نظرة عابرة في التفاسير1

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة hassan64, بتاريخ ‏30 أفريل 2008.

  1. hassan64

    hassan64 عضو جديد

    إنضم إلينا في:
    ‏9 نوفمبر 2006
    المشاركات:
    2
    الإعجابات المتلقاة:
    0
      30-04-2008 22:17
    نظرة عابرة في التفاسير
    إن القرآن هو المصدر الأول للتشريع في ديننا ، وقد نزل هذا القرآن بلسان عربي مبين ، وبسبب ابتعادنا عن اللغة العربية وقواعدها ، أصبحنا غير قادرين على فهم معظم آيات كتاب الله دون الاستعانة بكتب التفسير مما يلقي على عاتق المفسرين( وعلماء الأمة ) مسؤولية جسيمة حيث يترتب على تفسيرهم وفهمهم لكتاب الله أحكام وعبادات كثيرة . ولكن بعض المفسرين لا يركزون على دلالة اللفظ العربي المستخدم في التعبير القرآني . فقد لا يفرق عامة الناس بين : جاء ، حضر ، أتى و قدم ولكن في القرآن لكل لفظ استخدامه الخاص ليعطي المعنى المطلوب . ولقد نزل هذا القرآن على قوم برعوا في اللغة العربية وأتقنوها بشكل عجيب ، فجاء هذا الكتاب الحكيم ليتحداهم ببلاغته وبيانه ودقة ألفاظه
    ولقد واجهت بعض الآيات التي لم تفسر التفسير الصحيح – وأنا هنا لا أدعي العلم الشرعي ولا أدعي الإلمام بالعربية – ولكني مسلم غيور على دينه وحريص عليه ، أحب البحث ولا أقبل شيئاً إلا بدليل ، ولا أقدس الأشخاص مهما علت بهم الرتب : فكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم . فمثلا قصة داوود عليه السلام والـ 99 نعجة : وجدتها في بعض كتب التفسير بشكل لا يليق بالأنبياء(داوود عليه السلام متزوج من 99 امرأة ويشاهد زوجة جاره (عارية) فيعجب بها ويرسل ذلك الجار إلى المعركة ويوصي بأن يكون في الصفوف الأمامية إلى أن يقتل ويتزوج تلك المرأة ..... وهذا لا يليق بإنسان عادي فكيف بنبي ؟ ) وعندما بحثت وجدت تفسيرها الذي اقتنعت به والبعيد كل البعد عن الإسرائيليات وهو هنا http://www.islamnoon.com/Nathrat/mehrab.htm

    كذلك قصة إبراهيم عليه السلام في : {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ **البقرة260 فكيف يتم تفسير فصرهن على أنه فقطعهن، مع أن هناك أثر عن ابن عباس {فصرهن إليك** أوثقهن،وابن كثير يذكر هذا ثم يقول : فلما أوثقهن ذبحهن ثم جعل على كل جبل منهن جزءأً، وفي تفسير السعدي :" فصرهن إليك " : ضمهن واذبحهن ومزقهن . حتى إن بعض المفسرين يتهمون الخليل ( الذي كان أمة ) بالشك والعياذ بالله وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل إذ قال في سورة الحجر : إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43)

    وهناك قصة سليمان عليه السلام والخيل : {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ **ص33
    ففي تفسير ابن كثير: قال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف (وروي عن ابن عباس أنه قال: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها بيده حباً لها، والأظهر قول السدي)، انظر الفرق بين القولين.
    هذا من ناحية معاني الكلمات ، أما فهم المراد من النص فالخلاف فيه أوسع وتحديد الصواب من الخطأ أصعب . والاختلاف في فهم النص قديم جداً ، فعندما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة، بادر المسلمون إلى امتثال أمره عليه الصلاة والسلام ونهضوا من فورهم وبعد أن تحركوا نحو قريظة أدركتهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا ، حتى إن رجالاً منهم صلوا العصر بعد العشاء . وقال بعضهم:لم يرد منا ذلك ،بل أراد سرعة الخروج فصلوها في الطريق ، فلم يعنف واحدة من الطائفتين.
    وهذا يختلف عن تطور التفسير للقرآن حسب تطور العلم وتقدمه : فمثلا قام القدماء بتفسير الآية {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ **القيامة4.أي نجعل بنانه وهي أطراف أصابعه مستوية،وقال ابن عباس: أن نجعله خفاً أو حافراً ولكن بعد تقدم العلم تم تفسيرها على أنها بصمة الأصابع
    أو الآية :{الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ **يس80، حيث تم تفسيرها حديثاً على أنه النفط والفحم الذى هو في الأصل شجر أخضر

    وسأقوم في هذه السلسلة- بإذن الله - بعرض بعض هذه الآيات وعرض ما أشكل من تفسيرها ونتائج بحثي عنها . فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفر الله من ذلك .

    1 - لا يمسه إلا المطهرون....... والاستدلال الخاطئ

    قال تعالى :فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ{75** وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ{76** إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ{77** فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ{78** لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ{79** تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ{80**. سورة الواقعة لا يكاد يخلو غلاف مصحف من الآية ( لا يمسُه إلا المطهرون ) كتحذير من لمس المصحف لغير المتوضئ فهل هذا الاستدلال صحيح ؟ وهل يفهم من الآية النهي عن لمس المصحف لغير المتوضئ ؟
    من أطرف الفتاوى التي قرأتها كانت على الشريط المتحرك ( أسفل الشاشة ) على قناة ( اقرأ ) حيث تسأل إحدى الأخوات عن جواز قراءة القرآن للحائض من على شاشة الحاسب ( الكمبيوتر ) فيجيب شيخ الفضائية بجواز ذلك شريطة أن لا تلمس لوحة المفاتيح ؟؟؟ وقد تساءلت ( في نفسي ) ماذا لو لمست الفأرة ؟ أو الصندوق؟؟؟
    لا شك أن كل عبادة في الإسلام لها شروطها حتى تكون صحيحة ومقبولة ، فمثلا الوضوء أساسي ( فرض ) بالنسبة لعبادة الصلاة ولكنه غير ضروري للصيام. ولقد منح الإسلام المؤمنين الفرصة كي تكون معظم أفعالهم عبادة يؤجروا عليها مثل الأكل والنوم وحتى اللعب مع الأطفال
    وقراءة القرآن من أكثر العبادات أجراً : فبكل حرف يقرأه المسلم يكون له حسنة والحسنة بعشرة أمثالها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن هل هناك شروط كي تصبح هذه العبادة صحيحة ويؤجر المسلم عليها؟؟؟فمثلا : هل الوضوء واجب لقراءة القرآن ؟ وهل الطهارة من الحدث الأكبر ضرورية ؟وخصوصاً للنساء ؟
    في الواقع هناك خلاف بين الفقهاء في جواز قراءة القرآن لغير المتوضئ أو الحائض أو حتى الجنب من مصحف أو من حفظه . وكذلك مس المصحف لغير المسلم ويحتج المبيحون لذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم لهرقل الذي احتوى آيات قرآنية ، وفيه قوله تعالى: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء..." الآية، وهرقل كافر نجس وقد مس الكتاب.
    ولكن الذين يقولون بضرورة الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر عند قراءة القرآن ولمس المصحف يستشهدون بهذه الآية ( لا يمسُه إلا المطهرون ) وهم بهذا الاستدلال يخطئون في فهم الآية واللغة العربية وتفسير الآية من أربعة وجوه :

    1 - لا : هل هي نافية أم ناهية ، وما الفرق بين الحالتين
    2 - يمسُه هل هي مرفوعة أم مجزومة ؟
    3 - الهاء في يمسه :هذا الضمير هل يعود على المصحف الذي بين أيدينا ؟
    4- المطهرون : هل هي نفسها المتطهرون ؟

    وسأحاول فيما يلي توضيح هذه الوجوه بالتفصيل

    1 – هناك نوعان من لا في العربية : لا الناهية ، ولا النافية
    لا الناهية تدخل على الفعل المضارع وتجزمه وتعطي معنى الأمر بالامتناع والكف عن القيام بالفعل قال الله تعالى (( وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بعضا )) الحجرات 12 ( طلب الكف والامتناع : نهي )

    ( لا ) النافية تدخل على الفعل المضارع ولا تجزمه من حيث الإعراب ولا تفيد سوى نفي وقوع الفعل ( لا يؤمنُ أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) وهنا نفي الإيمان عن ذلك الشخص
    فهى لا تفيد الأمر ، ولكنها تفيد نفى شيء ما ، نحو : " لا يكذبُ المؤمن " فأنا هنا أنفي الكذب عن المؤمن ، ولست أنهاه .
    أو كأن أقول : لا يأكلُ الصائمون الطعامَ نهاراً فهنا نفي
    أما لو قلت : لا يأكلْ الصائمون الطعامَ قبل الصلاة فهذا نهي
    أما من ناحية الإعراب :
    فكلاهما يدخلان على الفعل المضارع ، أمَّا النافية فلا عمل لها ، أي يبقى الفعل بعدها مرفوعا..
    والناهية: تجزم الفعل ، فيكون مجزوما إما بالسكون إذا كان فعلا مضارعا صحيح الآخر ليس من الأفعال الخمسة ، نحو : " لا تكملْ ، لا تلعبْْ ، لا تغضب" ، أو مجزوما بحذف النون إذا كان من الأفعال الخمسة ، نحو : " لا تهملوا واجبكم " أو بحذف حرف العلة إذا كان معتلا ، نحو : " لا ترمِ الحجر في البئر "
    ولكن كيف نجزم المضارع( يمس ) وآخره حرف السين ( مشدد )؟إن جزم المضارع المشدد الآخر يكون بفك الحرف المشدد إلى حرفين أي ( يمسسه ) .. مثل ( يرتدّ ) عند الجزم تصبح ( يرتدد ) فلو كانت ناهية لقال تعالى ( لا يمَسْسه إلا المطهرون )
    ولكن المهدوي قال: ويجوز أن يكون أمراً وتكون ضمة السين ضمة إعراب، ويجوز أن يكون نهياً، وتكون ضمة السين ضمة بناء، والفعل مجذوب

    وقال قتادة :" وهي في قراءة ابن مسعود : ما يمسُّه إلا المطهرون "

    2 – بما أن لا نافية – كما لاحظنا – فإن الفعل المضارع بعدها يجب أن يكون مرفوعاً
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " شرح العمدة (1/384): : إن قوله : " ‏لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " صفة للكتاب ، ولو كان معناها الأمر ، لم يصح الوصف بها ، وإنما يوصف بالجملة الخبرية . ولو كان معنى الكلام الأمر لقيل : فلا يمسه لتوسط الأمر بما قبله .
    وقال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (2/417) : إن هذا إخبار ، ولو كان نهيا لقال : لا يمسسه بالجزم ، والأصل في الخبر أن يكون خبرا صورة ومعنى .
    3-
    الضمير في يمسه : هل يعود على القرآن الذي بين أيدينا؟
    قال تعالى :(إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسُه إلا المطهرون) فالذي في الكتاب المكنون هو ما في اللوح المحفوظ وقد تكرر وصف القرآن بذلك . قال جل جلاله ) بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ )
    وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك في " شرح العمدة (1/384) فقال : والصحيح اللوح المحفوظ الذي في السماء مراد من هذه الآية حيث أخبر أن القرآن جميعه في كتاب ، وحين نزلت هذه الآية لم يكن نزل إلا بعض المكي منه ، ولم يجمع جميعه في المصحف إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . كذلك لأنه قال : " ‏فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ " والمكنون : المصون المحرر الذي لا تناله أيدي المضلين ؛ فهذه صفة اللوح المحفوظ
    كذلك قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (2/417) : إن الآية مكية من سورة مكية تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد ، وإثبات الصانع ، والرد على الكفار ، وهذا المعني أليق بالمقصود من فرع عملي وهو حكم مس المحدث المصحف . كما أنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة إذ من المعلوم أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب حقا أو باطلا بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون عند الله لا يصل إليه شيطان ، ولا ينال منه ، ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة الزكية ؛ فهذا المعنى أليق وأجل وأخلق بالآية وأولى بلا شك …. الموسوعة الشاملة www.islamport.com
    4 –
    الْمُطَهَّرُونَ و المتطهرون : الآية ذكرت (المطهرون) ولم تذكر(المتطهرون) .....والفرق كبير بين المعنيين.....فالمطهر من طهره غيره, أما المتطهر فهو الذي يطهر نفسه كالمتوضئ أو المغتسل. ولذا وصف الله المصلين في مسجد قباء :(فيه رجال يحبون أن يتطهروا) وقال في النساء : (فإذا تطهّرن) فالناس " يتطهّرون " ، ولا يُوصفون بأنهم " مُطهّرون "
    قال الإمام مالك : أحسن ما سمعت في هذه الآية :أنها بمنزلة هذه الآية التي في عبس قول الله تبارك وتعالى :
    (كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة)
    وقال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (2/417): " ‏لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ " وهم الملائكة ، ولو أراد المتوضئين لقال : لا يمسه إلا المتطهرون ، كما قال تعالى : ‏إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " [ البقرة : 222] . فالملائكة مطهرون ، والمؤمنون متطهرون .
    حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن الربيع بن أبي راشد, عن سعيد بن جُبَير (لا يَمَسّهُ إلاّ المُطَهّرُونَ )قال: الملائكة الذين في السماء
    حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله:( لا يَمَسّهُ إلاّ المُطَهّرُونَ) قال لا يمسه عند الله إلا المطهرون, فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسيّ النجس, والمنافق الرجس.
    [/COLOR
    ]الخلاصة​


    المفهوم من قوله تعالى: ﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾ متنازع فيه بين أن يكون المطهرون هم بنو آدم، وبين أن يكونوا هم الملائكة، وبين أن يكون هذا الخبر مفهومه النهي، وبين أن يكون خبراً لا نهياً. كذلك الضمير في ( يمسه ) هل يعود على القرآن الذي بين أيدينا أم على الذي في اللوح المحفوظ
    فمن فهم أن المطهرون: هم بنو آدم، وفهم من الخبر النهي قال: لا يجوز أن يمس المصحف إلا طاهر.
    ومن فهم أن المطهرون: الملائكة، وفهم من النهي الخبر فقط قال: إنه ليس في الآية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف وإذا لم يكن هنالك دليل لا من كتاب ولا من سنة ثابتة بقي الأمر على البراءة الأصلية وهي الإباحة. وكلمة الطاهر لفظ مشترك، يطلق: على الطاهر من الحدث الأكبر، وعلى الطاهر من الحدث الأصغر، وعلى المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة.
    والجمهور على المنع من مسه لحديث عمرو بن حزم( عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يمس القران إلا طاهر") وهو مذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي( لاحظ هنا الاستدلال بالحديث وليس الآية ).
    واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروي عنه أنه يمسه المحدث، وقد روي هذا عن جماعة من السلف منهم ابن عباس والشعبي وغيرهما. كما روي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم والكافر طاهرا أو محدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله. واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم
    وذهب الألباني إلى جواز مس المصحف للمؤمن مطلقاً، فيكون المنع من مسه على الكافر

    ولقد قالت الظاهرية أن الآية خاصة بالملائكة، وبناءًا عليه: فيجوز مس المصحف للمسلم مطلقاً، ولا تشترط الطهارة الصغرى والكبرى للمسلم عند مسه للمصحف. وضعفوا الأحاديث الواردة في المنع.
    واستدلوا على قولهم: بحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن أبا سفيان ابن حرب أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعث كتاباً إلى هرقل عظيم الروم، وفيه قوله تعالى: ﴿ قُل يَا أَهلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَينَنَا وَبَينَكُم أَلاَّ نَعبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشرِكَ بِهِ شَيئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضاً أَربَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوا فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ ﴾[آل عمران:64]
    وعلَّق ابن حزمٍ على هذا الحديث، فقال: فهذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قد بعث كتاباً، وفيه هذه الآية إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسون ذلك .
    فإن قالوا: إنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل آيةً واحدةً. قيل لهم: ولم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرها وأنتم أهل قياسٍ فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها .
    فإن ذكروا قول الله تعالى : ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ﴾ فهذا لا حجة لهم فيه، لأنه ليس أمرًا وإنما هو خبرٌ والله تعالى لا يقول إلا حقا، ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي أو إجماعٍ متيقنٍ، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه عز وجل لم يعن المصحف.

    %%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%

    وجاء في فتوى من مركز الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء المصرية (التاريخ: 09/09/2007):
    اختلف أهل العلم في حكم مس المصحف للبالغ المحدث على قولين:
    القول الأول:
    أنه لا يجــــوز للمحـــدث حدثًا أصغر أن يمس المصحف كله أو بعضه، وهذا القول مروي عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، و سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم بن محمد، والزهري، والنخعي، والحكم، وحماد، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة . ( المغني 1/99، السنن الكبرى 1/88 التمهيد 17/397، القرطبي 17/226)

    القول الثاني:
    أنه يجوز للمحدث حدثًا أصغر مس المصحف وهو قول الظاهرية ونسبه القرطبي إلى جماعة من السلف منهم: ابن عباس، والشعبي. وعزاه الشوكاني إلى الضحاك، وزيد بن علي، والمؤيد بالله، والهادوية، وقاضي القضاة ( المحلى1/94، القرطبي 17/226، نيل الأوطار 1/261 ).

    استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والمعقول كما يلي:

    أولا : الكتاب
    استدلوا بقول الله عز وجل: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ . لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ . تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ** [الواقعة: 77-80].
    وجه الدلالة: الآية ظاهرة في تحريم مس المصحف إلا للطاهر.

    ونوقش هذا الاستدلال بما يلي:
    أولاً: هذا لا حجة لهم فيه لأنه ليس أمرًا وإنما هو خبر. والله تعالى لا يقول إلا حقًّا. ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى الأمر إلا بنص جلي أو إجماع متيقن . فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه عز وجل لم يعن المصحف وإنما عنى كتابًا آخر .

    ثانيًا: أن المراد بالمطهرين الملائكة .

    ثالثًا: أن بعض من قال بعدم جواز مس المصحف للمحدث أجازه إذا كان ثم حائل كعلاقة المصحف فيجوز حمل المصحف بعلاقته وكما لو كان في خرج أو تابوت. فيقال لهم هذه تفاريق لا دليل على صحتها لا من قرآن ولا من سنة -لا صحيحة ولا سقيمة-ولا من إجماع ولا من قياس ولا من قول صاحب. ولئن كان الخرج حاجزًا بين الحامل وبين القرآن فإن اللوح وظهر الورقة حاجز أيضًا بين ***** وبين القرآن ولا فرق وبالله تعالى التوفيق .

    وأجيب بما يلي:

    أولاً: هذا نهي وإن كان لفظه لفظ الخبر فمعناه الأمر؛ لأن خبر الباري تعالى لا يكون بخلاف مخبره ونحن نشاهد من يمسه غير طاهر . والتعبير بالخبر عن النهي نحو: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ**[الواقعة: 79]، قال علماء البيان هو أبلغ من صريح الأمر والنهي؛ لأن المتكلم لشدة تأكد طلبه نزل المطلوب منـزلة الواقع لا محالة .

    ثانيًا: أن الله عز وجل وصفه بالتنزيل وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا، فإن قالوا المراد اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة المطهرون ولهذا قال: يمسه بضم السين على الخبر، ولو كان المصحف لقال يمسه بفتح السين على النهي فالجواب أن قوله تعالى: {تَنزِيلٌ** ظاهر في إرادة المصحف فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح، وأما رفع السين فهو بلفظ الخبر، كقوله تعالى: لا تضار والدة بولدها على قراءة من رفع وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، بإثبات الياء، ونظائره كثيرة مشهورة وهو معروف في العربية، فإن قالوا لو أريد ما قلتم لقال لا يمسه إلا المتطهرون فالجواب أنه يقال في المتوضئ مطهر ومتطهر .

    ثالثًا: ويؤيد أن المراد بالناس المطهرون من الأحداث أن فيه حمل المس على حقيقته، والأصل في الكلام الحقيقة، واحتمال غيرها بلا دليل لا يقدح في صحة الاستدلال .

    رابعًا: على التسليم بصحة أن يكون المراد اللوح المحفوظ فالإمام الطيبي ذكر صحة الاستدلال به على هذا الوجه أيضًا فقال: فالمعنى على الوجه الأول أن هذا الكتاب كريم على الله تعالى ومن كرمه أنه أثبته عنده في اللوح المحفوظ وعظم شأنه بأن حكم بأنه لا يمسه إلا الملائكة المقربون وصانه عن غير المقربين فيجب أن يكون حكمه عند الناس كذلك بناءً على أن ترتب الحكم على الوصف المناسب يشعر بالعلية؛ لأن سياق الكلام لتعظيم شأن القرآن .

    خامسًا: لا نسلم بأن هذه تفاريق لا دليل عليها لأن النهي إنما يتناول المس , والحمل ليس بمس , فلم يتناوله النهي.فالعلة في الأصل مسه , وهو غير موجود في الفرع , والحمل لا أثر له , فلا يصح التعليل به . وعلى هذا لو حمله بعلاقة أو بحائل بينه وبينه مما لا يتبعه في البيع , جاز .
    انتهت فتوى دار الافتاء المصرية

    %%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%%

    وأخيراً : لقد استعرضتُ معظم الآراء في هذا الموضوع والذي اقتنعتُ به شخصياً أن الاستدلال بهذه الآية ({لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ**) بعدم جواز مس المصحف لغير المتوضئ في غير محله.
    أما قراءة القرآن لغير المتوضئ ففيها خلاف بين العلماء وقد ذكرت المبيح لذلك والمانع له مع أني أميل إلى أن قراءة القرآن من الحفظ أو المصحف لا يشترط لها وضوء فالمؤمن لا ينجس:
    كما في البخاري:
    1 - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُ فِى بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ « أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ » . قَالَ كُنْتُ جُنُباً ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ . فَقَالَ « سُبْحَانَ اللَّهِ ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ » . طرفه 285 - تحفة 14648
    2 -وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما ابْناً لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما الْمُسْلِمُ لاَ يَنْجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتاً . وَقَالَ سَعْدٌ لَوْ كَانَ نَجِساً مَا مَسِسْتُهُ . وَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم « الْمُؤْمِنُ لاَ يَنْجُسُ » .

    3 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالاَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ فَحَادَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ كُنْتُ جُنُباً . قَالَ « إِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَنْجَسُ ». تحفة 3339 - 372/1164 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَرْقُدُ وَهْوَ جُنُبٌ قَالَتْ نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ . طرفه 288 - تحفة 17785

    5 - باب تَقْضِى الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلاَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ . (115) وَقَالَ َ إِبْرَاهِيمُ لاَ بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ . وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْساً . وَكَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ . وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ ) » . الآيَةَ . وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، وَلاَ تُصَلِّى . وَقَالَ الْحَكَمُ إِنِّى لأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ . وَقَالَ اللَّهُ ( وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) . تحفة 2448 ، 4850 - 84/1
    6 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالاَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ الْبَهِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ . تحفة 16361 - 373/117
    وفي الختام أرجو أن أكون قد وفقت في طرح هذا الموضوع ويبقى هذا رأي شخصي قابل للنقاش
    وإلى لقاء آخر مع موضوع جديد بإذن الله
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...