من الوجود الجميل الي استطيقا الوجود

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة مينارفا2, بتاريخ ‏25 ماي 2008.

  1. مينارفا2

    مينارفا2 عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏15 أفريل 2008
    المشاركات:
    138
    الإعجابات المتلقاة:
    176
      25-05-2008 01:50
    إن الإنشغال بالمسألة الجمالية عموما ، يدخل في صلب العمل الفلسفي. إذ أن مسالة الجميل طرحت منذ البدايات الأولي في المتن الفلسفي، بل أن التفكير في سؤال ما الجميل؟ قد إنطبع بحدود الأنساق الفلسفية وبإكراهاتها النظرية الصارمة، إذ أن اللغوس أعلن أوليته وإطلاقيته علي حساب الأنظمة الأخري فاعتبرها في كل الحالات دون المقتضي الأساسي للتجربة الفلسفية، وهو ما كان يقوي العلاقة المتناقضة بين الجميل والحقيقي ومن ذلك بين الفنان والفيلسوف.
    إن الفنان بالنسبة لأفلاطون مثلا ، لا يفعل شيئا آخر غير أنه يحاكي الجمال الطبيعي الذي هو بدوره محاكاة لمثال الجمال، إذا الفن بالنسبة له محاكاة للطبيعة التى تحاكي مثال الأشياء، ومثال ذلك فكرة السرير التي يأخذها الحرفي قانونا لصناعة السرير ويخلق عندها السرير المحسوس والمادي أما الفنان فهو يحاكي هذا السرير المحسوس الذي حققه الحرفي، سرير هو ذاته نسخة.
    وهكذا يأتي الفن في المرتبة الثانية من النظام الأنطلوجي فهناك أولا الفكرة ، ثم الأشياء وأخيرا الإبداعات الفنية. وينطبع هذا الموقف ليعطي للجمال الفني البعد الذي يفصله عن ما هو حقيقي ، بل ليس إلا صورة وهمية تبتعد بنا عن ما هو كلي وأصلي ما دام يتورط في بعد مادي / حسي. إن الجميل لا يكون جميلا إلا بالجمال ، والجمال لا يكون في الأشياء ولا في الأشياء الفنية بل في عالم المثل باعتباره عالم حقيقي وجميل وخير، لذلك يميز أفلاطون بين الجمال في التجربة الحسية المباشرة باعتبارها صفة نحملها عن الكائنات والأشياء ويعتبره ظاهرا ليس إلا انعكاسا للجمال في ذاته أو لمثال الجمال، بحيث لا تكون الأشياء المحسوسة جميلة إلا بمشاركتها في مثال الجمال، ذلك أن فكرة الجمال أرقي من الانشراح الذي تسببه الأشياء الجميلة المحسوسة.
    إن أفلاطون يؤسس نظرية موضوعية للجمال ، إذ يبين في محاورة " المأدبة" كيف يمكن أن نرتقي من الرغبة في الأجسام الجميلة إلي حب الأنفس الجميلة، حتى ننتهي إلي تأمل الجمال في ذاته، وهو ما يقتضي ضرب من التدريب يرتقي من التطهير إلي الارتقاء وأخيرا التأمل، يعطي هذا التدريب شكلا جدليا صاعدا في إتجاه ما هو مطلق. إن أفلاطون يضحي بالفن والفنان من أجل طلب الكلي والمطلق الذي يعجز الفن عن استقدامه إلا بضرب من التشويه وخرقا للجمالية الحقيقية ولذلك يكون المطلب أساسيا في تحرير اللوغوس الفلسفي من كل محاكاة وفرار من ما حسي إستعداد بالإنسان إلي مغامرة الوجود الحق والخير والجميل الذي لا يتأسس إلا بالتأمل وليس بالمحاكاة.
    إن مثل هذا الفصل بين الجميل والحقيقي ، نجد صداه أيضا في تاريخ الفلسفة . إذ رغم الإجراء الإشكالي الذي حرر الأثر الفني من كل محاكاة وإعتباره أثرا قائما بذاته يتعرف من خلاله الفنان على قدرته على الخلق والإبداع. فالأثر الفني بالنسبة لهيجل ليس إلا تعبيرا عن ما يتمثله الإنسان في صيرورة علاقته البحثية عن المطلق الذي لا يكون مطلقا في كمال كلي ومتعال ومنذ البدايات الأولي بل مطلق لا يكون إلا مجموع الوساطات التي يتوسط بها ذاته والعودة إلى ذاته أكثر بهاءا وجمالا.
    إن المطلق هو الشغل الشاغل للفيلسوف أما أمر قوله ضمن التجربة الفلسفية لا يكون يقينا ذاتيا أو إملاء أخلاقيا ولا تجربة فنية ، بل إستنباطا من أنصاف الحقائق التي تورط فيها هذا المطلق وضاع فيها. إن الفن هو أحد هذه الأشكال التاريخية التي تعبر عن المضامين الحقيقية للحق وهو يبحث عن ذاته، في شكله البدئي الذي يتحول من الفن الرمزي إلي الفن الكلاسيكي إلى الفن الرومانسي الذي لا يبلغ المطلق إلا وهو متعلقا بشكل حسي يرتهن فيه ويتكسر علي حدوده. ولذلك فإن الأثر الفني يكون لا محالة تعبير عن الفكر وفي ذلك رفعته ولكن الفكر لا يكون متصالحا مع ذاته بل مجسدا فيما هو حسي وفي ذلك نقصانه.
    إن الجميل الفني جميل أرقي لا محالة من الجمال الطبيعي لأنه إنعكاس للعمل الدؤوب في محاولة ترويض المطلق بالنسبة للإنسان. فهو شاهد علي أن الإنسان كائن كلي ، يعين فكره بنحو كلي، أي مفصولا عن كل وعي مباشر ، جزئي ولكن الأثر الفني يكون شاهدا أيضا علي ما لا يستطيعه الفنان من جهة إمكان هذا الكلي الذي يتمثله تمثلا أنانيا وحسيا فيختفي الكلي ويعجز الفنان في الإقبال عليه بنحو جميل.

    إن الانخراط بالأثر الفني، في الصيرورة التمثلية لتكوينية الذات في البحث والتعبير عن ذاتها، هو ما يفتح للفن علاقة بالموجود والوجود، هي تلك العلاقة التي من خلالها يسعى الفنان إلى حمل الوجود ببصمته الذاتية وقدرته على إختراعه بنحو يشهد علي فعاليته التمثلية فيما هو متمثل، ولا يكون التمثل ممكنا إلا من خلال تلك الإضافة التى يمنح فيها الفنان للأشياء الحسية أبعادا تفصلها عن وجودها المباشر لترتقي بها إلي مطلب ما هو كلي وكوني . إن الجميل إستقبال للكوني وللمطلق وبذلك يفتح هيجل مهمة الفنان والفن علي ما هو مطلق ، وهي المهمة التي سرعان ما يتراجع عنها،إذ أن المطلق لا يرقص إلا علي كماله الذاتي في تطابقه مطلقا مع ذاته ولا يكون ذلك إلا داخل المحراب الفلسفي وليس تحت ريشة الفنان أو سحر كلمات الشاعر كأشكال تخيلية لهذا المطلق.
    إن الفن إذا ليس إلا مجرد واسطة من أجل بلوغ هذا الإرتقاء إلي ما هو فلسفي مطلق أي حقيقي ومعقول في تطابقه مع ما هو واقعي.
    إن واقعية الفن هي من *** هذه الواقعية الناقصة ، أي واقعية تنحو إلي التعبير عن الواقع ولكنها تفشل في ذلك فيكون الفن ساعتها إنفصال عن حقيقة هذا الواقع إلي واقع خيالي يشهد بفشل الفنان والفن في التصالح مع الواقع الفعلي والحقيقي. إن هيجل يضحي مرة أخري بالفن علي مذبح الضرورة المنطقية لإكتمال النسق الفلسفي.

    إن ربط الفن بالتمثل يحرره لا محالة من النظرة الأفلاطونية ولكنه أوقعه في أسر الفكرة وصيرورتها ليجعل الفنان مجرد شاهدا عليهاوكان التجربة الإنسانية هي تجربة فكرية / تمثلية فحسب؟ وكان التمثل والتمثيل هو علاقة ما بالحقيقة.
    إن إختبار الإنسان خارج هذه التجربة التمثلية ، تكشف أن الإنسان أكثر بكثير واقل بكثير من ذلك، لأن الإنسان ليس هو ما يتمثله عن ذاته بل هو ما يكون ملقي به في العالم وفي الوجود بدون عون أي بدون واسطة سوي السلطوية منها.فهو خاضع إلي إسترتيجية سلطوية ، تتغلغل في قواه ضمن المفاعيل التي لا تفصله عن ذاته فحسب بل تخنق فيه الحق في الحياة ، في الجسد ، في الإختلاف لتحكم قبضتها عليه فتصيره ضمن قوة واحدة هي قوة إنتاج وإعادة إنتاج لما يجب قوله ولما يجب أن يراه. إن هذه الحاكمية وهذه الإستراتيجية الميكروفزيائية تكشف عن وهم التمثل والتمثيل وعن وهم الكلي عندما نرصده قضايا كلية، نبحث عنها في الماوراء أو في الإنسان أو في النزعات الإنسانية التي تتخذ من الكلي محطة يصلها الإنسان وفيها مقره ولكن بها موته أيضا. إن الكلي ليس في الذهن ولا في التاريخ ، لأن التاريخ لا ينشر عقلا ومعقولا، ولا هو بلورة لتمثل متمثل، بل هو مجموع الحيل والمفاعيل العرضانية ، السلطوسة التي تزيف،وتسير ، تفصل وتصل ضمن أبعاد لا تعني الكلي ولا حتي الإنسان ولا الحقيقة والحق بل تعني السلطة مما يجعلها تمارس بما يقويها كسلطة تمارس من أجل خلق شروط الحياة كشرط جنائزي.
    إن ما تقوم به السلطة أمر يهم السلطة حتي تكون سلطة حيوية ، تتمفصل عبر قوي الفرد فتكون الأقوي لأنها الأقدر على الإخضاع والفصل أي على تفعيل إستراتيجيتها الحربية في النشر والإنتشاروالتحكم والتموقع بل لا يكون كل ذلك ممكنا إلا عبر وسائطها الحيوية .إن السلطة حيوية لأنها ليست فكرة ، ولا تمثلا، ولا تصوراولا مفهوما بل هي مواقع ، أي مؤسسات وخطابات مرئيات ومنقال. إزاء هذا التفطن الذي جعل من ميشال فوكو يطرح السؤال : كيف يمكن مواجهة السلطة؟ أي ماذا يجب أن ننتظر من المثقف اليوم من دور إزاء هذه الإستراتيجية السلطوية؟هل ننتظر درسا في الخلاص؟ أم درسا في الحقيقة ؟ أم درس في المقاومة ؟
    إن المقاومة ليست درس بل تموقع في كل مواقع السلطة وهي أيضا ليست فكرة بل فضح لأرشيف السلطة أي تموقع في وثائقها في سنداتها ومستنداتها ونشرها علي الملأ. إن التموقع فكر لا ينهض ليكون بداهة أو مطلق أوحضور تمثلي ولا هو إنكشاف بل هو إشتباك أي مقاومة والتي تعني فك الإرتباط أو فصل يخلق فضاءا ويخلق تفكيرا . إن المقاومة تتخذ شكلين - الحق في الإختلاف من أجل الحق في التنوع -الإبتعاد عن كل دمج حتي تصبح الحياة حضور جسدي في العالم.
    إن علاقة الذات بالذات هي مصدر للمقاومة ولذلك فإن المقاومة بالنظر لفوكو تعني الإنثناءعلي الخارج وخلق ثغرات في استراتيجية السلطة . لم يعد النضال يفهم أو يترقب إمبراطور الفقراء ولا ملكوت الآخرة ولا حتى عودة العدل بل يقوم مقام الهدف الواضح هو الحياة المفهومة كحاجات أساسية كاكتمال للحسي وللجسد :انجاز لإمكانات وككمال للمكن أي الحق في الحياة بجعلها أرضية للمقاومة بفك مراقبة السلطة عليها أي الحق في الجسد ، في الصحة أي في السعادة وأن يكتشف الإنسان ذاته ويتجاوز كل ما يمكن أن يكون إضطهادا واعتقال للحياة هو الفعل الجميل بحق. جمالية ترتقي إلي "فن إدارة الذات " تلك هي المقاومة وذلك هو طريق االجمالية عندما ينقطع الوجود عن التمثل وعن مطلب الكلي ليتعين مقاومة تخلق إشتباك ربما يقتضي تأويلها كإتيقا للمشكل ولما هو إشكالي.
     
    2 شخص معجب بهذا.
  2. ltaifjerbi

    ltaifjerbi عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏18 ماي 2008
    المشاركات:
    180
    الإعجابات المتلقاة:
    89
      27-05-2008 01:36
    عمل قيّم جدّا ومحترم جدّا جدّا وإنّي وبعد إذنك أطلب مصدر هذه الدّراسة
     
  3. مينارفا2

    مينارفا2 عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏15 أفريل 2008
    المشاركات:
    138
    الإعجابات المتلقاة:
    176
      27-05-2008 08:46
    هذه الملاحظات أردتها أن تكون خاتمة عامة لبرنامج الآداب وهي إجتهاد شخصي قدمتها لتلامذتي.أعترف أنها أتت متسرعة في البعض منها وسأعمد لمراجعتها وإثرائها.
     
    1 person likes this.
  4. med yassin

    med yassin كبير المراقبين طاقم الإدارة

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    23.035
    الإعجابات المتلقاة:
    85.159
      27-05-2008 08:57
    طرح رائع يا أستاذ,

    لكن تنقصه النواحي التنظيمية(خط رقيق, الألوان), فهي مهمة لتوضيح الموضوع و تقريبه من القارئ

    و شكرا على مجهوداتك في منتدى العلوم الإنسانية
     
  5. مينارفا2

    مينارفا2 عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏15 أفريل 2008
    المشاركات:
    138
    الإعجابات المتلقاة:
    176
      27-05-2008 09:12
    أنا أستاذ أما حكاية الأمور التنظيمية فمعذرة .إذ اني بصراحة لا أحذق الإعلامية جيدا .ويمكن للمشرفين التدخل لتحسين المقال من هذه الجهة .
     
    1 person likes this.
  6. cobraaa

    cobraaa كبير مراقبي المنتدى التعليمي

    إنضم إلينا في:
    ‏29 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    5.809
    الإعجابات المتلقاة:
    25.476
      28-05-2008 02:15
    بعد إذنك أستاذنا العزيز قد تدخّلت لجعل الخطّ أكبر تسهيلا للقراءة..
     
  7. مينارفا2

    مينارفا2 عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏15 أفريل 2008
    المشاركات:
    138
    الإعجابات المتلقاة:
    176
      28-05-2008 23:14
    شكرا أصبح مقبولا من جهة الخط ولكن لم يحافظ علي تمايز فقراته . عموما مقبول شكرا . بالمناسبة ما دمت أنت من المشرفين لماذا لا أجد أيقونة تعديل في آخر المقال لأعدل بنفسي . لقد بعثت برسالة للمشرفين أستوضحهم ذلك لكن لا حياة لمن تنادي.0
     
  8. cobraaa

    cobraaa كبير مراقبي المنتدى التعليمي

    إنضم إلينا في:
    ‏29 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    5.809
    الإعجابات المتلقاة:
    25.476
      29-05-2008 00:16

    أخي العزيز، يمكنك تعديل مشاركة في حيّز زمنيّ لا يتجاوز 30دق، بعدها يسقط حقّك في ذلك وصير من مشمولات المشرفين..
     

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...