قصة سيدنا موسى عليه الصلاة و السلام

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة SSAMOUHA, بتاريخ ‏19 ماي 2008.

  1. SSAMOUHA

    SSAMOUHA عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏23 أفريل 2008
    المشاركات:
    224
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      19-05-2008 10:56

    :besmellah1:

    نبذة:
    أرسله الله تعالى إلى فرعون وقومه، وأيده بمعجزتين، إحداهما هي العصا التي تلقف الثعابين، أما الأخرى فكانت يده التي يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دعا موسى إلى وحدانية الله فحاربه فرعون وجمع له السحرة ليكيدوا له ولكنه هزمهم بإذن الله تعالى، ثم أمره الله أن يخرج من مصر مع من اتبعه، فطارده فرعون بجيش عظيم، ووقت أن ظن أتباعه أنهم مدركون أمره الله أن يضرب البحر بعصاه لتكون نجاته وليكون هلاك فرعون الذي جعله الله عبرة للآخرين.
    أرسل موسى وهارون عليهما السلام لأشد الشعوب كرها للحق وابتعاداعنه.. لذلك كانت حياتهما مليئة بالأحداث والمواقف.
    ولكي نستطيع عرض هذه القصة بالشكل الصحيح.. تم تقسيمها إلى أربعةأجزاء، كل جزء يتناول مرحلة من مراحل حياة هذين النبيين الكريمين.
    أجزاءالقصة:
    الجزء الأول:يتناول نشأة موسى عليه السلام، وخروجه منمصر إلى مدين هاربا من فرعون وجنوده، ولقاءه بربه في الوادي المقدس.
    سيرته:
    أثناء حياة يوسفعلي السلام بمصر، تحولت مصر إلى التوحيد. توحيد الله سبحانه، وهي الرسالة التي كانيحملها جميع الرسل إلى أقواهم. لكن بعد وفاته، عاد أهل مصر إلى ضلالهم وشركهم. أماأبناء يعقوب، أو أبناء إسرائيل، فقد اختلطوا بالمجتمع المصري، فضلّ منهم من ضل،وبقي على التوحيد من بقي. وتكاثر أبناء إسرائيل وتزايد عددهم، واشتغلوا في العديدمن الحرف.
    ثمحكم مصر ملك جبار كان المصريون يعبدونه. ورأى هذا الملك بني إسرائيليتكاثرون ويزيدون ويملكون. وسمعهم يتحدثون عن نبوءة تقولإن واحدا من أبناء إسرائيل سيسقط فرعون مصر عن عرشه. فأصدرالفرعون أمره ألا يلد أحد من بني إسرائيل، أي أن يقتل أي وليدذكر. وبدأ تطبيق النظام، ثم قالمستشارون فرعون له،إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، وهذا سينتهي إلى إفناءبني إسرائيل، فستضعف مصر لقلة الأيدي العاملة بها. والأفضلأن تنظم العمليةبأنيذبحون الذكور في عام ويتركونهم فيالعام الذي يليه.
    ووجد الفرعون أن هذا الحلأسلم. وحملت أمموسىبهارونفي العام الذي لا يقتل فيه الغلمان، فولدتهعلانية آمنة. فلما جاء العام الذي يقتل فيه الغلمان ولد موسى. حمل ميلاده خوفاعظيما لأمه. خافت عليه من القتل. راحت ترضعه في السر. ثم جاءت عليها ليلة مباركةأوحى الله إليها فيهاللأمبصنع صندوق صغير لموسى. ثمإرضاعه ووضعه في الصندوق. وإلقاءه في النهر.
    كان قلب الأم، وهو أرحم القلوب في الدنيا، يمتلئ بالألم وهي ترميابنها في النيل، لكنها كانت تعلم أن الله أرحم بموسى منها، والله هو ربه ورب النيل. لم يكد الصندوق يلمس مياه النيل حتى أصدر الخالق أمره إلى الأمواج أن تكون هادئةحانية وهي تحمل هذا الرضيع الذي سيكون نبيا فيما بعد، ومثلما أصدر الله تعالى أمرهللنار أن تكون بردا وسلاما علىإبراهيم، كذلك أصدر أمرهللنيل أن يحمل موسى بهدوء ورفق حتى يسلمه إلى قصر فرعون. وحملت مياه النيل هذاالصندوق العزيز إلى قصر فرعون. وهناك أسلمه الموج للشاطئ.
    رفض موسىللمراضع:
    وفي ذلك الصباح خرجت زوجة فرعون تتمشى فيحديقة القصر. وكانت زوجة فرعون تختلف كثيرا عنه. فقدكان هو كافرا وكانت هي مؤمنة. كان هو قاسيا وكانت هي رحيمة. كان جبارا وكانت رقيقة وطيبة. وأيضا كانت حزينة،فلم تكن تلد. وكانت تتمنى أن يكونعندها ولد.
    وعندما ذهبت الجواري ليملأن الجرار من النهر، وجدن الصندوق،فحملنه كما هو إلى زوجة فرعون. فأمرتهن أن يفتحنه ففتحنه. فرأت موسى بداخله فأحستبحبه في قلبها. فلقد ألقى الله في قلبها محبته فحملته من الصندوق. فاستيقظ موسىوبدأ يبكي. كان جائعا يحتاج إلى رضعة الصباح فبكى.
    فجاءت زوجة فرعون إليه، وهي تحمل بين بيدها طفلارضيعا. فسألمن أين جاء هذا الرضيع؟فحدثوهبأمر الصندوق. فقالبقلب لا يعرف الرحمة: لابد أنهأحدأطفال بني إسرائيل. أليس المفروض أن يقتل أطفال هذه السنة؟
    فذكّرت آسيا -امرأة فرعون- زوجهابعدم قدرتهم على وطلبت منه أن يسمح لها بتربيته. سمح لها بذلك.
    عاد موسى للبكاء منالجوع. فأمرت بإحضار المراضع. فحضرت مرضعة من القصروأخذت موسى لترضعه فرفض أن يرضع منها. فحضرت مرضعة ثانية وثالثة وعاشرة وموسى يبكيولا يريد أن يرضع. فاحتارت زوجة فرعون ولم تكن تعرف ماذا تفعل.
    لم تكن زوجة فرعون هي وحدها الحزينة الباكية بسبب رفع موسى لجميعالمراضع. فلقد كانت أم موسى هي الأخرى حزينة باكية. لم تكد ترمي موسى في النيل حتىأحست أنها ترمي قلبها في النيل. غاب الصندوق في مياه النيل واختفت أخباره. وجاءالصباح على أم موسى فإذا قلبها فارغ يذوب حزنا على ابنها، وكادت تذهب إلى قصر فرعونلتبلغهم نبأ ابنها وليكن ما يكون. لولا أن الله تعالى ربط على قلبها وملأ بالسلامنفسها فهدأت واستكانت وتركت أمر ابنها لله. كل ما في الأمر أنها قالت لأخته: اذهبيبهدوء إلى المدينة وحاولي أن تعرفي ماذا حدث لموسى.
    وذهبت أخت موسى بهدوء ورفق إلى جوار قصر فرعون، فإذا بها تسمعالقصة الكاملة. رأت موسى من بعيد وسمعت بكاءه، ورأتهم حائرين لا يعرفون كيفيرضعونه، سمعت أنه يرفض كل المراضع. وقالت أخت موسى لحرس فرعون: هل أدلكم على أهلبيت يرضعونه ويكفلونه ويهتمون بأمره ويخدمونه؟
    ففرحتزوجة فرعون كثيرالهذا الأمر، وطلبت منها أن تحضر المرضعة. وعادت أخت موسى وأحضرت أمه. وأرضعته أمهفرضع. وتهللت زوجة فرعون وقالت: "خذيه حتى تنتهي فترة رضاعته وأعيديه إلينا بعدها،وسنعطيك أجرا عظيما على تربيتك له". وهكذا رد الله تعالى موسى لأمه كي تقر عينهاويهدأ قلبها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق وأن كلماته سبحانه تنفذ رغم أي شيء. ورغم كل شيء.
    نشأة موسى في بيت فرعون:
    أتمت أم موسى رضاعته وأسلمته لبيت فرعون. كان موضع حب الجميع. كانلا يراه أحد إلا أحبه. وها هو ذا في أعظم قصور الدنيا يتربى بحفظ الله وعنايته. بدأت تربية موسى في بيت فرعون. وكان هذا البيت يضم أعظم المربين والمدرسين في ذلكالوقت. كانت مصر أيامها أعظم دولة في الأرض. وكان فرعون أقوى ملك في الأرض، ومنالطبيعي أن يضم قصره أعظم المدربين والمثقفين والمربين في الأرض. وهكذا شاءت حكمةالله تعالى أن يتربى موسى أعظم تربية وأن يتعهده أعظم المدرسين، وأن يتم هذا كله فيبيت عدوه الذي سيصطدم به فيما بعد تنفيذا لمشيئة الخالق.
    وكبر موسى في بيت فرعون. كان موسى يعلم أنه ليس ابنا لفرعون، إنما هو واحد من بني إسرائيل. وكان يرىكيف يضطهد رجال فرعون وأتباعه بني إسرائيل.. وكبر موسىوبلغ أشده.. (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍمِّنْ أَهْلِهَا) وراح يتمشى فيها.فوجد رجلا مناتباع فرعون وهو يقتتل مع رجل من بني إسرائيل، واستغاث به الرجل الضعيف فتدخل موسىوأزاح بيده الرجل الظالم فقتله. كان موسى قوياجدا، ولم يكن يقصدقتل الظالم، إنما أراد إزاحته فقط، لكن ضربته هذه قتلته. ففوجئموسىبه وقد ماتوقال لنفسه: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّمُّبِينٌ).ودعا موسى ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). وغفرالله تعالى له، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُالرَّحِيمُ).
    أصبح موسى (فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًايَتَرَقَّبُ). كان هذا حال موسى،حالإنسان مطارد، فهو خائف،يتوقع الشرفي كل خطوة،وهو مترقب،يلتفت لأوهى الحركات وأخفاها.
    ووعدموسى بأنلايكون ظهيرا للمجرمين. لن يتدخل في المشاجرات بين المجرمين والمشاغبينليدافع عن أحد منقومه. وفوجئ موسى أثناء سيره بنفس الرجلالذي أنقذه بالأمس وهو يناديه ويستصرخه اليوم. كان الرجل مشتبكا في عراك مع أحدالمصريين. وأدرك موسى بأن هذا الإسرائيلي مشاغب. أدرك أنه من هواة المشاجرات. وصرخموسى في الإسرائيلي يعنفه قائلا: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّمُّبِينٌ).قال موسى كلمته واندفع نحوهما يريدالبطش بالمصري. واعتقد الإسرائيلي أن موسى سيبطش به هو. دفعه الخوف من موسى إلىاسترحامه صارخا، وذكّره بالمصري الذي قتله بالأمس. فتوقفموسى،سكت عنه الغضب وتذكر ما فعله بالأمس، وكيف استغفروتاب ووعد ألا يكون نصيرا للمجرمين. استدار موسى عائدا ومضى وهو يستغفر ربه.
    وأدرك المصري الذي كان يتشاجر مع الإسرائيلي أن موسى هو قاتلالمصري الذي عثروا على جثته أمس. ولم يكن أحد من المصررين يعلم منالقاتل. فنشر هذا المصري الخبر في أرجاء المدينة. وانكشف سر موسىوظهر أمره. وجاء رجل مصري مؤمن من أقصى المدينة مسرعا.ونصح موسى بالخروج من مصر، لأن المصريين ينوون قلته.
    لم يذكر القرآن الكريم اسم الرجل الذي جاء يحذر موسى. ونرجح أنهكان رجلا مصريا من ذوي الأهمية، فقد اطلع على مؤامرة تحاك لموسى من مستويات عليا،ولو كان شخصية عادية لما عرف. يعرف الرجل أن موسى لم يكن يستحق القتل على ذنبهبالأمس.. لقد قتل الرجل خطأ. فيجب أن تكون عقوبته السجن على أقصى تقدير.
    لكنرؤساء القوم وعليتهم، الذين يبدوا أنهمكانوا يكرهون موسى لأنه من بني إسرائيل، ولأنه نجى من العام الذي يقتل فيه كل مولودذكر، وجدوا هذه الفرصة مناسبة للتخلص من موسى، فهو قاتل المصري، لذا فهو يستحقالقتل.
    خرج موسى من مصر على الفور. خائفا يتلفت ويتسمع ويترقب. في قلبهدعاء لله(رَبِّ نَجِّنِي مِنَالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). وكان القوم ظالمين حقا. ألا يريدون تطبيق عقوبةالقتل العمد عليه، وهو لم يفعل شيئا أكثر من أنه مد يده وأزاح رجلا فقتله خطأ؟
    خرج موسى من مصر على عجل. لم يذهب إلى قصر فرعون ولم يغير ملابسهولم يأخذ طعاما للطريق ولم يعد للسفر عدته. لم يكن معه دابة تحمله على ظهرهاوتوصله. ولم يكن في قافلة. إنما خرج بمجرد أن جاءه الرجل المؤمن وحذره من فرعونونصحه أن يخرج. اختار طريقا غير مطروق وسلكه. دخل في الصحراء مباشرة واتجه إلى حيثقدرت له العناية الإلهية أن يتجه. لم يكن موسى يسير قاصدا مكانا معينا. هذه أول مرةيخرج فيها ويعبر الصحراء وحده.
    موسى في مدين:
    ظل يسير بنفسية المطارد حتى وصل إلى مكان. كان هذا المكان هومدين. جلس يرتاح عند بئر عظيمة يسقي الناس منها دوابهم. وكان خائفا طوال الوقت أنيرسل فرعون من وراءه من يقبض عليه.
    لم يكد موسى يصل إلى مدين حتى ألقى بنفسه تحت شجرة واستراح. نالمنه الجوع والتعب، وسقطت نعله بعد أن ذابت من مشقة السير على الرمال والصخوروالتراب. لم تكن معه نقود لشراء نعل جديدة. ولم تكن معه نقود لشراء طعام أو شراب. لاحظ موسى جماعة من الرعاة يسقون غنمهم، ووجد امرأتين تكفان غنمهما أن يختلطا بغنمالقوم، أحس موسى بما يشبه الإلهام أن الفتاتين في حاجة إلى المساعدة. تقدم منهماوسأل هل يستطيع أن يساعدهما في شيء.
    قالت إحداهما: نحن ننتظر أن ينتهي الرعاة من سقي غنمهملنسقي.
    سأل موسى: ولماذا لا تسقيان؟قالت الأخرى: لا نستطيع أن نزاحمالرجال.
    اندهش موسى لأنهما ترعيان الغنم. المفروض أن يرعى الرجال الأغنام. هذهمهمة شاقة ومتعبة وتحتاج إلى اليقظة.
    سأل موسى: لماذا ترعيان الغنم؟فقالتواحدة منهما: أبونا شيخ كبير لا تساعده صحته على الخروج كل يوم للرعي.
    فقالموسى: سأسقي لكما.
    سار موسى نحو الماء. وسقى لهم الغنم مع بقية الرعاة. وفي رواية أنأن الرعاة قد وضعوا على فم البئر بعد أن انتهوا منها صخرة ضخمة لا يستطيع أن يحركهاغير عدد من الرجال. فرفع موسى الصخرة وحده. وسقى لهما الغنم وأعاد الصخرة إلىمكانها، وتركهما وعاد يجلس تحت ظل الشجرة. وتذكر لحظتها الله وناداه في قلبه: (رَبِّ إِنِّي لِمَاأَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).
    عادت الفتاتان إلى أبيهما الشيخ.
    سأل الأب: عدتما اليوم سريعا على غير العادة؟!
    قالت إحداهما: تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم.
    فقالالأب لابنته: اذهبي إليه وقولي له: (إِنَّ أَبِييَدْعُوكَ) ليعطيك (أَجْرَ مَا سَقَيْتَلَنَا).
    ذهبت واحدة من الفتاتين إلى موسى، ووقفت أمامه وأبلغته رسالةأبيها. فنهض موسى وبصره في الأرض. إنه لم يسق لهما الغنم ليأخذ منهن أجرا، وإنماساعدهما لوجه الله، غير أنه أحس في داخله أن الله هو الذي يوجه قدميه فنهض. سارتالبنت أمامه. هبت الرياح فضربت ثوبها فخفض موسى بصره حياء وقال لها: سأسير أناأمامك ونبهيني أنت إلى الطريق.
     
    1 person likes this.
  2. SSAMOUHA

    SSAMOUHA عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏23 أفريل 2008
    المشاركات:
    224
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      19-05-2008 10:58
    :besmellah2:

    وصلا إلى الشيخ. قال بعض المفسرين إن هذا الشيخ هو النبي شعيب. عمر طويلا بعد موت قومه. وقيل إنه ابن أخي شعيب. وقيل ابن عمه، وقيل رجل مؤمن منقوم شعيب الذين آمنوا به. لا نعرف أكثر من كونه شيخا صالحا.
    قدم له الشيخ الطعام وسأله: من أين قدم وإلى أين سيذهب؟ حدثه موسىعن قصته. قال الشيخ: (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِالظَّالِمِينَ). هذه البلاد لا تتبع مصر، ولن يصلوا إليك هنا. اطمأن موسىونهض لينصرف.
    قالت ابنة الشيخ لأبيها همسا: (يَا أَبَتِاسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّالْأَمِينُ).
    سألها الأب: كيف عرفت أنه قوي؟قالت: رفع وحده صخرة لايرفعها غير عدد رجال.
    سألها: وكيف عرفت أنه أمين؟قالت: رفض أن يسير خلفيوسار أمامي حتى لا ينظر إلي وأنا أمشي. وطوال الوقت الذي كنت أكلمه فيه كان يضععينيه في الأرض حياء وأدبا.
    وعاد الشيخ لموسى وقال له: أريد يا موسى أن أزوجك إحدى ابنتي علىأن تعمل في رعي الغنم عندي ثماني سنوات، فإن أتممت عشر سنوات، فمن كرمك، لا أريد أنأتعبك، (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَالصَّالِحِينَ). قال موسى: هذا اتفاق بيني وبينك. والله شاهد على اتفاقنا. سواء قضيت السنوات الثمانية، أو العشر سنوات فأنا حر بعدها في الذهاب.
    يخوض الكثيرونفي تيه منالأقاصيص والروايات، حول أي ابنتي الشيخ تزوج، وأي المدتين قضى. والثابت أن موسىتزوج إحدى ابنتي الشيخ. لا نعرف من كانت، ولا ماذا كان اسمها. وهذه الأمور سكت عنهاالسياق القرآني. إلا أنه استنادا إلى طبيعة موسى وكرمه ونبوته وكونه من أولي العزم. نرى أنه قضى الأجل الأكبر. وهذا ما يؤكده حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهكذا عاشموسى يخدم الشيخ عشر سنوات كاملة.
    موسى ورعي الغنم:
    وكان عمل موسى ينحصر في الخروج مع الفجر كل يوم لرعي الأغناموالسقاية لها.
    ولنقف هنا وقفة تدبر. إن قدرة الإلهية نقلت خطى موسى -عليهالسلام- خطوة بخطوة. منذ أن كان رضيعا في المهد حتى هذه اللحظة. ألقت به في اليمليلتقطه آل فرعون. وألقت عليه محبة زوجة فرعون لينشأ في كنف عدوّه. ودخلت بهالمدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل نفسا. وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعونليحذره وينصحه بالخروج من مصر. وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر إلى مدين وهووحيد مطارد من غير زاد ولا استعداد. وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنواتالعشر. ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف.
    هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه،قبل النداء والتكليف. تجربة الرعاية والحب والتدليل. تجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظالحبيس، وتجربة الندم والاستغفار. وتجربة الخوف والمطاردة. وتجربة الغربة والوحدةوالجوع. وتجربة الخدمة ورغي الغنم بعد حياة القصور. وما يتخلل هذه التجارب الضخمةمن تجارب صغيرة، ومشاعر وخواطر، وإدراك ومعرفة. إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشدهمن العلم والحكمة.
    إن الرسالة تكليف ضخم شاق،يحتاجصاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة، إلى جانب وحي الله وتوجيهه. ورسالة موسى تكليف عظيم، فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر، أعتى ملوك الأرض فيزمانه، وأشدهم استعلاء في الأرض. وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل حتىاستمرأوا مذاقه. فاستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير.
    فتجربة السنوات العشر جاءت لتفصلبين حياة القصور التي نشأ فيها موسى -عليه السلام- وحياة الجهد الشاق في الدعوةوتكاليفها العسيرة. فلحياة القصور جوا وتقاليد خاصة. أما الرسالة فهي معاناةلجماهير من الناس فيهم الغني والفقير، المهذب والخشن، القوي والضعيف، وفيهم وفيهم. وللرسالة تكاليفها من المشقة ومن التجرد أحيانا، وقلوب أهل القصور في الغالب لاتصبر طويلا على الخشونة والحرمان والمشقة.
    فلما استكملت نفس موسى -عليهالسلام- تجاربها، وأكملت مرانها، بهذه التجربة الأخيرة في دار الغرة. قادت القدرةالإلهية خطاه مرة أخرى عائدة به إلى مهبط رأسه، ومقر أهله وقومه، ومجال عمله. وهكذانرى كيف صُنِعَ موسى على عين الله، وكيف تم إعداده لتلقي التكليف.
    عودة موسىلمصر:
    ترى أي خاطر راود موسى، فعاد بهإلى مصر، بعد انقضاء الأجل، وقد خرج منها خائفا يترقب؟ وأنساه الخطر الذي ينتظرهبها، وقد قتل فيها نفسا؟ وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ من قومهليقتلوه؟
    إنها قدرة الله التي تنقل خطاهكلها. لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة والوطن. وأنستهالخطر الذي خرج هاربا منه وحيدا طريدا. ليؤدي المهمة التي خلق لها.
    خرج موسى مع أهله وسار. اختفى القمر وراء أسراب من السحاب الكثيفوساد الظلام. اشتد البرق والرعد وأمطرت السماء وزادت حدة البرد والظلام. وتاه موسىأثناء سيره. ووقف موسى حائرا يرتعش من البرد وسط أهله.. ثم رفع رأسه فشاهد ناراعظيمة تشتعل عن بعد. امتلأ قلبه بالفرح فجأة. قال لأهله: أني رأيت نارا هناك.
    أمرهم أن يجلسوا مكانهم حتى يذهب إلى النار لعله يأتيهم منهابخبر، أو يجد أحدا يسأله عن الطريق فيهتدي إليه، أو يحضر إليهم بعض أخشابهاالمشتعلة لتدفئتهم.
    وتحرك موسى نحو النار. سار موسى مسرعا ليدفئ نفسه. يده اليمنىتمسك عصاه. جسده مبلل من المطر. ظل يسير حتى وصل إلى واد يسمونه طوى. لاحظ شيئاغريبا في هذا الوادي. لم يكن هناك برد ولا رياح. ثمة صمت عظيم ساكن. واقترب موسى منالنار. لم يكد يقترب منها حتى نودي: (أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّالْعَالَمِينَ).
    نظر موسى في النار فوجد شجرة خضراء. كلما زاد تأجج النار زادتخضرة الشجرة. والمفروض أن تتحول الشجرة إلى اللون الأسود وهي تحترق. لكن النار تزيدواللون الأخضر يزيد. كانت الشجرة في جبل غربي عن يمينه، وكان الوادي الذي يقف فيههو وادي طوى.
    ثم ارتجت الأرض بالخشوع والرهبة والله عز وجل ينادي: يَا مُوسَى
    فأجاب موسى: نعم.
    قال الله عز وجل: إِنِّي أَنَارَبُّكَ
    ازداد ارتعاش موسى وقال: نعم يا رب.
    قال الله عز وجل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَإِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
    انحنى موسى راكعا وجسده كله ينتفض وخلع نعليه.
    عاد الحق سبحانه وتعالى يقول: وَأَنَااخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى(13)إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِيوَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّنَفْسٍ بِمَا تَسْعَى(15)فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى(16) (طه)
    زاد انتفاض جسد موسى وهو يتلقى الوحي الإلهي ويستمع إلى ربه وهويخاطبه.
    قال الرحمن الرحيم: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَيَا مُوسَى
    ازدادت دهشة موسى. إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخاطبه، واللهيعرف أكثر منه أنه يمسك عصاه. لماذا يسأله الله إذن إذا كان يعرف أكثر منه؟! لا شكأن هناك حكمة عليا لذلك.
    أجاب موسى: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَاوَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى
    قال الله عز وجل: أَلْقِهَا يَا مُوسَى
    رمى موسى العصا من يده وقد زادت دهشته. وفوجئ بأن العصا تتحولفجأة إلى ثعبان عظيم الحجم هائل الجسم. وراح الثعبان يتحرك بسرعة. ولم يستطع موسىأن يقاوم خوفه. أحس أن بدنه يتزلزل من الخوف. فاستدار موسى فزعا وبدأ يجري. لم يكديجري خطوتين حتى ناداه الله: يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَايَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
    عاد موسى يستدير ويقف. لم تزل العصا تتحرك. لم تزل الحية تتحرك.
    قال الله سبحانه وتعالى لموسى: خُذْهَا وَلَاتَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى
    مد موسى يده للحية وهو يرتعش. لم يكد يلمسها حتى تحولت في يده إلىعصا. عاد الأمر الإلهي يصدر له: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَتَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَالرَّهْبِ
    وضع موسى يده في جيبه وأخرجها فإذا هي تتلألأ كالقمر. زاد انفعالموسى بما يحدث، وضع يده على قلبه كما أمره الله فذهب خوفه تماما..
    اطمأن موسى وسكت. وأصدر الله إليه أمرا بعد هاتين المعجزتين -معجزة العصا ومعجزة اليد- أن يذهب إلى فرعون ليدعوه إلى الله برفق ولين، ويأمره أنيخرج بني إسرائيل من مصر. وأبدى موسى خوفه من فرعون. قال إنه قتل منهم نفسا ويخافأن يقتلوه. توسل إلى الله أن يرسل معه أخاههارون. طمأنالله موسى أنه سيكون معهما يسمع ويرى، وأن فرعون رغم قسوته وتجبره لن يمسهما بسوء. أفهم الله موسى أنه هو الغالب. ودعا موسى وابتهل إلى الله أن يشرح له صدره وييسرأمره ويمنحه القدرة على الدعوة إليه. ثم قفل موسى راجعا لأهله بعد اصطفاء اللهواختياره رسولا إلى فرعون. انحدر موسى بأهله قاصدا مصر.
    يعلم الله وحده أي أفكار عبرت ذهن موسى وهو يحث خطاه قاصدا مصر. انتهى زمان التأمل، وانطوت أيام الراحة، وجاءت الأوقات الصعبة أخيرا، وها هو ذاموسى يحمل أمانة الحق ويمضي ليواجه بها بطش أعظم جبابرة عصره وأعتاهم. يعلم موسى أنفرعون مصر طاغية. يعلم أنه لن يسلمه بني إسرائيل بغير صراع. يعلم أنه سيقف من دعوتهموقف الإنكار والكبرياء والتجاهل. لقد أمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون. أن يدعوهبلين ورفق إلى الله. أوحى الله لموسى أن فرعون لن يؤمن. ليدعه موسى وشأنه. وليركزعلى إطلاق سراح بني إسرائيل والكف عن تعذيبهم. قال تعالى لموسى وهارون: (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّارَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَاتُعَذِّبْهُمْ). هذه هي المهمة المحددة. وهي مهمة سوف تصطدم بآلاف العقبات. إن فرعون يعذب بني إسرائيل ويستعبدهم ويكلفهم من الأعمال ما لا طاقة لهم به،ويستحيي نسائهم، ويذبح أبنائهم، ويتصرف فيهم كما لو كانوا ملكا خاصا ورثه مع ملكمصر. يعلم موسى أن النظام المصري يقوم في بنيانه الأساسي على استعباد بني إسرائيلواستغلال عملهم وجهدهم وطاقاتهم في الدولة، فهل يفرط الفرعون في بناء الدولةالأساسي ببساطة ويسر؟ ذهبت الأفكار وجاءت، فاختصرت مشقة الطريق. ورفع الستار عنمشهد المواجهة.
    الجزء الثاني:يتناول عوده موسى عليه السلام لمصر داعياإلى الله وحده، والصراع بين موسى وفرعون في مصر، وغرق فرعون وجنوده.
    مواجهةفرعون:
    واجه موسى فرعون بلين ورفق كما أمره الله.وحدثه عن الله. عن رحمته وجنته. عن وجوب توحيده وعبادته. حاول إيقاظ جوانبهالإنسانية في الحديث. ألمح إليه أنه يملك مصر، ويستطيع لو أراد أن يملك الجنة. وكل ما عليه هوأن يتقيالله. استمع فرعون إلى حديث موسى ضجرا شبه هازئ وقد تصوره مجنونا تجرأ على مقامه السامي. ثمسأل فرعون موسى ماذا يريد. فأجاب موسى أنه يريد أن يرسل معهبني إسرائيل.
    ويعجب فرعون وهو يرى موسى يواجهه بهذه الدعوىالعظيمة، ويطلب إليه ذلك الطلب الكبير. فآخر عهد فرعون بموسى أنهم ربوه في قصره بعدأن التقطوا تابوته. وأنه هرب بعد قتله للقبطي الذي وجده يتعارك مع الإسرائيلي. فماأبعد المسافة بين آخر عهد فرعون بموسى إذن وهذه الدعوى العظيمة التي يواجهه بها بعدعشر سنين! ومن ثم بدأ فرعون يذكره بماضيه. يذكره بتربيته له فهل هذا جزاء التربيةوالكرامة التي لقيتها عندنا وأنت وليد؟ لتأتي الآن لتخالف ديانتنا، وتخرج على الملكالذي تربيت في قصره، وتدعوا إلى إله غيره؟!
    ويذكره بحادثمقتل القبطي في تهويل وتجسيم. فلا يتحدث عنها بصريح العبارة وإنما يقول (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) فعلتك البشعة الشنيعة (وَأَنتَ مِنَالْكَافِرِينَ) بربالعالمين الذي تقول به اليوم، فأنت لم تكن وقتها تتحدث عن رب العالمين! لم تتحدثبشيء عن هذه الدعوى التي تدعيها اليوم؛ ولم تخطرنا بمقدمات هذا الأمرالعظيم؟!
    وظن فرعون أنه رد على موسى ردا لن يملك معهجوابا. إلا أن الله استجاب لدعاء موسى من قبل، فانطلق لسانه: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَامِنَ الضَّالِّينَ) فعلت تلك الفعلة وأنا بعد جاهل، أندفعاندفاع العصبية لقومي، لا اندفاع العقيدة التي عرفتها اليوم بما أعطاني ربي منالحكة. (فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) على نفسي. فقسم الله لي الخيرفوهب لي الحكمة (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
    ويكمل موسىخطابه لفرعون بنفس القوة: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِيإِسْرَائِيلَ) فما كانتتربيتي في بيتك وليدا إلا من جراء استعبادك لبني إسرائيل، وقتل أبنائهم، مما دفعأمي لوضعي في التابوت وإلقاءه في اليم، فتلتقطه فأتربى في بيتك، لا في بيت أبويّ. فهل هذا هو ما تمنه علي، وهل هذا هو فضلك العظيم؟!
     
    1 person likes this.
  3. SSAMOUHA

    SSAMOUHA عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏23 أفريل 2008
    المشاركات:
    224
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      19-05-2008 11:00
    :besmellah1:
    عند هذا الحد تدخل الفرعون في الحديث..قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّالْعَالَمِينَقال موسى:رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنكُنتُم مُّوقِنِينَالتفت فرعون لمن حولهوقال هازئا:أَلَاتَسْتَمِعُونَقال موسى متجاوزا سخريةالفرعون:رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُالْأَوَّلِينَقال فرعون مخاطبا من جاءوا معموسى من بني إسرائيل:إِنَّرَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌعاد موسى يتجاوز اتهام الفرعون وسخريته ويكمل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْتَعْقِلُونَنلاحظ أن فرعون لم يكن يسألموسى عن رب العالمين أو رب موسى وهارون بقصد السؤال البريء والمعرفة. إنما كانيهزأ. ولقد أجابه موسى إجابة جامعة مانعة محكمة (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىكُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى). هو الخالق. خالق الأجناس جميعا والذوات جميعا. وهو هاديها بما ركب في فطرتها وجبلتها من خواصتهديها لأسباب عيشها. وهو الموجه لها على أي حال. وهو القابض على ناصيتها في كلحال. وهو العليم بها والشاهد عليها في جميع الأحوال.
    لم تؤثر هذه العبارة الرائعة والموجزة فيفرعون. وها هو ذا يسأل: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِالْأُولَى) لم تعبد ربك هذا؟
    لم يزل فرعون ماضيا في استكباره واستهزائه. ويرد موسى ردا يستلفتهإلى أن القرون الأولى التي لم تعبد الله، والتي عبدته معا، لن تترك بغير مساءلةوجزاء. كل شيء معلوم عند الله تعالى. هذه القرون الأولى (عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ). أحصى الله ما عملوه فيكتاب. (لَّا يَضِلُّ رَبِّي). أي لا يغيب عنه شيء. (وَلَا يَنسَى). أي لا يغيب عن شيء. ليطمئن الفرعونبالا من ناحية القرون الأولى والأخيرة وما بينهما. إن الله يعرف كل شيء ويسجل عليهاما عملته ولا يضيع شيئا من أجورهم.
    ثم استلفت موسى نظر فرعون إلى آيات الله في الكون. ودار به معحركة الرياح والمطر والنبات وأوصله مرة ثانية إلى الأرض، وهناك افهمه أن الله خلقالإنسان من الأرض، وسيعيده إليها بالموت، ويخرجه منها بالبعث، إن هناك بعثا إذن. وسيقف كل إنسان يوم القيامة أمام الله تعالى. لا استثناء لأحد. سيقف كل عباد اللهوخلقه أمامه يوم القيامة. بما في ذلك الفرعون. بهذا جاء موسى مبشرا ومنذرا.
    لم يعجب فرعون هذا النذير، وتصاعد الحوار بينه وبين موسى. فالطغيان لا يخشى شيئا كخشيته يقظة الشعوب، وصحوةالقلوب؛ ولا يكره أحدا كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة؛ ولا ينقم على أحد كماينقم على من يهزون الضمائر الغافية. لذلك هاج فرعون على موسى وثار، وأنهى الحوارمعه بالتهديد الصريح. وهذا هو سلاح الطغاة عندما يفتقرون للحج والبراهينوالمنطق: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَمِنَ الْمَسْجُونِينَ).
    إلا أن موسى -عليه السلام- لميفقد رباطة جأشه. كيف يفقدها وهو رسول الله، والله معه ومع أخيه؟ وبدأ الإقناعبأسلوب جديد، وهو إظهار المعجزة (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ) فهو يتحدى فرعون، ويحرجه أمام ملأه، فلو رفض فرعونالإصغاء، سيظهر واضحا أنه خائف من حجة موسى (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).
    ألقى موسى عصاه في ردهة القصر العظيمة. لم تكد العصا تلمس الأرضحتى تحولت إلى ثعبان هائل يتحرك بسرعة. ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فإذا هي بيضاءكالقمر.
    تحديالسحرة:
    وتبدأ الجولةالثانية بين الحق والباطل. حيث شاور فرعون الملأ من حوله فيما يجب فعله. والملأ لهم مصلحة في أن تبقى الأمورعلى ما هي عليه، فهم مقربون من فرعون، ولهم نفوذ وسلطان. فأشاروا أن يرد على سحرموسى بسحر مثله،فيجمع السحرة لتحدي موسىوأخاه.
    حدد الميقات، وهو يوم الزينة. وبدأت حركة إعداد الجماهير وتحميسهمفدعوهم للتجمعوعدمالتخلفعن الموعد،ليراقبوافوزالسحرة وغلبتهم على موسى الإسرائيلي! والجماهير دائما تتجمع لمثل هذهالأمور.
    أما السحرة، فقد ذهبوا لفرعونليطمئنون على الأجر والمكافأةإن غلبوا موسى.فهم جماعةمأجورة، تبذل مهارتها مقابل الأجر الذي تنتظره؛ ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لهابقضية، ولا شيء سوى الأجر والمصلحة. وهم هم ألاء يستوثقون من الجزاء على تعبهمولعبهم وبراعتهم في الخداع. وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر. يعدهم أنيكونوا من المقربين إليه. وهو بزعمه الملك والإله!
    وفي ساحة المواجهة. والناسمجتمعون، وفرعون ينظر. حضر موسى وأخاه هارون عليهما السلام، وحضر السحرة وفي أيديهمكل ما أتقنوه من ألعاب وحيل، وكلهم ثقة بفوزهم في هذا التحدي. لذا بدءوا بتخييرموسى: (إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَأَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) وتتجلى ثقة موسى -عليه السلام- في الجانب الآخرواستهانته بالتحدي (بَلْ أَلْقُوا) فرمى السحرة عصيهموحبالهم بعزة فرعون (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ).
    رمى السحرة بعصيهم وحبالهم فإذا المكان يمتلئ بالثعابين فجأة (سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍعَظِيمٍ). وحسبناأن يقرر القرآن الكريم أنه سحر عظيم (وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)، لندرك أي سحر كان. وحسبنا أن نعلم أنهم (سَحَرُواْ أَعْيُنَالنَّاسِ) وأثاروا الرهبة في قلوبهم (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) لنتصور أي سحركان. فنظرموسى عليه السلام إلى حبال السحرة وعصيهم وشعر بالخوف.
    في هذه اللحظة،يذكّره ربّهبأن معه القوة الكبرى. فهو الأعلى. ومعه الحق، أما هم فمعهم الباطل. معه العقيدة ومعهم الحرفة. معه الإيمان بصدق الذيدفعه لما هو فيه ومعهم الأجر على المباراة ومغانم الحياة. موسى متصل بالقوة الكبرىوالسحرة يخدمون مخلوقا بشريا فانيا مهما يكن طاغية جبارا.
    لا تخف (وَأَلْقِ مَا فِييَمِينِكَ) وستهزمهم، فهو سحر من تدبير ساحر وعمله. والساحر لا يفلح أنى ذهب وفي أي طريق سار، لأنه يعتمد على الخيال والإيهام والخداع،ولا يعتمد على حقيقة ثابتة باقية.
    اطمأن موسى ورفع عصاه وألقاها. لم تكد عصا موسى تلامس الأرض حتىوقعت المعجزةالكبرى. وضخامة المعجزة حولت مشاعر ووجدان السحرة،الذين جاءوا للمباراة وهم أحرص الناس على الفوز لنيل الأجر. الذي بلغت براعتهم لحدأن يشعر موسى بالخوف من عملهم. تحولت مشاعرهم بحيث لم يسعفهم الكلام للتعبير: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى).
    إنه فعل الحق فيالضمائر. ونور الحق في المشاعر، ولمسة الحق في القلوب المهيأة لتلقي الحق والنورواليقين. إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه. وهمأعرف الناس بالذي جاء به موسى. فهم أعلم إن كان هذا من عمل بشر أو ساحر، أو أنه منالقدرة التي تفوق قدرة البشر والسحر. والعالم في فنه هو أكثر الناس استعداداللتسليم بالحقيقة حين تتكشف له، لأنه أقرب إدراكا لهذه الحقيقة، ممن لا يعرفون فيهذا الفن إلا القشور. ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق،الذي يجددون برهانه في أنفسهم عن يقين.
    هزت هذهالمفاجأة العرش من تحته. مفاجأة استسلام السحرة -وهم من كهنة المعابد- لربالعالمين. رب موسى وهارون. بعد أن تم جمعهم لإبطال دعوة موسى وهارون لرب العالمين! ولأن العرش والسلطان أهم شيء في حيات الطواغيت، فهم مستعدون لارتكاب أي جريمة فيسبيل المحافظة عليهما.
    تسائل فرعونمستغربا (آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ) كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن يعودوا للحق. لكنهطاغية متكبر متجبر أعمى السلطان عينيه عن الحق. ويزيد في طغيانه فيقول (إِنَّ هَـذَالَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَاأَهْلَهَا) إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكمورضا منكم لذلك، وهو يعلم وكل من له عقل أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل. ويظل الطاغية يتهدد (فَسَوْفَتَعْلَمُونَ) ويتوعد (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْوَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) لكن النفس البشرية حين تستيقن حقيقة الإيمان، تستعلي على قوة الأرض، وتستهين ببأس الطغاة، وتنتصر فيها العقيدة على الحياة, وتختار الخلود الدائم على الحياة الفانية. (قَالُواْ إِنَّاإِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ) إنه الإيمان الذي لا يتزعزع ولا يخضع.
    ويعلنالسحرة حقيقة المعركة (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّاجَاءتْنَا) فلايطلبون الصفح والعفو من عدوّهم، إنما يطلبون الثبات والصبر من ربهم (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَاصَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين). فيقف الطغيان عاجزا أما هذا الوعي وهذاالاطمئنان. عاجزا عن رد هؤلاء المؤمنين لطريق الباطل من جديد. فينفذ تهديده،ويصلبهم على جذوع النخل.
    التآمر على موسى ومن آمنمعه:
    وتبدأ جولةجديدة بين الحق والباطل. فهاهم علية القوم من المصريين، يتآمرون ويحرضونفرعون ويهيجونه على موسى ومن آمن معه، ويخوّفونه من عاقبة التهاون معهم. وهم يرونالدعوة إلى ربوبية الله وحدة إفسادا في الأرض. حيث يترتب عليها بطلان شرعية حكمفرعون ونظامه كله. وقد كان فرعون يستمد قوته من ديانتهم الباطلة، حيث كان فرعون ابنالآلهة. فإن عبد موسى ومن معه الله رب العالمين، لن تكون لفرعون أي سطوة عليهم. فاستثارت هذه الكلمات فرعون، وأشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله ففكر بوحشيتهالمعتادة وقرر (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).
    لم يكن هذاالتنكيل الوحشي جديدا على بني إسرائيل. فقد نُفِّذ عليهم هذا الحكم في إبان مولدموسى عليه السلام. فبدأ موسى -عليه السلام- يوصي قومه باحتمال الفتنة، والصبر علىالبلية، والاستعانة بالله عليها. وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. والعاقبةلمن يتقي الله ولا يخشى أحدا سواه (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
    إلا أن قومهبدءوا يشتكون من العذاب الذي حل بهم (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) إنها كلمات ذات ظل! وإنها لتشي بماوراءها من تبرم! أوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك. وطال هذا الأذى حتى ما تبدوله نهاية! فيمضي النبي الكريم على نهجه. يذكرهم بالله، ويعلق رجاءهم به، ويلوح لهمبالأمل في هلاك عدوهم. واستخلافهم في الأرض. مع التحذير من فتنة الاستخلاف،فاستخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم، فهو استخلاف للامتحان: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْفِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).
    وينقلنا القرآن الكريم إلى فصل آخر من قصة موسى عليه السلام. ومشهد آخر من مشاهد المواجهة بين الحق والباطل. حيث يحكي لما قصة تشاور فرعون معالملأ في قتل موسى. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْمُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنيُظْهِرَ فِي الْأَرْضِالْفَسَادَ) أما موسى عليه السلام فالتجأ إلى الركن الركين، والحصن الحصين، ولاذبحامي اللائذين، ومجير المستجيرين (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ).
    موقف الرجل المؤمن من آلفرعون:
    كادت فكرةفرعون أنتحصل على التصديقلولا رجل من آل فرعون. رجل من رجال الدولة الكبار، لا يذكر القرآن اسمه، لأن اسمهلا يهم، لم يذكر صفته أيضا لأن صفته لا تعني شيئا، إنما ذكر القرآن أنه رجل مؤمن. ذكره بالصفة التي لا قيمة لأي صفة بعدها.
    تحدث هذا الرجل المؤمن، وكان (يَكْتُمُإِيمَانَهُ)، تحدث في الاجتماع الذي طرحت فيه فكرة قتل موسى وأثبت عقمالفكرة وسطحيتها. قال إن موسى لم يقل أكثر من أن الله ربه، وجاء بعد ذلك بالأدلةالواضحة على كونه رسولا، وهناك احتمالان لا ثالث لهما: أن يكون موسى كاذبا، أو يكونصادقا، فإذا كان كاذبا (فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وهو لميقل ولم يفعل ما يستوجب قتله. وإذا كان صادقا وقتلناه، فما هو الضمان من نجاتنا منالعذاب الذي يعدنا به؟
    تحدث المؤمن الذي يكتم إيمانه فقال لقومه: إننا اليوم في مراكزالحكم والقوة. من ينصرنا من بأس الله إذا جاء؟ ومن ينقذنا من عقوبته إذا حلت؟ إنإسرافنا وكذبنا قد يضيعاننا.
    وبدت كلماته مقنعة. إنه رجل ليس متهما في ولائه لفرعون. وهو ليسمن أتباع موسى. والمفروض أنه يتكلم بدافع الحرص على عرش الفرعون. ولا شيء يسقطالعروش كالكذب والإسراف وقتل الأبرياء.
    ومن هذا الموضع استمدت كلمات الرجل المؤمن قوتها. بالنسبة إلىفرعون ووزرائه ورجاله. ورغم أن فرعون وجد فكرته في قتل موسى، صريعة على المائدة. رغم تخويف الرجل المؤمن لفرعون.
     
  4. SSAMOUHA

    SSAMOUHA عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏23 أفريل 2008
    المشاركات:
    224
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      19-05-2008 11:02
    :besmellah1:

    رغم ذلك قال الفرعون كلمته التاريخية التي ذهبتمثلا بعده لكل الطغاة: (قَالَفِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَالرَّشَادِ).
    هذه كلمة الطغاة دائما حين يواجهون شعوبهم (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى). هذا رأينا الخاص، وهو رأييهديكم سبيل الرشاد. وكل رأي غيره خاطئ. وينبغي الوقوف ضده واستئصاله.
    لم تتوقف المناقشة عند هذا الحد. قال فرعون كلمته ولكنه لم يقنعبها الرجل المؤمن. وعاد الرجل المؤمن يتحدث وأحضر لهم أدلة من التاريخ، أدلة كافيةعلى صدق موسى. وحذّرهمخ من المساس به. لقد سبقتهم أمم كفرت برسلها، فأهلكها الله: قومنوح، قومعاد، قومثمود.
    ثم ذكّرهم بتاريخ مصر نفسه. ذكّرهمبيوسفعليه السلام حين جاء بالبينات، فشك فيه الناس ثمآمنوا به بعد أن كادت النجاة تفلت منهم، ما الغرابة في إرسال الله للرسل؟ إنالتاريخ القديم ينبغي أن يكون موضع نظر. لقد انتصرت القلة المؤمنة حين أصبحت مؤمنةعلى الكثرة الكافرة. وسحق الله تعالى الكافرين. أغرقهم بالطوفان، وصعقهم بالصرخة. أو خسف بهم الأرض. ماذا ننتظر إذن؟ ومن أين نعلم أن وقوفنا وراء الفرعون لن يضيعناويهلكنا جميعا؟
    كان حديث الرجل المؤمن ينطوي على عديد من التحذيرات المخيفة. ويبدو أنه أقنع الحاضرين بأن فكرة قتل موسى فكرة غير مأمونة العواقب. وبالتالي فلاداعي لها.
    إلا أن الطاغيةفرعون حاول مرة أخرى المحاورة والتمويه، كي لا يواجه الحق جهرة، ولا يعترف بدعوةالوحدانية التي تهز عرشه. وبعيد عن احتمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه. فطلب أنيبنى له بناء عظيم، يصعد عليه ليرى إله موسى الذي يدعيه. وبعيدا أن يكون جادا فيالبحث عن إله موسى على هذا النحو المادي الساذج. وقد بلغ فراعنة مصر من الثقافة حدايبعد معه هذا التصور. وإنما هو الاستهتار والسخرية من جهة. والتظاهر بالإنصافوالتثبت من جهة أخرى.
    بعد هذا الاستهتار، وهذا الإصرار، ألقى الرجل المؤمن كلمتهالأخيرة مدوية صريحة:
    وَقَالَالَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ(38)يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَامَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ(39)مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَايُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَمُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ(40) وَيَا قَوْمِ مَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ(41)تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِوَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِالْغَفَّارِ(42)لَاجَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَافِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْأَصْحَابُ النَّارِ(43)فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّاللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(44) (غافر)
    أنهى الرجل المؤمن حديثه بهذه الكلمات الشجاعة. بعدها انصرف. انصرف فتحول الجالسون من موسى إليه. بدءوا يمكرون للرجل المؤمن. بدءوا يتحدثون عماصدر منه. فتدخلت عناية الله تعالى (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُالْعَذَابِ) وأنجته من فرعون وجنوده.
    ابتلاء الله أهل مصر:
    أما حال مصر في تلك الفترة. فلقد مضى فرعون في تهديده، فقتلالرجال واستحيا النساء. وظل موسى وقومه يحتملون العذاب، ويرجون فرج الله، ويصبرونعلى الابتلاء. وظل فرعون في ظلاله وتحدّيه. فتدخلت قوة الله سبحانه وتعالى، وشاءالله تعالى أن يشدد على آل فرعون. ابتلاء لهم وتخويفا، ولكي يصرفهم عن الكيد لموسىومن آمن معه، وإثباتا لنبوة موسى وصدقه في الوقت نفسه. وهكذا سلط على المصريينأعوام الجدب. أجدبت الأرض وشح النيل ونقصت الثمار وجاع الناس، واشتد القحط. لكن آلفرعون لم يدركوا العلاقة بين كفرهم وفسقهم وبين بغيهم وظلمهم لعباد الله. فأخذوايعللون الأسباب. فعندما تصيبهم حسنة، يقولون إنها من حسن حظهم وأنهم يستحقونها. وإنأصابتهم سيئة قالوا هي من شؤم موسى ومن معه عليهم، وأنها من تحت رأسهم!
    وأخذتهم العزة بالإثمفاعتقدوا أن سحر موسى هو المسئول عما أصابهم من قحط. وصور لهم حمقهم أن هذا الجدبالذي أصاب أرضهم، آية جاء بها موسى ليسحرهم بها، وهي آية لن يؤمنوا بها مهماحدث.
    فشدد الله عليهم لعلهم يرجعون إلى الله، ويطلقون بني إسرائيلويرسلونهم معه. فأرسل عليهم الطوفان، والجراد، والقمل -وهو السوس- والضفادع، والدم. ولا يذكر القرآن إن كانت جملة واحدة، أم واحدة تلو الأخرى. وتذكر بعض الروايات أنهاجاءت متتالية وحدة تلو الأخرى. إلا أن المهم هو طلب آل فرعون من موسى أن يدعو لهمربه لينقذهم من هذا البلاء. وبعدونه في كل مرة أن يرسلوا بني إسرائيل إذا أنجاهمورفع عنهم هذا البلاء (قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِنكَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيإِسْرَآئِيلَ).
    فكان موسى -عليه السلام- يدعو الله بأن يكشف عنهم العذاب. وما أنينكشف البلاء حتى ينقضون عهدهم، ويعودون إلى ما كانوا فيه (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ).
    لم يهتد المصريون، ولم يوفوا بعهودهم، بل على العكس من ذلك. خرجفرعون لقومه، وأعلن أنه إله. أليس له ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحته، أعلن أنموسى ساحر كذاب. ورجل فقير لا يرتدي أسورة واحدة من الذهب.
    ويعبّر القرآن الكريم عن أمر فرعون وقومه: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ). استخف بعقولهم. واستخفبحريتهم. واستخف بمستقبلهم. واستخف بآدميتهم. فأطاعوه. أليست هذه طاعة غريبة. تنمحيالغرابة حين نعلم أنهم كانوا قوما فاسقين. إن الفسق يصرف الإنسان عن الالتفاتلمستقبله ومصالحه وأموره، ويورده الهلاك. وذلك ما وقع لقوم فرعون.
    خروج بني إسرائيل من مصر:
    بدا واضحا أن فرعون لن يؤمن لموسى. ولن يكف عن تعذيبه لبنيإسرائيل، ولن يكف عن استخفافه بقومه. هنالك دعا موسى وهارون على فرعون.
    وَقَالَمُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِيالْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىأَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْالْعَذَابَ الأَلِيمَ(88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّسَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ(89) (يونس)
    لم يكن قد آمن مع موسى فريق من قومه. فانتهى الأمر، وأوحي إلى موسىأن يخرج من مصر مع بني إسرائيل. وأن يكور رحيلهم ليلا، بعد تدبير وتنظيم لأمرالرحيل. ونبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده؛ وأمره أن يقوم قومه إلى ساحل البحر (وهو فيالغالب عند التقاء خليج السويس بمطقة البحيرات).
    وبلغت الأخبار فرعون أن موسى قد صحب قومه وخرج. فأرسل أوامره فيمدن المملكة لحشد جيش عظيم. ليدرك موسى وقومه، ويفسد عليهم تدبيرهم. أعلن فرعونالتعبئة العامة. وهذا من شأنه أن يشكل صورة في الأذهان، أن موسى وقومه يشكلون خطرافعلى فرعون وملكه، فيكف يكون إلها من يخشى فئة صغيرا يعبدون إله آخر؟! لذلك كان لابد من تهوين الأمر وذلك بتقليل شأن قوم موسى وحجمهم (إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) لكننا نطاردهم لأنهم أغاظونا، وعلى أي حال،فنحن حذرون مستعدون ممسكون بزمام الأمور.
    وقف موسى أمام البحر. وبدا جيش الفرعون يقترب، وظهرت أعلامه. وامتلأ قوم موسى بالرعب. كان الموقف حرجا وخطيرا. إن البحر أمامهم والعدو ورائهموليس معهم سفن أو أدوات لعبور البحر، كما ليست أمامهم فرصة واحدة للقتال. إنهممجموعة من النساء والأطفال والرجال غير المسلحين. سيذبحهم فرعون عن آخرهم.
    صرخت بعض الأصوات من قوم موسى: سيدركنا فرعون.
    قال موسى: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).
    لم يكن يدري موسى كيف ستكون النجاة، لكن قلبه كان ممتلئا بالثقةبربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، فالله هو اللي يوجهه ويرعاه. وفي اللحظةالأخيرة، يجيء الوحي من الله (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ) فضربه، فوقعتالمعجزة (فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) وتحققه المستحيل في منطق الناس، لكن الله إنأراد شيئا قال له كن فيكون.
    ووصل فرعون إلى البحر. شاهد هذه المعجزة. شاهد في البحر طريقايابسا يشقه نصفين. فأمر جيشه بالتقدم. وحين انتهى موسى من عبور البحر. وأوحى اللهإلى موسى أن يترك البحر على حاله (وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ). وكانالله تعالى قد شاء إغراق الفرعون. فما أن صار فرعونوجنوده في منتصف البحر، حتى أصدر الله أمره، فانطبقت الأمواج على فرعونوجيشه. وغرق فرعون وجيشه. غرق العناد ونجا الإيمان بالله.
    ولما عاين فرعون الغرق، ولم يعديملك النجاة (قَالَآمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَوَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) سقطت عنه كلالأقنعة الزائفة، وتضائل، فلم يكتفي بأن يعلن إيمانه، بل والاستسلام أيضا (وَأَنَاْ مِنَالْمُسْلِمِينَ) لكن بلا فائدة، فليس الآنوقت اختيار، بعد أن سبق العصيان والاستكبار (آلآنَوَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).
    انتهى وقت التوبة المحدد لك وهلكت. انتهى الأمر ولا نجاة لك. سينجو جسدك وحده. لن تأكله الأسماك، ولين يحمله التيار بعيدا عن الناس، بل سينجوجسدك لتكون آية لمن خلفك.
    فَالْيَوْمَنُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَالنَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ(92) (يونس)
    أسدل الستار على طغيان الفرعون. ولفظت الأمواج جثته إلى الشاطئ. بعد ذلك. نزل الستار تماما عن المصريين. لقد خرجوا يتبعون خطا موسى وقومه ويقفونأثرهم. فكان خروجهم هذا هو الأخير. وكان إخراجا لهم من كل ما هم فيه من جنات وعيونوكنوز؛ فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم! لا يحدثنا القرآن الكريم عما فعله من بقى منالمصررين في مصر بعد سقوط نظام الفرعون وغرقه مع جيشه. لا يحدثنا عن ردود فعلهم بعدأن دمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يشيدون. يسكت السياق القرآني عنهم. ويستبعدهم تماما من التاريخ والأحداث.
    الجزء الثالث:يتناول حياة موسى عليه السلام مع بنيإسرائيل بعد غرق فرعون، والأحداث العظيمة التي حدثت أثناء ضياعهم في صحراءسيناء.
    نفسية بني إسرائيلالذليلة:
    لقد مات فرعون مصر. غرق أمام عيون المصريين وبني إسرائيل. ورغمموته، فقد ظل أثره باقيا في نفوس المصريين وبني إسرائيل. من الصعب على سنوات القهرالطويلة والذل المكثف أن تمر على نفوس الناس مر الكرام. لقدعوّدفرعون بني إسرائيل الذل لغير الله. هزم أرواحهموأفسد فطرتهم فعذبوا موسى عذابا شديدا بالعناد والجهل.
    كانت معجزة شق البحر لم تزل طرية في أذهانهم،حين مروا على قوم يعبدون الأصنام. وبدلا من أن يظهروا استيائهملهذا الظلم للعقل، ويحمدوا الله أن هداهم للإيمان. بدلا من ذلك التفتوا إلى موسىوطلبوا منه أن يجعل لهم إلها يعبدونه مثل هؤلاء الناس.أدركتهم الغيرة لمرأى الأصنام، ورغبوا في مثلها، وعاودهم الحنين لأيام الشركالقديمة التي عاشوها في ظل فرعون. واستلفتهم موسى إلى جهلهم هذا، وبيّن لهم أن عملهؤلاء باطل، وأن الله فضل بني إسرائيل على العالمين فكيف يجحد هذا التفضيل ويجعللهم صنما يعبدونه من دون الله. ثم ذكّرهم بفرعون وعذابه لهم، وكيف أن الله نجاهممنه، فكيف بعد ذلك يشركون بالله مالا يضر ولا ينفع.
    موعد موسى لملاقاة ربه:
    انتهت المرحلةالأولى من مهمة موسى عليه السلام، وهي تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والتعذيب علىيد فرعون وجنده. والسير بهم إلى الديار المقدسة. لكن القوم لم يكونوا على استعدادللمهمة الكبرى، مهمة الخلافة في الأرض بدين الله. وكان الاختبار الأول أكبر دليلعلى ذلك. فما أن رأوا قوما يعبدون صنما، حتى اهتزت عقيدة التوحيد في نفوسهم، وطلبوامن موسى أن يجعل لهم وثنا يعبدوه. فكان لا بد من رسالة مفصلة لتربية هذه الأمةوإعدادها لما هم مقبلون عليه. من أجل هذه الرسالة كانت مواعدة الله لعبده موسىليلقاه. وكانت هذه المواعدة إعداد لنفس موسى ليتهيأ للموقف الهائل العظيم. فاستخلففي قومه أخاههارونعليه السلام.
    كانت فترةالإعداد ثلاثين ليلة، أضيف إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة. يروض موسى فيهانفسه على اللقاء الموعود؛ وينعزل فيها عن شواغل الأرض؛ فتصفو روحه وتتقوى عزيمته. ويذكر ابن كثير في تفسيره عن أمر هذه الليالي: "فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثينليلة؛ قال المفسرون: فصامها موسى -عليه السلام- وطواها، فلما تم الميقات استاكبلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين".
    كان موسى بصومه -أربعين ليلة- يقترب من ربه أكثر. وكان موسىبتكليم الله له يزداد حبا في ربه أكثر. فطلب موسى أن يرى الله. ونحن لا نعرف أيمشاعر كانت تجيش في قلب موسى عليه الصلاة والسلام حين سأل ربه الرؤية. أحيانا كثيرةيدفع الحب البشري الناس إلى طلب المستحيل. فما بالك بالحب الإلهي، وهو أصل الحب؟ إنعمق إحساس موسى بربه، وحبه لخالقه، واندفاعه الذي لم يزل يميز شخصيته. دفعه هذا كلهإلى أن يسأل الله الرؤية.
    وجاءه رد الحق عز وجل: قَالَ لَن تَرَانِي
    ولو أن الله تبارك وتعالى قالها ولم يزد عليها شيئا، لكان هذاعدلا منه سبحانه، غير أن الموقف هنا موقف حبإلهي من جانبموسى. موقف اندفاع يبرره الحب ولهذا أدركت رحمة الله تعالى موسى. أفهمه أنه لنيراه، لأن أحدا من الخلق لا يصمد لنور الله. أمره أن ينظر إلى الجبل، فإن استقرمكانه فسوف يراه.
    قال تعالى: (وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَتَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَىصَعِقًا)
    لا يصمد لنور الله أحد. فدكّ الجبل، وصار مسوّىفي الأرض. وسقط موسى مغشيا عليه غائبا عن وعيه.فلما أفاق قال سبحانك تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصاروتدرك. وتبت إليك عن تجاوزني للمدى في سؤالك! وأنا أول المؤمنين بكوبعظمتك.
     
    2 شخص معجب بهذا.
  5. ahmed87

    ahmed87 عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏14 جوان 2007
    المشاركات:
    1.233
    الإعجابات المتلقاة:
    191
      19-05-2008 11:02
    بارك الله فيك يا اخي
     
  6. SSAMOUHA

    SSAMOUHA عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏23 أفريل 2008
    المشاركات:
    224
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      19-05-2008 11:08
    :besmellah2:

    ثم تتداركه رحمة ربه من جديد. فيتلقى موسى -عليهالسلام- البشرى. بشرى الاصطفاء. مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص. قال تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِبِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَالشَّاكِرِينَ)
    وقف كثير من المفسرين أمام قوله تعالى لموسى: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَىالنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي). وأجريت مقارنات بينه وبين غيره منالأنبياء. فقيل إن هذا الاصطفاء كان خاصا بعصره وحده، ولا ينسحب على العصر الذيسبقه لوجود إبراهيم فيه، وإبراهيم خير من موسى، أيضا لا ينطبق هذا الاصطفاء علىالعصر الذي يأتي بعده، لوجود محمد بن عبد الله فيه، وهو أفضل منهما.
    ونحب أن نبتعد عن هذا الجدال كله. لا لأننا نعتقد أن كل الأنبياءسواء. إذا إن الله سبحانه وتعالى يحدثنا أنه فضل بعض النبيين على بعض، ورفع درجاتبعضهم على البعض. غير أن هذا التفضيل ينبغي أن يكون منطقة محرمة علينا، ولنقف نحنفي موقع الإيمان بجميع الأنبياء لا نتعداه. ولنؤد نحوهم فروض الاحترام على حد سواء. لا ينبغي أن يخوض الخاطئون في درجات المعصومين المختارين من الله. ليس من الأدب أننفاضل نحن بين الأنبياء. الأولى أن نؤمن بهم جميعا.
    ثم يبين اللهتعالى مضمون الرسالة (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةًوَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْبِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) ففيها كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان اللهوشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطولالأمد!
    عبادةالعجل:
    انتهى ميقات موسى مع ربه تعالى. وعاد غضبان أسفا إلى قومه. فلقدأخبره الله أن قموه قد ضلّوا من بعده. وأن رجلا من بني إسرائيل يدعى السّامري هو منأضلّهم. انحدر موسى من قمة الجبل وهو يحمل ألواح التوراة، قلبه يغلي بالغضب والأسف. نستطيع أن نتخيل انفعال موسى وثورته وهو يحث خطاه نحو قومه.
    لم يكد موسى يغادر قومه إلى ميقات ربه. حتى وقعت فتنة السامري. وتفصيل هذه الفتنة أن بني إسرائيل حين خرجوا من مصر، صحبوا معهم كثيرا من حليالمصريين وذهبهم، حيث كانت نساء بني إسرائيل قد استعرنه للتزين به، وعندما أمروابالخروج حملوه معهم. ثم قذفوها لأنها حرام. فأخذها السامري، وصنع منها تمثالا لعجل. وكان السامري فيما يبدو نحاتا محترفا أو صائغا سابقا، فصنع العجل مجوفا من الداخل،ووضعه في اتجاه الريح، بحيث يدخل الهواء من فتحته الخلفية ويخرج من أنفه فيحدث صوتايشبه خوار العجول الحقيقية.
    ويقال إن سر هذا الخوار، أن السامري كان قد أخذ قبضة من تراب سارعليه جبريل -عليه السلام- حين نزل إلى الأرض في معجزة شق البحر. أي أن السامري أبصربما لم يبصروا به، فقبض قبضة من أثر الرسول -جبريل عليه السلام- فوضعها مع الذهبوهو يصنع منه العجل. وكان جبريل لا يسير على شيء إلا دبت فيه الحياة. فلما أضافالسامري التراب إلى الذهب، ثم صنع منه العجل، خار العجل كالعجول الحقيقية. وهذه هيالقصة التي قالها السامري لموسى عليه السلام.
    بعد ذلك، خرج السامري على بني إسرائيل بما صنعه..
    سألوه: ما هذا يا سامري؟قال: هذا إلهكم وإله موسى!
    قالوا: لكن موسى ذهب لميقات إلهه.
    قال السامري: لقد نسي موسى. ذهب للقاء ربه هناك،بينما ربه هنا.
    وهبت موجة من الرياح فدخلت من دبر العجل الذهب وخرجت من فمه فخارالعجل. وعبد بنو إسرائيل هذا العجل. لعل دهشة القارئ تثور لهذه الفتنة. كيف يمكنالاستخفاف بعقول القوم لهذه الدرجة؟! لقد وقعت لهم معجزات هائلة. فكيف ينقلبون إلىعبادة الأصنام في لحظة؟ تزول هذه الدهشة لو نظرنا في نفسية القوم الذين عبدواالعجل. لقد تربوا في مصر، أيام كانت مصر تعبد الأصنام وتقدس فيما تقدس العجل أبيس،وتربوا على الذل والعبودية، فتغيرت نفوسهم، والتوت فطرتهم، ومرت عليهم معجزات اللهفصادفت نفوسا تالفة الأمل. لم يعد هناك ما يمكن أن يصنعه لهم أحد. إن كلمات الله لمتعدهم إلى الحق، كما أن المعجزات الحسية لم تقنعهم بصدق الكلمات، ظلوا داخل أعماقهممن عبدة الأوثان. كانوا وثنيين مثل سادتهم المصريين القدماء. ولهذا السبب انقلبواإلى عبادة العجل.
    وفوجئهارونعليه الصلاة والسلام يومابأن بني إسرائيل يعبدون عجلا من الذهب. انقسموا إلى قسمين: الأقلية المؤمنة أدركتأن هذا هراء. والأغلبية الكافرة طاوعت حنينها لعبادة الأوثان. ووقف هارون وسط قومهوراح يعظهم. قال لهم: إنكم فتنتم به، هذه فتنة، استغل السامري جهلكم وفتنكم بعجله. ليس هذا ربكم ولا رب موسى (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُواأَمْرِي).
    ورفض عبدة العجل موعظةهارون. لكنهارون -عليه السلام- عاد يعظهم ويذكرهم بمعجزات الله التيأنقذهم بها، وتكريمه ورعايته لهم، فأصموا آذانهم ورفضوا كلماته، واستضعفوه وكادوايقتلونه، وأنهوا مناقشة الموضوع بتأجيله حتى عودة موسى. كان واضحا أنهارونأكثر لينا من موسى، لم يكن يهابه القوم للينه وشفقته. وخشيهارونأن يلجأ إلى القوة ويحطم لهم صنمهم الذييعبدونه فتثور فتنة بين القوم. فآثرهارونتأجيل الموضوعإلى أن يحضر موسى.
    كان يعرف أن موسى بشخصيته القوية، يستطيع أن يضع حدا لهذه الفتنة. واستمر القوم يرقصون حول العجل.
    انحدر موسى عائدا لقومه فسمع صياح القوم وجلبتهم وهم يرقصون حولالعجل. توقف القوم حين ظهر موسى وساد صمت. صرخ موسى يقول: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنبَعْدِيَ).
    اتجه موسى نحوهارونوألقى ألواحالتوراة من يده على الأرض. كان إعصار الغضب داخل موسى يتحكم فيه تماما. مد موسىيديه وأمسكهارونمن شعر رأسه وشعر لحيته وشده نحوه وهويرتعش. قال موسى:
    يَا هَارُونُمَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا(92)أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي(93) (طه)
    إن موسى يتساءل هل عصى هارون أمره. كيف سكت على هذه الفتنة؟ كيفطاوعهم على البقاء معهم ولم يخرج ويتركهم ويتبرأ منهم؟ كيف سكت عن مقاومتهم أصلا؟إن الساكت عن الخطأ مشترك فيه بشكل ما. زاد الصمت عمقا بعد جملة موسى الغاضبة. وتحدثهارونإلى موسى. رجا منه أن يترك رأسه ولحيته. بحقانتمائهما لأم واحدة. وهو يذكره بالأم ولا يذكره بالأب ليكون ذلك أدعى لاستثارةمشاعر الحنو في نفسه.
    أفهمه أن الأمر ليس فيه عصيان له. وليس فيه رضا بموقف عبدة العجل. إنما خشي أن يتركهم ويمضي، فيسأله موسى كيف لم يبق فيهم وقد تركه موسى مسؤولا عنهم،وخشي لو قاومهم بعنف أن يثير بينهم قتالا فيسأله موسى كيف فرق بينهم ولم ينتظرعودته.
    أفهم هارون أخاه موسى برفق ولين أن القوم استضعفوه، وكادوايقتلونه حين قاومهم. رجا منه أن يترك رأسه ولحيته حتى لا يشمت به الأعداء، ويستخفبه القوم زيادة على استخفافهم به. أفهمه أنه ليس ظالما مثلهم عندما سكت عنظلمهم.
    أدرك موسى أنه ظلمهارونفي غضبه الذيأشعلته غيرته على الله تعالى وحرصه على الحق. أدرك أنهارونتصرف أفضل تصرف ممكن في هذه الظروف. ترك رأسه ولحيتهواستغفر الله له ولأخيه. التفت موسى لقومه وتساءل بصوت لم يزل يضطرب غضبا: (يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْرَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَنيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي).
    إنه يعنفهم ويوبخهم ويلفتهم بإشارة سريعة إلى غباء ما عملوه. عادموسى يقول غاضبا أشد الغضب: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّنرَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِيالْمُفْتَرِينَ).
    لم تكد الجبال تبتلع أصداء الصوت الغاضب حتى نكس القوم رءوسهموأدركوا خطأهم. كان افتراؤهم واضحا على الحق الذي جاء به موسى. أبعد كل ما فعلهالله تعالى لهم، ينكفئون على عبادة الأصنام؟! أيغيب موسى أربعين يوما ثم يعودليجدهم يعبدون عجلا من الذهب. أهذا تصرف قوم، عهد الله إليهم بأمانة التوحيد فيالأرض؟
    التفت موسى إلى السامري بعد حديثه القصير معهارون. لقد أثبت لههارونبراءتهكمسئول عن قومه في غيبته، كما سكت القوم ونكسوا رءوسهم أمام ثورة موسى، لم يبق إلاالمسئول الأول عن الفتنة. لم يبق إلا السامري.
    تحدث موسى إلى السامري وغضبه لم يهدأ بعد: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّإنه يسأله عن قصته،ويريد أن يعرف منه ما الذي حمله على ما صنع. قال السامري:بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِرأيت جبريل وهو يركب فرسه فلا تضعقدمها على شيء إلا دبت فيه الحياة. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْأَثَرِ الرَّسُولِأخذت حفنة من التراب الذي سار عليه جبريل وألقيتها علىالذهب. فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِينَفْسِيهذا ما ساقتني نفسي إليه.
    لم يناقش موسى، عليه السلام السامري في ادعائه. إنما قذف في وجههحكم الحق. ليس المهم أن يكون السامري قد رأى جبريل، عليه السلام، فقبض قبضة منأثره. ليس المهم أن يكون خوار العجل بسبب هذا التراب الذي سار عليه فرس جبريل، أويكون الخوار بسبب ثقب اصطنعه السامري ليخور العجل. المهم في الأمر كله جريمةالسامري، وفتنته لقوم موسى، واستغلاله إعجاب القوم الدفين بسادتهم المصريين،وتقليدهم لهم في عبادة الأوثان. هذه هي الجريمة التي حكم فيها موسى عليه السلام: (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّلَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْتُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًالَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا).
    حكم موسى على السامري بالوحدة في الدنيا. يقول بعض المفسرين: إنموسى دعا على السامري بأن لا يمس أحدا، معاقبة له على مسه ما لم يكن ينبغي لهمسه.
    ونعتقد أن الأمر أخطر كثيرا من هذه النظرة السريعة. إن السامريأراد بفتنته ضلال بني إسرائيل وجمعهم حول عجله الوثني والسيادة عليهم، وقد جاءتعقوبته مساوية لجرمه، لقد حكم عليه بالنبذ والوحدة. هل مرض السامري مرضا جلديا بشعاصار الناس يأنفون من لمسه أو مجرد الاقتراب منه؟ هل جاءه النبذ من خارج جسده؟ لانعرف ماذا كان من أمر الأسلوب الذي تمت به وحدة السامري ونبذ المجتمع له. كل مانعرفه أن موسى أوقع عليه عقوبة رهيبة، كان أهون منها القتل، فقد عاش السامري منبوذامحتقرا لا يلمس شيئا ولا يمس أحدا ولا يقترب منه مخلوق. هذه هي عقوبته في الدنيا،ويوم القيامة له عقوبة ثانية، يبهمها السياق لتجيء ظلالها في النفس أخطر وأرعب.
    نهض موسى بعد فراغه من السامري إلى العجل الذهب وألقاه في النار. لم يكتف بصهره أمام عيون القوم المبهوتين، وإنما نسفه في البحر نسفا. تحول الإلهالمعبود أمام عيون المفتونين به إلى رماد يتطاير في البحر. ارتفع صوت موسى: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) هذا هو إلهكم،وليس ذلك الصنم الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
    بعد أن نسف موسى الصنم، وفرغ من الجاني الأصلي، التفت إلى قومه،وحكم في القضية كلها فأفهمهم أنهم ظلموا أنفسهم وترك لعبدة العجل مجالا واحداللتوبة. وكان هذا المجال أن يقتلالمطيع من بنيإسرائي من عصى.
    قال تعالى:
    وَإِذْ قَالَمُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُالْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌلَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم(54) (البقرة)
    كانت العقوبة التي قررها موسى على عبدة العجل مهولة، وتتفق معالجرم الأصلي. إن عبادة الأوثان إهدار لحياة العقل وصحوته، وهي الصحوة التي تميزالإنسان عن غيره من البهائم والجمادات، وإزاء هذا الإزهاق لصحوة العقل، تجيءالعقوبة إزهاقا لحياة الجسد نفسه، فليس بعد العقل للإنسان حياة يتميز بها. ومن نوعالجرم جاءت العقوبة. جاءت قاسية ثم رحم الله تعالى وتاب. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمأخيرا. سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ. تأمل تعبير القرآن الكريم الذي يصور الغضب في صورة كائن يقود تصرفات موسى، ابتداءمن إلقائه لألواح التوراة، وشده للحية أخيه ورأسه. وانتهاء بنسف العجل في البحر،وحكمه بالقتل على من اتخذوه ربا. أخيرا سكت عن موسى الغضب. زايله غضبه في الله،وذلك أرفع أنواع الغضب وأجدرها بالاحترام والتوقير. التفت موسى إلى مهمته الأصليةحين زايله غضبه فتذكر أنه ألقى ألواح التوراة. وعاد موسى يأخذ الألواح ويعاود دعوتهإلى الله.
     
    2 شخص معجب بهذا.
  7. SSAMOUHA

    SSAMOUHA عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏23 أفريل 2008
    المشاركات:
    224
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      19-05-2008 11:10
    :besmellah1:

    رفع الجبل فوق رؤوس بنيإسرائيل:
    عاد موسى إلى هدوئه، واستأنف جهاده في الله، وقرأ ألواح التوراةعلى قومه. أمرهم في البداية أن يأخذوا بأحكامها بقوة وعزم. ومن المدهش أن قومهساوموه على الحق. قالوا: انشر علينا الألواح فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلةقبلناها. فقال موسى: بل اقبلوها بما فيها. فراجعوا مرارا، فأمر الله تعالى ملائكتهفرفعت الجبل على رءوسهم حتى صار كأنه غمامة فوقهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بمافيها سقط ذلك الجبل عليكم، فقبلوا بذلك، وأمروا بالسجود فسجدوا. وضعوا خدودهم علىالأرض وراحوا ينظرون إلى الجبل فوقهم هلعا ورعبا.
    وهكذا أثبت قوم موسى أنهم لا يسلمون وجوههم لله إلا إذا لويتأعناقهم بمعجزة حسية باهرة تلقي الرعب في القلوب وتنثني الأقدام نحو سجود قاهر يدفعالخوف إليه دفعا. وهكذا يساق الناس بالعصا الإلهية إلى الإيمان. يقع هذا في ظل غيابالوعي والنضج الكافيين لقيام الاقتناع العقلي. ولعلنا هنا نشير مرة أخرى إلى نفسيةقوم موسى، وهي المسئول الأول عن عدم اقتناعهم إلا بالقوة الحسية والمعجزات الباهرة. لقد تربى قوم موسى ونشئوا وسط هوان وذل، أهدرت فيهما إنسانيتهم والتوت فطرته. ولميعد ممكنا بعد ازدهار الذل في نفوسهم واعتيادهم إياه، لم يعد ممكنا أن يساقوا إلىالخير إلا بالقوة. لقد اعتادوا أن تسيرهم القوة القاهرة لسادتهم القدامى، ولا بدلسيدهم الجديد (وهو الإيمان) من أن يقاسي الأهوال لتسييرهم، وأن يلجأ مضطرا إلىأسلوب القوة لينقذهم من الهلاك. لم تمر جريمة عبادة العجل دون آثار.
    اختيار سبعين رجلا لميقاتالله:
    أمر موسى بني إسرائيل أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه. اختار منهمسبعين رجلا، الخيّر فالخيّر، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوهالتوبة على من تركتم وراءكم من قومكم. صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. خرج موسىبهؤلاء السبعين المختارين لميقات حدده له الله تعالى. دنا موسى من الجبل. وكلم اللهتعالى موسى، وسمع السبعون موسى وهو يكلم ربه.
    ولعل معجزة كهذه المعجزة تكون الأخير، وتكون كافية لحمل الإيمانإلى القلوب مدى الحياة. غير أن السبعين المختارين لم يكتفوا بما استمعوا إليه منالمعجزة. إنما طلبوا رؤية الله تعالى. قالوا سمعنا ونريد أن نرى. قالوا لموسىببساطة: (يَا مُوسَى لَننُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً).
    هي مأساة تثير أشد الدهشة. وهي مأساة تشير إلى صلابة القلوبواستمساكها بالحسيات والماديات. كوفئ الطلب المتعنت بعقوبة صاعقة. أخذتهم رجفةمدمرة صعقت أرواحهم وأجسادهم على الفور. ماتوا.
    أدرك موسى ما أحدثه السبعون المختارون فملأه الأسى وقام يدعو ربهويناشده أن يعفو عنهم ويرحمهم، وألا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم، وليس طلبهم رؤيةالله تبارك وتعالى وهم على ما هم فيه من البشرية الناقصة وقسوة القلب غير سفاهةكبرى. سفاهة لا يكفر عنها إلا الموت.
    قد يطلب النبي رؤية ربه، كما فعل موسى، ورغم انطلاق الطلب من واقعالحب العظيم والهوى المسيطر، الذي يبرر بما له من منطق خاص هذا الطلب، رغم هذا كلهيعتبر طلب الرؤية تجاوزا للحدود، يجازى عليه النبي بالصعق، فما بالنا بصدور هذاالطلب من بشر خاطئين، بشر يحددون للرؤية مكانا وزمانا، بعد كل ما لقوه من معجزاتوآيات..؟ أليس هذا سفاهة كبرى..؟ وهكذا صعق من طلب الرؤية.. ووقف موسى يدعو ربهويستعطفه ويترضاه.. يحكي المولى عز وجل دعاء موسى عليه السلام بالتوبة على قومه فيسورة الأعراف:
    وَاخْتَارَمُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُالرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَأَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَتُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَاوَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِين(155)وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّاهُدْنَـاإِلَيْكَقَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْأَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَوَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156)الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَالنَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِوَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّلَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْإِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِوَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157) (الأعراف)
    هذه كانت كلمات موسى لربه وهو يدعوه ويترضاه. ورضي الله تعالى عنهوغفر لقومه فأحياهم بعد موتهم، واستمع المختارون في هذه اللحظات الباهرة من تاريخالحياة إلى النبوءة بمجيءمحمدبن عبد الله صلى اللهعليه وسلم.
    سنلاحظ طريقة الربط بين الحاضر والماضي في الآية، إن الله تعالىيتجاوز زمن مخاطبة الرسول في الآيات إلى زمنين سابقين، هما نزول التوراة ونزولالإنجيل، ليقرر أنه (تعالى) بشّر بمحمد في هذين الكتابين الكريمين. نعتقد أن إيرادهذه البشرى جاء يوم صحب موسى من قومه سبعين رجلا هم شيوخ بني إسرائيل وأفضل منفيهم، لميقات ربه. في هذا اليوم الخطير بمعجزاته الكبرى، تم إيراد البشرى بآخرأنبياء الله عز وجل.
    يقول ابن كثير في كتابه قصص الأنبياء، نقلاعن قتادة:
    إن موسى قال لربه: يا رب إني أجد في الألواحأمة هي خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. رب اجعلهمأمتي.
    قال: تلك أمة أحمد.
    قال: ربي إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم فيصدورهم يقرءونها. وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئاولم يعرفوه. وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم. رب اجعلهمأمتي.
    قال: تلك أمةأحمد.
    قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتابالأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول الضلالة. فاجعلهم أمتي.
    قال: تلك أمةأحمد.
    قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ويؤجرونعليها، وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق أحدهم بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارافأكلتها، وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير. وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهملفقيرهم. رب فاجعلهم أمتي.
    قال: تلك أمة أحمد.
    قال: رب فإني أجد في الألواحأمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم عملها كتبت له عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. رب اجعلهمأمتي.
    قال: تلك أمة أحمد.
    نزول المن والسلوى:
    سار موسى بقومه في سيناء. وهي صحراء ليس فيها شجر يقي من الشمس،وليس فيها طعام ولا ماء. وأدركتهم رحمة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهمالغمام. والمن مادة يميل طعمها إلى الحلاوة وتفرزها بعض أشجار الفاكهة. وساق اللهإليهم السلوى، وهو نوع من أنواع الطيور يقال إنه (السمان). وحين اشتد بهم الظمأ إلىالماء، وسيناء مكان يخلو من الماء، ضرب لهم موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتاعشرة عينا من المياه. وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى 12 سبطا. فأرسل الله المياه لكلمجموعة. ورغم هذا الإكرام والحفاوة، تحركت في النفوس التواءاتها المريضة. واحتج قومموسى بأنهم سئموا من هذا الطعام، واشتاقت نفوسهم إلى البصل والثوم والفول والعدس،وكانت هذه الأطعمة أطعمة مصرية تقليدية. وهكذا سأل بنو إسرائيل نبيهم موسى أن يدعوالله ليخرج لهم من الأرض هذه الأطعمة.
    وعاد موسى يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم، وحنينهم لأيام هوانهم فيمصر، وكيف أنهم يتبطرون على خير الطعام وأكرمه، ويريدون بدله أدنى الطعاموأسوأه.
    السير باتجاه بيت المقدس:
    سار موسى بقومه في اتجاه البيت المقدس. أمر موسى قومه بدخولهاوقتال من فيها والاستيلاء عليها.وها قد جاء امتحانهمالأخير. بعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات والخوارق. جاء دورهم ليحاربوا-بوصفهم مؤمنين- قوما من عبدة الأصنام.
    رفض قوم موسى دخول الأراضي المقدسة. وحدثهم موسى عن نعمة اللهعليهم. كيف جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكايرثونملكفرعون،وآتاهم مَّا لَمْيُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ.
    وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال. قالوا: إن فيها قوماجبارين، ولن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يخرج منها هؤلاء.
    وانضم لموسىوهاروناثنان من القوم. تقول كتب القدماء إنهم خرجوا في ستمائة ألف. لم يجد موسى من بينهم غير رجلين علىاستعداد للقتال. وراح هذان الرجلان يحاولان إقناع القوم بدخول الأرض والقتال. قالا: إن مجرد دخولهم من الباب سيجعل لهم النصر. ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرونبالجبن ويرتعشون في أعماقهم.
    مرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك حين رأوا قومايعكفون على أصنامهم. فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، فلم يعد فياستطاعتهم أن يحاربوا. وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا على نبي الله موسى وربه. وقال قوم موسى له كلمتهم الشهيرة: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) هكذا بصراحة وبلا التواء.
    أدرك موسى أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء. مات الفرعون ولكن آثارهفي النفوس باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة. عاد موسى إلى ربه يحدثه أنه لا يملك إلانفسه وأخاه. دعا موسى على قومه أن يفرق الله بينه وبينهم.
    وأصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته من بنيإسرائيل. كان الحكم هو التيه أربعين عاما. حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة. ويولد بدلا منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أحد من الداخل، ويستطيع ساعتها أن يقاتل وأنينتصر.
    قصة البقرة:
    بدأت أيام التيه. بدأ السير في دائرة مغلقة. تنتهي من حيث تبدأ،وتبدأ من حيث تنتهي، بدأ السير إلى غير مقصد. ليلا ونهارا وصباحا ومساء. دخلواالبرية عند سيناء.
    مكث موسى في قومه يدعوهم إلى الله. ويبدو أن نفوسهم كانت ملتويةبشكل لا تخطئه عين الملاحظة، وتبدو لجاجتهم وعنادهم فيما يعرف بقصة البقرة. فإنالموضوع لم يكن يقتضي كل هذه المفاوضات بينهم وبين موسى، كما أنه لم يكن يستوجب كلهذا التعنت. وأصل قصة البقرة أن قتيلا ثريا وجد يوما في بني إسرائيل، واختصم أهلهولم يعرفوا قاتله، وحين أعياهم الأمر لجئوا لموسى ليلجأ لربه. ولجأ موسى لربه فأمرهأن يأمر قومه أن يذبحوا بقرة. وكان المفروض هنا أن يذبح القوم أول بقرة تصادفهم. غير أنهم بدءوا مفاوضتهم باللجاجة. اتهموا موسى بأنه يسخر منهم ويتخذهم هزوا،واستعاذ موسى بالله أن يكون من الجاهلين ويسخر منهم. أفهمهم أن حل القضية يكمن فيذبح بقرة.
    إن الأمر هنا أمر معجزة، لا علاقة لها بالمألوف في الحياة، أوالمعتاد بين الناس. ليست هناك علاقة بين ذبح البقرة ومعرفة القاتل في الجريمةالغامضة التي وقعت، لكن متى كانت الأسباب المنطقية هي التي تحكم حياة بني إسرائيل؟إن المعجزات الخارقة هي القانون السائد في حياتهم، وليس استمرارها في حادث البقرةأمرا يوحي بالعجب أو يثير الدهشة.
    لكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل. مجرد التعامل معهم عنت. تستوي فيذلك الأمور الدنيوية المعتادة، وشؤون العقيدة المهمة. لا بد أن يعاني من يتصدى لأمرمن أمور بني إسرائيل. وهكذا يعاني موسى من إيذائهم له واتهامه بالسخرية منهم، ثمينبئهم أنه جاد فيما يحدثهم به، ويعاود أمره أن يذبحوا بقرة، وتعود الطبيعةالمراوغة لبني إسرائيل إلى الظهور، تعود اللجاجة والالتواء، فيتساءلون: أهي بقرةعادية كما عهدنا من هذا الجنس من الحيوان؟ أم أنها خلق تفرد بمزية، فليدع موسى ربهليبين ما هي. ويدعو موسى ربه فيزداد التشديد عليهم، وتحدد البقرة أكثر من ذي قبل،بأنها بقرة وسط. ليست بقرة مسنة، وليست بقرة فتية. بقرة متوسطة.
    إلى هنا كان ينبغي أن ينتهي الأمر، غير أن المفاوضات لم تزلمستمرة، ومراوغة بني إسرائيل لم تزل هي التي تحكم مائدة المفاوضات. ما هو لونالبقرة؟ لماذا يدعو موسى ربه ليسأله عن لون هذا البقرة؟ لا يراعون مقتضيات الأدبوالوقار اللازمين في حق الله تعالى وحق نبيه الكريم، وكيف أنهم ينبغي أن يخجلوا منتكليف موسى بهذا الاتصال المتكرر حول موضوع بسيط لا يستحق كل هذه اللجاجةوالمراوغة. ويسأل موسى ربه ثم يحدثهم عن لون البقرة المطلوبة. فيقول أنها بقرةصفراء، فاقع لونها تسر الناظرين.
    وهكذا حددت البقرة بأنها صفراء، ورغم وضوح الأمر، فقد عادوا إلىاللجاجة والمراوغة. فشدد الله عليهم كما شددوا على نبيه وآذوه. عادوا يسألون موسىأن يدعو الله ليبين ما هي، فإن البقر تشابه عليهم، وحدثهم موسى عن بقرة ليست معدةلحرث ولا لسقي، سلمت من العيوب، صفراء لا شية فيها، بمعنى خالصة الصفرة. انتهت بهماللجاجة إلى التشديد. وبدءوا بحثهم عن بقرة بهذه الصفات الخاصة. أخيرا وجدوها عنديتيم فاشتروها وذبحوها.
    وأمسك موسى جزء من البقرة (وقيل لسانها) وضرب به القتيل فنهض منموته. سأله موسى عن قاتله فحدثهم عنه (وقيل أشار إلى القاتل فقط من غير أن يتحدث) ثم عاد إلى الموت. وشاهد بنو إسرائيل معجزة إحياء الموتى أمام أعينهم، استمعوابآذانهم إلى اسم القاتل. انكشف غموض القضية التي حيرتهم زمنا طال بسبب لجاجتهموتعنتهم.
    نود أن نستلفت انتباه القارئ إلى سوء أدب القوم مع نبيهم وربهم،ولعل السياق القرآني يورد ذلك عن طريق تكرارهم لكلمة "ربك" التي يخاطبون بها موسى. وكان الأولى بهم أن يقولوا لموسى، تأدبا، لو كان لا بد أن يقولوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) ادع لنا ربنا. أما أن يقولوا له: فكأنهميقصرون ربوبية الله تعالى على موسى. ويخرجون أنفسهم من شرف العبودية لله. انظر إلىالآيات كيف توحي بهذا كله. ثم تأمل سخرية السياق منهم لمجرد إيراده لقولهم: (الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) بعد أن أرهقوا نبيهم ذهابا وجيئة بينهم وبين الله عز وجل، بعد أن أرهقوا نبيهمبسؤاله عن صفة البقرة ولونها وسنها وعلاماتها المميزة، بعد تعنتهم وتشديد اللهعليهم، يقولون لنبيهم حين جاءهم بما يندر وجوده ويندر العثور عليه في البقرعادة.
     
    1 person likes this.
  8. SSAMOUHA

    SSAMOUHA عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏23 أفريل 2008
    المشاركات:
    224
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      19-05-2008 11:11
    :besmellah2:

    ساعتها قالوا له: "الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ". كأنه كان يلعب قبلها معهم، ولم يكن ما جاءهو الحق من أول كلمة لآخر كلمة. ثم انظر إلى ظلال السياق وما تشي به من ظلمهم: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْيَفْعَلُونَ) ألا توحي لك ظلال الآيات بتعنتهم وتسويفهم ومماراتهم ولجاجتهمفي الحق؟ هذه اللوحة الرائعة تشيبموقف بني إسرائيل على موائد المفاوضات. هي صورتهمعلى مائدة المفاوضات مع نبيهم الكريم موسى.
    إيذاء بني إسرائيل لموسى:
    قاسى موسى من قومه أشد المقاساة، وعانى عناء عظيما، واحتمل فيتبليغهم رسالته ما احتمل في سبيل الله. ولعل مشكلة موسى الأساسية أنه بعث إلى قومطال عليهم العهد بالهوان والذل، وطال بقاؤهم في جو يخلو من الحرية، وطال مكثهم وسطعبادة الأصنام، ولقد نجحت المؤثرات العديدة المختلفة في أن تخلق هذه النفسيةالملتوية الخائرة المهزومة التي لا تصلح لشيء. إلا أن تعذب أنبيائها ومصلحيها.
    وقد عذب بنو إسرائيل موسى عذابا نستطيع -نحن أبناء هذا الزمان- أنندرك وقعه على نفس موسى النقية الحساسة الكريمة. ولم يقتصر العذاب على العصيانوالغباء واللجاجة والجهل وعبادة الأوثان، وإنما تعدى الأمر إلى إيذاء موسى فيشخصه.
    قال تعالى:
    يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُمِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا(69) (الأحزاب)
    ونحن لا تعرف كنه هذا الإيذاء، ونستبعد رواية بعض العلماء التييقولون فيها أن موسى كان رجلا حييا يستتر دائما ولا يحب أن يرى أحد من الناس جسدهفاتهمه اليهود بأنه مصاب بمرض جلدي أو برص، فأراد الله أن يبرئه مما قالوا، فذهبيستحم يوما ووضع ثيابه على حجر، ثم خرج فإذا الحجر يجري بثيابه وموسى يجري وراءالحجر عاريا حتى شاهده بنو إسرائيل عاريا وليس بجلده عيب. نستبعد هذه القصةلتفاهتها، فإنها إلى جوار خرافة جري الحجر بملابسه، لا تعطي موسى حقه من التوقير،وهي تتنافى مع عصمته كنبي.
    ونعتقد أن اليهود آذوا موسى إيذاء نفسيا، هذا هو الإيذاء الذييدمي النفوس الكريمة ويجرحها حقا، ولا نعرف كيف كان هذا الإيذاء، ولكننا نستطيعتخيل المدى العبقري الآثم الذي يستطيع بلوغه بنو إسرائيل في إيذائهم لموسى.
    فترة التيه:
    ولعل أعظم إيذاء لموسى، كان رفض بني إسرائيل القتال من أجل نشرعقيدة التوحيد في الأرض، أو على أقل تقدير، السماح لهذه العقيدة أن تستقر على الأرضفي مكان، وتأمن على نفسها، وتمارس تعبدها في هدوء. لقد رفض بنو إسرائيل القتال. وقالوا لموسى كلمتهم الشهيرة: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَاقَاعِدُونَ).
    وبهذه النفسية حكم الله عليهم بالتيه. وكان الحكم يحدد أربعينعاما كاملة، وقد مكث بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة، حتى فني جيل بأكمله. فنىالجيل الخائر المهزوم من الداخل، وولد في ضياع الشتات وقسوة التيه جيل جديد. جيل لميتربى وسط مناخ وثني، ولم يشل روحه انعدام الحرية. جيل لم ينهزم من الداخل، جيل لميعد يستطيع الأبناء فيه أن يفهموا لماذا يطوف الآباء هكذا بغير هدف في تيه لا يبدوله أول ولا تستبين له نهاية. إلا خشية من لقاء العدو. جيل صار مستعدا لدفع ثمنآدميته وكرامته من دمائه. جيل لا يقول لموسى (فَاذْهَبْ أَنتَوَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).
    جيل آخر يتبنى قيم الشجاعة العسكرية، كجزء مهم من نسيج أي ديانةمن ديانات التوحيد. أخيرا ولد هذا الجيل وسط تيه الأربعين عاما.
    ولقد قدر لموسى. زيادة في معاناته ورفعا لدرجته عند الله تعالى. قدر له ألا تكتحل عيناه بمرأى هذا الجيل. فقد مات موسى عليه الصلاة والسلام قبل أنيدخل بنو إسرائيل الأرض التي كتب الله عليهم دخولها.
    وقالرسولالله صلى الله عليه وسلم حينكان قومه يؤذونه في الله: قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر.
    ماتهارونقبل موسى بزمن قصير. واقتربأجل موسى، عليه الصلاة والسلام. وكان لم يزل في التيه. قال يدعو ربه: رب أدنني إلىالأرض المقدسة رمية حجر.
    أحب أن يموت قريبا من الأرض التي هاجر إليها. وحث قومه عليها. ولكنه لم يستطع، ومات في التيه. ودفن عند كثيب أحمر حدث عنه آخر أنبياء الله فيالأرض حين أسرى به. قالمحمدصلى الله عليه وسلم: لماأسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر.
    تروي الأساطير عديدا من الحكايات حول موت موسى، وتحكي أنه ضرب ملكالموت حين جاء يستل روحه، وأمثال هذه الروايات كثيرة. لكننا لا نحب أن نخوض في هذهالروايات حتى لا ننجرف وراء الإسرائيليات التي دخلت بعض كتب التفسير.
    مات موسى -عليه الصلاة والسلام- في التيه، وتولىيوشع بن نونأمر بني إسرائيل.
    الجزءالرابع:يتناول بعض القصص التي حدثت لموسى وقومه، لكن القرآن الكريم لميحدد لنا زمان ومكان وقوعها (مثل قصة موسى والعبد الصالح، وقصةقارون).
    موسى والعبدالصالح:
    قال تعالى:
    وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُحَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) (الكهف)
    كان لموسى -عليه السلام- هدف من رحلته هذه التي اعتزمها،,وأنه كان يقصد من ورائها امرا، فهو يعلن عن تصميمه على بلوغمجمع البحرين مهما تكن المشقة، ومهما يكن الزمن الذي ينفه في الوصول. فيعبر عن هذاالتصميم قائلا (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا).
    نرى أن القرآن الكريم لا يحدد لنا المكانالذي وقت فيه الحوادث، ولا يحدد لنا التاريخ، كما أنه لم يصرح بالأسماء. ولم يبينماهية العبد الصالح الذي التقاه موسى، هل هو نبي أو رسول؟ أم عالم؟ أمولي؟
    اختلف المفسرون في تحديدالمكان، فقيل إنه بحر فارس والروم، وقيل بل بحر الأردن أو القلزم، وقيل عند طنجة،وقيل في أفريقيا، وقيل هو بحر الأندلس.. ولا يقوم الدليل على صحة مكان من هذهالأمكنة، ولو كان تحديد المكان مطلوبا لحدده الله تعالى.. وإنما أبهم السياقالقرآني المكان، كما أبهم تحديد الزمان، كما ضبب أسماء الأشخاص لحكمةعليا.
    إن القصة تتعلق بعلم ليسهو علمنا القائم على الأسباب.. وليس هو علم الأنبياء القائم على الوحي.. إنما نحنأمام علم من طبيعة غامضة أشد الغموض.. علم القدر الأعلى، وذلك علم أسدلت عليهالأستار الكثيفة.. مكان اللقاء مجهول كما رأينا.. وزمان اللقاء غير معروف هوالآخر.. لا نعرف متى تم لقاء موسى بهذا العبد.
    وهكذا تمضي القصة بغير أنتحدد لك سطورها مكان وقوع الأحداث، ولا زمانه، يخفي السياق القرآني أيضا اسم أهمأبطالها.. يشير إليه الحق تبارك وتعالى بقوله: (عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَاآتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّاعِلْمًا) هو عبد أخفى السياق القرآنياسمه.. هذا العبد هو الذي يبحث عنه موسى ليتعلم منه.
    لقد خص الله تعالى نبيهالكريم موسى -عليه السلام- بأمور كثيرة. فهو كليم الله عز وجل، وأحدأولي العزممن الرسل، وصاحب معجزة العصا واليد، والنبي الذيأنزلت عليه التوراة دون واسطة، وإنما كلمه الله تكليما.. هذا النبي العظيم يتحول فيالقصة إلى طالب علم متواضع يحتمل أستاذه ليتعلم.. ومن يكون معلمه غير هذا العبدالذي يتجاوز السياق القرآني اسمه، وإن حدثتنا السنة المطهرة أنه هو الخضر -عليهالسلام- كما حدثتنا أن الفتى هويوشع بن نون، ويسير موسىمع العبد الذي يتلقى علمه من الله بغير أسباب التلقي الني نعرفها.
    ومع منزلة موسى العظيمةإلا أن الخضر يرفض صحبة موسى.. يفهمه أنه لن يستطيع معه صبرا.. ثم يوافق على صحبتهبشرط.. ألا يسأله موسى عن شيء حتى يحدثه الخضر عنه.
    والخضر هو الصمت المبهمذاته، إنه لا يتحدث، وتصرفاته تثير دهشة موسى العميقة.. إن هناك تصرفات يأتيهاالخضر وترتفع أمام عيني موسى حتى لتصل إلى مرتبة الجرائم والكوارث.. وهناك تصرفاتتبدو لموسى بلا معنى.. وتثير تصرفات الخضر دهشة موسى ومعارضته.. ورغم علم موسىومرتبته، فإنه يجد نفسه في حيرة عميقة من تصرفات هذا العبد الذي آتاه الله من لدنهعلما.
    وقد اختلف العلماء فيالخضر: فيهم من يعتبره وليا من أولياء الله، وفيهم من يعتبره نبيا.. وقد نسجتالأساطير نفسها حول حياته ووجوده، فقيل إنه لا يزال حيا إلى يوم القيامة، وهي قضيةلم ترد بها نصوص أو آثار يوثق فيها، فلا نقول فيها إلا أنه مات كما يموت عبادالله.. وتبقى قضية ولايته، أو نبوته.. وسنرجئ الحديث في هذه القضية حتى ننظر فيقصته كما أوردها القرآن الكريم.
    قام موسى خطيبا في بنيإسرائيل، يدعوهم إلى الله ويحدثهم عن الحق، ويبدو أن حديثه جاء جامعا مانعا رائعا.. بعد أن انتهى من خطابه سأله أحد المستمعين من بني إسرائيل: هل على وجه الأرض أحداعلم منك يا نبي الله؟قال موسى مندفعا: لا..
    وساق الله تعالى عتابه لموسىحين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبريل يسأله: يا موسى ما يدريك أين يضع اللهعلمه؟أدرك موسى أنه تسرع.. وعاد جبريل، عليه السلام، يقول له: إن لله عبدابمجمع البحرين هو أعلم منك.
    تاقت نفس موسى الكريمة إلىزيادة العلم، وانعقدت نيته على الرحيل لمصاحبة هذا العبد العالم.. سأل كيف السبيلإليه.. فأمر أن يرحل، وأن يحمل معه حوتا في مكتل، أي سمكة في سلة.. وفي هذا المكانالذي ترتد فيه الحياة لهذا الحوت ويتسرب في البحر، سيجد العبد العالم.. انطلق موسى -طالب العلم- ومعه فتاه.. وقد حمل الفتى حوتا في سلة.. انطلقا بحثا عن العبد الصالحالعالم.. وليست لديهم أي علامة على المكان الذي يوجد فيه إلا معجزة ارتداد الحياةللسمكة القابعة في السلة وتسربها إلى البحر.
    ويظهر عزم موسى -عليهالسلام- على العثور على هذا العبد العالم ولو اضطره الأمر إلى أن يسير أحقاباوأحقابا. قيل أن الحقب عام، وقيل ثمانون عاما. على أية حال فهو تعبير عن التصميم،لا عن المدة على وجه التحديد.
    وصل الاثنان إلى صخرة جوارالبحر.. رقد موسى واستسلم للنعاس، وبقي الفتى ساهرا.. وألقت الرياح إحدى الأمواجعلى الشاطئ فأصاب الحوت رذاذ فدبت فيه الحياة وقفز إلى البحر.. (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا).. وكان تسربالحوت إلى البحر علامة أعلم الله بها موسى لتحديد مكان لقائه بالرجل الحكيم الذيجاء موسى يتعلم منه.
    نهض موسى من نومه فلميلاحظ أن الحوت تسرب إلى البحر.. ونسي فتاه الذي يصحبه أن يحدثه عما وقع للحوت.. وسار موسى مع فتاه بقية يومهما وليلتهما وقد نسيا حوتهما.. ثم تذكر موسى غداءه وحلعليه التعب.. (قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْلَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا).. ولمع في ذهن الفتى ماوقع.
    ساعتئذ تذكر الفتى كيفتسرب الحوت إلى البحر هناك.. وأخبر موسى بما وقع، واعتذر إليه بأن الشيطان أنساه أنيذكر له ما وقع، رغم غرابة ما وقع، فقد اتخذ الحوت (سَبِيلَهُفِي الْبَحْرِ عَجَبًا).. كان أمرا عجيبا ما رآهيوشعبن نون، لقد رأى الحوت يشق الماء فيترك علامة وكأنه طير يتلوى علىالرمال.
    سعد موسى من مروق الحوتإلى البحر و(قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ).. هذا ماكنا نريده.. إن تسرب الحوت يحدد المكان الذي سنلتقي فيه بالرجل العالم.. ويرتد موسىوفتاه يقصان أثرهماعائدين.. انظر إلى بداية القصة، وكيف تجيء غامضة أشد الغموض،مبهمة أعظم الإبهام.
    أخيرا وصل موسى إلى المكانالذي تسرب منه الحوت.. وصلا إلى الصخرة التي ناما عندها، وتسرب عندها الحوت منالسلة إلى البحر.. وهناك وجدا رجلا.
    يقول البخاري إن موسىوفتاه وجدا الخضر مسجى بثوبه.. وقد جعل طرفه تحت رجليه وطرف تحت رأسه.
    فسلم عليهموسى، فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضك سلام..؟ من أنت؟قال موسى: أنا موسى.
    قال الخضر: موسى بني إسرائيل.. عليك السلام يا نبي إسرائيل.
    قال موسى: وماأدراك بي..؟قالالخضر: الذي أدراك بي ودلك علي.. ماذا تريد يا موسى..؟قال موسى ملاطفا مبالغافي التوقير: (هَلْ أَتَّبِعُكَعَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا).
    قال الخضر: أما يكفيك أن التوراة بيديك.. وأن الوحييأتيك..؟ يا موسى (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَصَبْرًا).
    نريد أن نتوقف لحظة لنلاحظالفرق بين سؤال موسى الملاطف المغالي في الأدب.. ورد الخضر الحاسم، الذي يفهم موسىأن علمه لا ينبغي لموسى أن يعرفه، كما أن علم موسى هو علم لا يعرفه الخضر.. يقولالمفسرون إن الخضر قال لموسى: إن علمي أنت تجهله.. ولن تطيق عليه صبرا، لأن الظواهرالتي ستحكم بها على علمي لن تشفي قلبك ولن تعطيك تفسيرا، وربما رأيت في تصرفاتي مالا تفهم له سببا أو تدري له علة.. وإذن لن تصبر على علمي يا موسى.
    احتمل موسى كلمات الصدالقاسية وعاد يرجوه أن يسمح له بمصاحبته والتعلم منه.. وقال له موسى فيما قال إنهسيجده إن شاء الله صابرا ولا يعصي له أمرا.
     
    1 person likes this.
  9. SSAMOUHA

    SSAMOUHA عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏23 أفريل 2008
    المشاركات:
    224
    الإعجابات المتلقاة:
    213
      19-05-2008 11:12
    :besmellah2:

    تأمل كيف يتواضع كليم اللهويؤكد للعبد المدثر بالخفاء أنه لن يعصي له أمرا.
    قال الخضر لموسى -عليهماالسلام- إن هناك شرطا يشترطه لقبول أن يصاحبه موسى ويتعلم منه هو ألا يسأله عن شيءحتى يحدثه هو عنه.. فوافق موسى على الشرط وانطلقا..
    انطلق موسى مع الخضريمشيان على ساحل البحر.. مرت سفينة، فطلب الخضر وموسى من أصحابها أن يحملوهما، وعرفأصحاب السفينة الخضر فحملوه وحملوا موسى بدون أجر، إكراما للخضر، وفوجئ موسى حينرست السفينة وغادرها أصحابها وركابها.. فوجئ بأن الخضر يتخلف فيها، لم يكد أصحابهايبتعدون حتى بدأ الخضر يخرق السفينة.. اقتلع لوحا من ألواحها وألقاه في البحرفحملته الأمواج بعيدا.
    فاستنكر موسى فعلةالخضر. لقد حملنا أصحاب السفينة بغير أجر.. أكرمونا.. وها هو ذا يخرق سفينتهمويفسدها.. كان التصرف من وجهة نظر موسى معيبا.. وغلبت طبيعة موسى المندفعة عليه،كما حركته غيرته على الحق، فاندفع يحدث أستاذه ومعلمه وقد نسي شرطه الذي اشترطهعليه: (قَالَأَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا).
    وهنا يلفت العبد الربانينظر موسى إلى عبث محاولة التعليم منه، لأنه لن يستطيع الصبر عليه (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَصَبْرًا)، ويعتذر موسى بالنسيان ويرجوه ألا يؤاخذه وألا يرهقه (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْأَمْرِي عُسْرًا).
    سارا معا.. فمرا على حديقةيلعب فيها الصبيان.. حتى إذا تعبوا من اللعب انتحى كل واحد منهم ناحية واستسلمللنعاس.. فوجئ موسى بأن العبد الرباني يقتل غلاما.. ويثور موسى سائلا عن الجريمةالتي ارتكبها هذا الصبي ليقتله هكذا.. يعاود العبد الرباني تذكيره بأنه أفهمه أنهلن يستطيع الصبر عليه (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنتَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا).. ويعتذر موسى بأنه نسي ولن يعاود الأسئلة وإذاسأله مرة أخرى سيكون من حقه أن يفارقه (قَالَ إِن سَأَلْتُكَعَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّيعُذْرًا).
    ومضى موسى مع الخضر.. فدخلا قرية بخيلة.. لا يعرف موسى لماذا ذهبا إلى القرية، ولا يعرف لماذا يبيتانفيها، نفذ ما معهما من الطعام، فاستطعما أهل القرية فأبوا أن يضيفوهما.. وجاءعليهما المساء، وأوى الاثنان إلى خلاء فيه جدار يريد أن ينقض.. جدار يتهاوى ويكاديهم بالسقوط.. وفوجئ موسى بأن الرجل العابد ينهض ليقضي الليل كله في إصلاح الجداروبنائه من جديد.. ويندهش موسى من تصرف رفيقه ومعلمه، إن القرية بخيلة، لا يستحق منفيها هذا العمل المجاني (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَعَلَيْهِ أَجْرًا).. انتهى الأمر بهذه العبارة.. قال عبد الله لموسى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ).
    لقد حذر العبد الربانيموسى من مغبة السؤال. وجاء دور التفسير الآن..
    إن كل تصرفات العبدالرباني التي أثارت موسى وحيرته لم يكن حين فعلها تصدر عن أمره.. كان ينفذ إرادةعليا.. وكانت لهذه الإرادة العليا حكمتها الخافية، وكانت التصرفات تشي بالقسوةالظاهرة، بينما تخفي حقيقتها رحمة حانية.. وهكذا تخفي الكوارث أحيانا في الدنياجوهر الرحمة، وترتدي النعم ثياب المصائب وتجيد التنكر، وهكذا يتناقض ظاهر الأمروباطنه، ولا يعلم موسى، رغم علمه الهائل غير قطرة من علم العبد الرباني، ولا يعلمالعبد الرباني من علم الله إلا بمقدار ما يأخذ العصفور الذي يبلل منقاره في البحر،من ماء البحر..
    كشف العبد الرباني لموسىشيئين في الوقت نفسه.. كشف له أن علمه -أي علم موسى- محدود.. كما كشف له أن كثيرامن المصائب التي تقع على الأرض تخفي في ردائها الأسود الكئيب رحمة عظمى.
    إن أصحاب السفينة سيعتبرونخرق سفينتهم مصيبة جاءتهم، بينما هي نعمة تتخفى في زي المصيبة.. نعمة لن تكشفالنقاب عن وجهها إلا بعد أن تنشب الحرب ويصادر الملك كل السفن الموجودة غصبا، ثميفلت هذه السفينة التالفة المعيبة.. وبذلك يبقى مصدر رزق الأسرة عندهم كما هو، فلايموتون جوعا.
    أيضا سيعتبر والد الطفلالمقتول وأمه أن كارثة قد دهمتهما لقتل وحيدهما الصغير البريء.. غير أن موته يمثلبالنسبة لهما رحمة عظمى، فإن الله سيعطيهما بدلا منه غلاما يرعاهما في شيخوختهماولا يرهقهما طغيانا وكفرا كالغلام المقتول.
    وهكذا تختفي النعمة فيثياب المحنة، وترتدي الرحمة قناع الكارثة، ويختلف ظاهر الأشياء عن باطنها حتى ليحتجنبي الله موسى إلى تصرف يجري أمامه، ثم يستلفته عبد من عباد الله إلى حكمة التصرفومغزاه ورحمة الله الكلية التي تخفي نفسها وراء أقنعة عديدة.
    أما الجدار الذي أتعب نفسهبإقامته، من غير أن يطلب أجرا من أهل القرية، كان يخبئ تحته كنزا لغلامين يتيمينضعيفين في المدينة. ولو ترك الجدار ينقض لظهر من تحته الكنز فلم يستطع الصغيران أنيدفعا عنه.. ولما كان أبوهما صالحا فقد نفعهما الله بصلاحه في طفولتهما وضعفهما،فأراد أن يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا كنزهما وهما قادران على حمايته.
    ثم ينفض الرجل يده منالأمر. فهي رحمة الله التي اقتضت هذا التصرف. وهو أمر الله لا أمره. فقد أطلعه علىالغيب في هذه المسألة وفيما قبلها، ووجهه إلى التصرف فيها وفق ما أطلعه عليه منغيبه.
    واختفى هذا العبد الصالح.. لقد مضى في المجهول كما خرج من المجهول.. إلا أن موسى تعلم من صحبته درسينمهمين:
    تعلم ألا يغتر بعلمه فيالشريعة، فهناك علم الحقيقة.
    وتعلم ألا يتجهم قلبهلمصائب البشر، فربما تكون يد الرحمة الخالقة تخفي سرها من اللطف والإنقاذ، والإيناسوراء أقنعة الحزن والآلام والموت.
    هذه هي الدروس التي تعلمهاموسى كليم الله عز وجل ورسوله من هذا العبد المدثر بالخفاء.
    والآن منيكون صاحب هذا العلم إذن..؟ أهو ولي أم نبي..؟
    يرى كثير من الصوفية أنهذا العبد الرباني ولي من أولياء الله تعالى، أطلعه الله على جزء من علمه اللدنيبغير أسباب انتقال العلم المعروفة.. ويرى بعض العلماء أن هذا العبد الصالح كاننبيا.. ويحتج أصحاب هذا الرأي بأن سياق القصة يدل على نبوته من وجوه:
    1. أحدها قولهتعالى:
    فَوَجَدَاعَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنلَّدُنَّا عِلْمًا(65) (الكهف)
    2. والثاني قول موسىله:
    قَالَلَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا(66)قَالَ إِنَّكَ لَنتَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا(67)وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا(68)قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُصَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا(69)قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىأُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا(70) (الكهف)
    فلو كان وليا ولم يكن نبي،لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى هذا الرد. ولو أنه كان غير نبي،لكان هذا معناه أنه ليس معصوما، ولم يكن هناك دافع لموسى، وهو النبي العظيم، وصاحبالعصمة، أن يلتمس علما من ولي غير واجب العصمة.
    3. والثالث أن الخضر أقدمعلى قتل ذلك الغلام بوحي من الله وأمر منه.. وهذا دليل مستقل على نبوته، وبرهانظاهر على عصمته، لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى فيخلده، لأن خاطره ليس بواجب العصمة.. إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق.. وإذن ففي إقدامالخضر على قتل الغلام دليل نبوته.
    4. والرابع قول الخضرلموسى:
    رَحْمَةًمِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
    يعني أن ما فعلته لم أفعلهمن تلقاء نفسي، بل أمر أمرت به من الله وأوحي إلي فيه.
    فرأى العلماء أن الخضرنبيا، أما العباد والصوفية رأوا أنه وليا من أولياء الله.
    ومن كلماتالخضر التي أوردها الصوفية عنه.. قول وهب بن منبه: قال الخضر: يا موسى إن الناسمعذبون في الدنيا على قدر همومهم بها. وقول بشر بن الحارث الحافي.. قال موسى للخضر: أوصني.. قال الخضر: يسر الله عليك طاعته.
    ونحننميل إلى اعتباره نبيا لعلمه اللدني، غير أننا لانجد نصا في سياق القرآن على نبوته، ولا نجد نصا مانعا من اعتباره وليا آتاه اللهبعض علمه اللدني.. ولعل هذا الغموض حول شخصه الكريم جاء متعمدا، ليخدم الهدف الأصليللقصة.. ولسوف نلزم مكاننا فلا نتعداه ونختصم حول نبوته أو ولايته.. وإن أوردناه فيسياق أنبياء الله، لكونه معلما لموسى.. وأستاذا له فترة منالزمن.
    قارون وقومموسى:
    يروي لنا القرآنقصة قارون، وهو من قوم موسى. لكن القرآن لا يحدد زمن القصة ولا مكانها. فهل وقعتهذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في مصر قبل الخروج؟ أو وقعت بعد الخروج في حياة موسى؟أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى؟ وبعيدا عن الروايات المختلفة، نورد القصة كماذكرها القرآن الكريم.
    يحدثنا الله عن كنوز قارون فيقول سبحانه وتعالى إن مفاتيح الحجراتالتي تضم الكنوز، كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الأشداء. ولو عرفنا عنمفاتيح الكنوز هذه الحال، فكيف كانت الكنوز ذاتها؟! لكن قارون بغى على قومه بعد أنآتاه الله الثراء. ولا يذكر القرآن فيم كان البغي، ليدعه مجهلايشمل شتى الصور. فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم. وربما بغى عليهمبحرمانهم حقهم في ذلك المال. حق الفقراء في أموال الأغنياء. وربما بغى عليهم بغيرهذه الأسباب.
    ويبدو أن العقلاء من قومه نصحوهبالقصدوالاعتدال، وهو المنهج السليم. فهم يحذروه من الفرح الذي يؤدي بصاحبه إلى نسيان منهو المنعم بهذا المال، وينصحونه بالتمتع بالمال في الدنيا، من غير أن ينسى الآخرة،فعليه أن يعمل لآخرته بهذا المال. ويذكرونه بأن هذا المال هبة من الله وإحسان،فعليه أن يحسن ويتصدق من هذا المال، حتى يرد الإحسان بالإحسان. ويحذرونه من الفسادفي الأرض، بالبغي، والظلم، والحسد، والبغضاء، وإنفاق المال في غير وجهه، أو إمساكهعما يجب أن يكون فيه. فالله لا يحب المفسدين.
    فكان رد قارون جملة واحد تحمل شتىمعاني الفساد (قَالَإِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي). لقد أنساه غروره مصدر هذه النعمة وحكمتها، وفتنه المال وأعماه الثراء. فلم يستمعقارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه.
    وخرج قارون ذات يوم على قومه،بكامل زينته، فطارت قلوب بعض القوم، وتمنوا أن لديهم مثل ما أوتي قارون، وأحسوا أنهفي نعمة كبيرة. فرد عليهم من سمعهم من أهل العلم والإيمان: ويلكم أيها المخدوعون،احذروا الفتنة، واتقوا الله، واعلموا أن ثواب الله خير من هذه الزينة، وما عند اللهخير مما عند قارون.
    وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها،وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل القدرة الإلهية لتضع حدا للفتنة، وترحم الناسالضعاف من إغراءها، وتحطم الغرور والكبرياء، فيجيء العقاب حاسما (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِالْأَرْضَ) هكذا في لمحة خاطفة ابتلعتهالأرض وابتلعت داره. وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه أومال.
    وبدأ الناس يتحدثون إلى بعضهمالبعض في دهشة وعجب واعتبار. فقال الذين كانوا يتمنون أن عندهم مال قارون وسلطانهوزينته وحظه في الدنيا: حقا إن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويوسععليهم، أو يقبض ذلك، فالحمد لله أن منّ علينا فحفظنا من الخسف والعذاب الأليم. إناتبنا إليك سبحانك، فلك الحمد في الأولى والآخرة.

    و إلى لقاء قريب إن شاء الله
     
    2 شخص معجب بهذا.
  10. rgzied

    rgzied عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏12 ماي 2008
    المشاركات:
    415
    الإعجابات المتلقاة:
    164
      19-05-2008 11:35
    جزاك الله ألف خير لكن الموضوع طويل جدا
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...