمجرد الشغب عليه لمخالفته إياه ، أو الزهو بمن اتبعه ، ومن أهم علامات الصادق استواء المدح والذم عنده ، فإن لم يكن كذلك فليتهم نفسه .
    قال الإمام الذهبي في [سير أعلام النبلاء (7/393 )] : عن عبد الرحمن بن مهدى عن طالوت : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : ما صدق الله عبد أحب الشهرة .
    ثم قال الذهبي : علامة المخلص الذي قد يحب الشهرة ، ولا يشعر بها ، أنه إذا عوتب في ذلك لا يحرد ، ولا يبرئ نفسه ، بل يعترف ويقول : رحم الله من أهدى إلىَّ عيوبي ، ولا يكن معجباً بنفسه ، لا يشعر بعيوبها ، بل يشعر أنه لا يشعر ، فإن هذا داء مزمن " أهـ
    وما أغلاه من كلام ، وصدق من قال : الذهبي ذهبي الكلام ، حقاً إنه كلام أغلى من الذهب، فالمخلص إذا اتهم لم يكابر، لم يشمخ بأنفه ، ولم تأخذه العزة بالإثم فيقول : أنا.. أنا.. أنا ، وإنما يخضع ويذعن ، ويخاف ويخشى ، ويتهم نفسه ، ويسيء الظن بها ، ويقول : ويلى ، وويل أمي ، إنْ لم يرحمني ربى .
    وعن الفضيل بن عياض قال : يا مسكين ، أنت مسيء وترى أنَّك محسن ، وأنت جاهل وترى أنَّك عالم ، وتبخل وترى أنَّك كريم ، وأحمق وترى أنَّك عاقل ، أجلك قصير ، وأملك طويل .
    قال الذهبي: ( قلت : إي والله صدق ، وأنت ظالم وترى أنَّك مظلوم ، وآكل للحرام وترى أنَّك متورع ، وفاسق وتعتقد أنَّك عدل ، وطالب العلم للدنيا وترى أنَّك تطلبه لله ) [سير أعلام النبلاء (8/440)] . ​

    • خاتمة :

    فيا أخي والله أريد الفلاح لك ولنفسي ولهذا ضع نصب عينيك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى يعرفه نعمته فعرفها، قال فما عملت فيها: قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم! وقرأت القرآن ليقال: قارئ! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: جواد! فقد قيل، ثم أمر به فسحب على زجهه حتى ألقي في النار)). رواه مسلم. ​

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه)) رواه مسلم. ​

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من تعلم علما يبتغي به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة )) رواه أبو داود بسند صحيح.
    فالله أسأل أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم إنه أكرم مسؤول وجوده أعظم مأمول . ​

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .​
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...