-آيات القرآن وترتيبها-

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة Md Ali, بتاريخ ‏14 ماي 2008.

  1. Md Ali

    Md Ali نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏3 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    2.394
    الإعجابات المتلقاة:
    4.108
      14-05-2008 16:00
    بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين


    -آيات القرآن وترتيبها-
    للقرآن هدفان أصليان: هدف عام يشترك فيه مع سائر الكتب السماوية المنزلة، ويتمثل في هدي الأمة إلى سبيل الحق، وهدف خاص تفرد به عما سواه، ويتمثل في إعجازه البياني الذي به تحدى نبغاء العرب وبلغاءهم بمعارضته أو الارتقاء إلى مثل أسلوبه، في عصر سادت فيه دولة الكلام، وتسابق الناس في أفانين القول وأساليب البيان. ولهذه الميزة سميت (آية) كل جملة من الجمل التي تتألف منها سور القرآن، وتفصلها عن غيرها فاصلة. ومما هو متفق عليه أن عدد آيات القرآن يبلغ ستة آلاف آية. أما تحديد مقادير الآيات بتعيين منتهاها ومبتدأ ما بعدها فهو توقيفي مروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن آيات القرآن طويل وقصير ومنه ما ينقطع ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام(1). وتجدر الإشارة هنا إلى أن تسمية الجمل أو الفقرات بالآيات لا يصح إطلاقها على ما تتألف منه الكتب السماوية الأخرى. وذلك لانعدام خصوصية القرآن منها وهو الإعجاز البياني. فالتوراة التي جعل الله فيها هدى ونورا لا تخلو من غوامض ومشكلات كثيرة وقع الاشتباه فيها، ولم يكن نور الحق والهداية ساطعا من بيانها سطوعه من بيان القرآن. والإنجيل كذلك، إذ إنا نرى تلاميذ المسيح أنفسهم ما كانوا يفهمون كل ما يخاطبهم به من مواعظ وأحكام. وكتاب دانيال النبيء ما أنزله الله عليه إلا ليهتدي به من يقرؤه عليهم، ولم يكن آيات بينات بل هو كألغاز ورموز لا يفهم إلا بعناء(2). أما القرآن فانه كما قال ابن خلدون [نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمون معانيه في مفرداته وتراكيبه(3)].وان تفاوت فهمهم لا محالة بحسب ذكائهم الفطري ومداركهم العقلية، وإلمامهم بما أحاط بنزول الآيات من ظروف ومناسبات. لذا كان تفسير القرآن في المرحلة الأولى يعتمد على القرآن نفسه كرد متشابهه إلى محكمه، وحمل مجمله على مبينه، وعامه على خاصه، ومطلقه على مقيده، وغير ذلك مما يستدل به على أن المراد من آية ما جاء في آية أخرى من توضيح لها أو تفصيل أو تقييد. ولميزة الوضوح الذي يتسم به القرآن في أجلى صوره، خصه الله بالإبانة فقال سبحانه في شأنه –{ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) **-س-الشعراء. فلم تكن روعة البيان القرآني إلا معجزة عامة بنيت عليها الرسالة المحمدية ولسوف تبقى على العصور شاهدة بأن القرآن من عند الله، وأي برهان أدل على ذلك من جمعه لكمالات في الشكل والمحتوى يقف البشر دونها مشدوها عاجزا، ثم من أمية الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لبث أربعين سنة لم يؤثر عنه شيء من العلم ؟ -{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) **–س-يونس. ولقد كان من أثر عناية علماء الإسلام قديما وحديثا بإعجاز القرآن، أن أفردوا الفصول، وألفوا الكتب في إبراز خصائصه البلاغية، وإجلاء أسراره البيانية، مثل الباقلاني، والجرجاني، والرماني، والخطابي، والرافعي،والسيد قطب، ومحمد الغزالي. كما أنه لم يفت طائفة من المفسرين النابهين أن يتعرضوا بالمناسبة إلى ما في الآية من جمال بياني، فكانت لهم في ذلك جولات كشفوا فيها عن إشارات القرآن البارعة، وعن إبداعه في استعماله لأساليب تلائم المقام. وكان من أشهر هؤلاء: الزمخشري، والزجاج، وابن عطية. ولكن الناحية التي لم تنل حظها من الدراسة العميقة والفكر الممعن بيان المناسبات بين مختلف الآيات التي يجمعها إطار السورة، واستخلاص الغرض العام منها وما يندرج في ذلك الغرض أو يتفرع عنه من مسائل.ولعل عدم التفات معظم المفسرين إلى هذا الجانب يفسره إهمال أكثر النحات ورجال البلاغة والنقد الأدبي منذ عصور الإسلام الأولى لدراسة الأساليب في الجمل العربية الطويلة المتشعبة، رغم عنايتهم الفائقة بدراسة المفردات والجمل القصيرة على انفصال نحويا وبلاغيا. في حين أن القرآن إنما تحدى الناس أن يأتوا بمثل سورة منه ولو كانت قصيرة، ولم يتحدهم بآية أو أكثر. –{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23 )**-س-البقرة. وهذا التحدي لايقوم إلا إذا ظلت السورة محتفظة بصورتها التي نزلت عليها. ذلك أن من أهم ضروب البلاغة حسن صوغ المعاني في أغراض جزئية مختلفة مع إحكام الربط والتنسيق بينهما وبين الغرض الأصلي العام، وبراعة التخلص في الانتقال، حتى لا يخرج الكلام رغم تنوع أغراضه ومقاصده عن جمال سبكه واتساقه، وحتى تكون السورة وحدة متماسكة الأجزاء رتبت آياتها ترتيبا منطقيا لا خلل فيه ولا اضطراب. [ولا شك أن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ ولن يبلغ شأوه فيها بليغ (4)]. لقد استغرق نزول القرآن نيفا وعشرين سنة، ولكن آياته لم ترتب ترتيبا زمنيا تبعا لنزوله حسب الوقائع والدواعي المتجددة، بل رتبت على نحو ما هو بمصاحفنا اليوم ترتيبا لم يخضع لزمن النزول، وذلك بتوقيف من الله تلقاء الرسول وبلغه كما تلقاه، ولا يستثني من ذلك إلا سور قليلة أنزلت كلها أو جلها جملة واحدة، فكان ترتيب آياته على مقتضى نزولها (5)، ورد في مسند أحمد عن عثمان بن العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من سورة النحل-{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) **-س-النحل. قال القاضي أبو بكر في [الانتصار]: ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا (6)، فيستنتج من ذلك أن ما حصل في ترتيب آي القرآن من اليقين بالنقل المتواتر، وبإجماع الأمة على هذا الوضع إنما كان بوحي الله. على أن المتأمل في الآيات التي نزلت منجمة على فترات متباعدة، وفي الآيات التي نزلت جملة في وقت واحد، لا يجد أي فرق بينهما، من حيث نظام مبانيها، وطريقة الانتقال بين معانيها والوشائج اللفظية والمعنوية التي تربط بين مختلف أغراضها، ونذكر لذلك على سبيل المثال سورة البقرة وقد نزلت منجمة، وسورة الأنعام وقد نزلت جملة. ولا غرو فان مصدر القرآن واحد وهو الكفيل بحفظ كتابه من الزيف والتحريف والتبديل إذ قال سبحانه: -{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)**-س-الحجر. وبعض غلاة الشيعة من فرق الأمامية أولوا هذه الآية على هواهم. فزعموا أن مراد الله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ: أي عند الأيمة من سلالة علي وادعوا أن لعلي مصحفا بخطه، وبه الآيات التي لم تدون-حسب زعمهم-في مصحف عثمان لاشتماله على تمجيد علي والأيمة، وأن هذا المصحف لم يزل محفوظا بالنجف إلى اليوم عند قبر الإمام (7)، وتخلصوا من هذا التأويل السخيف إلى القول بأن حذف تلك الآيات الرابطة للسياق تسبب في تفكك المعنى لبعض الآيات المتتالية، واستدلوا على ذلك بمثل قوله تعالى: -{ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) **-س-القيامة، وقد رد فخر الدين الرازي عليهم عند تفسيره هذه الآية بما فيه مقنع (8). وقديما قدم بعض الشيعة ببغداد في سنة 398 هج، أي ل: (1008)م المصحف الصحيح –حسب زعمهم- وقضت محكمة علماء الدين السنيين وعلى رأسها الفقيه الشافعي أبو حامد الإسفرييني على هذا المصحف بالإحراق (9). كما نشر حديثا [كلار تسدال] باللغة الانقليزية جميع الزيادات الشيعية المزعومة من القرآن (10). ويكفي حجة على بطلان هذه الدعوى عجز أصحابها أنفسهم عن إقامة دليل على صحتها، حتى أن الطبرسي وهو من أكابر علماء الأمامية في القرن السادس تبرأ من هذا السخف فقال ما نصه: [أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانها، وأما النقصان فهو أشد استحالة-ثم قال: إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فان العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه شيء فيما ذكرنا، لأن القرآن مفخرة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته. فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟](11). وكان الطبرسي كثيرا ما يشير في تفسيره [مجمع البيان] إلى المناسبة بين الآيات تحت العنوان –التنظيم-. لذلك كان التعرض إلى ذكر اتهامات مجردة عن المنطق والدليل غير مفيد، لو لا أن رددها وبنى عليها بعض المستشرقين ومن تأثر بآرائهم، فجعلوها نقطة ارتكاز في طعنهم على القرآن بعدم الربط بين آياته المتتالية، وعدم التناسق بين مقاصدها المتنوعة. نقل محمد فريد وجدي في مقدمة تفسيره عن [دوزى] و [كارليل] وغيرهما ممن يطعنون على القرآن بهذا، فقالوا في هذا المعنى: أن الواجب في تأليف الكتب أن يكون للكتاب مقدمة ومباحث متسلسلة ذات مقاصد محدودة في فصول. والقرآن ليس على هذا الشكل، لأنه آيات مجتمعة ذات أغراض مختلفة. فبينما تقرأ آية وعظ، إذا أنت بآية جهاد، تليها آية فقه، وتتبعها قصة رسول. إلى غير ذلك مما لا يطرد فيه الكلام اطرادا. ومن تأثر بهذا الرأي ولم يعتد بما ذهب إليه بعض الغلاة الشيعية من أن التفكك-المزعوم-بين الآيات يرجع إلى نقصان بعضها، راح يبحث عن علة أخرى لذلك، وكأن الدعوة من أساسها صحيحة والقضية مسلم بها. ومن هؤلاء [ميرزا أبو الفضل] الهندي. فقد أخرج في [الله آباد] بالهند سنة 1911/ نص القرآن مترجما إلى اللغة الانقليزية، ولكن لا على ترتيب آياته الحالي المجمع عليها، بل على الترتيب الزمني في نزوله. ولسنا ندري ما أدخله بذلك من انخرام وفوضى على تسلسل آي القرآن، ونظمها الفني البديع الذي يعد من أهم عناصر الإعجاز في القرآن، ثم من تغيير للسياق الذي قد يكون له تأثير جوهري على صبغة التشريعات والأحكام القرآنية. ولكن المستشرق [قولد تسيهر] أعرب عن إعجابه بهذه الخطوة الجريئة وزكاها، فقال معلقا عن هذا الحدث: [برزت في نطاق الإسلام بالهند إمارات مختلفة على أن اتجاها من التفكير في نقد القرآن نفسه قد شق طريقه بين هذه الدوائر..........وهذه خطوة واسعة إلى نحو من النظر في كتاب الوحي على وجه موضوعه حر](12). إن خرق ما أجمعت الأمة الإسلامية على وجوب احترامه لا يستغرب ممن قد يكون تأثر بنظرية أحد المتزعمين للإصلاح الإسلامي بالهند في القرن الماضي وهو [أحمد خان بهادر]الذي نادى بعدم اعتبار أن الإجماع حق، بل بوجوب خرقه عند الاقتضاء. وقد جاء في ذلك قوله: لقد تسربت عادات سقيمة أمكن أن تستقر ثابتة تحت راية الإجماع، ولم يقم أحد حقا بالمحاولة التي نقودها، وأنا لا ارتاب في أنني سأتهم بخرق إجماع الأمة، بيد أن من النظريات الدينية المعتبرة أن الإجماع الجديد يمكن أن ينقض الإجماع القديم. ولن يصل أحد إلى الإجماع الجديد إلا عن طريق خرق الإجماع[13]. لقد مضى على هذه الدعوة إلى التجديد ما يناهز القرن، ولكن لم يكن لها أي تأثير أو صدى في العالم الإسلامي. ولو كانت جديرة بالنظر والاعتبار لأنقسم على الأقل في شأنها علماء الإسلام ما بين مؤيد ومفند. على أن من الإنصاف الاعتراف بأن القرآن لم يبلغ إلى دارسيه مترجما ترجمة تفي بالمقصود، وتمثل خصائص اللغة العربية في إشاراتها البارعة إلى المعاني الثانوية ما أمكن، فتنير سبيل الباحثين من المستشرقين وغيرهم وتفتح أعينهم على جمال أسلوبه، وتناسق آية في ارتباطها بالغرض العام للسورة، وما يقتضي من مقدمات ومقاصد تستشرق لها النفس وتتهيأ. وتراجم القرآن المتداولة بعيدة عن هذا المستوى، إذ هي في جملتها شبيهة بالطريقة المستعملة في نثر الأبيات وحل نظمها في فقرات منفصلة فتبدو الآيات المتتالية لمن يقرؤها مترجمة كأنها جمل متناثرة الأجزاء، مفككة الأوصال، يصان على مثلها أحسن الحديث- والحق أن هذا التقصير لا يحمل أصالة على الذين ترجموا القرآن، بل على المفسرين الذين أهملوا تلك الناحية الهامة، أو المحوا إليها عرضا بصورة لا تثير اهتمام من اعتمدوا تفاسيرهم في ترجمة القرآن إلى لغات أخرى. قال الزركشي: (من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا. وهذا النوع يهمله بعض المفسرين، بل أكثرهم. وفوائده غزيرة)[14]. وقد يعلل هذا الإهمال بأن البحث في المناسبات التي تجمع بين الآيات، واستخلاص مقصد الصورة العام بحث دقيق مرهق يعتمد على الرأي والذوق وذلك من شأنه أن يعرض المفسر إلى الخطأ والنقد سيما وقد أنكر بعض العلماء الخوض في هذه المسائل، مثل العز بن عبد السلام التوفي سنة 660هج فهو يقول:(إن الكلام إذا وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحد الكلامين بالآخر ومن ربط ذلك فهو متكلف لما لم يقدر عليه........والقرآن نزل منجما في أحكام مختلفة، شرعت لأسباب غير مؤتلفة، وما كان كذلك لا يأتي ربط بعضه ببعض، إذ لا يحسن أن يرتبط تصرف الإله في خلقه وأحكامه مع اختلاف العلل والأسباب[15]. والحقيقة أن هذا الحكم مردود، لأنه بني على مقدمة غير صحيحة، فان الكلام يقع على أسباب مختلفة، ومع ذلك يكون مرتبطا ربطا معنويا هو محور المناسبة. ومن المعاني الرابطة: التمثيل، والتشخيص، والاستطراد، والتلازم الذهني بين أمرين: كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والشبيهين، وحتى النقضين، ونحو ذلك مما لا يكاد يدخل تحت احصر. وقديما قيل: الحديث ذو شجون. ويبدو أن الأستاذ محمد فريد وجدي أحد المفسرين المحدثين جنح إلى رأي بن عبد السلام، فذكر في مقدمة تفسيره أن القرآن لو كان على مثال الكتب الوضعية في الترتيب والتبويب لكان كتابا وضعيا لا سماويا، ولكنه وحي الهي نزل بحسب الحوادث، وليس بكتاب منشئ أو بحث فيلسوف، حتى يحسب عليه تعديه للمنطق البشري، ولقانون الكتابة. فالترتيب يقتصر سلطانه على الكلام البشري، ويجل عنه كلام الله كما يجل البحر عن أن يحد بما تحد به الجداول. إن هذا الرأي لا يخلو من ارتجال، وقد يبعث التسليم به على الاعتقاد بأن كل ما يصدر على الله في خلقه لا يصح تعليله، في حين أن من الحكمة الإلهية ربط هذا الكون بنواميس وسنن لن تتبدل. وقد جعلها الله في متناول العقل البشري لكي يزداد به إيمانا كلما استجلى الخفي من أسبابها، واكتشف الغامض من أسرارها. فليكن كذلك تدبرنا للقرآن في مختلف نواحيه. قال ولي الدين المولوي: (قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريم مناسبة بدعوى أنها على حسب الواقع المفرقة. وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصلا[16]. وهدا أبو بكر بن العربي المتوفي سنة 543 يدرك أن البحث في مثل هذا الموضوع الذي يستخدم فيه الوجدان مما يدق على أفهام معاصريه فلا يفقهون له معنى. ولهذا السبب وحده عدل عن نشره، فهو يقول في كتابه: [سراج المريدين]: (ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، منسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله عز وجل لنا فيه، فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق فيه بأوصاف البطلة، ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله، ورددناه إليه)[17]. ثم جاء بعده برهان الدين ألبقاعي المتوفي سنة 885هج فألف في تناسب اتصال الآيات بعضها ببعض تفسيره المسمى (نظم الدرر في تناسب الآي والسور) وكان يذكر في مفتح كل سورة المقصود منها، ويعقب عند تفسيره الآية بذكر العلاقة التي تربطها بالآية التي تليها ولكن في عرض رتيب جاف لا يشفي ألغليل. أما في العصر الحديث فقد ألف عبد المتعال الصعيدي في هذا الموضوع كتابه (النظم الفني في القرآن)[17] وجاء في تعريفه به: (رأيت أن أقوم بعمل في هذه الناحية من علوم التفسير يتناولها وحدها ولا يضيع في ثنايا التفسير كما تضيع محاولات بعض المفسرين فيها،.......فعنيت ببيان ما لكل سورة من مقصد عام، وما يتفرع عنه مكن مقاصد خاصة لا تخرج عنه، وبربط آيات السورة كلها بهذا المقصد العام وفروعه......ولا أدعي أنني بلغت به الغاية، لأنه على كل حال جهد فرد، ويكفيني أني فتحت به الطريق لمن يأتي بعدي) كمنا تعرض محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) إلى هذا الموضوع، فعقد فصلا طويلا أصل فيه ما يقوم عليه القرآن من نظام الوحدات في السور على كثرة أسباب اختلافها، وائتلاف عناصرها على وفرة مقاصدها. وشرح كيف التأمت هذه الوحدات، فكانت سلسلة واحدة من الفكر، تتلاحق فيها الفصول والحلقات، ونسقا واحدا من البيان، تتعانق فيه الجمل والكلمات. ثم ختم بحثه الشيق بعرض نموذج لذلك في سورة البقرة، وقال: (أي شيء أكبر شهادة وأصدق مثالا من سورة نعرضها عليك هي أطول سور القرآن، وأكثرها جمعا للمعاني المختلفة، وهي أكثرها في التنزيل نجوما، وأبعدها في هذا التنجيم تراخيا؟ تلك هي سورة البقرة التي جمعت نيفا وثمانين ومائتي آية، وحوت فيما وصل إلينا من أسباب نزولها نيفا وثمانين نجما، وكانت الفترات بين نجومها تسع سنين)[18]. والمتأمل في التفاسير الحديثة مثل(في ظلال القرآن، والتحرير والتنوير) يلاحظ مدى عناية أصحابها بهذه الناحية، حتى لا يكون الناظر في تفسير القرآن مقصورا على بيان مفرداته ومعاني جمله كأنها فقر متفرقة تصرفه عن روعة انسجامه، وتحجب عنه روائع جماله[19] وذلك مما سيحفز الهمم على التفكير الجدي في ترجمة القرآن بهذه النظرة الممعنة الشاملة، وهو عمل طويل النفس، وجد عسير، يستدعي من ذوق الكفاءات الممتازة جهودا متظافرة. ويومئذ تتغير جذريا نظرة الدارسين لآي القرآن وأسلوبه.
    بقلم: الأستاذ التهامي نقرة
    الكاتب العام لكلية الشريعة وأصول الدين
    [جوان_1986]
    - يتبع -
     
    2 شخص معجب بهذا.
  2. Md Ali

    Md Ali نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏3 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    2.394
    الإعجابات المتلقاة:
    4.108
      14-05-2008 16:02
    بياني - - ملحق


    [1]- الإتقان في علوم القرآن:ج2_ص108. [2]- محمد عبدة: تفسير القرآن الحكيم: ج2_ص:170. [3]- المقدمة ص: 489. [4]- محمد عبدة: تفسير القرآن الحكيم. ج 1 ص: 289. [5]- ذكر السيوطي في ( الإتقان) ما نزل جمعا من الآيات والسور. ج:1_ص: 38. [6]- السيوطي: الإتقان: ج 1 ص63. [7]- المسعودي: التنبيه: ص 297. [8]- التفسير الكبير: تحقيق محي الدين عبد الحميد.ج/30/ص:222_ط:1 (أنظر: البرهان في علوم القرآن ج 1_ص: 48. [8]- ابن ألسبكي: طبقات الشافعية_نشر هوتسما .ص: 197. [9]- 241_227_111. ذو مسلم وورلد :بالأنقليزية. [10]- مجمع البيان_ط: دار الفكر_ج: 1_ص: 13_30. [11]- مذاهب التفسير الإسلامي: تعريب الدكتور عبد الحليم النجار.ص: 346. [12]- مذاهب التفسير الإسلامي: 345. [13]- البرهان: ج 1_ص: 63. [14]- مجاز القرآن: ص 168. [15]- الإتقان: ج:2_ص: 108. [16]- ألبقاعي: نظم الدرر في تناسب الآي ةالسور8ج: 1_ص2.مخطوط بالمكتبة الوطنية. [17]- وكان اسم كتابه في الطبعة الأولى (الأقوال الحسان في حسن نظم القرآن). [18]- النبأ العظيم: ص: 153. [19]- التحرير والتنوير: ج: 1_ص:4.
     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...