منهج الثقافة الإسلامية

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة Md Ali, بتاريخ ‏25 ماي 2008.

  1. Md Ali

    Md Ali نجم المنتدى

    إنضم إلينا في:
    ‏3 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    2.394
    الإعجابات المتلقاة:
    4.108
      25-05-2008 06:19
    منهج الثقافة الإسلامية
    بقلم الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور عميد كلية الشريعة وأصول الدين -رحمه الله-
    بسم الله العزيز المنان والحمد لله العظيم السلطان والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء بكل فخر وعرفان محمد سيد الثقلين من انس ومن جان وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أما بعد: يقول الشيخ الفاضل تحت هذا العنوان: إن اليقظة التي شملت العالم الإسلامي في هذا القرن- بعد القرون التي تصرمت عليه في الغفلة والركود- قد أوجدت له قضايا عويصة، ومشاكل معضلة. ولقد كان من استعظامه لتلك القضايا، واهتمامه لتلك المشاكل، ما أوقعه في حيرة شديدة، واضطراب هائل. إذ اعتقد أن تلك مصائب جديدة نزلت به في هذا القرن، ولم تكن قائمة في القرون المتصرمة فأخذ يتحسس مواقعها من نفسه، ويتطلع إلى معرفة أسبابها ومناشئها. وما هو في اعتقاده أن قضاياه ومشاكله من ولائد القرن الحاضر، إلا في مشكلة لعلها رأس تلك المشاكل، ومعضلة المعضلات مما يألم له ويهتم به، ويغتم لأليم وقعه، فان ما يحسبه مصائب جديدة نزلت به في هذا القرن، ليس في الحقيقة إلا مصائب قديمة، وأدواء مزمنة، كانت قائمة به من قبل. ولكنه كان في حالة الإغماء التي هو مستغرق فيها، لا يحس بتلك الأدواء، ولا يأبه لآلامها، ثم أن إلحاح الداء، وتوالي الأوجاع والأوصاب، قد أفاقه من إغمائه، وصيره يحس بما لم يكن يحس به، ويألم لما كان يحول دون تأمله له غشاوات من الغيبوبة والخدر والإغماء والحمى فكان اشتداد الألم بجسمه، وفداحة وقعه من حسه، تتقدم وتقوى على نسبة ما تزيد الإفاقة، وتتقدم اليقظة. ومن أشد هذه الآلام مبلغا في نفسه، وأمرها عنده، وأضرها به، تلك التي يدعوها، حين يشكوها: المشكلة الثقافية. فلقد أحس بها أول ما أحس به من الآلام في استفاقته من غيبوبة المرض. وكان إحساسه بها إحساسا غامضا مختلطا، على حسب حاله الأولى من الانتباه الناقص، وهو بين نوم ويقظة. فكان يشكو ضعفا في الثقافة، وتعطشا إلى المعرفة، أضنياه وبرحا به حتى صار يتغنى في شكواه بالعلم، ويستولد من ضعفه قوة، ومن فتوره نشاطا ليقبل على العلم يتناوله بنهم وقرم. لقد كان يستشعر أن عدوه الذي نال منه، وقرنه الذي صارعه حتى صرعه، وهو أروبا، لم يغلبه إلا بالعلم، وأن العلم سلاح كان بيد المسلمين، فكانت به صولتهم على أروبا، وغلبتهم إياها؛ وانه انتزع من يد المسلمين، فاستقلت به أروبا، وفازت به وغلبت، فما علينا إلا أن نسترد سلاحنا، ونستعيد عدتنا، لننال من عدونا نيلا، ولقد كان هذا في جملته حقا، فان اروبا المسيحية، بشديد غيظها على الإسلام وصولته في القرون الخمسة الأولى من التاريخ الهجري، قد لمت شعتها، وأجمعت أمرها، وأملت أن تبلغ من الإسلام فرصة في الحروب الصليبية، ولكنها ارتدت بغيظها، لم تنل خيرا، وقطع دابر الصليبيين، في القرن السابع، بالمشرق والمغرب، ومن يومئذ أيقن هؤلاء المنهزمون بأن لا أمل لهم فيما يترصدون الإسلام، إلا إذا هم أخذوا بأيديهم ذلك السلاح العزيز: وهو العلوم الإسلامية. فبدأت من منتصف القرن السابع حركة الاقتباس من المعارف الإسلامية، ونقل المهم من أوضاعها في الحكمة والعلوم الرياضية والطبيعية. فنقل زيبح البتاني بواسطة الفنش الحكيم، وخاض توما الاكويني وروجربيكن في مسائل الحكمة الإسلامية، وتأسس مركز الدراسات العربية في ميورقة بسعي رائد الاستشراف (ريمندل)، وترجم اليهودي فرج بن سالم إلى اللاتينية كتاب [الحاوي] في الطب للرازي، بصقلية. وهكذا تواصل انكباب اروبا على تحصيل العلوم ونقلها، واطرد سيرهم في طريق الاستكمال العلمي، والاستنارة الفكرية طيلة القرنين الثامن والسابع، فشاعت حكمة ابن رشد وابن سيناء، وتأسست الجامعات، وظهرت الطباعة، وجاءت الاكتشافات الكبرى: في العلوم والآلات، وطرق المواصلات، التي قامت بها النهضة الأروبية، في القرن العاشر للهجرة، وابتدأ بها ارتقاء اروبا على العالم الإسلامي، وظهور المساعي الاستعمارية. وسرعان ما بدأ العالم الإسلامي يتحفز للاقتباس عن أروبا. في تلك العلوم التي تداولت بين العالمين. فظهرت آثار النقل في أثناء القرن الحادي عشر، إذ بدأ منها كاتب جلبى المشهور ب- [حاجي خليفة] ينقل إلى اللغة التركية: صورة الأرض الجديدة عن الأطلس ميركاتور، ونظريات كويرنيك في المياه. ثم ظهرت الطباعة في تركيا أوائل القرن الثاني عشر، وتوالى نقل النظريات الجديدة في العالم، واقتباس المستحدثات العلمية والآلية عن أروبا طيلة القرون الثلاثة إلى يومنا هذا، شاملا البلاد الإسلامية جمعاء. ولكن الذي يلاحظ هنا بمزيد من الاستغراب: إن هذه الحركة التي تداول فيها العالمان: الأروبي والإسلامي، هذا التراث العلمي، ثلاثة قرون بثلاثة قرون، لم تكن نتائجها بين العالمين متساوية ولا متقاربة، بل كانت في ما يظهر للعيان متعاكسة، فإذا كان اقتباس الغرب عن الإسلام قد أفاده تقدما، واستقلالا، وتفوقا، فان اقتباس الإسلام عن الغرب لم يفده عزة، ولا استغناء، ولا ارتقاء، بل أصابه بخنوع متواصل، وتبعية متظاهرة، وما زاده إلا خبالا. ومن هنا تبدو المشكلة الغربية في حياتنا الثقافية، التي تحملنا على التأمل في الأسباب التي جعلت ثقافتهم تزكو بالاقتباس عنا، وثقافتنا تذبل بالاقتباس عنهم، وترجع بنا إلى التساؤل عن الشيء الذي أضعناه، لما تضعضعت سيادتنا الفكرية، وركدت ريح المعارف بيننا، فلم نهتد إليه ، ولم نستطع أن نسترده فيما استرددنا؟ لا شك أن البرهان التجريبي يفيدنا أن ذلك الشيء الضائع ليس هو المعارف، لأننا حين استرجعنا المعارف، أو قطعنا شوطا في سبيل استرجاعها، لم نعد سيرتنا الأولى، ولم نقرب أن نعود إليها. فلنبحث، حينئذ، عن المنهج الثقافي الذي تقومت به سيادتنا الفكرية قديما، والذي كانت عناصر المعرفة منتظمة به، انتظاما ألف بين موادها، وجمع بين عناصرها، هل استعدناه في ما استعدنا، أو هل هو الذي لم يزل مفقودا منا، بعيدا عنا؟؟. لا جرم أن مدلول [الثقافة] غير مدلول [العلم] و [المعرفة] فإذا كان [العلم] أو [المعرفة] عبارة عن إدراك الحقائق الذهنية المتعلقة بالمطالب النظرية أو العلمية التي تتكون منها مواضيع العلوم، فان الثقافة هي الملكة التي يحصل بها ذلك الإدراك، والأسلوب الذي يقع به الوصول إلى المعارف وتحصيلها، وتأليف بعضها ببعض، على نحو ينشأ من الشخصية القومية، ويرتبط بها، ويعود إليها. فإذا كانت [العلوم] مشاعة لا تعرف عصبيات ولا أوطانا، فان الثقافات تختلف باختلاف الشخصيات القومية، وتباين مقوماتها. وان الثقافة الإسلامية ذاتية للإسلام، ناشئة من خصوصيات تعاليمه، وخصوصيات المناهج التربوية التي كونت بها الدعوة الإسلامية [أمة الإسلام] فرديا واجتماعيا، في الاعتقاد، والفكر، والسلوك. وبذلك كان للثقافة الإسلامية منهجها، الذي اختلف عن جميع الناهج الثقافية، وسارت به المعرفة والحضارة، في تاريخ الإسلام سيرة ذات مميزات، هي التي بها برز التفكير الإسلامي على النحو الذي برز عليه في التاريخ الوسيط. وهذا المنهج الثقافي الإسلامي يتقوم من خصوصيات تتحقق من تلاقيها وتفاعلها ماهية الثقافة الإسلامية. وتعتمد تلك الخصوصيات على أربعة أركان: الروح، والمادة، والوضع، والحركة. أما الروح فتتولد من النظر وهو الفكر الذي تطلب به المعرفة من حيث كونه أول واجب ديني، وبه تقع ملاحظة المظاهر الحسية للكون ملاحظة تنتقل بالإدراك من المحسوسات إلى المجردات فتجعل المحسوس وسيلة للعلم العقلي، ولذلك سمي مجموع الكائنات الحسية [العالم] لأن العلم يقع بواسطته. أما المجرد فهو الغاية المطلوبة للإدراك العقلي وتنتهي إلى إثبات الخالق، وإرجاع مبدأ الكون ومعاده إليه، والاقتناع بإتباع أوامره ونواهيه التي يأتي بها الوصي من طريق النبوءة. وأما المادة فهي جميع المعارف التي يمكن أن يتوصل إليها الفكر الإنساني: من عقلية ونقلية، بين إسلامية خاصة، وهي التي نشأت من الإسلام وتعلقت بحقائق دعوته، وإنسانية عامة، وهي التي نشأت من طبيعة التفكير والبحث الإنسانيين، غير متوقفة على دعوة الإسلام، ولا متعلقة بحقائقه. وأما الوضع فهو الصلة التي تربط بين جميع هذه العلوم: الإسلامية الخاصة، والإنسانية العامة، فيما بين بعضها وبعض، بتلاقيها في الغايات، حيث ترجع كلها إلى تحقيق القصد من النظر في وسائله أو في مقاصده، وباتحاد مقدماتها، إذ تطلب كلها بداع واحد من الدين، وباشتراك نتائجها، إذ تؤدي كلها إلى خدمة الحقيقة الدينية، من عديد جهاتها. وبذلك يحصل بين العلوم كلها صورة من التكامل الذاتي، يكون بها كل علم مستندا إلى غيره، ومستندا غيره إليه، على الصورة التي برز عليها وضع العلوم في كتب الكلام الإسلامية العليا، متسلسلا من الحكمة العقلية والأخلاقية، إلى الحكمة الطبيعية، إلى العقائد الدينية عقليها وسمعيها أو التي برز عليها التواصل الفكري بين مباحث العلوم كلها وروح القرآن في تفسير الإمام فخر الدين الرازي. وأما الحركة فهي عبارة عن الدوران المستمر، الذي تدور عليه العلوم كلها بصورة تجعل حركة كل واحد منها مرتبطة بحركة سائرها، بحيث لو توقف واحد منها وقفت الحركة الدائرة أجمعها، والدافع لهذه الحركة العلمية هو المبدأ الإيماني الذي به طلبت العلوم، واليه نتجه نتائجها فإذا نحن لاحظنا هذه الأركان، التي يتقوم بها المنهج الثقافي الإسلامي، ثم لاحظنا باعتبار وضع العلوم عندنا، بعد استرجاع ما غاب عنا منها عند الأروبيين، يتبين لنا أن العلوم رجعت إلينا تسير على منهج غير الذي كانت تسير عليه قبل أن تفارقنا، وأنها بسيرها على غير منهجها الأصلي الذي انطبعت عليه، وتطبعت به، قد أصبحت مفتتنة منفرطا عقدها، تفقد ما كان يؤلف بينها من تناسب وانسجام، وما كان يؤلف بينها وبين الشخصية الإسلامية من تجاذب طلب واستجابة. فصارت عناصر الثقافة الإسلامية العامة مصطكا بعضها ببعض، متنافرة، متضاربة بين علوم دينية، وعلوم طبيعية ورياضية وإنسانية، سميت العلوم العصرية، حتى كأن الدين ينكر العصر، والعصر ينبو عن الدين، خلافا للوضع التكاملي الائتلافي الذي كانت عليه من قبل، كما يقتضيه منهج الثقافة الإسلامية. ومن هنالك أصبحت العلوم الدينية، في انفصالها، قصيرة مدى التأثير في الفكر وفي السلوك، لأن ناحية من التفكير قد حجزت عنها، وناحية من السلوك قد شذت عن التأثر بها.فاتجهت صور من الأفكار على خلاف ما تقتضيه مدارك العلوم الدينية،واتجهت صور من الحياة العلمية، كذلك، على غير ما يتلاقى مع روح الدين وآدابه فتراجعت بذلك قيمة العلوم الدينية، وتقاصر مقام العالم الديني، وتخلى، قسرا [عن التأثير في مقام القيادة الاجتماعية] وأصبح منغصا لحياة الدين، منغصا هو أيضا بصور حياتهم. والعلوم العصرية، هي أيضا، فصلت عما كانت عليه من الاتصال بالفكرة الدينية واستقطابها، فانحطت منزلتها من النفس المسلمة، وأصبحت منظورا إليها باعتبار غاياتها العلمية، معتبرة بذلك اعتبار الصناعات، فخرجت عن المنهج العلمي الإسلامي، إذ أغفيت فيها الغايات الدينية السامية، وأصبح متعاطيها في نسبته من نفسه ومن نفوس إخوانه المسلمين، كأنما يسد له ولهم عوزا ماديا، فلا يشعر بما ينبغي أن يشعر به المثقف، من سمو أدبي، واعتبار روحاني، فلم ينشط لها، ولم يقو على التطور بها، ولا اضطلع بالإنتاج فيها، كما كان المتعاطون لها من قبل على منهج الثقافة الإسلامية. وجاءت الثقافة الغربية إلى العالم الإسلامي وهو على هذا الوضع الفكري المفكك المذبذب، فنفخت في روح تلك العلوم [العصرية] وقامت المدارس الأروباوية في بلاد الإسلام بتلقينها باللغات الأجنبية، وعلى المناهج الخاصة بتلك الثقافة المختلفة عن منهج الثقافة الإسلامية، فبدأ من أهمية تلك المعارف ونجاعتها في الحياة العلمية ما ألفت أنظار المسلمين إليها، فأولوها عناية زائدة، وأعطوها قيمة ذاتية مطلقة، باعتبار موقعها من الحياة العلمية، غير مراعين ما لها من قيمة نسبية في حياتهم القومية، بمقوماتها الفكرية والروحية. فأصبح منهج الثقافة الإسلامية معطلا، إذ اختل فيه ثلاثة أركان من أركانه الأربعة: وهي ركن الروح، وركن الوضع، وركن الحركة، وأصبحت تلك العلوم، بموقعها الجديد من نفس المسلم، تنازعه الى مناهج من التفكير والإحساس والسلوك، تبعد عن منهج ثقافته الذاتية، النابعة من شخصيته، وتبعد عن بيئته حتى تكاد تجعله أجنبيا في قومه. ونفض المسلمون أيديهم من تلك المعارف من حيث كونها [كمالات قومية روحية]، فلم يطلبوها إلا من حيث كونها [ضرورات عصرية مادية] وتلك هي الصبغة التي اصطبغت بها المحاولات الأولى، من أوائل القرن الثالث عشر، في تركيا ومصر وتونس، إذ طلبت لتنظيم الجيش، وتكوين الأطباء والمهندسين ورجال الإدارة، فلم تكن محاولات مفلحة، ولم تحقق ما طلب بها من عزة وسيادة لأنها بقيت معتبرة اعتبار العوارى الوقتية، لا اعتبار الممتلكات الذاتية الثابتة. وهكذا نزعت الشخصية الإسلامية، بين خطين متوازيين، لا يلتقيان أبدا: خط المعارف الدينية، وخط المعارف العصرية، فلم تكن تجد حقيقتها في هذا ولا ذاك، ولم تكن تجد الاطمئنان إلى متابعة سبيل يفصلها عن نفسها، ولا إلى متابعة سبيل يفصلها عن عصرها. وتكونت من هذا التوزع حالة نفسية غريبة من التطلع الى كل من الفريقين عند متابعة الطريق الموازية لها، وتولدت من هذه الحالة فكرة الموازنة بين الثقافتين، أو بين العنصرين من المعرفة، والصورتين من التعليم، واتخذت هذه الفكرة من الموازنة والمقارنة أساسا لمذهب الإصلاح الفكري الإسلامي، الذي ظهر به الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في أول القرن الحاضر. فكانت دعوته دعوة إلى تجديد منهج الثقافة الإسلامية. بضم عناصر مادته بعضها إلى بعض، والجمع بين العلوم الدينية، والعلوم العصرية في نظام تعليمي واحد وبتسليط روح المنهج الثقافي الإسلامي على تلك العلوم العصرية التي كانت تطلب بروح أخرى تعزلها عن المنهج الثقافي الإسلامي. فكان أول محاور لإقرار الوضع التناسبي بين العلوم العصرية، في محاولته إدخال العلوم العصرية، في مناهج التعليم العصري، كما أفصح عن ذلك جليا في محاضرته بتونس، في الجمعية الخلدونية، سنة 1321، عن [ العلم وطرق التعليم ]. وكان قبل ذلك قد نبه، في تقريره الذي رفعه إلى مشيخة الإسلام في دار الخلافة العثمانية، إلى الخطر الظاهر في تكوين شباب إسلامي في المدارس العسكرية، تكوينا لا يمت إلى روح الإسلام وعلومه بسبب، حتى توقع في تقريره ذلك، بنافذ بصره، كل ما حاق بالبلاد التركية بعد من أهوال الانقلاب الكمالي، الذي كان نتيجة التكوين المنقوص. إلا أن هذه المحاولة الإصلاحية الرشيدة قد طغى فيها أحد الشقين على الآخر، فأخذ منها بجانب إدخال التعليم العصري إلى الأزهر، ولم يبرز منها كما ينبغي جانب إدخال التعليم الديني إلى المدارس العصرية، فقضى عليها غموض القصد، وسوء التطبيق. وبقيت العلوم العصرية ينظر إليها بالاعتبار الذاتي المطلق، لا بالاعتبار النسبي، واستمرت في عزلها عن الغايات المتناسبة مع الشخصية القومية الإسلامية كأنما تطلب لذاتها، باعتبار عملي لا ثقافي، وعلماني لا علمي، وبقيت الشخصية الثقافية الإسلامية ناقصة، مختلفة الاعتبار العلماني الذي ساد على عنصر هام من عناصر الثقافة، وامتلك عنصرا ذا بال من عناصر المثقفين. ومن هنا يبدو أن قيام المنهج الثقافي الإسلامي، باكتمال أركانه، هو الكفيل بأن يعيد للعلوم منزلتها من نفوس المسلمين، وان يمكن لهم بسببها ما لم يزالوا يتحرقون عليه من نهضة وسؤدد، إذا أصبحت روح العقيدة الإسلامية هي الدافع إلى طلب العلم، والجامع لعناصر المعرفة، والممكن لتلك العناصر من وضع التواصل والتلاقي، والمحرك لها حركة الدوران التي تعيش بها متفاعلة غير متوقفة. هنالك يعود العالم الإسلامي إلى الأصالة الفكرية، وينزع عن التقليد، وتبدو عبقريته بالإسلام كما بدت به أولا، إذ يستمد من ذاتيته الإسلامية، روحا ثقافية متجانسة مع روحه الاعتقادية، تجعل التعليم الإسلامي، باللغة القرآنية، أصلا للتعليم في مراحله كافة، ينمو مع نمو الفرد طبعا وفكرا، ويمتد إلى طلب المعارف واللغات طلبا حثيثا بدافع من الذات، ولغاية زكية سامية من الدين، فيدرك أن المنهج الإسلامي هو منهجه الأصلي، لا التقليدي، وأنه لن يبلغ مبلغ الأمم التي يطلع إلى اللحاق بها، إلا إذا طلب العلم على منهجه الذاتي، وبدافع من نفسه، كما طلبت هي العلم على منهج ذاتي لها، وبداع من أنفسها. سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا. -انتهى النص بإذن الله وتوفيقه-
     
    3 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...