شروق .. لا غروب بعده

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة yassinix-sat, بتاريخ ‏16 أفريل 2008.

  1. yassinix-sat

    yassinix-sat عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏14 أفريل 2008
    المشاركات:
    107
    الإعجابات المتلقاة:
    137
      16-04-2008 14:11
    [​IMG]
    [​IMG]
    شروق .. لا غروب بعده .

    كيف يشعر المرء بضوء الفجر أثناء ساعات الليل الحالك ؟
    وكيف يغرف الإنسان من عذب المياه بعد إنهاك طال من عطش الهجير ؟

    ذاك مساء لم أشهده من قبل رغم خبرتي الطويلة مع المرضى . إذ أقبل علينا شاب يبدو أنه في عقده الثاني من العمر ، ذو عينين عميقتين ونظرات حادة وجادة . قد استعار وجهه لون أوراق الخريف المتساقطة ، فهو خائر القوى ، واهن الصوت . كان متكئا على أحدهم . دفع إلينا هويته فقرأت البيانات التالية :

    الاسم : رينو أوستيان
    العمر : خمسة وعشرون عامًا .
    المهنة : مهندس مدني .
    الجنسية : هندي


    كل البيانات طبيعيه ,لكن عينيَّ تسمَّرتا أمام ديانته البوذية . كان واضحا تماما لصاحب الخبرة الضئيلة أن (رينو) هذا يجب أن يدخل قسم الطوارئ لإنقاذ وضعه المتعب .

    جلست قبالته وقرأت تقاريره التي كان يحملها زميله .. حدقت مرات في صورة الكبد المتآكلة بسبب التليف والالتهابات . كنت أنظر إليها مرة وإلى تقريره مرة .. أكاد أُجنّ !! لَكَأنَّي لا أصدق نفسي، أو أنني درست علوما ظنيَّة وليست يقينية . ذهبت إلى زميلي الدكتور الاستشاري (أحمد) ، الذي أشعر بمهارته الطبية وباستقامته الخلقية . ووضعت التقرير بين يديه . لأول مرة قرأه وهو جالس، ثم نهض واقفا هاتفا : أيعقل أن يكون هذا المريض ما يزال حيا يسعى ؟ إن حالته متدهورة جدًا . سبحان من سجل الأنفاس للإنسان وعليه . صدقني لم تمر علي حالة قط أشد سوءًا من هذه . ربما تخيلت أن مريضنا قد وصل مرحلة اليأس قبل هذه بكثير .

    وجلس الدكتور أحمد يقلب أوراقه ويفكر في حالة مريضه . حتما إن لله حكمة في إمهال هذا الشاب .. وحكمة أخرى ترينا أن الطبيب الذي يحمل شهادة عالية لا يمكنه أن يجزم أبدًا بلحظة بدء حياة أي إنسان أو نهايتها . نحن نظن ظنا ، ويجب ألاّ نقول حتما .

    وكل يوم تمر علينا آية أكبر من أختها لعلنا نتأمل ..

    ودار في خلده خاطر .. لم لا أجلس مع رينو هذا ؟ وأصارحه بالوضع وبالحالة ؟ أمسك بيد رينو بصعوبة، وبدأ يتجاذب معه أطراف الحديث .. فعلم أن رينو جاء من بلاد الهند منذ تخرجه ، وأنه كان يعمل بجدية ونشاط في شركة استثمارية تبعد قليلا عن هذا المستشفى . كان يتابع حالته الصحية طبيب من الشركة نفسها مازال يقضي إجازته في بلاده .

    استمع إليه الدكتور أحمد وتابع حالته بدقة بالغة ، وقد استولت عليه مشاعر الشفقة والرثاء .. وشيء ما غامض يريد أن يبوح به لكنه ، وخوفا من أن يجهد مريضه ، فقد استأذنه . حاول رينو أن يتشبث به ، لكن الدكتور أحمد أفهمه أنه يريد أداء صلاة المغرب .

    هز رينو رأسه وقال بصوت خفيض : صلاة .. صلاة . وقد رسمت علامات الارتياح على وجهه .. ثم مد يده مصافحا طالبا من الدكتور العودة إليه متى أمكنه ذلك . فقد انشرح صدره للحديث .

    أطياف متلاحقة متصارعة مرت بذهن رينو . أحس أن حياته كانت لا شيء ، سوى بضعة عمارات شاهقة أشرف على بنائها ، وبضعة شوارع خطط لشقها . لكنه لم يعرف أي طريق يسلك حتى الآن .

    ناقش الدكتور أحمد الأمر في ذاته . وبرقت بذهنه فكرة ما .. كان جوابا لتساؤله عن الحكمة في إمهال هذا الشاب المنهك . فقرر أن يعود ليجلس إلى جوار مريضه ويحدثه . وكان مما قال له :

    أنت تعرف يا رينو أن نهاية كل حي .. قاطعه بصوت واهن : الموت .. الفناء .. العدم . - لا يارينو .. فالموت ليس رديفا للفناء والعدم في حس المسلم .
    - ما الفارق ؟
    - المسلم يعتقد جازما أن الموت نقلة من عالم إلى عالم . من دنيا إلى آخرة . هل تعتقد أن الإنسان صاحب الروح المحلقة والأماني المشرقة ، ذاك العالم القائم بذاته سوف ينتهي كما ينتهي السرير الذي تنام عليه ؟

    - بالطبع لا .

    حدثه عن الإسلام بإيجاز . كان رينو يهز رأسه ويحبس أدمعه . وعندما سمع العبارة التي يقولها من أحب الإسلام واقتنع به ، رفع رأسه بفخر قائلا :

    نعم .. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .

    خرجت من فيه قوية جريئة . شعر الجميع أن جنبات المستشفى قد ارتعشت وتفاعلت .. أقبلت الممرضات من جميع الأقسام ليشهدن الحدث العظيم .. لم تتمالك الكثيرات منهن أنفسهن فذرفن العبرات . أما الدكتور أحمد فلم يستطع كتمان انفعالاته، بدا كمن حاز على جائزة نوبل بل أكثر .. و أمر بتوزيع الحلوى .

    أما رينو ..

    فقد استغرق بترديد الشهادتين ، وبدا كأنه يسبح في عالم نوراني وضيء . لم يشعر أحد بعقارب الساعة التي أعلنت قرب منتصف الليل ، استأذن الدكتور أحمد أخاه رينو، ووعده بزيارة صباحية.

    أشرق فجر اليوم التالي وبلهفة بالغة دخل الدكتور أحمد غرفة رينو فلم يجده ..

    أحس أنه لم يجد إنسانًا عظيمًا وأخًا عزيزًا .. سمع من يقول له :

    لقد أتعبنا وأتعب نفسه وهو يردد الشهادتين طوال الليل . حتى إذا بزغ الفجر سكن الصوت إلى الأبد .

    كتم الدكتور مشاعره وقال مخاطبا زملاءه : مات الرجل .. وعاشت روحه .

    [​IMG]

    منقول منقول


    :tunis:

     
  2. youseef2005

    youseef2005 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏11 جانفي 2007
    المشاركات:
    823
    الإعجابات المتلقاة:
    206
      16-04-2008 14:45
    القصة مفهومة
     
  3. yassinix-sat

    yassinix-sat عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏14 أفريل 2008
    المشاركات:
    107
    الإعجابات المتلقاة:
    137
      16-04-2008 15:40
    شكرا لك على المرور تحياتي
     
  4. tiptop

    tiptop عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏9 ديسمبر 2005
    المشاركات:
    252
    الإعجابات المتلقاة:
    11
      16-04-2008 19:50
    إن الله يهدي من يشاء
     
  5. Lincoln

    Lincoln عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏14 أفريل 2008
    المشاركات:
    282
    الإعجابات المتلقاة:
    182
      20-04-2008 19:45
    قصة جميلة و مؤثرة
     
  6. أمة الله23

    أمة الله23 عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏18 أفريل 2008
    المشاركات:
    75
    الإعجابات المتلقاة:
    49
      22-04-2008 10:42
    سبحان الله يهدي لطريقه من يشاء
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...