مفهوم التَّجديد في الاسلام

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة أدم., بتاريخ ‏8 ماي 2008.

  1. أدم.

    أدم. عضو جديد

    إنضم إلينا في:
    ‏19 أفريل 2008
    المشاركات:
    36
    الإعجابات المتلقاة:
    64
      08-05-2008 11:08
    :besmellah2:


    أحمد الله العظيم أنْ هدانا إلى خير دين وأقوم شريعة، لا اعوجاج فيها ولا التواء، بل استقامة على الطريق المستقيم، واعتدال على النهج القويم، وثبات على أرسخ القواعد وأعدل الأمور. أما بعد،،،فإنَّ دين الحق الذي ارتضاه الله تعالى لعباده، وأرسل به خير رسله، وختم بشرعته ورسالته الرسالات والشرائع، يجب أنْ يبقى كاملاً محفوظاً، تاماً محروساً، لا يَخْلَق ولا يبلى، ولا ينقص، يحتكم إليه العالمون، وتُضبط به أمورهم وشؤونهم حتى لا يبقى في الزمان أمرٌ ولا شأن، إلاَّ الحساب والجزاء يوم الدين.
    ولهذا اقتضت كلمة الله البالغة، ورحمته الواسعة، ومقتضى ربوبيته وألوهيته، أنْ يبعث في الناس مجوِّدين، يجلَّون دينه من صدأ التخلِّي، وينقونه من شوائب الصد عنه، ويحمونه من سطو الساعين إلى إضعافه وإخماد جذوته بفضل الكريم المنَّان.

    مفهوم التجديد
    أصل التجديد ووضعه اللُّغوي
    التجديد في أصله اللُّغوي: مأخوذ من جدَّد الشيءَ، وتجدَّد الشيءُ، إذا صيَّره جديداً أو صار جديداً.
    والتجديد فيه طلب واستدعاء، إذ التاء للطلب، فيكون تجديد الشيءِ يعني طلب جِدَّتِه بالسعي والتوسّل إلى ما يجعله جديداً. والجديد نقيض الخَلَق والبِلى، وضدّ القديم بمعنييه ـ القديم زماناً، والقديم بقاءً، وهو التقادم ـ، فيُقال: بلي بيت فلان ثمّ أجَدَّ بيتاً مِنْ شَعْر.. ويُقال لليل والنهار: الجديدان، لأنهما لا يبليان أبداً.
    ومن معاني التجديد في أصل اللُّغة: الوسطية، ويقولون: جادّة الطريق أي سواء الطريق ووسطه.
    ومن هنا ندرك أنَّ التجديد لا يعني بحال الإتيان بجديد منقطع عما كان عليه الأمر أولاً، ولكن يعني:
    • أنَّ الشيء المجدَّد قد كان في أول الأمر موجوداً وقائماً، وللناس به عهد.
    • وأنَّ هذا الشيء أتت عليه الأيام، فأصابه البِلَى وصار قديماً خَلِقاً.
    • وأنَّ ذلك الشيء قد أُعيد إلى مثل الحالة الأولى التي كان عليها قبل أنْ يبلى وَيَخْلَق
    ولهذا يقولون: جدَّد بيته، أي: رمَّمه، وأعاد طلاءه، وأحكم إثبات النوافذ، وغيّر مظهره، الذي بدا فيه التقادم وبان عليه التصدّع، ولا يعني تجديد البيت هدَّه من الأساس وإعادة بنائه طوبة طوبة.
    ويوضّح أكثر هذا المعنى قول أحد المصلين: جدّدت وضوئي، وهو لا يريد بذلك الوضوء من جديد بعد انتقاضه، فهذا لا يُسمَّى تجديداً، وإنما يريد بتجديده إعادة جدته كسباً لأثره في المصلِّي، تزويداً له بالنشاط للأداء المتقن الخاشع بسببه.
    وكذلك قولك لأحد المتعاهدين: جدّدْ العهد، فهو لا يعني أنْ عهدك قد انتقض، بقدر ما يعنون أنه تقادَمَ إلى درجة أوشك معه المتعاهدون يتخلون عن ملزماته ويتساهلون في التزام بنوده.
    فالتجديد ـ إذاً ـ لا يستلزم إقامة شيء جديد على أنقاض القديم، ولا يعني رفض القديم كله بحسبان نفود صلاحه، وأنه صار سلباً غير نافع يجب إلغاؤه والإتيان بجديد مغاير منقطع عنه أصلاً ووصفاً.
    ولكن حقيقة ما يعنيه التجديد هو إعادة الأمر إلى ما كان عليه أولاً، وهو نوع من الإجلال لذلك الأمر وتعظيم له، على خلاف ما يعتقده كثير من سامعي هذا المصطلح ومطلقيه.

    المفهوم الاصطلاحي للتجديد
    يقول العلقمي في معنى التجديد: "معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسُّنَّة والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات".
    وقيل معناه: "تبيين السُّنَّة من البدعة، وإكثار العلم ونصرة أهله وكسر أهل البدعة".
    قال الحاكم: "سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول غير مرة: سمعت شيخاً من أهل العلم يقول لأبي العباس بن سريج: أبشر أيها القاضي! فإنَّ الله مَنَّ على المسلمين بعمر بن عبد العزيز على رأس المائة، فأظهر كل سُنَّة وأمات كل بدعة".
    ومعنى التجديد الاصطلاحي يظهر أكثر بتعريف أبي الأعلى المودودي ـ رحمه الله تعالى ـ إذ يرى أنَّ المجدِّد هو: "كل من أحيا معالم الدِّين بعد طموسها، وجدَّد حبله بعد انتقاضه...
    فيكون التجديد: إحياء معالم الدِّين بعد طموسها، وتجديد حبله بعد انتقاضه.
    والطموس لم يكن للدِّين، وإنما كان لمعالمه، ولا يريد بالطموس انتهاءه بالكلية من قلوب الناس وحياتهم، ولكن أراد به عدم ظهوره في جوانبه كلها. كما أنه ـ رحمه الله ـ لم يُلصِقْ الانتقاض بالدين، بل ألصقه بحبل الدِّين، وحبل الدِّين وسيلة التمسك به، من شعائر، ومشاعر، ونُسُك، وارتباط الوجدان بالمشاهدة، والمراقبة، والصدق، والتوكل، واستمساك العروة الوثقى، توجهاً بالنفس، وتوجيهاً بالدعوة.
    فالتجديد في مراد العلماء ـ إذاً ـ يصدق في أمور:
    أولها: إحياء ما اندرس من العلم والعمل.
    وثانيها: الأمر بمقتضى الكتاب والسُّنَّة عند غياب الأمر بهما أو التساهل في الاستمساك بمقتضاهما.
    وثالثها: تبيين السُّنَّة وتمييزها عن البدعة إذا اختلطتا وتمازجتا، فلو لم يقوَ الناس أو يقتدروا على التمييز بينهما لتمكَّن الجهل وتفشَّت الشُّبهة.
    ورابعها: إماتة ما ظهر من البدع والمحدثات، بنشر العلم والدعوة به وإكثاره، ونصرة أهله، وكسر أهل البدع والمحدِثين.
    وخامسها: إحياء معالم الدِّين بعد ما أصابها الطموس، بعوامل القسوة وطول الأمد، كما أصيب أهل الكتاب منهما، وقد أخبر الله عنهم في قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ).
    وسادسها: ربط حبل الدِّين وتوثيقه في وسائله ووسائطه التعبدية والخلقية والوجدانية، إذا أوشك أنْ ينتقض، استمساكاً بعروة الدِّين الوثقى، وحفاظاً على أسبابه المثلى، التزاماً وثباتاً.
    وهذا كله هو ما فعله الذين أخبر عنهم النبي الكريم في الخبر الصحيح من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا).
    وذلك كله مقصود المصطفى صلى الله عليه وسلم ، حين يطلب على حرص النبوة إصلاح الذات، وتنقية القلب، وتزكية النفس من رواسب طول الأمد، وتراخي الرباط الإيماني في قوله صلى الله عليه وسلم : (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: (أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ).
    ولعله المراد من جهود الطائفة القائمة على الحق للاستمساك بعروة الدِّين الوثقى، وإبقاء شعائره وشرائعه صافية نقية دون تغبّر أو تغيّر بجهود الطائفة الظاهرة بالحق على الحق كما في حديث ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ..).

    التجديد والابتداع

    وإنَّ الذي بين التجديد والابتداع، هو ما بين الضدّين من تخالف وتضاد وتعاكس، فلا يمكن أنْ يكون التجديد من الابتداع، بل هما ضدّان متعاكسان:
    • الابتداع قطع عن الأصل، والتجديد إعادة للأصل وربط به.
    • الابتداع اختراع في أصول الدِّين وفروعه بلا دليل، والتجديد إرجاع لأصول الدِّين وربط لفروعه بالدليل.
    • الابتداع طمس لحقائق الدِّين ومعالمه، والتجديد إحياء لتلك المعالم بعد طمسه، فأنَّى يجتمعان، وكيف لهما أنْ يلتقيا؟ فلا يمكن أنْ يكون تجديد الدِّين بالابتداع فيه يوما ما.

    التجديد بالجديد

    ويخطئ الكثيرون حين يظنون أنَّ التجديد لا يكون إلاَّ بإتيان جديد غير مسبوق في تاريخ التديُّن، أو باختراع عبادة يرون أنها تناسب العصر أو الناس أو الحال، أو بإنشاء أوامر جديدة وتعاليم لم يشر إليها نصٌّ أو استدلال، واهمين أنَّ البقاء على كل قديم جمود قاتل، وأنَّ الثبات على الأصول تقليد مذموم، وأنَّ استصحاب الماضي تعصب خاسر، وينهض لذلك بدوافع رافضة للقديم بمجرد كونه قديماً، وهؤلاء هم الذين سخر منهم الرافعي ـ رحمه الله تعالى ـ حين دخل معركته معهم [تحت راية القرآن] وقال: "إنهم يريدون أنْ يجدِّدوا الدِّين، واللُّغة، والشمس، والقمر". وهؤلاء هم الذين رَدَّ عليهم محمد إقبال حين قال: "إنَّ الكعبة لا تُجَدَّد بجلب حجارة لها من أوربا".


    الخاتمة

    التديُّن الذي يطلبه الشرع لم يكن يوماً ما ذلك الشكل المتبلِّد على صورة واحدة في كل حين، لا يقدر صاحبه أنْ يتجاوزها اعتقاداً منه أنه عابد لله تعالى على أعلى درجة مما لا يستطيع مثلها أحدٌ غيره. ولم يكن الالتزام المطلوب في شريعة الإسلام تصلُّباً وجموداً على حالة واحدة لا تتبدّل، وإنْ كان التبديل مراداً لها، فذلك كله خروج عن مراد الشارع في التديُّن والالتزام.
    وليس التديُّن الذي يطلبه الشرع ـ كذلك ـ صوراً تُلتزم حيناً وتُهمل أحياناً في تساهل متعمّد، وانحلال عن ملزماته بأدنى الحيل والأسباب والدواعي، فذلك برهانٌ على قلة الرقيب النفسي، وسرعة ذوبان الارتباط، وانعدام استشعار المراقبة لله الرقيب.


     
    1 person likes this.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...