trés urgent please

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة aymen.draman, بتاريخ ‏6 ماي 2008.

  1. aymen.draman

    aymen.draman عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏9 جانفي 2007
    المشاركات:
    115
    الإعجابات المتلقاة:
    11
      06-05-2008 15:46
    أنا تلميد بالسّنة 4رياضيّات، أريد دروسا في مادّة الفلسفة..

    أخي العزيز انظر قوانين المنتدى:

    من هنا

    و لمساعدتك في الكتابة انظر هنا

    مع الشكر
     
  2. sir_ous

    sir_ous عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏10 جانفي 2008
    المشاركات:
    424
    الإعجابات المتلقاة:
    192
      06-05-2008 18:57
    moi aussi je suis en bac, voici un cours détaillé. bonne chance

    العلم بين الحقيقة و النمذجة
    يبدو أن العلم والتقنية يعطياننا اليوم معرفة حقيقية وسلطة واقعية ففي الصراع ضد البؤس يمكناننا من استغلال عقلاني للموارد الاقتصادية، وفي الصراع ضد المرض كثيرا ما ينجح الطب والجراحة في إنقاذ أرواح بشرية من موت يكاد يكون حتميا : إن العلم والتقنية يقدّمان للإنسان سلطة حقيقة وتبدو النمذجة كممارسة علمية موجهة أساسا للفعل قد رسخت هذا التوجه المعرفي الذي يرمي إلى سيادة الإنسان على الطبيعة بل أكثر من ذلك، إن النمذجة في بعدها الدلالي وفي خاصيتها التليولوجية قد ردّت الاعتبار للذات في إنتاج المعرفة العلمية، إذ تؤكد على الطابع الإنساني للحقيقة، فالحقيقة تنزّل في التاريخ ولم تعد واقعا انطولوجيا بل بناءا رمزيا وتمثلا ملائما في ظروف معينة وفي أزمنة معينة.
    تعريف النمذجة (Modélisation)
    إن النموذج –Le Model- هو التمثل الذهني لشيء ما و لكيفية اشتغاله، و عندما نضع شيء ما فينموذج نستطيع أن نقلد اصطناعيا –Simuler- تصرف هذا الشيء و بالتالي الاستعدادلردوده. و هذا يعني أن النمذجة ليست إلا الفكر المنظم لتحقيق غاية عملية، ذلك أنالنموذج هو نظرية موجهة نحو الفعل الذي نريد تحقيقه. و من هذا المنطلق يمكننا القولأن كل إنسان "ينمذج" في حياته اليومية و في كل لحظة، فهو يجمع كل الكائنات التيتحيط به بصورة ذهنية، سواء تعلق الأمر بأشياء مادية أو بأشخاص أو حتى بمؤسسات، وهذه الصورة الذهنية تمكنه من تركيب و تقليد سلوك موضوعه اصطناعيا لتقييم نتائجقراراته و يختار ضمن القرارات الممكنة أفضلها، و إذا بدا له النموذج غير مناسبيغيره بآخر. و هكذا فإن سيرورة قرار التبضع أو سيرورة تقبل إعلام إشهاري هي مثلاسيرورات قابلة لأن تنمذج. يتعلق الأمر إذن بمحاولة حصر النسق المركب المدروسلاستباق ردود أفعاله بطريقة صورية و دون عودة إلى التجربة إلا في المستوى الافتراضي –Virtuel-. و بالتالي يتعلق الأمر بوصف نسق واقي بطريقة صورية أي بالطريقة التيتجعلنا قادرين على معالجته بالحاسوب. فالنمذجة هي إذن، مبدأ أو تقنية تمكن الباحثمن بناء نموذج لظاهرة أو لسلوك عبر إحصاء المتغيرات أو العوامل المفسرة لكل واحدةمن هذه المتغيرات، فهي تمشي علمي يمكن من فهم الأنساق المركبة و المعقدة عبر خلقنموذج يكون بنية صورية تعيد إنتاج الواقع افتراضيا.

    I. أبعاد النمذجة:
    1) البعد التركيبي:
    [​IMG]يبدو أن النمذجة النسقية كممارسة علمية تتقدم كحل لمجموعة من الصعوبات التي اعترضت العلماء في تفسيرهم للظواهر، صعوبات تتعلق بأزمة أسس الرياضيات، أزمة الحتمية في الفيزياء، فهذه الصعوبات أدّت إلى انهيار اليقين العلمي وتفكيك العقل العلمي، بالإضافة إلى الوعي بالطابع المركب للظواهر والذي رافق ظهور علوم جديدة، علوم تطبيقية كالسيبارنيتيقا وعلوم الهندسة والإعلامية، كلّ هذه العوامل أدت إلى ظهور النمذجة باعتبارها الحلّ لاستعادة ضرب من الثقة في العلم الذي برهن على قصوره على تناول الظواهر اللامتناهية في التركيب وفق البراديغم الكلاسيكي الوضعي الذي تمثل في النمذجة التحليلية.
    و النمذجة النسقية كحلّ لدراسة اللامتناهي في التركيب تتقدم هي ذاتها كمنهج مركب، منهج فيه أبعاد مختلفة وكل بعد يتضمن عناصر مختلفة وعموما تقوم النمذجة على الدراسة النسقية للتوافق بين أبعاد ثلاثة :
    · البعد التركيبي: يشمل كل ما يتعلق بالعناصر الأولية كالأرقام والرموز وقواعد تنظيم هذه الرموز في علاقات بالإضافة إلى الصيغ والقضايا.
    · البعد الدلالي: يشمل كل مضامين القواعد وما يعطي معنى للنسق وبالتالي مختلف التأويلات.
    · البعد التداولي: يتحرّك ضمن مسار إدماجي للمعرفة والممارسة ويتعلق بالتعديلات التي تجرى على النسق ووظائف النماذج المختلفة بالإضافة إلى التمثيلات التي ينتجها النموذج.
    ويجب أن نلاحظ أن هذا الفصل بين هذه الأبعاد الثلاث ليس إلا فصلا إجرائيا يرتبط بديدكتيك التعليم، ذلك أن هذه الأبعاد الثلاثة تتداخل في ما بينها وتمثل بنية على المنظّم أن يأخذها في كلّيتها بما هي تعبير على نموذج واحد يتحدد هو ذاته كبنية.
    ومن هذا المنطلق يحدد "بياجي" J.Piaget البنية باعتبارها الشكل المُلاحَظ والقابل للتحليل الذي تتخذه عناصر موضوع مادي، فهي الطريقة التي يتقدم وفقها مجموع محسوس في الفضاء. يتعلق الأمر إذن بالأجزاء وتنظيم هذه الأجزاء، فالبنية هي كلّ يتكون من عناصر ومن شبكة علائقية بين هذه العناصر تتعلق بالتكوّن أو البناء و السياق و تموضع العناصر وشكلها. لذلك ينسب "بياجي" للبنية ثلاث خصائص، الخاصية الأولى تتعلق بالكلية من جهة كون البنية كلّ، و الخاصية الثانية تتمثل في التحول من جهة كون البنية لها طابع ديناميكي، والخاصية الثالثة هي الانتظام الذاتي من جهة كون البنية تشتغل بطريقة مستقلة عن المنظر. وهذا يعني أن المنظر لا يتدخل فعليا في البنية. و لكن رغم كون البنية مستقلة على عمل المنظر فإنها تساعده على الصورنة كلحظة أساسية في انتاج النموذج. ذلك أن الصورنة هي العملية المعرفية التي تحوّل بمقتضاها فعل أيّ نسق عيني إلى صورة أي نسق مجرّد والعملية المعاكسة أي التحوّل من النسق المجرّد إلى النسق العيني تتمثل في التأويل.
    ويلاحظ "لادريار" J.Ladriere أن الأنساق العينية والأنساق المجرّدة تمثل نظما رمزية بما هي اصطناع عقلاني يشتمل على أشكال يمكن أن تـُستخدم في صياغة تمثلات لأيّ وسطٍ يسعى نظام الرموز إلى التلاؤم معه، إذ يسمح له بنمذجة هذا الوسط وعقلنته. والصورية هي نظام رمزي من القواعد التي تمكّن من التحول من التجارب إلى المعارف، وهو ما يعني أن الصورية هي كل نظام علامات ناتج عن الصورنة. لكن لا يجب أن نفهم من ذلك اختزال الصورنة في الترييض وبالتالي اختزال الصورية في الأنساق المنطقية الصورية، ذلك أن الصورنة تحضر بشكل متفاوت في النمذجة إذ يمكن أن تتخذ شكلا أكسيوميا صرفا إذا كان الموضوع المنمذج قابل للمقاربة الكمية الصرفة، كما يمكن أن تتخذ شكلا شبه أكسيومي إذا كان الموضوع لا يخلو من أبعاد كيفية نوعية. خاصة و أن الترييض في النمذجة التحليلية يحضر بشكلين مختلفين، إمّا في شكل استخدام الرياضيات كأداة من خارج العلم لصياغة القوانين وإما باستخدام المنهج الرياضي ذاته أي المنهج الفرضي الاستنتاجي، و هو ما يعني أن العلم الحديث هو ابن الرياضيات كما بين ذلك هنري برقسون H.Bergson و أيضا ألكسندر الكويري A.Koyré عندما حلل الثورة العلمية الحديثة وأعلن أن ولادة العلم الحديث حصلت عبر القطع مع التفسير النوعي الأرسطي و تعويضه بتفسير كمي، أي أن النشاط العلمي يتمثل في مجهود تعويض المعرفة النوعية بالحواس و الإحساس بمعرفة كمية قابلة للقياس. و إذا كان الوصف النوعي يكتفي بوصف المظهر الفيزيائي، بحيث يكتفي مثلا بوصف المنحي فإن الوصف الكمّي يحلّل المعادلة الرياضية التي تدبّر المنحى، ذلك أن النوعية تشير إلى ما لا نستطيع التعبير عنه بلغة كمية ولا حتى بعلاقات عقلية محدّدة، فالظاهرة النوعية ترتبط بالمظاهر الحسية للإدراك التي لا تتعلق بتحديدات ميكانيكية وهندسية و إنما تدرك بحدس شامل و على شأن ذلك بالذات أقصاها العلم من دائرة اهتمامه.
    ويبدو أن إقصاء الجانب النوعي من العلم ضيق مجال المعرفة العلمية و مثل أحد الصعوبات التي أظهرت نقائص العلم الحديث أو ما يسمّيه "لوموانيو" بالنمذجة التحليلية، وهذا يعني أن مزية النمذجة النسقية تتمثل في تجاوز التضييق الكبير لمجال امتداد العلم باسم الترييض والتكميم كشرط ضروري للمعرفة العلمية ويكون ذلك عبر توسيع دائرة العلم لتشمل مالا يمكن الحديث عنه في لغة كمية رياضية صرفة. لذلك فإن الصورنة رغم كونها لا تـُختزل في الترييض تقتضي أوّلا الصرامة العقلية التي لا يجب فهمها مثلما بين ذلك "هيربارت سيمون" H.Simon باعتبارها مشابها للنموذج الذي يستعمل الرياضيات التقليدية في النمذجة التحليلية، فالصّرامة تُؤخذ هنا على انتساب التمشي الفكري لنسق أوّليات لذلك فإن الهدف الأساسي لكلّ صورنة يجب أن يكون إبانة الأوّليات أو القواعد المتواضع عليها والتي تقود كلّ عملية نمذجة، والصرامة العقلية كشرط للصورنة تجنّب النمذجة النسقية ظنّة الإبستيمولوجيا الوضعية.
    كما تقتضي الصورنة خاصية إمكان الصنع إذ يجب أن تكون عملية قابلة للتحقيق واقعيا وكونيا، وبهذا المعنى فإن النمذجة النسقية تمكننا من صورنة ما كان غير قابل للصورنة في النمذجة التحليلية وذلك في شكل توثيقي لمعارف رمزية تتعلق بتجارب مدركة أو قابلة للإدراك بإنتاج علاقات عقلية محدّدة من قبل فاعل منمذج لفعله الخاص. وهذا النوع من التمثل للظواهر لا يدّعي أنه يقدّم الوصف التام للظاهرة المدروسة إذ أنه تمثل اصطناعي وتليلوجي Téliologique، بما أن هذا البعد الغائي يمكّن من اكتشاف حلول في المدى القريب ولكن خاصة في المدى البعيد، و تمثل مركب ومع ذلك قابل للتعقل مما يعني أن التمثل الذي تقدمه النمذجة النسقية لا يدّعي فصل الصورنة على التأويل، ذلك أن النموذج ينشأ بفعل عملية تبسيط متعمّد، وهو تبسيط لأنه يختار بعض مظاهر الواقع المدروس ويهمل أخرى، ومتعمّد لأن المنمذج يعلم مسبقا أن النموذج الذي ينتجه لا يدّعي مطابقة الواقع المدروس في كلّ الظروف وفي كلّ جوانبه، إذ لا يجب أن ننسى أن النموذج هو قبل كل شيء إنشاء فكري فالنموذج هو نظام علامات ليّن يمكّن من اعتبار أغلب الادراكات التي بحوزتنا عندما نريد وصف ظاهرة ملاحظة أو متخيلة بُغية تأويلها ذهنيا. ومن هذا المنطلق فإن النمذجة تفتح مجالات واسعة أمام البحوث العلمية دون أن تلزم التمثل بلغة مغلقة إذ يمكن التعبير عن النموذج كتمثل لظاهرة ما في لغة خطابية أدبية أو في تصاميم أو في رسوم بيانية بالإضافة إلى اللغة الرياضية ومن هذا المنطلق يمكن أن نميّز بين نوعين من النماذج:
    · نماذج مادية: تترجم نسقا معينا من الظواهر العينية التي يغلب عليها الطابع النوعي بما أنّ بعض الخصائص المادية كالأشكال والألوان والروائح... يصعب التعبير عنها في صورة مجرّدة.
    · نماذج رمزية: تترجم النسق في لغة مجرّدةن ويجب أن نلاحظ أن هناك أيضا بعض الخصائص المجرّدة التي يصعب تجسيدها في مقابل مادي يماثلها.
    ولكن هذا التصنيف لا يعني القطيعة بين نوعيْ النماذج إذ يجري المرور تدريجيا من النموذج الرمزي إلى التصميم ومن التصميم إلى النموذج الرمزي فكلّ نموذج رمزي يحافظ على سند مادّي، وكل تصميم لا يخلو من قدر من التجريد برغم غياب التوافق الكلي بين النموذج المادي والنموذج الرمزي بما أنّ بعض الخصائص المادية يصعب التعبير عنها في أشكال مجرّدة وبعض الخصائص المجرّد يصعب تجسيدها في مقابل مادي يماثلها مثلما أسلفنا الذكر. والمرور من المادي إلى الرمزي أو إن شأنا من المحسوس إلى المعقول ومن الرمزي إلى المادي، أو من المعقول إلى المحسوس هو ما يعبّر عنه "سيمون" بقوله: "لقد نقلت الحواسيب نـُظـُمَ الرموز من الجنة الأفلاطونية للمثُل إلى عالم خبري للسيرورات الواقعية المتحققة عن طريق آلات و عن طريق هذه الأدمغة أو بالاثنين يعملان معا"، ذلك أن الذكاء الاصطناعي يمثل آلية تسهل على المنمذج المرور من الصورية المجرّدة للتمثل الذهني إلى تحسيس و تلميس هذا التمثل افتراضيا بواسطة الحاسوب الذي يسمح بإيجاد مقابل مادي يماثل الخصائص المجرّدة التي يصعب تجسيدها في الواقع الفعلي.
    وهكذا فإن إنتاج النماذج يتقدم في شكل اكسيومي أو شبه اكسيومي بحسب درجة الصورنة، و هذا يعني أن الأكسيومية، كضرب من العرض للعلوم الصحيحة مبني على قضايا افتراضية يسلّم بها تسليما دون برهان وهي القضايا التي تُسمّى الأوّليات التي تكون مصاغة بدقة وتؤدي إلى استدلالات صارمة، هي إذن ما يمكن الصورنة من تحقيق شرط الصرامة الذي تقتضيه، ذلك أنّ الأكسيومية تبدأ بجرد كامل الأوليات أي كلّ القضايا التي نسلّم بها دون برهان، واكتشاف هندسات لاإقليدية في القرن 19 يبين لنا خاصية التجريد والاعتباط للأكسيومية كما بين لنا أن هناك رابط هام بين الأكسمة والصورنة، فالأكسمة تمكن المنمذج من بناء أنساق متكاملة من المفاهيم والعلاقات مما جعل "باشلار"يعتبر أن القطيعة الابستيمولوجية بين التجربة المحضة والأكسمة تمرّ عبر لعبة صورية.
    والنمذجة كممارسة علمية موحّدة للنشاط العلمي بما تسمح به من تعاون بين مختلف الاختصاصات العلمية وباستخدامها للعلوم الإعلامية مكنت العلم من إطار جديد للتجريب الافتراضي Experimentation Virtuelle كما مكنته من استخدام لغة اصطناعية مفتوحة تخضع عناصرها للظواهر المنطقية في بناء أكسيومي أو شبه أكسيومي بحسب درجة حضور الرياضيات ذلك أن طبيعة اللغة المستعملة هي التي تحدّد درجة الصورنة.
    وهكذا يمكن القول أن مقاربة البعد التركيبي للنمذجة توضّح لنا الشروط الابستيمولوجية لتأويج فعالية النموذج وتأويج امكانية اشتغاله وبالتالي تمكننا من التحكم في المصاريف وتأمين مقاربة الظاهرة المدروسة وهذه الشروط يمكن أن نلخصها في النقاط التالية:
    · التماسك Consistance: بمعنى أن يكون النموذج خال من كلّ تناقض وهو شرط تجعله الأكسمة ممكنا.
    · التمامُ Complétude: بمعنى أن لا يتضمّن النموذج قضايا لا تقبل البرهنة أو الدحض.
    · الثبات : بمعنى أن تكون قضاياه ملائمة لكل المتغيرات الممكنة.
    · الاشباع Saturation: بمعنى أن لا يحتاج النموذج إلى استخدام مصادرات إضافية من خارج النسق.
    · القطعية Décidabilité: بمعنى تضمّن النموذج لإجراءات تسمح بالحكم على قضية ما بكونها صحيحة أو خاطئة.
    · الاستقلالية Indépendance: بمعنى ألاّ يتضمّن النموذج أوّلية يمكن استنباطها من بقية الأوّليات.
    لكن إذا كانت النمذجة تهدف أساس من جهة طابعها التليلوجي إلى اصطناع استراتيجيا للفعل، وإذا كان النموذج ليس تركيبا لأشياء ثابتة وإنما هو تركيب تمثلات فعل تمكن من تقييم نوايا الفعل الممكنة وبالتالي تحديد قواعد الفعل فماذا يمكن أن نقول عن علاقة هذا النموذج المبتكر بالواقع؟ هل يمكن أن نتحدّث عن الواقع بطريقة موضوعية؟ و هل تسمح لنا النمذجة النسقية بالقبضة على الواقع؟
    2) البعد الدلالي:
    [​IMG]يقول برونو جاروسون في كتاب "دعوة إلى فلسفة العلوم" : «إن الواقع لا دلالة له في ذاته. وفي مقابل ذلك من المهم أن نتبين أن الواقع له دلالة وله معنى أيضا». ذلك أن الإنسان في حاجة إلى تمثل الواقع ليضفي عليه دلالة وحتى يصبح معقولا بالنسبة إليه. والبعد الدلالي للنمذجة النسقية يتعلق بهذه الدلالة التي تبدعها النمذجة للعالم: إذ يتعلق الأمر بعلاقات العلامات الرمزية مع الواقع، ذلك أن تمثل الواقع ينتشر من خلال منطق الفكر، وإنشاء نسق صوري لنمذجة واقع ما ليس مجرّد لعبة مجانية نكتفي فيها بإنشاء رموز دون اعتبار ما يمكن أن تعبر عنه هذه الرموز والعلاقات القائمة بينها من مضامين ذات صلة بالواقع.
    هذا يعني أن الصياغة الصورية لا تكتسب قيمة علمية إلا بفعل تطبيقها في وضعيات تجريبية بواسطة تأويل الرموز المجردة وترجمتها في حدود فيزيائية. إذ أن النسق الصوري يعبر عن بنية واقعية، ولذلك لا بدّ من تحقيق ضرب من التلاؤم بين المعطيات الصورية للنسق المدروس وبين المعطيات الخبرية التي تنتظم وفقها الموضوعات العلمية المعتبرة. وهذا التلاؤم يقوم على مجموعة من القواعد وكلّ ما يتعلق بهذه القواعد يشكل البعد الدلالي أي النموذج بما هو تأويل. يتعلق الأمر إذن بلحظة التجريب التي تقتضي تأويلا عينيا وبالتالي فإن البعد الدلالي للنموذج يتحدّد بعلاقته التفاعلية بالنسق الذي يمثله وباعتبار المسافة التي تفصلهما بهدف جعل النموذج أكثر ملاءمة.
    إن تمثل الواقع ينتشر من خلال منطق الفكر و الأهمية التي نوليها لميدان خصوصي لهذا الواقع. و النموذج هو وليد ثلاث سيرورات, متنافرة و متكاملة، فمن جهة كل ما ندركه و نتصوره يمر بالضرورة عبر سيرورات تماثلية وافق صورية منطقية. إن المعايير العلمية المتعلقة بالاختصاصات و المشروطة باعتبار أو باختراع حقول اختصاصات جديدة, و بالتشابه و التنافر بين النماذج، تحدد السيرورات المنمذجة. ويمكن أن نلاحظ نوعا من التشابه الصوري بين العلوم الهندسية والعلوم الاجتماعية والإنسانية. ذلك أن النمذجة في العلوم الفيزيائية الكلاسيكية التي تعتبر علوما طبيعية، هي إعادة إنتاج مبسط ومماثل لخصائص الأشياء، والمثال الأكثر شهرة للمماثلة هو المماثلة النيوتنية بين حركة الشيء الذي يدور في طرف الحبل وحركة القمر حول الشمس. ولأن المماثلات تقتضي لغة وصف تمكن من إحلال تجانس النموذج الذي نريد إنتاجه، فإن الميكانيكا الكلاسيكية، استخدمت الرياضيات لتستجيب لهذا الاقتضاء العلمي.
    أما في النمذجة النسقية فإن وظائف التحويل الرمزية تتأسس في ذات الوقت تركيبيا و دلاليا، وتختلف بحسب طبيعة الضغوطات الخارجية. فنحن مثلا لا نستطيع التنبؤ بمسار الصاروخ الذي يتتبع آلة طائرة في الفضاء إلا بواسطة وظيفته التحويلية التي تتضمن مُعَدِّلات قادرة على المحافظة على ثباتية نسق التتبع عبر إضعاف التشويش الناتج عن الضغوطات. إذ أنه من الضروري إنتاج نوع من التدبير بين المنطقي والخبري في كلّ عملية صورنة. وبلغة أخرى يجب أن يكون هناك نوعا من التطابق بين الحكم التحليلي الذهني والحكم الخبري. ولكن الضغوطات التي ترتبط بالحكم الخبري ليس لها نفس خصائص الضغوطات التي ترتبط بالأحكام التحليلية فيما يتعلق بعلاقتهما الضيقة بالصورية المنطقية. وهذا التشنج يحيل في النهاية إلى ما يسميه J.L. Le Moigne "الأفق المورفولوجي". وهكذا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار درجة التركيب اللامتناهية للظواهر المدروسة حتى نتمكن من نمذجتها بواسطة المقتضيات المنطقية والتماثلية والخبرية التي تستجيب للشروط العلمية. ونستطيع بالتأكيد ألاّ نعتبر إلا الجزء الأهم من الظاهرة المدروسة بالنسبة للهدف المراد تحقيقه، دون أن نسقط، مثلا في الفيزياء في البحث عن علاقات بين خصائص فيزيائية وأخرى كيميائية بين الذرات، وبالتالي نستطيع تحقيق تطابق شبه كامل بين وقائع الضغوطات الفيزيائية والوقائع الصورية المنطقي ـ رياضية، والخاصية التأليفية للتواصل بين حقول معرفية مختلفة تظهر بجلاء في علوم التصور مثل المعلوماتية أو صناعة الآلات الأوتوماتيكية.
    وهذا يعني أن النماذج يجب أن تكون نتيجة سيرورة بحث ولا فقط نتيجة تمثل نسقي لموضوع مثلما هو الشأن في الميكانيكا الكلاسيكية. ذلك أن المفترضات النظرية و بنى الضغوطات الخارجية الخبرية أو الملاحظة تمثل أحد خصائص السيرورة التماثلية. فمن جهة تأسس التماثلية الصورية تشابها وظيفيا وبنيويا بين النموذج وموضوع الدراسة، ومن جهة ثانية تصف التماثلية اللاصورية الخصائص المجرّدة والرمزية. واتصال هذه التمثلات يرتكز على وحدتها البنيوية والرمزية حتى تحقق اصطناعية مخصوصة، هي اصطناعية الفعل القصدي المرتبط بكلّ سيرورة نمذجة مثلما أقرّ ذلك Herbert A.Simon واصطناعية النموذج يمكن أن توصف وأن تفهم و أن يتنبأ بها.
    وهذا يعني أن ما وراء اختلاف النماذج هناك خاصية مشتركة: إن كل النماذج حاملة لمعلومات، حاملة لمعرفة، إنها تعبيرا في لغة ما أو صورنة ما عن رؤية معينة حول موضوع الدراسة، موضوع دراسة يمكن أن يكون موجودا بشكل سابق للنمذجة ونتحدث عندها عن نماذج وصفية modèle de description ، بما هي تجسيد لنظرية متعلقة بميدان موضوع الدراسة. كما يمكن أن يكون الموضوع نسقا في طور البناء والنموذج عندها يفصل تعييناته. ففي الحالة الأولى يعبر النموذج عن تفسير يتموضع في زمن معين وسجل ثقافي معين، لظواهر أو سلوكيات ملاحظة في موضوع الدراسة، بحيث يسند للميدان المدروس منطقا وتجانسا وربما حتى شرعية ومشروعية، إذ تتمثل وظيفته في توجيه أو تأطير فهم ميدان الدراسة. أما في الحالة الثانية فإنه يفصّل الاشتغال المنتظم للاصطناعي، إذ أن النموذج هو أداة تواصل يستخدمه مختلف المتدخلين في سيرورة تصور وصنع النسق-النتيجة. وفي كلتا الحالتين يتقدم النموذج كتمتل أمين على دلالة، كوسيلة تبادل وتقاسم للمعارف، إنه شكل يجسد موضوعا، يجسد شيئا له وظائف الانخراط والتواصل والدخول في المعنى، شيئا اصطناعي يبنى ويثبت بالنسبة لصانعه، وهو رسالة تنتظر حل شفرتها وفهمها بالنسبة للمتقبل، ذلك هو معنى قول لوموانيو J.L.Le Moigne :«نماذج ننشؤها ونمارس من خلالها البرهنة وتبادل الأفكار و نتمكن من جعل المغامرة المبهرة التي انخرطت فيها الإنسانية منذ نشأتها قابلة للفهم».
    النمذجة تتمثل، إذن، في تجسيد منظور ما، نقل فكرة إلى شيء محسوس، أما التأويل فهو العملية المعاكسة إذ هو نقل لتمثل طبيعي مرمز إلى تمثل ذهني، وهذه السيرورة الثانية تقارب النموذج كمجموع تعيينات يتعلق الأمر في نهاية المطاف بإدماجها لتكون أكثر دقة بفضل إضفاء المعنى، ذلك أن النموذج مهما كان، يمثل في لحظة قراءته حامل معنى للبناء، حامل معرفة للاكتساب. و النموذج من هذا المنطلق الدلالي يجب أن يكون عاما، والتعميم كخاصية دلالية يقتضي توسيع مجال صلاحية النموذج، حتى نتحول من نموذج ذي صلاحية تتعلق بعدد محدود من الوضعيات الملاحظة إلى نموذج يشمل عددا لامحدود من الوضعيات الممكنة التي تؤكد صلاحية النموذج بما في ذلك الوضعيات التي لم يجر اختبار النموذج فيها. إذ لا يجب أن ننسى أن النظرية العلمية هي نموذج لطريقة التفاعل بين مجموعة من الظواهر الطبيعية، قادرة على التوقع بالأحداث المستقبلية وبملاحظات من نفس هذا النوع، وقابلة للتثبت إذ يجري اختبارها من خلال التجربة أو على الأقل يمكن دحضها عبر الملاحظات التجريبية. وينتج عن هذا التحديد أن النظرية العلمية والواقع ليسا متعارضين بالضرورة. فالنظرية العلمية لا تحتوي على عناصر غير قابلة للتغيير بالطريقة التي تجعلنا قادرين على معاينتها في كلّ الاختصاصات العلمية. وما تشترك فيه النظريات العلمية هو مجهود أمثلة الواقع Idéalisation du réel، أمثلة تتحقق في صورنة أكسيومية أو شبه أكسيومية بالنسبة للنمذجة النسقية، لذلك يمكن القول مع فاليزار B.Walisser:«يمكن اعتبار كل نموذج في وجه من وجوهه، وسيطا بين حقل نظري يمثل تأويلا له و حقل تجريبي يمثل تأليفا له.» و بما أن كل بناء نظري ينتج قوانين يمكن القول أيضا مع بول غريكو P.Gréco بأن «النموذج هو وسيط ضروري بين صياغة القانون وفهم معنى القانون» خاصة و أن القانون هو صياغة لعلاقة كونية بين الظواهر. ففي الوصف نحاول مقاربة البنى التي ندركها والتي تؤسس مواصفات التعرف على المواضيع ونمذجتها. ثم إن وصف سيرورة النمذجة تقتضي في ذات الوقت وصف حالة الظاهرة المدروسة ولكن أيضا وصف حالة فعلها. أما الفهم فهو شرط أولى ضروري للوصف ولا يمكن اختزاله في مجرّد معرفة خصوصية في خدمة المباشرتية والجانب المحسوس من التمثل التماثلي مثلما بين ذلك E.Morin. ومن هذا المنطلق فإن تأليفية الفهم تحضر في التحليل و في نسقية الوصف. وبالتالي يمثل الفهم وسيلة وغاية كل تماثلية.
    ثم إن النمذجة النسقية يمكن أن تكون في خدمة غايات متعدّدة، مثل معرفة المشاكل المركبة والمعقدة، فهم الظواهر، أو اصطناع استراتيجيا للفعل، إنها تحمل في ذاتها مشروع جعل الواقع قابلا للتعقل عبر نمذجته دون إفراغه مما هو أصيل فيه: التركيب والتعقد. ذلك أن النمذجة النسقية تريد احترام الجدلية المركزية للمركب أي الصيرورة في الاشتغال والاشتغال الصائر. إذ تمكن النمذجة النسقية المنمذج من إعطاء صورة لتفكيره وتمكنه من استباق نتائج مشاريع الأفعال الممكنة. ففي النمذجة ينطلق الباحث من المشروع الذي حدده ليجمعه بفرضيات متمفصلة بحسب المشروع الشامل، والنموذج ليس تركيب أشياء ثابتةstables ، بل هو تركيب تمثلات فعل، لذلك لا نستطيع أن نقارب البعد الدلالي للنمذجة دون الحديث عن علاقة النموذج بالواقع.
    و أن نتحدث عن الواقع هو أن نتحدث عن الواقع كما هو في ظروفه الخاصة حتى نتمكن من سبر ألغاز الموضوع المدروس في تعقّده وتركيبه وفي غموضه، أن نتحدث عن الواقع هو أن نستحضره خارج المفهوم، أن نفكر في الشيء خارج الوهم والظاهر فالواقع هو ما يوجد في ضرب من التقابل مع الخيال ومع تمثل الواقع، فالواقع هو ما يوجد والمعرفة العلمية من المفروض أن تقوم بإبراز خصائص الواقع بواسطة الرموز والكلمات والأعداد. ويزعم بعض أصحاب البراديغم التجريبي أنهم يقاربون الواقع بطريقة موضوعية، في حين يعترف البعض الآخر منهم بتدخل الذاتية. ولكن بقدر ما يكون الموضوع معقدا بقدر ما تختلف القبضة على الواقع. ذلك أن المقاربة تتبع ما سبق وترتبط بالظروف الخاصة للبحث.
    لذلك فإن النمذجة تقارب الواقع بطريقة معقدة (مركبة) لا يمكن اختزالها في نموذج نهائي ومغلق، بل لا يوجد واقع وإنما وقائع متعددة، فليس هناك حقيقة واحدة بل عدة حقائق. والواقع متعدّد وهو ذاتي بصفة شاملة، فالنمذجة تفترض قبليا وجود عدة نماذج يمكن تصورها لنفس الظاهرة التي ينظر إليها في وحدتها وفي التفاعلات الداخلية التي تكونها. والمنمذج يكوّن معرفة حول الظاهرة انطلاقا من المعلومات (المعطيات) التي ينتجها هو ذاته اصطناعيا وبطريقة حرة. وهذا التدخل من قبل المنمذج والنموذج تقتضي ضرورة أن يشرح المنمذج غاياته الخاصة بالإضافة إلى الغايات التي يسندها للموضوع المنمذج، وتدخله في الموضوع المنمذج ليس محايدا. فعندما يصف ما يعرف عن العالم، يغير المنمذج العالم الذي يعرفه، وعندما يغير هذا الواقع الذي يعيش فيه يتطور هو ذاته. ولذلك تتموضع النمذجة في البراديغم البنائي.
    إن المقاربة النسقية تفتح على خلق استراتيجيات فعل. إذ تمكن من تنظيم المعرفة عبر بناء نماذج يمكن التواصل حولها ويمكن استعمالها في الفكر والممارسة. ويتموضع المنمذج في التفاعل بين النسق المنمذج والنموذج. ويتمظهر بجلاء في ذاتيته وبقيمه الخاصة. إذ تفترض النسقية أن فعل النمذجة ليس حياديا إذ لا يمكن فصله عن فعل المنمذج. وهذا يعني أن مثالي النمذجة النسقية لا يمثل في الموضوعية ولكن في اسقاطات المنمذج الذي يمكن أن يتحدّد بقدرته على إظهار مشاريع النمذجة التي يقدمها مثلما ذهب إلى ذلك لوموانيو. فعلى المنمذج أن يعبر عن مقاصده وأن يعرضها قبل أن يقدم النموذج الذي تخيله بكل حرية. وحق الخيال، هذه الحرية التي للمنمذج ليست خاضعة لأي قاعدة بل لا يمكن أن نخضعها لأي قاعدة أو قانون imprescriptible وهذا يعني أن الذاتية علنية في النمذجة النسقية، والواقع يتم استنتاجه من مقدمات توضع قبليا بالتجارب والمعارف. وبالتالي فإن النمذجة تفتح المجال للإسقاط والإبداع والمنمذج ينغمس في الوسط ويتخيل مشاريع الظواهر التي يدرسها.
    النموذج لا يعكس، إذن، الواقع في كليته و إنما يعكس الواقع كما تمثله، فالمعطيات الخبرية أو الافتراضية تعطي للنموذج دلالته أو تقتضي تعديله، فعلاقة النموذج بالواقع ليست علاقة تطابق و إنما هي علاقة تفاعلية تتحدد بالملاءمة، لذلك يُشترط أن يكون النموذج مرنا قابلا للتعديل، و ثريا قابلا للتحول من كونه نموذجا خاصا إلى كونه نموذجا شاملا لأكثر من نسق و بالتالي عام، و تتحدد صلاحيته التجريبية إما بتجارب قياسية عبر التمثل الاصطناعي في الواقع الافتراضي و إما بتجربته في الواقع الفعلي.
    3) البعد التداولي:
    لنذكر بأن النمذجة النسقية ليست إلا منهج تمثل إجرائي له غايات عملية, منهجا ينطلق من مسلمة تقر بعدم إمكان إنتاج معرفة كاملة و أن هذه التمثلات التي تنتجها النمذجة لا يمكن أن نقول عنها أنها صادقة أو كاذبة بل هي فقط تمثلات ناجعة للفعل المستقبلي بما أنها تمكن من تحقيق ضرب من التوقع و إلا لما كانت هذه التمثلات ناجعة. و هذا يعني أن ضروب تطور الأنساق المركبة تقطع مع النموذج الميكانيكي للنمذجة التحليلية, ذلك أن النموذج الميكانيكي يتحرك في مستوى حتمي في حين أن الأنساق المركبة تتحرك في مستوى لا حتمي.
    فمنذ الثورة العلمية الثانية التي حققها اينشتاين في الفيزياء، نحن نعلم جيدا أن الواقع التجريبي يعبر عن تسلسل خفي للظواهر المواضيع مرتبط بالفضاء-زمان L'espace-temps، ولكن هذه الظواهر تبدو مستقلة عن بعضها في بناء لغات الوصف في أفق مصورن، ذلك أن المنطق الصوري في شكله الرياضي مؤسس على مبدأ الحتمية الذي يقرّ بأن حالة الظاهرة في الزمن "ز" المعطى، تحدّد حالة الظاهرة في الزمن "ز + 1" وهذا المبدأ هو ذاته شكل مهذب للحتمية باعتبارها قانون سببي والذي يقرّ أسبقية السبب على النتيجة.
    ولكن يجب أن نلاحظ أننا لا نستطيع أن نغمض أعيننا على الضغوطات الفيزيائية، وربما حتى الكسموفيزيائية لمعالجة جيدة لضغوطات علوم التصور. فاكتشاف الكون في علوم التصور يقتضي تصوّر سببية خطية ومتعددة في ذات الوقت بالشكل الذي يجعل ممكنا تصور عدّة أسباب: التدبير، الاضطرابات التي تصدر عن المحيط،، الضغوطات المختلفة، التعديلات... لتحديد حالات مرتبطة بالحالات المراد تحقيقها، وذلك للتقليل من الفوارق بين هذه الحالات، وبناء رابط بين المنطقي والخبري أي بين المبررات القبلية بما هي « المماثلة المؤسسة علميا بين الوضعية الطبيعية والنموذج»، و المبررات البعدية بما هي «المجابهة التجريبية»، كما يعبر عن ذلك روني طوم R.Thom. وهكذا فإن تعدّد الأسباب في اشتغال نسق آلي يولّد أيضا نتائج ارتجاعية تساهم في فعالية النسق. والتكامل بين ما يتعلق بالمستوى القانوني التركيبي وما يتعلق بديناميكية قرينة (Contexte) المعرفة والفعل للوظيفة الدلالية، يساهم هنا في وظيفة التحويل الموحّدة للتجريد وفكّ شفرة التجريد. والفوارق بين المعطيات الخبرية والمعطيات المنطقية الصورية تحيل بالتناسب إلى تأويلات مختلفة للسيرورات التماثلية (المُحتوَى) وإلى تأويلات ترتبط بالمنطق الصوري (المحتوِي). ومن هذا المنطلق فإن التشنج، لاستعارة عبارة E.Morin، بين المُحتوَى / المحتوِي الذي يسعى إلى إظهاره الحكم ألتأليفي الذي يقارب كلّ ما نستطيع تمثله بطريقة مباشرة، وما يظهره الحكم التحليلي يتضمن تثبت وإمكانية دحض، صرامة، كمال، و مراقبة...
    و هكذا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار درجة التركيب اللامتناهية للظواهر المدروسة حتى نتمكن من نمذجتها بواسطة المقتضيات المنطقية و التماثلية و الخبرية التي تستجيب لشروط العلمية, و من هذا المنطلق فان النموذج باعتباره تمثل مجرّد للواقع من جهة كونه يبسط هذا الواقع لفعل معيّن فيه و لا يبقى إلا على الخصائص الهامة بالنسبة إلى السياق الذي تتحرك فيه غاية الفعل، يجعل من النموذج نظرة ذاتية حول الواقع تمكّن من تمثيل اصطناعي للنسق المدروس. ذلك أن تقنيات ما يسمى بالواقع الافتراضي « réalité virtuelle » تمكّن المنمذج من الولوج و الفعل و التفاعل في عالم التأليف الذي يكوّنه الحاسوب, لأن مفهوم الواقع الافتراضي يتضمّن ثلاث معاني:
    · الانغماس « Immersion »
    · التفاعل « Interaction »
    · [​IMG]الإبحار « Navigation »
    و الانغماس يعني أنّ الفرد ينغمس كليا في الصورة بواسطة خوذة تسترجع رؤية مجسادية Vision stéréoscopique, أي صورة ثلاثية الأبعاد. أمّا التفاعل فانّه يعبّر على قدرة اصطناع و تحويل الصورة في الزمن الواقعي. و أخيرا يقتضي الإبحار الوجود في عالم افتراضي و تحقيق لقاءات بفضل منظومة التحكم في التواصل عن بعد. و تطبيقات الواقع الافتراضي ترتبط أوّلا بالفعل التحكّمي الذي يمكن من التدخل في الأماكن البعيدة أو الأماكن التي لا يستطيع الإنسان الولوج إليها مباشرة أو حتى الأماكن الخطيرة.
    و النمذجة تستخدم تقنيات الواقع الافتراضي لتعويض التجارب المكلفة أو التي لا نستطيع انجازها فعليا في الواقع, لذلك تقدم هذه التقنية سندا في عملية التثبّت من ملائمة النموذج للنسق المدروس خاصة و أنّ الاصطناع الذي يستخدم برمجيات معلوماتية متطورة يمكن من دراسة ردود نموذج النسق المتطوّر, إذ يتعلق الأمر بأداة تثبت حيث ننطلق من الوصف البنيوي و الوظيفي للنسق الذي نريد اصطناعه و المتغير الذي نريد تطبيقه على مداخل النسق، و البرمجية المعلوماتية تمكن من حساب تطور النسق و تمد المنمذج بالنتائج التي تعبر عن نشاطه. و هذا يعني أنّ دراسة النموذج وفق التمثيل الاصطناعي تعوض أساسا التجارب المكلفة على التصاميم، لذلك يقول "رونيه توم" « بموجب التكلفة الباهضة للتجريب يكون علينا أن نستنجد بنماذج مبررة ماقبليا تبريرا جيدا ». و بالتالي يجب على المنمذج أن يحقق معرفة معمّقة باشتغال الأنساق التي يسعى إلى اصطناعها حتى يتمكّن من الحكم على حدود اشتغال النتائج التي يتحصّل عليها. و الصعوبة الجوهرية التي تعترض المنمذج في عملية التمثيل الاصطناعي تتمثل في تحقيق شرطين متعارضين, فمن جهة يجب أن يكون النموذج دقيقا لتحقيق نتيجة تعكس أحسن ما يمكن الواقع و من جهة ثانية يجب أن يكون النموذج على غاية البساطة الممكنة لنقلل أكثر ما يمكن من العمليات الحسابية.
    و من هذا المنطلق يرى نوال مولود Noël Mouloud أن استخدام النماذج هو مساعدة اضافية لخدمة غايات معرفية، ناهيك أن كل المختصين في مناهج العلم المختلفة يتحدثون عن النماذج باعتبارها تمكن من تحقيقات امثل، و يتحدثون عن الأدوار المتكاملة التي تلعبها في ما بينها, فالنمذجة تجعل التبسيط ممكنا و لكن تمكن في نفس الوقت من تناول شامل للموضوع المدروس وبالتالي تمكننا من تجاوز الاختزالات الأحادية. فنحن ننمذج لننسق بين وجهات نظر التفسير في صرامة لا تتماهى و التحجر، بما أنه يجب أن تكون النماذج مرنة وقابلة للتعديل لتستجيب لمقتضيات الاختراع والاكتشاف. وهكذا فإن النمذجة لا تخلط بين الحقيقة المدلول عليها والمحتوى الضيق للتشكيل، وبالتالي تتجنب النمذجة النسقية الدوغمائية التي تنتج عن الخلط بين الموضوع ونموذجه، فالنموذج هو "تخيّل مراقب" Fiction controlée على حدّ عبارة "نوال مولود"، مراقب بنجاح أو فشل التجربة بما أنّ النموذج يخضع لشرط التماسك كأحد معايير البعد التركيبي. ومن هذا المنطلق فإن غائية النمذجة النسقية تتمثل في بناء استراتيجيات وتمكن من إيجاد ومن تنظيم نوايا الفعل الممكنة ونتائجها التي لم تكن تخطر على البال وبالتالي تحديد قواعد الفعل. ذلك أن النمذجة تنظر في مشروعها من جهة كونه مسار له فعل وتاريخ. لذلك فإن المقاربة التليلوجية Téléologique تمكن من اكتشاف حلول في المدى القريب ولكن خاصة في المدى البعيد.
    ويجب أن نلاحظ أن الخصائص التداولية للنموذج والمتمثلة في قابلية التوظيف والاستعمال والتعديل والمرونة والثبات والايجابية في الأداء تجعل النموذج قادرا على القيام بوظائف مختلفة نذكر منها ثلاث أساسية:
    · وظيفة معرفية: إذ يمكّن النموذج من تفسير النسق المدروس عبر إبراز بعض خصائصه وضبط علاقات بين مداخل النسق ومخارجه، فالفهم يمثل الوسيط بين الهدف القصدي وقوانين بنية المحيط الفيزيائي (طبيعيا كان أو تجريبيا) أو المحيط الاصطناعي (أي المنطقي-رياضي المطبق) أو حتى المحيط الإنساني وهذا الوصف يربط مقاصد المنمذج بالهدف المراد تحقيقه وبقوانين ضغوطات المحيط. وهي قوانين يمكن أن تكون طبيعية أو اصطناعية أو حتى سيكوسوسيولوجية.
    · وظيفة توقعية: إذ يمكن النموذج من التنبأ بتصرّف النسق المدروس وبردوده في وضعيات لم تجر ملاحظتها انطلاقا من المعرفة الحاصلة حول النسق في وضعية معينة، ذلك أن التفسير مثلما بين ذلك "ستراوس" ينطوي على ضرب من التوقع.
    · وظيفة اتخاذ القرار: يوفر النموذج لصاحب القرار المعطيات الضرورية التي تسمح له بإنارة قرار يهدف إلى الفعل في النسق فيكون القرار ملائما للمشكل المطروح وما يتصل به من ضغوطات، إذ لا يجب أن ننسى أن كلّ نموذج هو تمثل يسمح بمعرفة أو فهم أو تفسير كيفية اشتغال النسق المدروس بغاية التحكم فيه أو الفعل فيه. وإن هذه الغاية تضع النموذج في علاقة لا فقط بالمنمذج ولكن أيضا بمن يستعمل النموذج والفاعلين في النسق المنمذج.
    يتعلق الأمر إذن، في المستوى التداولي، بالنظر إلى النماذج على أنها وسائل سيطرة وتحكم وهو ما يعني ارتباط النشاط العلمي بالتقني مثلما بين ذلك "لادريار"، فالنمذجة تفتح على التقنية إذ «تضيف للأنساق الطبيعية أنساقا اصطناعية أو تهب الأنساق الطبيعية خاصيات جديدة و طابعا مصطنعا». والنماذج التقنية ليست محايدة وإنما هي متداخلة مع الجيهات العملية وحتى السياسية التي تحيط بالممارسة العلمية و توجهها. والبعد التداولي للنمذجة النسقية يؤكّد لنا التحالف بين العلم والمصلحة، التحالف "بين السعي إلى فهم العالم والرغبة في قولبته" على حدّ عبارة "ايليا بريقوجين" و"ايليزابات ستنجرس"، و يعلن نهائيا براغماتية المعرفة العلمية في البراديغم البنائي.
     
  3. sir_ous

    sir_ous عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏10 جانفي 2008
    المشاركات:
    424
    الإعجابات المتلقاة:
    192
      06-05-2008 19:06
    I. النمذجة و مطلب الحقيقة:
    1) [​IMG]حدود ايبستيمولوجية:
    تتقدم النمذجة باعتبارها تمشي علمي يأتي لتجاوز ثغرات البراديغم الوضعي الذي بدأ يلفظ أنفاسه عندما وضعت إشكالية أسس الرياضيات حدا لادّعاء الفكر الصوري الحقيقة المطلقة والكونية وعندما ضربت الفيزياء الذرية الأساس الأنطولوجي للواقع العلمي لمّا أقرّ هايزنمبورغ بأن الباحث يتدخل في الظاهرة عبر أدوات ألقيس ويفرض تغيرات كمية على موضوع دراسته، وغدت الحتمية مبدأ خصوصيا جهويا لا كونيا مثلما ادعى ذلك "لابلاص" منذ القرن الثامن عشر حيث اكتشف العلماء لا حتمية الظواهر الذرية.
    غير أن الإقرار بأن النمذجة تعني التخلي عن النظر إلى العلم وفق البراديغم الوضعي بما هو اكتشاف وكشف لحقائق كلية وموضوعية والنظر إلى العلم "باعتباره اختراعا أين يتم تصور الظاهرة مبنية اصطناعيا وبطريقة حرة من قبل الباحث" على حدّ قول "لوموانيو" J.L. Le Moigne، يضعنا أمام إشكالات عديدة، فأوّلا إلى أيّ مدى يمكن القول بأننا نقطع في النمذجة بالمعنى البشلاردي مع العلم الوضعي بالصفة التي تخوّل للوموانيو الحديث عن "انشقاق شبه معلن بين هذين الثقافتين"؟ وثانيا ما مشروعية القول بتساوي النماذج في الصلاحية طالما تشترط النمذجة تعالي النموذج على الأحكام التي تصدّق قولا وتُسفـّه آخر؟ هل أن غياب هذه الأحكام يعني أن كلّ النماذج مقبولة؟ و فيم تتمثل عندها مهمة رجل العلم مادام كلّ شيء مقبول مثلما تدعو إلى ذلك فوضوية "فيروباند" P. Feyerabend؟ ثم كيف ستكون ايتيقا علم لا يهتم بالواقع إلا من جهة الفعل فيه؟
    يجدر بنا أن نبدأ بمشكل الحقيقة كما يتجسد في مستوى النمذجة النسقية، خاصة وأن الحقيقة كمطلب هو ما ضحت به النمذجة لصالح التاريخية Historicité. وكلمة تاريخية تـُستعمل لتفيد أوّلا أنّ حدثـًا ما وقع فعلا وبالتالي تـُؤخذ التاريخية في مقابل الأسطورة. لكن خلف هذا المعنى البسيط يوجد معنى فلسفي يفيد كون العقل البشري ليس مجرّد ذكاء يتناول ما هو موجود من نظرة واحدة ولكن ذكاء يعي بوضعه التاريخي. وهذا المعنى للتاريخية يقحم في الفلسفة مبحثا يتعلق بالنقد الذاتي يجعل الفلسفة تعترض على تصورها الميتافيزيقي للحقيقة، وهذه السيرورة التي تتظنن على مفهوم الحقيقة تـُعرف في الفلسفة بإشكالية التاريخية، أي إشكالية النسبية التاريخية، إذ يتعلق الأمر بالنزوع إلى اعتبار التجربة التاريخية الطريق الإنساني لمعرفة الحقيقة. ومن هذا المنطلق يرى "ديلتاي" Dilthey أن كلّ مجموع بُنيوي هو مجموع مُعاش وهذا يعني أن النموذج المحبّذ للتاريخ عند "ديلتاي" هو السيرة الذاتية، ويبدو أن تمثل النمذجة لموضوعها بما هو صيرورة صائرة يتموضع في هذا المعنى للتاريخية وهو ما يعني تضحية النمذجة بمفهوم الحقيقة لفائدة التاريخية، فـ"النموذج الذي تمّ إثبات صلاحيته ليس أبدا إلاّ مقاربة من بين مقاربات أخرى" مثلما أقرّ ذلك "نيكولا بولو" Nicolas Boulau.
    ذلك أن الملائمة والصلاحية أو عدمها حلت محلّ الصواب والخطأ، والصالح الملائم هو النافع. وبما أنّ النمذجة بُنيت أساسا على التحكم في المصاريف وتأويج الفعالية وقابلية الاشتغال فإن المنمذج لا ينتج إلا نماذج صالحة بالضرورة، ومن هذا المنطلق يرى "بولو" أن الصلاحية لا تؤسس مشروعية النموذج وإنما تمثل مبدأ قبوله إذ أن الصلاحية تتحدّد بالمواجهة بين النموذج وما يمثله هذا النموذج وهذه المواجهة تعبّر عما يسمح به النموذج من فعل ولذلك نقبله. و"بولو" يذهب إلى حدّ القول بوجود تناقض في صلب النمذجة، تناقض بين النماذج الوصفية أو التفسيرية والنماذج الكمية أو النوعية، فنحن في النموذج الوصفي ننمذج مثلا حريقا في الغابة عبر تمثل انتشار الحريق انطلاقا من قانون يتوقف على سرعة الريح، قانون يعدّل انطلاقا من الإحصائيات التي تمّ إقرارها من ملاحظة الحرائق السابقة، أما في النموذج التفسيري فيتعلق الأمر باعتبار طاقة الاحتراق بالنسبة إلى المساحة الخضراء مما يقتضي اعتبار قانون يحدّد دور الريح في كمية الأكسجين. و جلي أن هذا النوع من النماذج يستعمل المعارف العلمية والقوانين التي تم التوصل عبر النمذجة التحليلية و لا مجال عندها عن الحديث عن قطيعة بين العلمين بما أن قوانين النمذجة التحليلية هي الأساس النظري لهذه النماذج.
    شأن آخر تماما، هو شأن النماذج الكمية أو النوعية فهذه النماذج تغطّي فشلها التفسيري النظري بالتحاليل الرقمية الافتراضية التي تستخدم الرسوم الكيفية الخالصة ويبدو أن المنمذج في هذا النوع من النماذج "لا يملك في الغالب نظرية مرجعية تكون إطارا لفعله أو نشاطه" على حدّ قول "بولو"، وهو ما يطرح مشكلا ثانيا لا يتعلق هذه المرة بطبيعة الحقيقة التي تقدمها النمذجة، و إنما مشكلا يرتبط بطبيعة العلاقة بين النموذج والنظرية في النمذجة النسقية. فالنمذجة في مستوى النماذج الكمية أو النوعية لا ترتبط دائما بنظرية في حين أنها تقدّم في مستوى النماذج الوصفية أو التفسيرية تفسيرا للنظرية بما أنها تأتي بعد النظرية لتوضح البناء النظري. مشكل علاقة النظرية بالنموذج كما يطرحه "بولو" يجعله يستخلص أن النمذجة بما هي لغة المهندسين والشركات الاقتصادية والمؤسسات العسكرية ليست لغة للعلم بقدر ما هي لغة خارج النظرية العلمية.
    كما يجدر بنا أن نذكر أن منظّرو النمذجة النسقية كثيرا ما يفتخروا بأن هذا البراديغم العلمي يمثل حلا لاختزالية النمذجة التحليلية، ذلك أن العلم في شكله الوضعي يقوم على اختزال الكثرة والاختلاف إما في وحدة المبدأ أو في وحدة القانون وهو ما يؤدي إلى اختزال الظواهر المدروسة في بعدها الكمي القابل للقياس. والفكر الاختزالي حسب "إدغار موران" Edgar Morin يعتبر واقعا حقيقيا "لا الكليات ولكن العناصر، لا الكيفيات ولكن القياسات، لا الكائنات الموجودات ولكن المعطيات القابلة للصورنة والقابلة للترييض". وهو ما يعني أن الاختزالية تقوم على إرجاع المعقد إلى البسيط إذ هي منهج لبناء وصف للأنساق دون اعتبار الأنساق الفرعية التي تكونها وبالتالي دون اعتبار العلاقات بينها، والنمذجة النسقية من جهة كونها تسعى إلى دراسة المركب باعتباره كذلك تبدو قد تجاوزت اختزالية العلم الوضعي، لكن هل أن العلم المنمذج ينتج فعلا معرفة بشأن الواقع في كليته؟ ألم يبيّن لنا "باسكال نوفال" Pascal Nouvel أن استراتيجيا الفهم في النمذجة بما هي تبسيط هي استراتيجيا إهمال؟ ألم يحدّد "لادريار" Ladriere النموذج باعتباره تمثلا وتمثلا يعكس غائية المنمذج كما يدقق "لوموانيو" وبالتالي رؤية المنمذج للواقع؟
    وهذا يعني أن خاصية التبسيط بالإضافة إلى الخاصية التليولوجية Téléologique التي تميّز العلم المنمذج تجعل منه بالضرورة علما اختزاليا. أمّا إذا أضفنا إلى ذلك أنّ كلّ نموذج يتم إنتاجه يتعلق بسياق معين فإن الاختزالية تتأكد كبعد هام من أبعاد النمذجة النسقية، وكأن قدر المعرفة العلمية هو أن تبقى كونية بالحق لا بالحدث، خاصة وأن النمذجة كممارسة علمية تهدف إلى الفعل أساسا. ومن هذا المنطلق فإن النمذجة النسقية هي حليفة التقنية، و باعتبارها كذلك فإنها ليست غريبة على ما يـُسمى بالنظام التقني أي مجموع التقنيات المتفاعلة التي تحيل الواحدة منها على الأخرى بالكيفية التي تجعل كلّ تقنية تكتسب قيمة هامة في المنظومة التي تنتمي إليها، قيمة قد لا تحظى بها خارج علاقات تفاعلها مع النظام التقني الذي تنتمي إليه. وإذا كانت نظرية النماذج تبدو اليوم رؤية ضرورية لا غنى عنها فليس ذلك لأنها نجحت في اختراق الواقع وتفسيره بل لأنها منظومة تحكم متواطئة مع السلطة في مختلف أشكالها، مما جعل "كارل بوبار" K. Popper يعبر عن قلقه إزاء هذا التوجه قائلا: "أخشى أن فكرة السيادة على الطبيعة تتضمن في الغالب عنصرا آخر، إنه إرادة القوة في حدّ ذاتها، إرادة الهيمنة"، والهيمنة على الطبيعة لا يمكن إلا أن تؤدي إلى الهيمنة على الإنسان فالإنسان من الطبيعة، لذلك يرى "فرونسوا ليوتار" F. Lyotard: "إنّ مسألة المعرفة في عصر الإعلامية هي مسألة حكومة أكثر من أيّ وقت"، فالمنمذج ينمذج لرجل الاقتصاد، ينمذج لرجل الحرب، ينمذج لرجل السياسة، لأولئك الذين يتخذون القرار خاصة وأن النموذج يضطلع بوظيفة اتخاذ القرار، إذ يوفر لصاحب القرار المعطيات الضرورية التي تسمح له بإنارة قرار يهدف إلى الفعل. لذلك لا يتوانى "جون روستان" J. Rostin عن التعبير عن قلقه المتزايد من الممارسة العلمية الهمجية والهجينة، فلا هي علم ولا هي تقنية، ممارسة علمية جعلت الإنسان يسيطر على الطبيعة ويتحول إلى إله دون أن يكون جديرا بإنسانيته، يقول "روستان":"لقد جعل العلم منا آلهة قبل أن نكون جديرين بإنسانيتنا".
    2) حدود فلسفية:
    [​IMG]يبدو أن العلم والتقنية يعطياننا اليوم معرفة حقيقية وسلطة واقعية ففي الصراع ضد البؤس يمكناننا من استغلال عقلاني للموارد الاقتصادية، وفي الصراع ضد المرض كثيرا ما ينجح الطب والجراحة في إنقاذ أرواح بشرية من موت يكاد يكون حتميا : إن العلم والتقنية يقدّمان للإنسان سلطة حقيقة وتبدو النمذجة كممارسة علمية موجهة أساسا للفعل قد رسخت هذا التوجه المعرفي الذي يرمي إلى سيادة الإنسان على الطبيعة بل أكثر من ذلك، إن النمذجة في بعدها الدلالي وفي خاصيتها التليولوجية قد ردّت الاعتبار للذات في إنتاج المعرفة العلمية، إذ تؤكد على الطابع الإنساني للحقيقة، فالحقيقة تنزّل في التاريخ ولم تعد واقعا انطولوجيا بل بناءا رمزيا وتمثلا ملائما في ظروف معينة وفي أزمنة معينة.
    ردّ الاعتبار للذات في النمذجة يتزامن معه ردّ الاعتبار للمعنى والتأويل في المعرفة العلمية ذلك أنّ البراديغم الوضعي بإقراره للموضوعية كشرط أساسي في المعرفة العلمية لم يستبعد فقط الذات باسم الحياد والكونية بل أقصى أيضا المعنى من خطابه وحصره في الفلسفة، والقانون العلمي يمثل في البراديغم الوضعي قانونا للطبيعة في ذات الوقت إذ تقتصر مهمة الباحث الموضوعي على اكتشاف هذا القانون الذي يوحّد المعرفة ويوحّد الذوات، يوحّد المعرفة من جهة كون الظواهر المتعددة تُرد إلى نفس القانون، ويوحّد الذوات من جهة كون كلّ الذوات ترى نفس القانون في نفس الظواهر المتعددة، وهذا يعني أن فكرة القانون في البراديغم الوضعي تعبر عما اسماه "ألان باديو" Alain Badiou بثنائية الواقعية ـ القانون، وهذه الثنائية تعبر عن الابستيمية التماثلية التي تحدّد الحقيقة أنطولوجيا، أمّا في النمذجة فإن اعتبار النشاط المعرفي اختراعا يبني تصوّرا للظواهر بطريقة حرّة من قبل الباحث يضع الذات مرة أخرى في محور العملية المعرفية وبالتالي يغيّر ثنائية الواقعية القانون بثنائية الواقع النموذج وفي هذه الثنائية لا نتحدّث عن تطابق بين النموذج والواقع وإنما نتحدّث عن ملائمة، ملائمة تجعل النموذج المقبول ليس النموذج الوحيد الممكن بل إن هو إلا معنى ممكن ينتجه المنمذج كذات متدخلة باختياراتها وأهدافها وغاياتها في إنتاج المعرفة باعتبارها معنى ممكن للواقع، بهذه الكيفية لن يكون بإمكان "هوسّرل" E. Husserl اتهام البراديغم البنائي بإقصاء مسائل المعنى مثلما كان الحال مع البراديغم الوضعي.
    غير أن النمذجة باعتبارها المعرفة التي نتجت عن كيفية التفكير وضرب الفعل الذي يناسبها بحيث تتمثل الحقيقة في المطابقة بين نماذج تجربتنا للعالم وهذه التجربة، وحيث يكون النموذج تمثلا غائيا موجّها لمشاريع الفعل بحيث ينظم العقل ذات بتنظيمه للعالم وتكون تفعيلا للممكن باعتبار التفاعل المؤسس للمعرفة بين الذات والموضوع، النمذجة التي تجعل من رجل العلم المعاصر متصوّر ملاحظ ومنمذج لفعل ذكيّ يصف بناء استراتيجيا الفعل، تقترح علاقة تطابق بين وضعية مدركة ومشروع متصوّر، لا تمثل في منظور "بولو" Nicolas Bouleau، علما بقدر ما هي طريقة تستخدم العلم، فهي قول وفعل غير محايد وعلى صلة وثيقة بالايدولوجيا، وذلك ما يتمظهر حسب "ألان باديو" في ارتباط النمذجة بمعياري الاستقصاء والبساطة كمقولات ارتبطت "بالعقل التصنيفي للعصر الكلاسيكي" في مقاربته النقدية للفن، وهذا ليس بغريب على عقلانية النمذجة بما أنها تقوم على إنشاء خيالي لصورة مقبولة للواقع تمثلها النماذج من جهة كونها تيسر سبل الفعل الممكن في الواقع، ذلك أن النمذجة تخلق واقعا افتراضيا لتأويج الفعل، فعل صاحب القرار وهو ما يكشف عن انغراس النمذجة في رهانات مخصوصة تابعة لجهات غير علمية. وكما يمكن أن نغالط باللغة الطبيعية نستطيع أن نغالط باستعمال النماذج حيث "يتحول الإخضاع التقني لشروط الإنتاج إلى ضرورة لا زمنية لنمط اقتصادي يكون النموذج فيه مثالا على الاكراهات المفيدة" مثلما عبر عن ذلك "ألان باديو"، وتساعد الرياضيات بطبيعة الحال على تأكيد هذه المغالطة وتمريرها بشكل أفضل إذ يقول "بولو" "وليس للرياضيات بهذا الخصوص أية وظيفة تطهيرية، على خلاف ذلك تكون الرياضيات الصحيحة في ظاهرها لياقة وأدبا يمكن أن يخفي الغايات الأقل نبلا"، ذلك أنّ النجاعة وسخة، خاصة وأن ارتباط النمذجة بالسيبارنيطيقيا ييسّر تجاوز حدود الهيمنة على الطبيعة إلى الهيمنة على الإنسان و"الان باديو" يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يعلن أن النمذجة لا تعبر عن السمة المميزة للعلم وإنما "عن الصورة البرجوازية للعلم"، صورة العلم المعولم الذي لا يخفي ولا يتحرّج من ارتباطه العضوي برأس المال، إذ تكشف النمذجة في مستوى طرائقها كما في مستوى غاياتها عن افتقارها للاستقلالية، وأنّى لها أن تكون مستقلة وهي التي تنتج تمثلا في مكاتب الدراسات وفي مكاتب رجال الاعمال والشركات العالمية والمؤسسات العسكرية تحت الطلب، وكصورة للعلم المعولم تتقدم النمذجة في صورة الكوني الذي يخوّل لأمريكا بالتمظهر بعدم احتكار العلم والتقنية فنمذجوا و لكن لا تطالبوا بالمعرفة الذرية و بالتكنولوجيا النووية.
    مطلب النمذجة ليس إذن، مطلب الحقيقة وإنما هو مطلب الهيمنة كمقولة من مقولات السلطة بالشكل الذي جعل المعرفة مسالة حكومة وصراع بين الحكومات، مطلب النمذجة كممارسة متواطئة مع السلطة يجانب إذن مطلب الكلي بما هو مطلب إنساني ولا يتعلق الامر سواء بالنسبة لـ: "بولو" أو لـ:"باديو" برفض النمذجة في ذاتها كممارسة علمية قد تفيد الإنسانية إذا ما أحسن توظيفها وإنما برفض مبادئها والغايات التي تتحكم في إنتاجها وهو ما يحمّل العلماء والعلماء الجدد والفلاسفة ورجال السياسة وكلّ كيان ايتيقي مسؤولية إخراج العلم من البوتقة الضيقة للهيمنة وجنون الهيمنة السائد في وقتنا الراهن. يتعلق الأمر إذن بمصالحة الإنسان مع الإنسان، مصالحة الإنسان اليوم مع الكلّي الذي نظّرت له الحداثة الغربية مع "كانط" حتى لا تكون التقنية توجيها وتحكما وحتى يضمن العلم استقلاليته، و على الإنسانية أن تتحمل مسؤولياتها كاملة إزاء خيارتها عساها تختار إنقاذ الكوكب.

    القيم بين النسبي و المطلق

    I. السيادة و المواطنة:
    يعتقد عامة الناس أن المواطنة تتلخص في الحضور المادي في بلد ما أو أنها تتلخص في مجموعة من الحقوق التي لا يقابلها أي التزام. وهذا الاعتقاد خاطئ لسببين أوّلا لأنه يقوم ضمنيا على خلط بين المواطن والمواطنة. وثانيا لأنه يخلط بين المواطنة وأصناف الانتماء الأخرى سواء كانت ثقافية أو دينية أو إيديولوجية أو اجتماعية في حين أن فهم المواطنة يقتضي تحديدها في علاقاتها بالسيادة السياسية وبالديمقراطية وهو ما تفطّن إليه أرسطو عندما أقرّ "المواطن كما حدّدناه هو على الخصوص مواطن الديمقراطية" والديمقراطية ليست شيئا آخر عدا سيادة الشعب للشعب، وهذا يعني أن المواطن هو عنصر فاعل في الحياة العامة، عنصر فاعل في المدينة، ذلك أن كلمة مواطن الفرنسية Citoyen مشتقة من كلمة Civitas اللاتينية والتي تعني المدنية أو الجمهورية وبالتالي الدولة، عنصر فاعل في المدينة يعني إذن عنصر فاعل في الاجتماع السياسي وبالتالي في الدولة التي يكونها الشعب الذي يمارس السيادة على نفسه.
    وفي النظام الديمقراطي المواطن هو من يشارك في السيادة الشعبية، فيمارس حقّ الانتخاب ويختار التوجهات العامة في تدبير شؤون الحياة السياسية، هذا الترابط بين المواطنة والديمقراطية جعل "جون جاك روسّو" يقرّ بأنه "حالما يوجب سيّد لا وجود بعد لشعب يتصف بالسيادة" فلا يمكن الحديث إذن عن مواطنة في إطار حكم استبدادي وبالنسبة لروسّو تسمح الارادة العامة بالمصالحة بين الحرية الفردية والسيادة الجماعية ذلك أنّ كلّ فرد يتعاقد مع كامل الجسم السياسي، وكلّ فرد هو صاحب سيادة وبالتالي يشارك في سيادة الدولة من جهة كونه مشرع مشارك في الحياة العامة ورعية في ذات الوقت من جهة كونه خاضع لقوانين الدولة التي شارك في تشريعها، وهو ما يتحقق في الدولة الديمقراطية.
    المواطن مسؤول إذن عن الحياة المدنية، فهو من يمارس المواطنة التي تتحدّد في هذا المنظور باعتبارها علاقة ولاء للسلطة السياسية وحماية للمواطن من هذه السلطة بما في ذلك الحماية الدبلوماسية للمواطن في غير وطنه. فالمواطنة هي المشاركة في الحياة السياسية، هي ممارسة وضمان للحقوق المدنية والسياسية، والمواطن هو فردٌ ينخرط في سلطة الدولة وفي حمايتها، وبالتالي يتمتع بحقوق مدنية ويقوم بواجبات تجاه الدولة التي ينتمي إليها. وفكرة الانتماء هذه تحيل إلى كون المواطنة ترتبط عموما بهوية وطنية خاصة، وبالتالي ترتبط المواطنة بالتحيّز الإقليمي والتاريخي الذي يعين متغيرات انتماء الأفراد. وفكرة الانتماء هذه تمثل مصدر خلط عامة الناس بين المواطنة والحضور المادي في بلد ما في حين أنّ المواطنة تتجاوز محدود الحضور المادي مثلما أقر ذلك "أرسطو" في قوله : "لا يكون المرء مواطنا بمحلّ الإقامة وحده".
    كما أنّ فكرة الانتماء تربط المواطنة بثقافة وطنية تغذيها الذاكرة الشعبية. وهذا الرابط بين المواطنة والثقافة الوطنية يمثل مصدر الخطأ الثاني الذي يخلط بين المواطنة وأصناف الانتماءات الأخرى، خاصة وأنّ هذا الخلط يفتح على مخاطر قد تؤدي إلى الاستبداد السياسي، بما أنّ هذا الخلط يقضي على التنوع والاختلاف الخلاق. وهذا يعني أن المواطن بقطع النظر عن انتماءه الثقافي أو الديني أو الاجتماعي أو الأيديولوجي يمارس، وبطريقته الخاصة، المواطنة كما تحدّدها قوانين الدولة التي ينتمي لها، ومن هنا بالذات تتولّد ضرورة التمييز بين المواطن والمواطنة.
    وهكذا يمكن أن نستخلص مما تتقدم أن المواطنة تتحدد في ثلاث مستويات:
    · المستوى الأوّل تتحدّد فيها المواطنة باعتبارها مثالي "Ideal" بمعني قيم محفزة.
    · وتتحدّد في مستوى ثاني باعتبارها مجموعة متمفصلة من المعايير السياسية والحقوقية، أي مجموعة من الحقوق والواجبات التي تضفي الواحدة منها الشرعية على الأخرى وتسهر السلطة السياسية على رعايتها بطريقة ما.
    · وهي في مستوى ثالث مجموعة الممارسات الفعلية التي يقوم بها المواطنون ليشاركوا بطريقة فعالة في تنشيط الحياة الجماعية في إطار الدولة.
    وباعتبارها قيم ومعايير وسلوكات اجتماعية فعلية لا يمكن القول بأنّ المواطنة طبيعية بل هي عنصر ثقافي يـُبنى تاريخيا وبالتالي مكسب يُمرّر كي يتواصل ويتطوّر، ولذلك ترتبط المواطنة بالديمقراطية وبالتالي بالسيادة.
    غير أنّ ارتباط المواطنة بالسيادة يجعلها على كفّ عفريت إذ تكون وضعيتها حرجة للغاية ويمكن أن يفقدها الفرد كلما عمد إلى نسيان طبيعتها أو كلّما فسدت الديمقراطية فالسيادة عند "روسو" كما هو الحال عند "منتسكيو" غير قابلة للقسمة ثم هي مطلقة بما أنها فوق القانون، إذ هي التي ترسي القانون، والخطر يتأتى من ربط السيادة بالدولة إذ قد تتماهى السيادة مع الدولة مثلما هو شأن الخلط بين الدولة والمجتمع المدني وهو خلط حذّر منه "هيغل" عندما نقد نظرية العقد الاجتماعي، فالخلط بين السيادة والدولة والمجتمع المدني والدولة يؤدّي إلى ما سمّاه "سان سيمون" بدولنة المجتمع l’Etatisation de la societe أي سيطرة الدولة على كلّ هياكل ومؤسسات المجتمع المدني فنسقط في نوع جديد من الاستبداد السياسي، ولكن نوع خطير بما أنه استبداد باسم الديمقراطية سمّاه "توكفيل" بالاستبداد الناعم. ثم إنّ المماهاة بين السيادة والدولة قد تؤدّي إلى تصوّرات تجزّئ السيادة مثلما هو الشأن مع "غروتيوس" الذي يحدّد السيادة باعتبارها مجموعة مهام يمارسها صاحب السيادة مثل سلطة "صكّ العملة"، سلطة إقامة العدالة... وكلّ المهام التي تقوم بها الدولة والتي تسمى في السجلّ السياسي الحقوقي المهامّ الملكية التي تؤسّس قوة الدولة والتي يمكن التفريط فيها، والسيادة بهذا المعنى تكون قابلة للقسمة ولذلك كان "روسّو" قد انتقد تصوّر "غروتيوس" للسيادة وأقرّ بكون السيادة كاملة وغير قابلة للقسمة. ذلك أنّ السيادة في معناها الدقيق هي السلطة العليا، و الذي يمارس هذه السيادة ليس له سلطة فوقه، فمهامه لا ترتبط بأي سلطة أعلى منه، وهو ما يتضمن كون صاحب السيادة حر بصفة كاملة و مستقل.
    وهذه الاستقلالية و الحرية للسيادة تتمظهر في مستوى الحق التأسيسي في الدول الديمقراطية، فالشعب حر في أن يشرع القوانين التي يريد، وحر في أن يراجع الدستور متى شاء، بل و حر حتى في تجاوز الدستور حسب بعض الحقوقيين. كما تتمظهر هذه الاستقلالية في مستوى القانون الدولي فكل شعب حر في تقرير مصيره و يتمتع بمساواة حقوقية مع بقية الشعوب. ذلك انه إن كانت سلطة السيادة عليا فإنها بالضرورة غير قابلة للقسمة وهي حق غير قابل للتصرف إذ لا تستطيع أن تكون عليا و أن تتنازل عن جزء من سلطتها لفائدة أي جهة أخرى في نفس الوقت. و من هذا المنطلق يميّز المنظرون الثوريون في الحق التأسيس بين السلطة العليا ( السيادة) و أجهزة الدولة. فبالنسبة لـ"روسو"، الدولة لا تمثل صاحب السيادة الفعلي فصاحب السيادة هو الشعب الذي لا يقاسم و لا يفوّت في إرادته، يقول روسو «إن السيادة التي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة لا يمكن أبدا أن تكون محل تنازل». أمّا الدولة فهي من يعطي القوة الفعلية لهذه الإرادة، ذلك أنّ روسو يعتبر أن الشعب هو صاحب السيادة من جهة كونه يمثل الإرادة العامة، و سلطات الدولة ليست إلا تعبيرات عن هذه الإرادة فالدولة لا تتكلم و لا تفعل إلا باسم الشعب و بالتالي تجد الدولة دائما حدا داخليا لفعلها. و إذا كانت السيادة غير قابلة للقسمة أو التصرّف فيها، فإننا لا نستطيع أن نقول نفس الشيء عن سلطة الدولة التي يمكن أن تقسم و يمكن أن يفوت فيها جزئيا, لذلك فإن كل خلط بين السيادة و سلطة الدولة يؤدي إلى النظم الكليانية و بالتالي تهديد المواطنة بما أن المواطنة لا تتحقق إلا في النظام الديمقراطي، لكن النظام الديمقراطي السليم الذي يسعى إلى تحقيق العدالة و المساواة.
    و يجب أن نلاحظ أنه ثمة اليوم عدو آخر يترصد بالمواطنة و السيادة معا،إنه هيمنة الاقتصاد و السوق الكوني على السياسي، هيمنة تتجلى في العولمة كادعاء للكونية. وأول تداعيات العولمة على المواطنة تتمثل في تحويل المواطن إلى مستهلك في سيرورة تحويل وجهة عندما لا يتعلق الأمر بتحويل مقصود و معلن. و هذه العملية تنخرط في نزعة قوية تتمثل في الحط من شأن السياسة في مقابل إرادة الرفع من شأن السوق باعتباره المجال الكوني لسيادة المواطن. و هكذا تنحط المواطنة إلى ابخس تعبيرة عنها، و تتوقف حرية الاختيار لدى المواطن عند أنواع الاستهلاكيات في السوق, أما صناديق الاقتراع و بطاقات الانتخاب فتبدو في إيديولوجيا السوق تخلفا. و هذا الانزياح في معنى المواطنة الذي لا يكاد يرى, إذ يمرر باسم الديمقراطية ذاتها، يطرح مشكلا خطيرا على الإنساني، مشكل سلب عدد متزايد من الأفراد من مشاركتهم في السيادة، خاصة و أن الخيار الاستهلاكي لا يمثل خيارا عقلانيا بالنسبة للمصلحة العامة، لان المصلحة العامة لا تختزل في مجموع المصالح الخاصة بكل فرد، وهو بالذات ما تروج له الفردانية في النظم الديمقراطية المعاصرة حسب "توكفيل". و هكذا فإن الأفراد الذين ليس لهم الإمكانات المادية التي تمكنهم من الاندماج في المجتمع الاستهلاكي يجدون أنفسهم مستبعدين و محرومين من حق التعبير في الحقل العام مثلما عبر عن ذلك "هابرماس", والمواطنة التي كانت تمكن من تجاوز اللاعدالة في مختلف أصنافها و مختلف أبعاد الوجود الإنساني و التي كانت تمكن كل فرد من حق مساو في ممارسة السيادة الشعبية تركت مكانها للاستهلاك, و يبدو أن مجتمع السوق يعيد اليوم تأسيس نوع من حق الانتخاب الضرائبي في واقع تفشي الفساد السياسي في الديمقراطيات المعاصرة.
    و بما أن السوق لا يمكنه أن يعوض المنتدى الشعبي, إذ هو لا يمثل المجال الذي يستطيع كل فرد أن يمارس فيه اختيارا عقلانيا فإن الفرد المستهلك لا يمكن أن تكون له في السوق سلطة ديمقراطية، وتحوّل المواطن إلى مستهلك يعني نهائيا التخلي عن الديمقراطية الاجتماعية وظهور نوع جديد من النظام يسميه بعض المفكرين بالديمقراطية الشعبوية للسوق، نظام تختزل فيه السيادة الشعبية في علاقة تاجر ومستهلك. وهذا الواقع الذي شخصه "توكيفيل" في ما سمّاه بالاستبداد الناعم والذي حلله "أدورنو" و"هوركايمر" جعل "ماركوز" ينتهي إلى رؤية تشاؤمية في نقده للمجتمع الاستهلاكي ذلك أن مجتمع السوق المحكوم بأوامر ماركانتيلية خاصة، اوامر اقتصاد السوق، لا يؤسس العدالة الاجتماعية، خاصة وأن هذه الأوامر ليس لها ما يحدّها أو ما يعارضها في الوقت الراهن عدى بعض حركات المقاومة الشعبية المعزولة والتي تأخذ شكل مظاهر عنيفة أو مرضية وحتى لا عقلانية في منظور العولمة مثلما بين ذلك "بودريار" الذي يبدو أكثر تفاؤلا من "ماركور" بما أنه، على الأقل، يعتبر أن العولمة لا تستطيع أن تعلن نصرها طالما هناك مقاومة.
    غير أن الوضعية القانونية للمقامة تطرح مشكلا حقوقيا من وجهة نظر كانط، ذلك أنه "ليس ثمة أي مقاومة للشعب ضدّ الحاكم المشرع للدولة تكون مطابقة للحق"، فليس ثمة "حق عصيان" ولا "حق تمرّد". وكانط يذهب إلى أبعد من ذلك إذ يعتبر أن "أبسط محاولة في هذا الشأن هي خيانة عُظمى ومن يكون خائنا من هذا الجنس، باحثا على القضاء على وطنه لا يمكن أن يُعاقب بأقل من الموت". و في هذا الاقرار يبدو كانط وكأنه يتكلم على لسان أباطرة السوق، أولئك الذين ينعتون بالإرهاب كلّ محاولة للتصدّي لنجاحات اقتصاد السوق المعولم، وربما ما يبرّر هذا التحامل الكانطي على المقاومة، هو كون المشروع الكانطي يندرج في إطار بحثه عن تحقيق سلم دائم، وشأن كانط كفيلسوف هو أن يتحرّك وفق خلفية أخلاقية تجعله يرفض العنف في كلّ أشكاله حتى وإن كان مقاومة للطغيان، وكأن بكانط يسير على خطى "سقراط" عندما عرضوا عليه الفرار من السجن قبل إعدامه فرفض لأنه من واجبه احترام قوانين المدينة حتى وإن كانت جائرة. ولكن الفلسفة التي يمثل الاختلاف شأنها الملكي، جعلت ماركس يعتبر أن العنف الثوري الذي تمارسه الطبقة الكادحة هو عنف شرعي. فعندما يجعل الاستبداد بعنفه محلّ الحق والعدالة يجب مقاومته، فالاستبداد عنف ومقاومة هذا العنف لا تكون بالنسبة لماركس بالخطاب فحسب بل وأيضا بالقوة خاصة وأنها تبقى دينامية يمكن التحكم فيها في مقابل العنف الذي يمثل دينامية مجنونة.
    ورغم إدانة كانط للمقامة، فإنه ليس لنا أن ننسى إضافته في مستوى دعوته للكونية، إذ مكننا كانط من الربط بين مستويات المواطنة، بين مواطن الدولة والمواطن العالمي بطريقة تسمحُ بالمصالحة بين الحق وكرامة الإنسان، بين هوية وسيادة الشعوب وتآزر كلّ متساكني الكوكب بما في ذلك اللاجئين السياسيين الذين حرموا من حق حماية دولة خاصة. ذلك أن المواطنة العالمية عند "كانط" تقتضي الاعتراف بالآخر كآخر، فالآخر في هذا المنظور الكانطي ليس غريبا بصفة مطلقة وليس هو نسخة مطابقة للذات، والعالمية التي ينادي بها "كانط" تصالح بين خصوصية الشعوب والغيرية، تصالح بين الهوية والاختلاف، تبرز الكوني في الخصوصي والخصوصي في الكوني. ذلك هو شرط الحوار الأصيل الذي يمكننا من تجاوز المفارقة التي أحالت إليها "حنّا أرانت" بين الحقوق الكونية والتجمّعات الخصوصية، حسبنا فقط أن ننتبه إلى الاستبداد الناعم الذي شخصه "توكيفيل" والذي هو بصدد بسط سلطانه بخطى حثيثة في الديمقراطيات المعاصرة. ولكن علينا أيضا أن نحترس من العولمة والفضاءات الجديدة التي أنتجتها لتفعل فيما بعد الحدود الجغرافية وما قد تمثله من خطر على السيادة وبالتالي على المواطنة التي لا تتحقق إلا في ظلّ الديمقراطية، فالمواطنة تتكون عبر الحوار وتبادل الأفكار وهو ما يقتضي تفكيرا مناسبا حول دور الاعلام في المدينة، خاصة وأن الاعلام اليوم يتموضع في مشهد السوق ولا يهتم أبدا بتبادل الأفكار وإنما يهتمّ بخطابات الأوغاد والحمقى مثلما عبر عن ذلك "ميشال هنري" في كتابه "البربرية"، ثم إن دكتاتورية وسائل الاتصال تمنع كلّ نقد باسم حرية الصحافة. ونخشى اليوم من أن تهيمن الديمقراطية الاتصالية وأن تهيمن وسائل الاعلام فتغيب الديمقراطية، لذلك يجب استغلال العولمة لنعلن الواجب الملح اليوم، واجب رفعه "كانط" منذ الحداثة يتمثل في بناء مواطنة عالمية تتأسّس على الثلاثية: حرية، مساواة، وإخاء، لأنه أن يكون الواحد منا مواطنا عالميا هو أن يعرف وأن يفهم وأن يشارك في حوارات المدينة الذي تمثلها اليوم "القرية العالمية" واللاّتجانس ليس حاجزا وإنما هو مثلما بيّن ذلك "إدغار موران" عامل محرّر : "إنه يجعل الامبراطوريات القديمة والحديثة تنهار ويفضل التجارب والوضعيات الجديدة"..
     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...