1. كل المواضيع تعبّر عن رأي صاحبها فقط و ادارة المنتدى غير مسؤولة عن محتوياتها
    إستبعاد الملاحظة

تحت الأرض .. قصة واقعية ..

الموضوع في 'أرشيف المنتدى العام' بواسطة sinaidayas, بتاريخ ‏24 ماي 2008.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. sinaidayas

    sinaidayas عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏6 أفريل 2008
    المشاركات:
    839
    الإعجابات المتلقاة:
    977
      24-05-2008 21:51
    هل حاولت ان تعيش تحت الأرض ؟؟
    او حتى تخيلت ان تكون تحت الأرض لمدة نصف ساعة ؟؟

    نصف ساعة ..
    تحت الأرض ..
    قصة واقعية ..


    كانت البداية عندما قرأت أن سفيان الثوري رحمه الله كان لديه قبراً في منزله يرقد فيه , وبعد أن يرقد ينادي الله : رب ارجعون .. رب ارجعون , ثم يقوم منتفضاً ويقول : ها قد رجعت فماذا أنت فاعل ؟

    ...............

    حدث أن فاتتني صلاة الفجر .. وهي صلاة من كان يحافظ عليها ثم فاتته فسيحس بضيقة شديدة طوال اليوم .
    تكرر معي نفس الأمر في اليوم الثاني .. فقلت لابد وأن في الأمر شيئاً .. ثم تكرر ذلك للمرة الثالثة على التوالي .. هنا كان لابد أن أقف مع نفسي وقفة حازمة حتى لا تركن لمثل ذلك فتذهب بي إلى النار .
    قررت أن أدخل القبر حتى أؤدب نفسي .. فلابد أن ترتدع وأن تعلم أن هذا هو منزلها ومسكنها إلى ما يشاء الله .. لكنني كل يوم أقول لنفسي دع هذا الأمر غداً .
    وجلست أسوِّف في هذا الأمر حتى فاتتني صلاة الفجر مرة أخرى .. حينها قلت كفى ..
    وأقسمت أن يكون الأمر هذه الليلة ..

    ...............

    ذهبت بعد منتصف الليل حتى لا يراني أحد .. وقفت قليلاً .. أأدخل من الباب أم أتسور السور ؟!
    اتجهت صوب الباب , فلعل حارس المقبرة غير موجود .. لكن إن كان موجوداً سأوقظه وربما منعني , أو طلب مني المجيء في النهار , وحينها يضيع قسمي .. فقررت أن أتسور السور ..
    تلثمت .. رفعت ثوبي واستعنت بالله وتسلقت ..
    برغم أنني دخلت هذه المقبرة مرات ومرات مشيعاً .. إلا أنني أحسست أنني أراها لأول مرة .. ورغم أنها كانت ليلة مقمرة .. إلا أنني أكاد أقسم أنني مارأيت أشد منها سواداً .. كانت تلف المكان ظلمة حالكة .. سكون رهيب ..
    هذا هو صمت القبور بحق ...
    تأملتها كثيراً من أعلى السور .. واستنشقت هوائها .. نعم إنها رائحة القبور .. أميزها عن ألف رائحة .. رائحة الحنوط .. رائحة تحمل طعم الموت والبلى ... جلست أتفكر للحظات مرت كالسنين .. إيه أيتها القبور .. ماأشد صمتك ..
    وماأشد ماتخفيه .. ضحك ونعيم .. وصراخ وعذاب أليم .. ماذا سيقول لي أهلك لو حدثتهم ؟
    لعلهم سيقولون مقولة الحبيب صلى الله عليه وسلم :
    (( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ))
    قررت أن أهبط حتى لا يراني أحد في هذه الحالة .. فلو رآني أحد فسيقول إنني مجنون أو لدي مصيبة .. وبالفعل لدي مصيبة كبيرة , وأي مصيبة أكبر من ضياع صلاة الفجر عدة مرات ..
    هبطت داخل المقبرة .. أحسست حينها برجفة في القلب .. التصقت بالجدار ولا أدري مِمَّ أحتمي ؟ عللت ذلك لنفسي بأنه خشية المرور فوق القبور وانتهاكها .. أنا لست جباناً .. لكنني شعرت بالخوف حقاً !!
    نظرت إلى الناحية الشرقية حيث القبور المفتوحة فاغرة أفواهها تنتظر ساكنيها .. إنها أشد بقع المقبرة سواداً .. كأنها تناديني .. مشتاقة إليَّ : متى ستكون فِيَّ ؟
    أمشي محاذراً بين القبور .. وكلما تجاوزت قبراً تساءلت : أشقي أم سعيد ؟
    شقي بسبب ماذا ؟ أضيّع الصلاة مثلي ؟ أم كان من أهل الفواحش والربا ؟ ربما كان عاقاً لوالديه .. أو كان من أهل الغناء والطرب ؟
    لعل من تجاوزت قبره الآن كان يظن أنه أشد أهل الأرض قوة .. وأن شبابه لن يفنى .. وأنه لن يموت كمن مات قلبه .. أو أنه كان يقول : مازال في العمر بقية .. ففاجأه هادم اللذات ..
    سبحان من قهر الخلق بالموت .... أبصرت الممر .. حتى إذا وصلت إليه ووضعت قدمي عليه أسرعت نبضات قلبي فالقبور عن يميني ويساري .. بدأت أولى خطواتي .. بدت وكأنها دهر .. أين سرعة قدميَّ .. ما أثقلها الآن ..
    رفعت بصري إلى الناحية الشرقية .. تمنيت أن تطول المسافة ولا تنتهي أبداً لأنني أعلم ماينتظرني هناك .. أعلم .. فقد رأيت القبر كثيراً .. ولكن هذه المرة مختلفة تماماً ..
    أفكار عجيبة .. أكاد أسمع همهمة خلف أذني .. نعم .. أسمع همهمة جليّة .. كأن شخصاً يتنفس خلف أذني .. خفت أن أنظر خلفي .. خفت أن أرى أشخاصاً يلوِّحون إليَّ من بعيد .. خيالات سوداء تَعجب مِن القادم في هذا الوقت .. بالتأكيد أنها وسوسة من الشيطان .. لا يهمني شيء طالما أنني قد صليت العشاء في جماعة ..

    ...............

    أخيراً .. أبصرت القبور المفتوحة .. أقسم للمرة الثانية أنني مارأيت أشد منها سواداً ..
    كيف أتتني الجرأة ! وكيف أوصلتني بخطواتي إلى حافة القبر ؟
    بل كيف سأنزل في هذه الحفرة الضيقة ؟
    وأي شيء ينتظرني داخلها ؟
    فكرت بالإكتفاء بالوقوف أو أن أُكفِّر عن قسمي .. ولكن لا .. لن أصل إلى هنا ثم أقف .. يجب أن أكمل .. لن أنزل إلى القبر مباشرة .. بل سأجلس خارجه قليلاً حتى تأنس نفسي ..
    ماأشد ظلمته .. وماأشد ضيقه ..

    كيف لهذه الحفرة الصغيرة أن تكون حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة ؟ سبحان الله ..
    يبدو أن الجو قد ازداد برودة .. أم هي قشعريرة في جسدي من هول هذا المنظر ؟!
    هل هذا صوت الريح ؟ ليست ريحاً .. لا أرى ذرة غبار في الهواء !! هل هي وسوسة أخرى ؟!
    استعذت بالله من الشيطان الرجيم .. أنزلت شماغي ووضعته على الأرض ثم جلست وقد ضممت ركبتي أمام صدري أتأمل هذا المشهد العجيب ..
    إنه المكان الذي لا مفر منه أبداً ..
    سبحان الله .. نسعى لكي نحصل على كل شيء ...
    وهذه هي النهاية : لاشيء ...
    كم تنازعنا في الدنيا .. اغتبنا .. تركنا الصلاة .. آثرنا الغناء على القرآن ..
    والكارثة أننا نعلم أن هذا مصيرنا .. وقد حذّرنا الله منه ورغم ذلك نتجاهل ..
    أشحت بوجهي ناحية القبور وناديت بصوت خافت - وكأني أخشى أن يرد عليَّ - :
    ياأهل القبور .. مالكم ؟ أين أصواتكم ؟ أين أبناؤكم عنكم اليوم ؟
    أين أموالكم .. ؟ أين وأين .. كيف هو الحساب ؟ ..
    أخبروني عن ضمة القبر .. !
    أخبروني عن منكر ونكير .. أخبروني عن حالكم مع الدود !
    سبحان الله .. نستاء إذا قَدَّم لنا أهلنا طعاماً بارداً أو لا يوافق شهيتنا .. واليوم .. نحن الطعام ..

    ...............

    لابد من النزول إلى القبر .. قمت وتوكلت على الله , أنزلت رجلي اليمنى ثم الأخرى , افترشت شماغي وانطرحت على ظهري ووضعت رأسي وأنا أفكر .. ماذا لو انهال عليَّ التراب فجأة ؟!
    ماذا لو ضُم القبر عليَّ مرة واحدة ؟!
    أغلقت عينيَّ حتى تهدأ ضربات قلبي .. حتى تخف هذه الرجفة في جسدي ..
    ما أشده من موقف وأنا حي , فكيف سيكون وأنا ميت ؟
    فكرت أن أنظر إلى اللحد .. هو بجانبي .. والله لا أعلم شيئاً أشد منه ظلمة ..
    ياللعجب !! رغم أنني في حفرة مغلقة إلا أنني أشعر بتيار من الهواء البارد يتسلل إليّ !!
    كم هي قارسة برودة الخوف !
    خفت أن أنظر إليه فأرى عينان تلمعان في الظلام وتنظران إليَّ بقسوة .. أو أن أرى وجهاً شاحباً لرجل تكسوه علامات الموت ناظراً إلى الأعلى متجاهلني تماماً
    حينها قررت أن لا أنظر إلى اللحد .. ليس بي من الشجاعة أن أخاطر وأرى أياً من هذه المناظر رغم علمي أن اللحد خالٍ .. ولكن تكفي هذه المخاوف حتى أمتنع تماماً عن النظر إليه ..

    ...............

    تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتضر : (( لا إله إلا الله .. إنَّ للموت لسكرات )) تخيلت جسدي عند نزول الموت يرتجف بقوة وأنا أرفع يدي محاولاً إرجاع روحي ..
    تخيلت صراخ أهلي عالياً من حولي : أين الطبيب ؟! أين الطبيب ؟!
    (( فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين ))
    تخيلت الأصحاب يحملونني ويقولون : لا إله إلا الله ..
    تخيلتهم يمشون بي سريعاً إلى القبر .. وتخيلت أحب أصدقائي إليَّ وهو يُسارع لأن يكون أول من ينزل إلى القبر .. تخيلته يضع يديه تحت رأسي ويطالبهم بالرفق حتى لا أقع .. يصرخ فيهم : جهزوا الطوب ..
    وتخيلت أحمد .. يجري ممسكاً إبريقاً من الماء يناولهم إياه بعدما حثوا عليَّ التراب .. تخيلت الكل يرش الماء على قبري ..
    تخيلت شيخنا يصيح فيهم : ادعوا لأخيكم فإنه الآن يُسأل .. ادعوا لأخيكم فإنه الآن يُسأل .. ثم رحلوا وتركوني فرداً وحيداً ...
    تذكرت قول الله تعالى :
    (( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة , وتركتم ماخوّلناكم وراء ظهوركم ))
    نعم صدق الله .. تركت زوجتي .. فارقت أبنائي .. تخليّت عن مالي .. أوهو تخلى عني .. تخيّلت كأن ملائكة العذاب حين رأوا النعش قادماً .. ظهروا بأصوات مفزعة .. وأشكال مخيفة ..
    ينادي بعضهم بعضاً : أهو العبد العاصي ؟
    فيقول الآخر : نعم .
    فيُقال : أمشيع متروك أم محمول ليس له مفر ؟
    فيجيبه الآخر : بل محمول إلينا ليس له مفر .
    فيُنادّى : هلموا إليه حتى يعلم أنَّ الله عزيز ذو انتقام .
    رأيتهم يمسكون بكتفي ويهزونني بعنف قائلين : ماغرك بربك الكريم ؟
    ماغرك بربك الكريم حتى تنام عن الفريضة ..
    مالذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار ؟
    أهي الدنيا ؟ .. أما كنت تعلم أنها دار فناء ؟ وقد فنيت !
    أهي الشهوات ؟ .. أما تعلم أنها إلى زوال ؟ وقد زالت !
    أم هو الشيطان ؟ .. أما علمت أنه لك عدو مبين ؟
    أمثلك يعصي الجبار .. والرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته .
    لا نجاة لك اليوم .. اصرخ ليس لصراخك مجيب ..

    ...............

    فجلست أصرخ : رب ارجعون .. رب ارجعون ..
    وكأني بصوت يهز الفضاء ويزلزل المقبرة يملأني يئساً يقول :
    (( كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ))
    بكيت ماشاء الله أن أبكي ..
    ثم قلت : الحمد لله رب العالمين .. مازال هناك وقت للتوبة ..
    استغفر الله العظيم وأتوب إليه
    قمت مكسوراً .. وقد عرفت قدري .. وبان لي ضعفي ..
    أخذت شماغي وأزلت ماعلق به من تراب القبر , وعدت وأنا أردد قول جبريل للحبيب صلى الله عليه وسلم :
    (( عش ما شئت فإنك ميت , وأحبب من شئت فإنك مفارقه , واعمل ماشئت فإنك مجزى به )) .
    [​IMG]
     
    3 شخص معجب بهذا.
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...