أعلام الشوكة البحرية للإسلام

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏8 ماي 2008.

  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      08-05-2008 21:54
    أعلام الشوكة البحرية للإسلام

    الكاتب: الشيخ محمد الفاضل بن عاشور (رحمه الله تعالى)

    ظهر الإسلام في أرض هي جزيرة بين البحار، وسطع نوره بين أمة عرفت البحر ومارسته، واتخذته طريقا للتجارة، وسبيلا للغزو، ووسيلة للمعاش. فمن الواضح الضروري أن يكون لغزاة البحر في الإسلام، وللأساطيل وآثارها في تكوين الدولة وشد أزرها، ما لم تزل معالمه قائمة، وشواهده ماثلة، بحيث يغني فيه العيان عن البيان.

    ولكن المهم وراء ذلك هو البحث عن أولية الحياة البحرية في الإسلام، وكيف نشأت متسلسلة على الحياة البحرية للعرب في الجاهلية ومتولدة منها في الأطوار الأولى لدولة الإسلام العربية قبل أن تتعاون أمم العرب والعجم على النهضة بعبء الحضارة الإسلامية وتتكاتف على احتمال أمانة الرسالة.

    فقد احتفظ تاريخ ظهور الإسلام بذكريات عزيزة راسخة في قرارته، من حديث البحر ورجاله وأساطيله. وشرف البحر بما شرفت به أولية الرسالة الطاهرة، وكتب في صحيفة ما ابتلي به السابقون من المؤمنين، من ابتلاء بالهجرة.

    فأول ما عرفت الهجرة في الإسلام كان البحر طريقها، والسفينة مطيتها، يوم كانت بلاد الحبشة أرض الهجرة الأولى للمسلمين، وقد اشتد بهم الأذى في مكة، فسافرت منهم طائفة إلى الحبشة، في سفينة اخترقت بهم البحر الأحمر، وكانوا خمسة عشر بين رجال ونساء ثم رجعوا إلى البلد الحرام فلم يلبثوا أن عادوا مخترقين البحر مرة ثانية، في عدد وافر، يناهز المائة، فأقاموا عشر سنين. وصادف أن خرج أثناء ذلك جماعة من الأشعريين، من اليمن في سفينة يريدون الحجاز، فاضطرب البحر بسفينتهم، وألقتهم الرياح إلى العدوة الحبشية، فالتقوا بإخوانهم المهاجرين من قريش، وأقاموا بالحبشة، ولم يرجعوا إلا في العام السابع من هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وهؤلاء السادة هم الذين عرفوا في لسان علماء السنة بأهل السفينة، ولهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان" وإن دينا يكون البحر أول طريقي هجرته زمن الدعوة والابتلاء، لحقيق بأن يهرع إلى البحر، موجدا منه لنفسه طريقا زمن التوسع والفتح، لاسيما وباب الغزو البحري مفتوح في الإسلام من عهد البعثة على لسان الوحي فقد ورد في حديث البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى الهاجرة يوما في بيت عبادة بن الصامت الأنصاري رضي الله عنه فنام فلما استيقظ استيقظ ضاحكا، فقالت زوجة عبادة أم حرام بنت ملحان: "ما يضحكك يا رسول الله؟" قال: "عجبت من قوم من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة". قالت: "أدع الله أن يجعلني منهم"، قال: "أنت مع الأولين"، وأعاد ذلك مرتين أو ثلاثا.

    وقد بقي من يومئذ هذا الأمل مكنونا في نفوس المسلمين. ومضت الغزوات النبوية برية لم تخرج إلى البحر، ولم تعتد بلاد العرب. واستمر الأمل العزيز مكنونا كذلك، في خلافة الصديق رضي الله عنه إذ لم تزايل غزواته إلى الشام الطريق البري الذي ابتدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلكه بنفسه من تبوك.

    حتى إذا أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه واتسعت الفتوح وتعددت مسالكها، بدأ الأمل المكنون يتطلع إلى البروز، فبدأ التردد، ثم ظهر الجدال، ثم آل الأمر إلى المحاولات.

    وكذلك المعارضة الشديدة في ذلك، تبدو من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لشدة حذره على المسلمين، ولما كان يعلم من ضعف استعدادهم يومئذ بالنسبة إلى أعدائهم الذين كانت بيدهم أهم القواعد البحرية، فكان يرى من الجرأة المذمومة أن يغرر بالمسلمين تغريرا قد يحتمل سوء مغبته، وهو الراعي المسؤول، كما علل بذلك ابن خلدون.

    أما الساعي لتحقيق فكرة الغزوات البحرية، فقد كان يضطلع بزعامته صحابيان جليلان من عمال سيدنا عمر، هما العلاء بن الحضرمي عامل البحرين على المحيط الهندي، ومعاوية بن أبي سفيان، عامل الشام على البحر الأبيض المتوسط.

    أما العلاء فقد جمع جنده من البحرين بدون إذن الخليفة، وعبر بهم البحر إلى شواطئ البلاد الفارسية، وقصد عاصمة الفرس يومئذ وهي مدينة إصطخر، فكانت لهم مواقع عظيمة، أحرقت فيها سفن المسلمين، وحوصروا، وسدت عليهم مسالك الرجوع. وبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فاشتد غضبه، وعزل العلاء، وأنجد الجيش المحصور بمدد من البصرة فك عنهم حصارهم، وخاض معارك جديدة حمدت آثارها.

    وبهذا يتبين أن العلاء بن الحضرمي هو أول من ركب البحر غازيا في الإسلام وبذلك جزم المقريزي، إلا أن جمهور الأدباء والمؤرخين لا يعدونها في الأوليات فيقولون: أول من ركب البحر معاوية بن أبي سفيان، ولعل ضعف أثر هذه الغزوة، وخلوها عن إذن الخليفة هو الذي دعاهم إلى ذلك.

    وأما معاوية فقد كان محل عمله بالشام منتهيا إلى حدود الروم، وكانت مملكة الروم الشرقية هي التي بقيت تناهض سطوة الإسلام، بعد القضاء على مملكة الفرس في موقعة القادسية الحاسمة، وكانت عاصمة المملكة مدينة قسطنطينية قبلة أنظار العالم، بعد سقوط روما، فكان معاوية يلح على عمر رضي الله عنهما في غزوة بلاد الروم بحرا، ويذكر له قرب مواقع المسلمين من مواقع الروم. وإزاء هذا الإلحاح رأى أمير المؤمنين أن يوجد لديه شيئا يعتمد عليه للخروج من تردده، فكتب إلى عامله على مصر: عمرو بن العاص، يستوصفه البحر، فأجابه عمرو بكتابه المشهور، مؤكدا ما في نفس أمير المؤمنين من مخاوف. وعلى ذلك اعتمد عمر ورفض إلحاح معاوية رفضا باتا، جاعلا له من قصة العلاء بن الحضرمي عبرة.

    وسكت معاوية رضي الله عنه من إلحاحه بقية الخلافة العمرية، حتى إذا صارت الخلافة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، أعاد استئذانه فأعرض كما أعرض الخليفة من قبله. حتى إذا تكرر إلحاح معاوية أجابه: على شرط أن لا ينتخب الناس لذلك، ولا يقرع بينهم، ولكن يخيرهم فمن تطوع بالغزو في البحر وجهه.

    وبهذه الصورة تكونت أول غزوة بحرية رسمية في الإسلام سنة 28، وكانت وجهتهم الأولى جزيرة قبرص فتوجه إليها أسطول الشام، الذي جهزه معاوية بقيادة عامله على البحر عبد الله بن قيس الجاسي، وأسطول مصر بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فاتح إفريقية. والتقى الأسطولان على قبرص فنصبا حصارا لم يرفع إلا بمعاهدة صلحية تضمنت إلزام أهل جزيرة قبرص بدفع جزية سنوية وإباحة طريقهم لقوات الإسلام إلى سواحل الروم، وإنذار المسلمين بكل خطر يتهددهم من الروم.

    وكان ممن ركب البحر في هذه الغزوة عبادة بن الصامت، وزوجه أم حرام بنت ملحان رضي الله عنهما، وهي التي تلقت من النبي صلى الله عليه وسلم البشارة بغزو البحر وأنها من أول من ركبه، وفي هذه الغزوة استشهدت ودفنت بجزيرة قبرص، وضريحها معروف فيها إلى اليوم.

    وبهذه الغزوة فتح للأسطولين الإسلاميين: أسطول مصر وأسطول الشام، طريق صولتهما بالبحر فكانت لهما مواقع مهمة كموقعة ذات الصواري التي انتصروا فيها على ملك الروم قسطنطين سنة 31 وفتح قبرص بعد انتقاض الهدنة سنة 33 وحصار القسطنطينية سنة 50 حتى أن عبد الله بن قيس الجاسي غزا بعد حصار قبرص، خمسين غزاة بحرية، صيفا وشتاء لم ينكب أسطوله ولم يغرق من جيشه أحد في البحر، حتى قتل شهيدا مغدورا في بعض استطلاعاته بشواطئ بلاد الروم.
     
    1 person likes this.
  2. il capitano84

    il capitano84 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏20 مارس 2008
    المشاركات:
    609
    الإعجابات المتلقاة:
    1.208
      08-05-2008 22:40
    رحم الله الشيخ و تجاوز عن سيئاته و سيئتنا اجمعين
     
  3. marwan zriba

    marwan zriba عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏29 نوفمبر 2007
    المشاركات:
    1.320
    الإعجابات المتلقاة:
    1.052
      09-05-2008 07:28
    ربى يرحمو او يرحم جميع المسلمين
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...